Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘أقصوصات’ Category

حكاية صبي2

-” احم .. كلمتني أم سعيد اليوم “.

قالتها “جمال” وأخفضت عينيها وهي تلف ورق العنب بسرعة ماهرة ، ثم  رفعتهما لترى ابنتها تحشي المعجنات بلا أدنى انفعالات ..

ضحكت “جمال” في سرها وهي تتخيل ردة فعل ابنتها المعتادة حينما تخبرها بالخبر ، ثم قالت متظاهرة بعدم الاكتراث :

-” أخبرتني أن أخاها علياً يريد أن يتزوج .. لم يكن يريد أن يتزوج بعد آمنة رحمها الله ، ولكن الدار باتت موحشة ، خاصة بعد أن تزوجت ابنته وسافر ولديه للبعثة ” ..

سكتت “جمال” برهة ، وقبل أن تعاود الكلام ، باغتتها ليلى فقالت :

-“لا!”

-” إيش هو الي لأ؟” ، ومنعت نفسها بقوة من إفلات ضحكة على ثورة ابنتها المتوقعة .

– ” أمي ، خلاص .. ألم أخبرك من قبل أني لن أتزوج “؟

سكتت الأم ، ولم ترغب في إكمال الحديث .. تفهم جيداً مشاعرها ، ولكن القوانين والأعراف جرت أن الأم لابد أن تزعج بناتها بطلبات الزواج ، والإلحاح عليهن ، وإخبارهن بالرغبة في الاطمئنان عليهن ورؤية الأحفاد قبل الموت .. هذه المرة شعرت فجأة بالملل .. باليأس .. بالاقتناع !! كلاهما في نفس المعسكر .. معسكر النساء اللواتي فقدن  أزواجهن العطوفين في سن مبكرة نسبياً ، إما بموت أو طلاق ..

ابتسمت ليلى هذه المرة وقالت :

–       ” ليست عادتك .. مابالك اليوم ؟ تبدين محبطة ” ..

–       ” لست محبطة .. فقط وضعت نفسي مكانك هذه المرة .. مع أني في مكانك منذ أن توفي أبوك ، إلا أن الشعور الدائم بالحاجة إلى الزوج أمر ملح ومزعج .. أنا – على الأقل- أعاني منه .. لايبدو لي أني تمكنت من اجتياز هذا الأمر على الرغم من كل هذه السنين “.

–       ” لماذا لا تتزوجين إذن ؟ كم من الخطاب طرق بابك ؟ لستِ عجوزاً بعد .. لماذا لا تتزوجين أخا أم سعيد ؟”

رمقتها جمال باندهاش ، ثم رمت عليها ورقة عنب متقطعة وقالت باستنكار :

– “أبلهاء أنت؟ أخوها أصغر مني بعدة سنوات .. ثم من قال أني أكره ذلك لو أنه كان مناسباً .. “

– ” يوجد مناسبون كُثُر غيره .. أمي .. إحدى وخمسون سنة ليست سناً كبيرة .. بل إنه لازال بإمكانك أن تنجبي”..

– ” تخيلي !! من سيتزوجني وأنا في هذه السن ، ولماذا ؟ صحيح أني دائماً أشتاق لدفء الزوج وحنانه، حدبه وصبره، الأمان الذي يشعرني به ، الثناء ، الاهتمام ومراعاة الخاطر … “

– ” الأمان ؟ وهل مع الرجال أمان ؟”

لم تخفَ على جمال نبرة ابنتها الساخطة ، وآلمها قلبها .. لا تعرف متى ستتجاوز ليلى محنتها .. منذ أن تركها أحمد وغادر تلبستها المرارة تلبساً ، في قلبها ولسانها ومشاعرها .. وكأن العالم كله قد اختُصر في شخص أحمد الذي راح .. ذاك الرجل الوسيم الذي كان يكبرها بخمس عشرة سنة .. وكأنه أحد أبطال الروايات الرومانسية التي كانت تقرؤها في مراهقتها بعيداً عن عيني أمها .. السمار الأخاذ ، الطول الجذاب ، الصوت العميق، وكل الحب و الحنان .. يشبههم في كل شيء ، حتى في تلك السيجارة التي أولع بها منذ صغره .. كل شيء تقريباً ، إلا أنه لم يكن يملك عضلاتهم المفتولة ، ولا قساوتهم التي كانت تجعل القارئات يزفرن بحرارة كلما التفت أصابع أحدهم حول شعر محبوبته التي خانته ليجذبه بقسوة الأسد جريح الكرامة وليقول الخ الخ الخ ..

كثيراً ما كانت تفض نزاعاتهم والتي ما كانت لتثور إلا بسبب ولعه بالتدخين، ورفضه الإقلاع عنه ، فقد تزوج ليلى صغيرة ، وفتنها بشخصيته الآسرة فكانت طوع أمره لا تكاد تخالفه في شيء .. لذا فقد كانت صدمتها العظمى حين لملم أحمد أغراضه ذات يوم وطلقها وخرج .. هكذا بكل بساطة ..

لا يمكنها أن تنسى كيف أصاب ليلى ذهول عظيم استمر لأيام وليالٍ ، لا تتكلم ولا تأكل ولا تفتأ تردد كلما حادثتها أمها ” لم يكن الأمر يستحق “.. كم تكره أن تتذكر كل تلك التفاصيل .. تعبت معها كثيراً حتى تمكنت من معاونتها على الخروج من تلك الدوامة ، ومنذ ذلك اليوم جعلت ليلى تفرغ كل مشاعر الدنيا الجميلة في أولادها ، وفي حسن بالذات ..

–       ” ألم تقولي من قبل أنه ربما يكون قد سُحر ؟ لماذا لا زلت ناقمة عليه ؟ ما ذنبه إن كان سُحر بالفعل؟”

–       أحاول يا أمي أن أجد مبرراً مقنعاً لنفسي وللناس .. ولكني لا أكاد أقتنع به .. أقول لك ؟ لقد مللت من هذا الموضوع .. أظننا تكلمنا فيه ملايين المرات حتى الآن .. ألم تذهب إيناس وأفنان إلى المشغل بعد ؟ “

وقامت دون أن تنتظر جواباً ، وبقيت الأم تزفر بضيق .. هاهو يوم آخر يخرب مزاجها ، ذُكر فيه أحمد ، ومرارة ليلى.. والزوج .. الزوج الذي تعلم أنه لن يأتي في هذه الدنيا ..

دخلت ليلى حجرتها وأوصدت الباب ثم غرقت في بكاء مرير .. كلما فاتحتها أمها بموضوع الزواج هاجت مشاعر الغضب والألم .. لم يكن الأمر يستحق .. لماذا تركها ؟ تباً لهذه المشاعر .. مابالها لا تخمد ؟ هل حقاً سُحر ؟ سحقاً لمن سَحر .. شعرت ليلى أن حلقة الحصار تضيق حولها ، فانطلق لسانها بالاستغفار ، وهي استراتيجية جديدة تعلمتها من أبلة نوال معلمة العلوم وصديقة أمها الصدوقة ، وكانت هذه الاستراتيجية تؤتي أكلها دائماً ، وتفلح في إيقاف نوبة البكاء الضارية بأدنى حد ممكن من الخسائر . وسرعان ما انصرف ذهنها إلى أولادها .. لابد أن تنسى مجددًا .. لابد أن تتجلد لتربيهم .. صدقت أمها حينما أخبرتها أن رؤيتهم لها حزينة وباكية دائماً سيضرهم.. كما أن عليها أن تتوقف عن العادة السيئة في التجسس على أوراق حسن التي يخبؤها أسفل درجه .. قراءتها لتلك الأوراق تهيج مشاعرها دائماً .. لم تدرِ من أين أتى ذاك الفتى بكل تلك الدقة في وصف المشاعر .. كانت القصة التي يخبؤها أسفل الدرج تصور جميل وخياليّ لقصتها هي .. كل التفاصيل التي يُجري بها حسن قصته تنبئ عن نهاية سعيدة : الأب سيعود في يوم ما .. هذه النهاية كانت تتمناها ليلى سراً وتتخيلها حال قراءتها وكأنها حقيقة واقعة .. كانت تدفع ثمن هذا الخيال غالياً ..

 

 وبعد يا رفاق .. أنا في انتظار تعليقاتكم ومقترحاتكم بشأن خط سير القصة .. هل يفلح أحدكم في تحويلها إلى قصة بوليسية مثلا ؟؟

Read Full Post »

دخل إلى الحجرة تتقدمه عكازه الفاخرة ، يتوكأ عليها ، يمشي بوهن يحاذر السقوط .. جلس على أريكته الوثيرة بجانب قطته الشيرازية البيضاء .. نظرت إليه بعينيها الناعستين ثم أسندت رأسها على يدها وأكملت نومها . ألم كوخز الكهرباء يسري في رجليه .. هذا الألم يعاوده بين الفينة والفينة ولا يدري ما سببه ، ولا يريد أن يدري ! خلع نظارته وجعل يمسح عدساتها بمنديل كان جانبه ، ثم أرجع رأسه للخلف فالتقت عيناه بالصورة المعلقة في صدر المجلس .. صورة كبير فخمة لرجل وسيم نوعاً ما ، فارع الطول بثياب العمل ، خوذة المهندسين البيضاء في يده ، ومن خلفه يبدو المشروع الكبير الذي أدخله إلى مصاف الأغنياء ؛ المنتجع السياحي الرائع والذي ظل حديث الصحف لأعوام عديدة . لم يكن يرى الصور جيداً ، فالغبش أضحى رفيقه منذ أن أصيبت عيناه بالماء الأبيض من عدة أعوام . شعر فجأة بجفاف في حلقه .. نادى بصوته الواهن على زوجته عدة مرات قبل أن تأتيه الخادمة : نعم بابا .. ماما مافي .. ماما سافر بيت ماما سهام ..نسيت بابا ؟ نعم نعم .. سافرت زوجته اليوم صباحاً لتزور ابنتهما التي تقطن في مدينة أخرى ..كيف نسي ؟ لابد أن النسيان قد غدا أيضاً من رفقائه الدائمين هذه الأيام .. طلب منها ماء ثم عاد فأسند رأسه إلى الوراء يتأمل في هذه الصورة .. ويتعجب من هذه الدنيا .. فكر : لو كان يمثل في فيلم لتعالى صوت الموسيقى التصويرية الخافتة لتوحي كم هو حزين هذا الرجل .. ابتسم ساخراً من نفسه ومن خيالاته ، وحدث نفسه بصوت مرتفع : سبحان الله .. إيش هذي الدنيا ؟

 تلقائياً وبدون تفكير امتدت يده نحو ( الريموت ) وأشعل التلفاز .. على أي شيء ، أي شيء يمكن أن يطرد الأفكار الشريرة التي اعتادت على زيارته في الآونة الأخيرة .. وحين أقول الآونة الأخيرة ، فإني أقصد بها السنين الخمس الأخيرة .. فجأة ، شعر بالضعف والوهن ، فجأة شعر بالمرض , فجأة شعر بالـ.. وحدة !! هو يفهم لم يشعر بالضعف والوهن والمرض ، فهو قد جاوز السبعين حاملاً في يده حقيبة لا بأس بها ملأى بالأمراض : الضغط ، السكري ، الكلسترول ، التهابات متكررة في الرئة ، التهابات متكررة في المفاصل ، ماء أبيض في العينين ، لثة متقرحة بسبب تركيبة الأسنان التي تأبى أن يضبطها أي طبيب .. ولكن الوحدة .. لم يشعر بالوحدة وعنده زوج تهوى الثرثرة  إذا ما أتيحت لها الفرصة ، وخادمتان تشبهان مخدومتهما ، وتلفاز 50 بوصة يتربع بوقار أمام أريكته الأثيرة ، والكثير من المجلات والصحف اليومية تملأ حياته بعدما طلب التقاعد من خمس سنوات ليرتاح على حد زعمه .. أتراه وجد الراحة ؟

هو يشعر أنه هذه الراحة هي التي أتعبته . فجأة وجد نفسه خالياً من العمل ، كان يصحو يومياً وينهض من سريره ، فقط ليتمدد ثانية على الأريكة أمام التلفاز ، يتابع المباريات والبرامج الإخبارية ، ويقرأ الصحف والمجلات ، وينقضي النهار ليعود ليلاً وينام في سريره .. وبين هذا وذاك الكثير من المشاجرات مع زوجته وسائقه وخادمه، الكثير من الأفكار الشريرة التي تأخذ بمجامع فكره لسويعات قبل أن يقوم بمحاولة واهنة لطردها . تمر بعقله صور سريعة ، لكنها معبرة ، عن الماضي الجميل .. حين كان مشهوراً ، ومحبوباً من الناس لوسامته ، وكرمه و.. ماله وشهرته .. كثير ممن حوله كان يعلق معرفته الوثيقة بهذا الشخص وساماً على صدره لتُفتح أمامه أبواب كبيرة من الاهتمام والرعاية . هو درس وعمل بجد وتفان وإخلاص حتى وصل إلى ما كان ينشده من نجاحات ، بل وأكثر .. وبالتأكيد كان لابد من دفع ثمن لهذا النجاح .. والثمن المعتاد هو الأسرة .

كان كثير الغياب عن أسرته ، وفي الوقت ذاته كان نافد الصبر في تربيته لأولاده .. فكان يعاملهم بالكثير من الجفاء لأن إسباغ الحنان يستلزم وقتاً ، والوقت في حياته يساوي ذهباً وألماساً والمزيد من الترف والرفاهية .. و مع شدة كرمه المادي معهم ، إلا أنه كان شحيحاً بعواطفه ، فلا يذكر متى احتضن ابنه الأكبر ، ولعله قبّل بناته عدة مرات بعد أن كبرن .. أما الزوجة ، فقد خصها بأنواع  الازدراء والقرف لأنه كان يراها دون مستواه التعليمي بمراحل بعيدة .

 لا يعرف كم من المرات – لعلها تعد بالعشرات – أراد أحد أبنائه المراهقين أن يفصح له عن خوفه من تحرشات بعض ( البلطجية ) من الطلاب في مدرسته ، أو مروجي المخدرات ، أو عصابات الأزقة تعترض طريقه أثناء خروجه من المدرسة إذا تأخر السائق ، فخاف من بطشه ، وبلع سره في بطنه وسكت .. لا يعرف كم من المرات احتاجت إحدى بناته حضناً وقبلات وكلمات إطراء من رجل لترضي أنوثتها ، فوجدت أن الرجل الوحيد الذي بإمكانه أن يفعل ذلك مشغول ، أو مشغول.. وفي أحسن الأحوال : مشغول !!

تقاريرهم المدرسية توقعها أمهم بتوقيع الأب الذي أتقنت تزويره للحاجة ، المستشفيات لا تعرف وجهه إلا عند ولادة الأم ، وغير ذلك فلا دخل له إلا بالدفع .. قرأ مرة في الورقة الخلفية من إحدى كراريس المدرسة لابنته نادية : ( أبغى بابا يكون بابا ، مو مكينة صراف ) ، فرمى بالكراس بعيداً وهو يحدث نفسه بحنق : ( أهلك نفسي لأجلكم أيتها الحيوانات ) .

تحلق حوله صغاره مرة في محاولة يائسة منهم لجذب اهتمامه ، عله يكرم أحدهم بقبلة أو حضن دافئ وإن كان سريعاً .. الحق أنه حاول مجاراتهم إلا أنه لم يحتمل الأمر لأكثر من عشر دقائق ، ضاق بعدها ذرعاً بإزعاجهم ، فصرخ بهم : خلاااااص ، اذهبوا بعيداً .. يا الله ، متى تتزوجون وأرتاح من إزعاجكم .. ليرتفع صوت زوجته ” الجاهلة ” تذكره : لا تقل ذلك  أبا فلان .. سيأتي يوم تتمنى وجودهم بجانبك .. يرمقها بالازدراء المعهود وينهض مغادراً ” الإزعاج” ..

سمع مرة من خلف الباب المغلق حواراً سريعاً بين ابنه الكبير وأمه ، هي تقنعه بمدى حب أبيه لهم لكنه مشغول بتوفير الرزق الرغيد لهم ، وهو يقول بصوت – فكر كم يبدو مضحكاً مفتعل الخشونة بسبب بلوغه حديثاً ، وللغصة الكبيرة التي كانت بسبب البكاء ربما ، أو لعلها الحساسية .. أم أن أخاه هو المصاب بالحساسية – : لا نريد ألعاباً غالية ، ولا سيارات متجددة .. نريد أباً نشعر في ظله بالأمان .. نريد أباً يناقشنا كأب ما نفعل إزاء مشاكلنا ، أحلامنا ، اختياراتنا المدرسية والجامعية .. و… عندها غادر موقعه لأنه مستعجل ويريد اللحاق بالاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة ، همس بحنق بين أسنانه : ( مافش فايدة ) .. حيوانات !!

سنين مرت ، وتزوج البعض ، وسافر البعض الآخر للعمل أو الدراسة ، وخلا البيت الكبير إلا منه ومن زوجه .. ومع تقدمها في السن صارت شرسة .. ما بالها ( هذي الحرمة ) ؟ أكلمها فترد لي الكلمة أربعاً .. أنتقدها فتهوج في وجهي .. ما الذي تغير؟ أنا – عن نفسي -كما أنا .. لم أتغير أبداً ، ولكن ما بالها هي ؟ ( صاحية هي ؟ )

ومر المزيد من السنين وطلب التقاعد من الشركة لأنه يريد أن يرتاح بقية أيامه خاصة بعد إصابته ببعض الأمراض ، ويريد أن ينعم بمجالسة أولاده وأحفاده .. أولاد ؟ أحفاد ؟ ما معنى هاتين الكلمتين ؟ الآن فقط انتبه أنهم ما كانوا يزورونه إلا في الأعياد .. صحيح أنهم كلهم خارج المدينة ، لكن الطائرات ما أبقت عذراً لأحد بعدم الزيارة .. الآن فقط انتبه أن والدتهم هي التي كانت تزورهم كثيراً وتقضي عندهم أياماً طويلة .. الآن فقط انتبه إلى أنه يحتاجهم جداً .. نعم .. يحتاج لأن يخدموه ، ويؤنسوه في الليالي الشتوية الطويلة .. يحتاج لرؤية أحفاده ليحكي لهم بعضاً من قصص العصامية التي بنت حياته العملية .. يحتاج لأحضان بناته تدفئ قلبه المسن .. يحتاج بعضاً من استجلاب الذكريات السعيدة .. ذكريات سعيدة ؟ مامعنى هاتين الكلمتين ؟ يبدو أنه صار أعجمياً في الآونة الأخيرة .. أي ذكريات سعيدة ؟ هو لا يذكر عن أولاده إلا أنهم كانوا دائماً في حجراتهم يلعبون بالألعاب الغالية التي يغدقها عليهم أو متحلقين حول والدتهم عديمة الثقافة تحكي لهم قصة ما . هم لا يذكرون عن أبيهم إلا ازدرائه الواضح لأمهم ( أحب المخلوقات إلى قلوبهم الصغيرة ) ، وجملته الأثيرة : ( بأشتغل لكم يا حيوانات ) !! فأي ذكريات سعيدة عساها أن تستجلب ؟

نار بدأت صغيرة تتأجج في قلبه وهو يقلب صورهم .. في ذات الوقت الذي بدأت فيه آلام الشيخوخة بالزحف إلى جسده .. يعتصر قلبه حينما يسمع أصدقائه يحكون عن آخر قفشات أولادهم أو يقلدون لثغات ألسنة أحفادهم اللذيذة ، أو احتفاء زوجات أبنائهم به ، أو دعوة أزواج بناتهم له في رحلة القارب الفاخر، أو قضاء عطلة الأسبوع في الطائف .. مرة واحدة استلزمت جهداً جهيداً من نفسه المصابة بداء الكبرياء حين رفع السماعة على ابنته سهام والتي تعتبر أكثرهم براً بأبيها ، وقال : وحشتوني يا سهام .. وحشني أخوانك .. تعالوا مبكراً هذه المرة .. تعالوا من منتصف رمضان .. أفطروا عندي كلكم هذه السنة .. البيت يسعكم كلكم كما تعلمين .. أريد أن أملأ عيني برؤيتكم أجمعين .. أريد أن أشمكم وأحضنكم .. أريد أن أشبع من صحبتكم قبل أن أموت ..

لايعرف أن سهام بكت بكاء حاراً وهي تسمع هذه الكلمات ، ونفسها تهتف من عمق سحيق بداخل صدرها ( ليه مو من بدري هذا الكلام يا بابا ) ؟ لا يعرف أن سهام وأمها حاولتا كثيراً مع أخوتها لكنهم تعذروا بأعذار شتى .. ما كنت لتقنع أحداً ذا لب .. ولكنها كانت كافية لتسكت ذاك الصوت الرتيب القبيح في قلوبهم : كما تدين تدان !! وفعلاً ، لم يأت مبكراً في تلك السنة إلا سهام وأولادها .. بل إن بعض أولاده لم يحضر عشاء العيد لانشغاله بمؤتمرات مهمة خارج البلاد .. وفي الشهور التالية أبت عليه كبرياؤه أن يطلب رؤية أولاده وأحفاده مجدداً ، ولكن النار الصغيرة التي في قلبه كانت تزداداً اشتعالاً .. كان يشعر بها تلتهم شيئاً ما في قلبه .. ثم تزحف لصدره .. أحياناً يتخيل أنه يضم إليه ولده الأصغر فينتبه على نفسه وهو يعتصر الوسادة الصغيرة بيده .. يشعر بفراغ كبير في منطقة الصدر .. يريد أن يضم شيئاً .. فيضم الوسادة الحمراء ، ولكنها للأسف لا تفي ولا بربع الغرض ..

ارتفع صوت أنشودة ما في القناة التي فتحها .. رفع عينيه الباكيتين إلى التلفاز، شده هذا المنظر ، منظر الأب الوحيد الذي تركه ابنه ليسافر .. مسح عينيه بأصابعه المعروقتين ليتمكن من الرؤية بوضوح ، ومضى يتابع المقطع ، وشيئاً فشيئاً  نما في نفسه  برعم أمل صغير صغير ..

 

Read Full Post »

رحيل الملكة

تمشي في الردهة الطويلة ، ساهمة ، بعين دامعة ، وفكر شارد .. شارد إلى تلك التي أغلقت عينيها بيدها إلى الأبد ..
أصيبت ( الملكة ) كما كانت تحب أن تناديها بجلطة في الدماغ من ست سنين ، ومنذ ذلك الحين ظلت تكابد سلسلة متناوبة من الأوجاع والأسقام ، حتى أصيبت بالجلطة الأخيرة التي أردتها في غيبوبة طويلة دامت عشرة أشهر لم تفق منها إلى أن فاضت روحها ، ويدها في يدها .

تمشي في الردهة الباردة وبجانبها أبوها المكلوم ولا تكاد تدري من الذي بجانبها .. فقط هي ترى في خيالها صوراً متتابعة تتنبدل بصمت وبسرعة مذهلة ..
هذه صورة لامرأة شابة ذات ثلاثة أولاد صغار في بلد الغربة مع زوجها المبتعث ، تقوم بعمل البيت ورعاية الأولاد .. لم يكونوا يكثرون التشاجر لأنها علمتهم المحبة والعطف على بعضهم البعض ، خاصة وأنها هي البنت الوحيدة ، والصغرى ..
تذكر ( ملكتها ) وهي تردد : مكثنا في ( …) سبع سنوات لم أذهب خلالها إلى المسرح أبداً لأن أولادي كانوا ينامون مبكراً ، والمسرحيات تبدأ في التاسعة مساء !!
صورة أخرى وقد عادت إلى وطنها وابتعث زوجها مرة أخرى لبلد أجنبي وتركهم .. ترعاهم كما ترعى عينيها .. لاتكاد ترسل الذكور إلى البقالة خوفاً عليهم .. وتكافح بشدة لتقيم عوج ثلاثة مراهقين غاب أبوهم ، في عالم يزخر بالفساد ..
صورة ثالثة لأمها المفجوعة وقد أصيب الأب بجلطة في القلب ، تجلس بجانبه في العناية المركزة بعينين زائغتين ، تحمل هم رعاية الأولاد الثلاثة لو رحل والدهم .. وتحمل هم الحزن الدفين الذي سيغمر قلبها لوفاة شريك عمرها ..
وصورة رابعة ، وخامسة ، وعاشرة وألف .. بل آلاف الصور لتلك المرأة العظيمة التي جاهدت ليحصل أولادها على أعلى مراتب التعليم وهي الأمية التي لاتقرأ إلاالقرآن فقط .. المرأة السخية ، المتصدقة ، التي لا تخاف في الله لومة لائم ..
وبين هذا وذاك كان حزنها غامراً على والدها الذي بدا ضائعاً في متاهة الحزن ، تائهاً في سراديب الألم .. حبه الأول والأخير ، شريكة حياته لأكثر من نصف قرن ترقد مسجاة على سرير ابيض في غيبوبة طويلة لا يعرف متى تفيق ..
تسهر بجانبها الليالي الطويلة ، أو تنام بنصف عين ، قلبها مع ملكتها الغائبة عن الوعي ، وقد التصقت بها أنابيب شتى ، منها ما يضخ في رئتيها الأكسجين ، ومنها ما يزودها بالغذاء ، وشيء للمحاليل الملحية ، أصوات كئيبة تصدر من الأجهزة المختلفة ، هذا جهاز التنفس ، وذاك لقياس الضغط ، وصوت متقطع لا تدري ما مصدره .. تنام وقلبها مستيقظ لأدنى حركة أو عسر تنفس أو أنين تصدره ..
وأحياناً تنظر الملكة إلى ابنتها بعينين من زجاج .. تنظر لها وكأنها تقول : أنا أعلم أنك بجانبي ، أنا أعلم أن تردين لي بعض الدين .. أنا أسمعك ولكني لا أستطيع حراكاً ولا كلاماً .. فيكاد قلبها يذوب ..
تتأمل ملكتها بشغف ، وتناغيها كما تناغي الأم طفلتها الصغيرة : يا ملكة .. كيف حالك ؟ تقرص خدها البارد برقة شديدة ، تلثم يدها المزرقة من آثار الحقن والمغذيات ، تغطيها بحدب وحرص وقلبها يتقطع ألماً ..
ولماكان اليوم الموعود الذي فيه استرد الله وديعته ، كانت يدها في يدها ، تنظر إليها بذات العينين الزجاجيتين ، ولكن هذه المرة لم تكن النظرة تعني شيئاً .. كانت نظرة غارقة في بحر اللا شيء ..
تحسست قدميها المتسربلتين بخف صوفي ، فألفتهما باردتين كما الثلج .. دق قلبها بعنف .. يقولون أن من علامات الاحتضار برودة الأطراف .. يداها باردتان كذلك .. وهذه النظرة ..
لا يا ملكتي .. لا تتركيني وحدي .. من لي بعدك ؟؟ من سيمسح على شعري كلما أوجعتني آلام الدورة الشهرية .. من سيشفع لي عند والدي إذا ما تأخرت عند صديقتي ؟ من سيستقبلني عند الباب كلما عدت من الجامعة ؟ من سيتناول معي الشاي بعد العشاء أسامره ويسامرني بأحداث المساء . من سيدعو لي بالهداية والزوج الصالح والأبناء ؟
لا تتركيني يا ملكتي في هذا العالم القاسي .. أنت كنت لي فيه الدفء والحب والنعيم ..
بدأت تبكي ، وتردد : لا إله إلا الله .. حسبي الله ونعم الوكيل .. يا رب .. يا رب .. وتلك النظرة تلاحقها.. تلك النظرة ..
تنظر إلى صدرها وهو يعلو ويهبط بثقل شديد ..
إنها تعاني ..
إنها تقاسي سكرات الموت ..
نقلت عينيها إلى الجهاز الذي يعلو رأسها ، نبضات القلب تغيب وتعود أحياناً .. والنفس عسير عسير ..
قافلة الجمال الخضراء على الشاشة اختفت ، فقط ليحل محلها خط أخضر مستقيم فيه تعرجات جد خفيفة ، ثم لا يلبث أن يستقيم .. صفير متقطع يصدر من جهاز آخر ..
لم تعد برجليها القدرة لتحملها بحثاً عن نجدة .. تسمرت في مكانها و ظلت تنظر بعينيها اللتين ملأتهما الدموع إلى وجه ملكتها .. سمعت صوتاً غريباً ضعيفاً من حلقها الذي ثبت فيه أنبوب التنفس .. ارتعش اللسان ، ثم تحركت هاتين العينان الخاويتان إلى الأعلى ..
وبين حشايا قلبها ترددت صرخة حرى تشيع الروح التي صعدت للتو إلى بارئها ..
أغمضت العينين الشاخصتين بيديها المرتجفتين وهي تنتحب ..
دموعها تهطل على وجهها ، ونشيجها يتسابق مع استرجاعها..
وأخيراً ، انكفأت على الصدر الحاني الذي طالما حواها وحوى جميع عائلتها ، اعتنقتها وهي تزفر بحرقة وتهمس بصوت باك … آآآآه يا أمي ..

Read Full Post »

هذه قصة استوحيتها من مشهد وقع أمامي أيام جلسات الإشعاعي .. لأم وابنتها الكبيرة .. كبيرة حقاً ولعل هذا ما كان يؤلم :

 

اليوم موعدي لأخذ العلاج الإشعاعي .. منذ أن أصبت بسرطان القولون وأنا أتخبط تحت وطأة العلاجات ؛ عمليات ، كيماوي ، إشعاعي ، أدوية  ..

يا رب ، ارحمني ، فقد أنهكت كل هذه العلاجات  جسدي الواهن ..

ولكن ، أين من كل هذا ما يعانيه قلبي .. الآن.. صرت أشغل أبنائي وبناتي معي .. خمسة أيام من كل أسبوع ، لخمسة أسابيع متواصلة .. أحدهم يوصلني إلى المستشفى ، والأخرى تدخل معي وتنتظرني بالخارج إلى أن أكمل الجلسة ..

كم هو ممض الألم الذي أجد في قلبي حين أستحوذ على وقت أولادي وأفكارهم .. لا أريد أن أشغلهم .. عندهم من المشاغل والهموم ما يكفي لتأريقهم ..

 أرى التأفف يتقافز بشغب من عيني ابنتي الكبرى إحسان ، وهي تطقطق بجوالها تلعب أو تكتب رسالة ، في حين أحدثها أنا عن مخاوفي من التأخير عن الموعد أو أن لا تكون “بدور” فنية الإشعاعي اللطيفة في دوامها .. أسألها عن حال ابنتها العروس التي أصيبت مؤخراً بالانفلونزا  ، فتغمغم بشيء لم يتبينه سمعي الثقيل ، فإذا عاودت سؤالها أجابتني : أففف ،  كويسة يا أمي ، كويسة !!

أصمت .. مسكينة .. قلبها على ابنتها يتمزق .. لهذا أجد صوتها جافاً معي  .. لهذا أجدها نافذة الصبر وهي تقودني على مقعدي المتحرك إلى غرفة العلاج .. لهذا أجدها تنهرني أحياناً إذا ما أكثرت عليها طلب الجلوس لترتاح ، لهذا أجدها متلهفة للرجوع إلى البيت فلا يكاد السائق ينزلني في بيتي حتى تحثه بسرعة على الانطلاق إلى بيتها .

مسكينة .. أنا أقدر ظرفها ، فمواعيد جلساتي في الثالثة عصراً .. وقت رجوع الأولاد من المدارس ، ووقت الغداء ، ووقت الراحة والقيلولة ..جزاها الله خيراً !! تتعب كثيراً إحسان من أجلي !!  يالله ، اجزها خيراً على إحسانها لي !!

لكن لا أدري ما سر هذه الخيالات التي أضحت تراودني .

 كلما أسمع نبرة غريبة في صوت إحسان لا أفهمها ( يبدو أنها نبرة الحزن على ابنتها العروس ) تتداعى إلى ذهني صور باهتة .. قديمة .. بالأبيض والأسود هي ، وبعضها مقطعة الأطراف .. تفوح منها رائحة القدم ، ولكنها بحق رائحة زكية ، عذبة .. فيها حب وعواطف ومشاعر جياشة .. رائحة تغمر قلبي بالسكينة والجمال ..

 إحسان وهي صغيرة .. تحبو كالحمل الصغير ، حلوة المحيا ، بسن واحدة ، تغري من يراها أن يلثمها .. تقترب مني ثم تقع على وجهها عند قدمي فتبكي ، فيكاد قلبي لها أن يطير .. أحملها وأشمها وأعتنقها وأقبلها ..

إحسان وهي مراهقة .. أنظر إليها وقد رهقتها تغيرات الهرمونات .. عصبية ، سريعة الثورة ، وسريعة الرضا والصفح .. كثيرة شرود الذهن ، حالمة .. ووحيدة .. يتألم قلبي لها ، ولكني سرعان ما أعود وأقنع نفسي أنها تغيرات مؤقتة كسحابة صيف لن تلبث وتنقشع .

إحسان وهي عروس .. جميلة في ثوبها الأبيض الذي بعت بعضاً من ذهبي لأبتاعه لها .. لترضى .. قلبي يبكي وشفتاي تضحكان وأنا أزفها لزوجها تحت أنوار كاميرات التصوير وأنظار الفضوليات من المدعوات . أخشى عليها العين ، ولؤم الحماة ، وقسوة الزوج ، ووطأة الحياة ، وفراقها عني .

وهاهي الآن ، بعد أن صارت أماً لعروس ، عانت من نفس ما عانيت .. هي الآن ابنتي الكبرى ، ترافقني لجلسات الإشعاعي ، خمسة أيام من كل أسبوع لخمسة أسابيع متصلة .. تركت زوجها وأولادها والغداء والراحة بعد يوم عمل مرهق في إدارة مدرسة ثانوية ، تركته لتصحبني إلى المستشفى ..

يبدو أن ذهنها مشغول بابنتها .. فقد غضبت الأسبوع الماضي لما ألححت عليها أن تعطي ورقة الموعد ” للسستر ” في مكتب الاستقبال خشية ضياع الموعد ، ونهرتني البارحة لما ألححت عليها أن تجلس لتريح قدميها المصابتين بالدوالي ، وكل يوم تمر علي لا تكاد تضحك في وجهي إلا لماماً !

رب أرح قلبها كما تريحني ! واشف ابنتها لتستعيد إحسان ضحكتها الصافية !

Read Full Post »

%d مدونون معجبون بهذه: