Feeds:
المقالات
التعليقات

Archive for the ‘أمور عائلية وما إلى ذلك’ Category

( هذا الكتاب مخصص للفئة العمرية بين 2-12 سنة )

قد يتبرم البعض من هذه المقدمات الطويلة التي تسبق التربية السحرية الفعلية ، ولكني أذكرهم هنا بأهمية هذه المقدمات لأنها تسلط ضوءاً ساطعاً حول حقائق يغفل عنها الآباء ويترتب عليها نجاح أو فشل تقنيات التربية السحرية ، لذا وجب وضعها بعين الاعتبار والاهتمام بها .

نظرية الأطفال البالغين :

هناك فكرة ملحة ومقلقة يحملها الآباء و المدرسون في عقولهم عن الأطفال تسمى ” نظرية الأطفال البالغين “.

 هذه الفكرة الساذجة لا تؤدي فقط إلى فشل التربية وإنما أيضاً إلى حدوث المشاهد العاصفة والتي قد تتضمن أذية الطفل child abuse  ( قلت : وهي جريمة يعاقب عليها القانون الأمريكي بصرامة ) .

فكرة نظرية الأطفال البالغين تتلخص في الاعتقاد بأن الطفل يمتلك قلباً من ذهب وأنه مخلوق عاقل وغير أناني ، باختصار هو نسخة مصغرة عن البالغين ، وعلى هذا فكلما يخطئ الطفل فإن سبب ذلك أنه لا يمتلك المعلومات الكافية في رأسه والتي تجعله يتخذ التصرفات الصحيحة ، والحل ببساطة هو إعطاؤه الحقائق الكافية .

مثال لهذه النظرية :  تخيل أنه في الساعة الثانية ظهراً قامت سندس 7سنوات بضرب أحمد 4سنوات  للمرة العشرين منذ أن رجعا من المدرسة فماذا ستفعل ؟

لو كنت تفترض أن طفلتك هي بالغة صغيرة فإنك ستجلسها وتنظر في عينيها وتحدثها عن الأسباب الذهبية الثلاثة التي لا ينبغي لأجلها أن تضرب أخاها ؛ أولاً : أن هذا يؤلمه ، ثانياً : أن هذا يجعلك غاضب منها ، وثالثاً- وهو الأهم – ماذا ستشعر لو أن أخاها سامي 10 سنوات فعل معها الشيء ذاته ؟

الآن تخيل بعد كل هذا الشرح ، ستنظر إليك طفلتك ويستنير وجهها وتقول : “أوه ، لم أفكر بهذه الطريقة من قبل ” ثم تكف عن أذية أخيها حتى نهاية حياتها .

المشكلة في اتباع هذه النظرية ، أن الآباء الذين يريدون التصديق بأن الأطفال هم بالغون صغار يعتمدون بقوة على الكلمات والأسباب حين التعامل معهم ، وهذه الكلمات والأسباب بذاتها ستكونان سبباً لفشل التربية في أغلب الأوقات وستؤدي إلى حدوث المتلازمة : تكلم- أقنع- جادل- اصرخ- اضرب.

كم مرة قرأت في كتب التربية أن على الأب أن يشرح لطفله الأسباب مهما طال الوقت ، فتقوم أنت بالشرح لطفلك ذي الخمس سنوات لماذا عليه أن يكون مؤدباً فلا يتجاوب ، فتحاول أن تقنعه لكي يرى الأمور بمنظارك ، فإذا فشل الإقناع فإنك ستشرع بالمجادلة والتي تقود بدورها إلى الصراخ ، فإذا فشل كل ذلك فلعلك ستشعر أن كل  الوسائل قد استنفذت ولم يبق إلا الضرب لشعورك بأنك تفقد زمام الأمور وأن نظريتك المفضلة قد خابت .

لعل نظرية الأطفال البالغين هي السبب الرئيسي وراء أذية الأطفال واضطهادهم . الحديث والشرح لاشك أنه مهم في تربية الأطفال، ولكن الأطفال يظلون أطفالاً وليسوا بالغين . وقد كتب أحدهم مرة أن الأطفال مولودون وهم متصفون بالأنانية وعدم العقلانية  ، ويحصلون على ما يريدون في الوقت الذي يريدونه ، وبإمكانهم أن يتسببوا في إحداث قلاقل في مقابل الحصول على ما يريدون .

إن وظيفة الأب ( والمعلم ) هي مساعدة الأطفال ليتغلبوا تدريجياً على نوبات الغضب ، وفي سبيل تحقيق ذلك عليهم أن يتحلوا بالرقة والمثابرة والحزم والهدوء .

ابدأ أولاً بتغيير اقتناعك بنظرية الأطفال البالغين ، فبدلاً من أن تعتقد أن الطفل هو نسخة مصغرة علن البالغين ، فكر فيه كأنه حيوان شرس عليك أن تروضه ( قلت : ومع تحفظي على هذا الأسلوب الأمريكي المتناهي في الصراحة المؤلمة إلا أني أوافقه في هذا التفكير ) . لا أعني بالطبع استخدام السوط والمسدسات والكراسي في ترويضه ، ولكن لاحظ أن مروض الحيوانات يعتمد بشكل كبير على طريقة التكرار حتى يتعلم ( المتدرب ) ماذا يريد منه مدربه ، لذا كان من الضروري أن يتحلى المدرب بالصبر والرقة والإصرار .

لحسن الحظ لا تحتاج مع الطفل أن تكرر الأمر لفترة طويلة إلى أن يستجيب وعندها يمكنك إضافة بعض الحديث والإقناع كلما تقدم الطفل في العمر ، لكن تذكر : يمكنك أن تلجأ إلى إعطاء تبرير واحد إذا احتاج الأمر ، أما مبدأ إعطاء التبريرات والتسويغات المستمرة هو الذي يوقع في المشاكل .

 

دكتاتورية أم ديمقراطية :

حينما يكون طفلك صغيراً ، لابد أن يكون بيتك أقرب ما يكون بحكم دكتاتوري حيث تكون أنت القاضي وهيئة الإدعاء. لا يمكن لابنك البالغ 7 سنوات مثلاً أن يقرر في صباح الأحد عدم الذهاب للمدرسة لأنه يريد أن يجلس في البيت ويتفرج على أفلام الكرتون .

لكن إذا ما كبر الأطفال وصاروا في بداية مرحلة المراهقة وأوسطها عندها لابد أن يتحول الحكم قريباً إلى الديمقراطية . وحتى إذا صاروا في مراهقتهم فإنه في وقت الضرورة لابد أن تكون أنت الحاكم . من الذي يدفع الإيجار ؟ أنت . ومن يعرف مصلحة الأطفال أكثر ؟ أنت . فعند الضرورة فإن لك الحق – وعليك الواجب- أن تضع حدوداً للأطفال ولو لم يعجبهم ذلك .( قلت : لاحظوا أن القائل هو هذا الشخص لأمريكي وليس أنا ) .

كثير من الآباء في هذه الأيام ترعبهم فكرة أن أطفالهم لن يحبوهم ، لذا كردة فعل يظلون يبررون ويبررون ويبررون آملين أن يأتي إليهم طفلهم ويقول : أوه ، لم أفكر في هذا الأمر بهذه الطريقة من قبل ، وحتماً سيغضبهم أنه لن يفعل.

 

الخطآن التربويان العظيمان :

يقع الآباء في خطئين تربويين عظيمين عند القيام بتربية الأطفال :

1-              الكثير من الكلام .

2-              الكثير من المشاعر .

إن التفكير بنظرية البالغ الصغير ومن ثم الثرثرة حول الأمر  سيؤدي حتماً إلى متلازمة : تكلم – أقنع- جادل- اصرخ- اضرب .

ماذا عن المشاعر الفياضة .. لم لا ؟ نسمع ناس كثيرون يقولون : أطلق ما بداخلك ، تكلم وعبر عن نفسك ولا تدخر شيئاً في نفسك ، حتى بدا ذلك كما لو أنها الرسالة الكونية الجديدة .

هل تعتقد أن هذا اقتراح جيد لك كأب ؟

في الحقيقة هناك جزء منطقي في هذا الاقتراح ، وجزء غير ذلك .

لو كان ما في داخلك مشاعر إيجابية تجاه الطفل فأطلقها بلا تردد . عبر عن حبك أو انثر بعض الثناء ، حتماً لن يؤدي ذلك إلى أي ضرر ، بل كل خير .

أما الجزء السيء في الأمر فهي المشاعر السلبية من الغضب أو الضيق من الطفل فإن إطلاقها سيؤدي إلى الكثير من المشاكل ولا شك ، لأن الأب حينما يكون غاضباً فإنه يفعل التصرف الخاطئ دائماً . بإمكان البالغ الغاضب أن يصرخ أو يحقّر أو يضايق الطفل ، وبعضهم قد يكون خطيراً أيضاً .

التربية السحرية تعلم الأب كيف يتحكم بغضبه إذ أن ذلك مفتاح لسلوك الطفل .

سبب آخر مهم للتحكم بغضبك أن الطفل يتسلى بذلك كثيراً .

 يشعر الأطفال أنهم عاجزون : يرون أنفسهم أقل ذكاء ، أقل مهارة ، أقل تميزاً ، أقل تحملاً للمسؤولية وأقل في كل شيء من آبائهم أو أخوتهم الكبار . هذا الشعور بالدونية يضايقهم كثيراً ولا يحبونه  . هم يودون لو كانوا أكثر قوة وقدرة على وضع بصمة في هذا العالم .

 راقب طفل السنتين كيف يحاول تقليد طفل الخامسة الذي يمكنه فعل الكثير من الأشياء الجميلة .

وفي المقابل فإن طفل الخامسة يحب تقليد طفل العاشرة الذي يسعى بدوره إلى تقليدك حتى في استعمال السيارة والجوال والبطاقة الائتمانية .

هم يريدون صنع التغيير والأحداث في العالم . هل راقبت قط طفلاً يظل يرمي في البحيرة الحجر تلو الحجر ، وقد يظل في هذه الوضعية الأوقات الطويلة . هذا الأمر يحدث لهم متعة فائقة ربما – إلى حد كبير- بسبب رؤيتهم لما أحدثته أيديهم من تناثر الماء وصنع الدوائر التي تكبر . غضبك يشبه تماماً تلك الدوائر وتمثل للطفل المتعة نفسها .

اندلاع غضبك سيؤدي عرضاً إلى إحساس الطفل بقوته ، وهذا شعور  طبيعي للغاية يرضي إحساس الطفل بالعجز .

وعلى هذا فهناك قاعدة مهمة : إذا فعل طفلك شيئاً لا يعجبك وأظهرت غضبك البالغ بشكل متكرر فإنه سيكرر فعلته تلك مراراً وتكراراً .

عند التربية عليك أن تكون صبوراً وهادئاً ومثابراً ، لذا فمن الضروري اتباع قاعدتين مهمتين  : لا كلام ، لا انفعالات ، وهذا يعني القليل جداً من الكلام والقليل جداً من الانفعالات ، وهو أسلوب بسيط جداً إلا أنه فعال لو طُبق بعناية.

هناك أساليب أخرى في التربية السحرية ، ولكنها ستغدو عديمة الفعالية لو أنك صرت تتكلم كثيراً وتنثر انفعالاتك بسخاء ، لأن عدم التقيد بذلك هو “الغضب ” في الحقيقة .

بإمكان بعض الآباء كبح جماح أنفسهم في  التمادي في الكلام والانفعال كما لو كان زراً يضغطونه ،في حين أن البعض الآخر يحتاجون إلى عض شفاههم في عصبية لمنع أنفسهم من التفوه بأي كلمة أو إظهار أي انفعال قد يدمر المسيرة التربوية .

قد يكون الأمر صعباً في البداية : أن تذكر نفسك بالتزام الصمت والهدوء مراراً وتكراراً أمام كل سلوك خاطئ ، ولكنك ستتعود عليه سريعاً إذا ما ثابرت . أما إذا انقضى شهر إلى 6 أسابيع في تطبيقك للتربية السحرية ولم يحدث أي تغيير في عاداتك فعليك عندها مواجهة الحقيقة : لابد من استشارة مختصة في هذا الصدد .. الاستشارة لك وليست للطفل !

لاحظ أن الكلام عن الانفعالات يدور حول الانفعالات السلبية لا الإيجابية . الأب الجيد بعبر لطفله بدفء عن حبه وشغفه ، وينصت جيداً لشكواه .. ليس هذا المقصود بالرفض ..

المقصود أن ينتبه الأب جيداً في حال حدثت المصادمة بين الأب و الطفل .

 

في التدوينة القادمة سنناقش :

أسلوب العد : طريقته ، مزاياه ، استخداماته .

Read Full Post »

ملحوظة : تجنباً للتطويل فإني عمدت إلى استخدام كلمة ( الأب ) اختصاراً لتدل على أحد الأبوين ، وكذلك ( الأبوة ) .

ينبغي أن يتصف الوالدان الفعالان بصفتين مهمتين :

1-              الدفء والصداقة .

2-               الحزم والتطلب .

الدفء و الصداقة يعني أنك تعتني بمتطلبات الطفل العاطفية والجسدية : تهتم بطعامه وسلامته ودفئه وتتأكد أنه يتلقى ملبساً جيداً ونوماً كافياً . كما يجب أن تكون دافئ المشاعر مع الطفل ؛ فتشاركه سعادته عند الحصول على أصدقاء جدد ، تهدئه إذا ما سقط الأيسكريم على الأرض ، تصغي باهتمام إذا كان غاضباً من الأستاذ وتستمتع بصحبته .

الصفة المهمة الأخرى : الحزم والتطلب . الوالد الجيد يتوقع شيئاً من طفله ؛ السلوك الحسن في المدرسة ، احترام الكبار ، التحصيل الدراسي الجيد ، الاهتمام بالرياضة الشخصية ، والعلاقة الطيبة مع الأصدقاء والتي تتضمن اللطف والتعاون .

يتوقع أن يلتزم الطفل بالقوانين، ويعمل من أجل الغير ويتعامل أحياناً مع الأمور الصعبة أو المخيفة .

بكلمات أخرى : يتوقع الأب أن ينشأ الطفل ليتمكن من مواجهة تحديات الحياة .

قد تبدو هاتان الصفتان متناقضتين ، والحقيقة أنهما ليسا كذلك . أحياناً تستدعي الظروف الصفة الأولى ، وتستدعي ظروف أخرى الصفة الثانية .

مثلاً : ضرب سامي أخته سندس ، هذا وقت ظهور صفة الحزم والتطلب .

قام سامي باللعب مع أحمد الصغير أثناء انشغال الأم ، هذا وقت ظهور صفة الدفء والصداقة .

إن التحلي بهاتين الصفتين يرسل رسالتين مهمتين للطفل :

1-              الدفء والصداقة : أنا أحبك وسأعتني بك .

2-              الحزم والتطلب : أنا أتوقع منك بعض الأشياء .

إن التحلي بهاتين الصفتين لا يعني أن يظل الأب يحوم حول ولده يراقبه في جميع تحركاته ، ولا أن يحميه من نسمة الهواء ، ولكنها تعني أن يعطي الطفل الفرص لعمل المزيد من الأشياء بمفرده كلما تقدم في العمر .

التلقائية مقابل الأناة :

هناك نوعان من النشاطات الأبوية : أحدهما تلقائي والآخر متأن ومدروس . النشاط الأبوي التلقائي يشمل الأمور التي يفعلها الأب يومياً وبغير تفكير ( تلقائياً ) كحمل الرضيع ، أو تهدئة الطفل الباكي الذي سقط للتو ، وهذه أمور إيجابية. لكن أحياناً يكون التصرف التلقائي غير سليم ، كما لو صرخ الأب على الطفل ذي السابعة الذي يقوم من سريره كل دقيقتين لأنه يسمع صوتاً في الخزانة .

مع التربية السحرية عليك أن تلتزم أولاً بالتصرفات التلقائية الإيجابية كالإنصات الجيد والثناء على عمل طفلك الحسن .

بعد ذلك ، قم بتمييز تصرفاتك التلقائية السلبية المؤذية ، أو المحبطة أو التي لا فائدة منها ، ثم قم بتبديل التصرفات السلبية بأخرى إيجابية متأنية ومدروسة .

قد تود مثلاً أن تستبدل الصراخ على الطفل بأسلوب العد .

وأخيراً : تمرن ، تمرن، تمرن ! اعمل جاداً حتى تتمكن من ترسيخ هذه التصرفات التلقائية الإيجابية .

لا تنس أن التلقائية الأبوية تشمل نوعاً مهماً من النشاط وهو القدوة . الأطفال مقلدون جيدون ويتعلمون الكثير من مجرد المشاهدة ، فلو كنت محترِماً للغير ، سينزع الأطفال لفعل المثل ، ولو كنت تميل لشتم السائق الذي ( سقط ) عليك فـ .. حسناً ، فهمت مرادي !

الوظائف الأبوية الثلاثة :

هناك 3 وظائف أبوية مهمة وتستدعي كل وظيفة استراتيجية معينة في التعامل . كلٌ من هذه الوظائف الثلاثة تعتمد على بعضها البعض إلى حد ما. تجاهل أحدها وتحمل أنت النتيجة ، أو اتصف بها معاً وستكون أباً جيداً .

الوظيفتين الأوليين تتعلق بسلوك الطفل ، والوظيفة الثالثة تركز على العلاقة بين الأب والطفل .

الوظيفة #1 : تشمل التحكم في السلوك الذميم : لن يمكنك أبداً أن تعاملك طفلك معاملة حسنة إذا كان يقلقك على الدوام بسلوكيات مزعجة كالنواح والمجادلة وأذيتك أو إخوانه ، والصياح والمضاربة . مع التربية السحرية ستتعلم كيف ( تعد) للسلوك السيء ، وستدهش حتماً لمدى فعالية هذه التقنية السهلة .

الوظيفة #2 : تشمل تحفيز السلوكيات الجيدة كترتيب الفوضى التي أحدثها ، الذهاب إلى الفراش ، أن يكون مهذباً ويؤدي واجباته الدراسية ، وهذه السلوكيات ولا شك تتطلب جهداً من الأب و الطفل أكبر من التحكم في السلوكيات الذميمة ، وذلك في سبع تقنيات مفيدة .

الوظيفة #3 : تقوية العلاقة بين الأب والطفل . بعض الآباء لا يكادون يحتاجون التذكير بهذه الوظيفة ، والبعض الآخر يحتاج ليبذل جهداً خارقاً في ذلك . إن الاهتمام بنوعية العلاقة مع الطفل سيساعدك حتماً في الوظيفتين الأوليين .

الوظيفة #1 و #2 : ” توقف ” مقابل ” ابدأ ” :

تواجه الآباء مشكلتان أساسيتان أثناء تربية الأطفال وتستدعيان الوظيفتين الأوليين من وظائف الأبوين . الطفل إما أن يفعل سلوكاً سلبياً نريده أن ” يوقفه ” ( كالنواح ) وسنطلق عليه اسم : سلوك التوقف ،أو أنه لا يفعل السلوك الإيجابي المطلوب منه ( كارتداء ثيابه ) وسنطلق عليه سلوك ” ابدأ “.

وفي خضم الصخب والضجيج اليومي قد لا يتنبه الأب إلى أهمية التفريق بين السلوك المراد توقفه والسلوك المراد بدئه ، هذا التفريق ضروري في التعامل تجاهه ، كما أنه ضروري ليجعل حياتك أكثر سهولة .

سلوك ” توقف ” يشمل المشاكل الصغيرة اليومية المتكررة كالنواح ، عدم الإحترام ، نوبات الغضب ، الجدال ، المضاربة ، المناكفة ، العبوس ، الصياح وهكذا . سلوك التوقف يتراوح عادة بين الإزعاج الخفيف والإزعاج المطبق . قد يكون كل واحد من هذه السلوكيات غير مزعج بحد ذاته ، ولكن اجمع اثنين أو ثلاثة منها في وقت الغداء بعد رجوعك من الدوام وستشعر أنك على وشك أن تهاجر إلى سيبيريا .

سلوك البدء يشمل السلوكيات الإيجابية كترتيب الحجرة ، أداء الواجبات الدراسية ، النهوض سريعاً من الفراش صباحاً ، والخلود إلى الفراش في وقت النوم ، تناول طعام الغداء والتصرف بتهذيب مع الغير .

إن السبب الذي يدعو إلى التفريق بين السلوكين هو أنك ستحتاج إلى استعمال استراتيجيات مختلفة لكل سلوك ومشكلة.

لسلوك التوقف ستستخدم أسلوب العد ، وهو أسلوب سهل ولطيف كما أنه مباشر . أما سلوك البدء فسيكون لك الخيار في اختيار أحد سبعة أساليب إما أن يستخدم كلُ بمفرده أو بخلط أسلوبين أو أكثر معاً .

سلوك البدء يحتاج تفكيراً وجهداً أكثر من أسلوب العد .

لماذا هذا التراوح في الأساليب :

إن هذا التراوح في الأساليب يرجع إلى الحافز وراء اختيار الطفل لأي سلوك .  إذا كان الحافز جيداً فكم يستغرق من الطفل  ليتوقف عن سلوك سيء كالنواح أو الجدال أو المناكفة ؟ الجواب هو : ثانية واحدة تقريباً ، اعتماداً على درجة غضب الطفل ، لكن بشكل عام فإن إنهاء سلوك ذميم لا يحتاج إلى جهود مضنية .

أما سلوك البدء فانظر كم يحتاج الطفل من الوقت لينهي عملاً بناءً ومفيداً كتناول الطعام مثلاً ؟ ربما 25-35 دقيقة.

ليرتب حجرته ؟ ربما 15 دقيقة  ،  ليتجهز للفراش ؟ 20 دقيقة  ، ليتجهز للمدرسة ؟ 30 دقيقة .

عليه أن يبدأ بالعمل ويستمر فيه إلى أن ينهيه ، وفي الغالب يكون  العمل مملاً ومضجراً لطفل صغير أن يفعله .

عند التعامل مع الطفل في أمر ما فإن عليك أن تحدد أولاً ما إذا كان السلوك المطلوب منه هو سلوك التوقف أو سلوك البدء : هل هو أمر تريد من  طفلك أن يتوقف عن أدائه ، أو أنه أمر تريد منه أن يشرع فيه حتى ينهيه ؟

وبما أن أسلوب العد سهل جداً ، فإن كثيراً من الآباء يخطئون أحياناً عند استخدامه للسلوكيات المراد بدءها كأداء الواجبات المدرسية مثلاً ، وستلحظ فيما بعد أن أسلوب العد ينتج حافزاً للأطفال يستمر لفترة قصيرة جداً ، تتراوح بين بضعة ثوان إلى دقيقتين فقط .

لو قمت بخلط الأساليب بهذه  الطريقة فإنك لن تحصل على نتيجة مرضية . ولكن لا تقلق ، فالإجراء برمته سهل جداً وستصير محترفاً في فترة وجيزة . التربية الفعالة ستؤتي أكلها ، وصدق أو لا تصدق : سيبدأ طفلك في طاعتك !

الوظيفة #3 :

وتتعلق بنوعية العلاقة بين الأب والطفل ، وهذا يعني ألا تحتل الشاشات الأوقات التي يفترض أن يقضيها الطفل مع أبيه ، والأهم من ذلك فإن تقوية العلاقة بين الأب والطفل تعني أن كلاً منهما يثمّن قيمة الاستمتاع بوقته مع الطرف الآخر.

في التدوينة القادمة سنناقش :

–       افتراضية الأطفال البالغين .

–       الدكتاتورية مقابل الديمقراطية .

–       الخطئين التربويين العظيمين .

Read Full Post »

في غداء عيد الفطر اجتمعت مع زوجة أحد أقربائي الكندية ، ولاحظت تعاملها الراقي مع طفليها الصغيرين ، وبسرعة خارقة قارنت بين تعاملها معهما وتعاملنا مع أطفالنا ، وبالتالي نتيجة هذين التعاملين .

سألتها – وهي المتخصصة في التعليم – عن أفضل طرق التعامل مع الأطفال فأرشدتني إلى كتاب اسمه 123 Magic. حالما رجعت إلى المدينة طلبت الكتاب من أمازون وتصفحته ، فألفيته كتاباً جيداً يقدم نصائح رائعة للطفل في سن 2-12 سنة ، وبطريقة ساخرة وفكاهية .

ولما كانت عدة كتب تتثاءب بملل على الطاولة المجاورة لسريري تنتظر أن تُقرأ ،  فإني وضعته في أسفل القائمة حتى يحين دوره . ومرت الأيام ولم أمس كتاباً واحداً ، إذ شُغلت بالمذاكرة .

اشتدت حاجتي لقراءة الكتاب ، فعندي طفلتين في هذه السن العمرية المحددة ، وأحياناً أتحسس رأسي فأجد قرنين على وشك البروز بشكل واضح !

وفي يوم قررت أن أترجم الكتاب وأشارك متابعيّ في تويتر بالفوائد المتناثرة لعلي أُلزم نفسي بإتمام قراءته ، ففعلت ذلك حتى أنهيت ثلثي الكتاب تقريباً ثم توقفت نهائياً من أجل الاختبارات .

تلقيت عدة اقتراحات بتدوين هذه التغريدات في المدونة ليرجع إليها من لم يتمكن من متابعتها منذ البداية ، فكانت هذه السلسة : التغريدات الذهبية في التربية السحرية .

وحتى لا يجرجرني القضاء الأمريكي فإني سأذكر أولاً معلومات تتعلق بالكتاب ، ومن ثم سأشرع في ترجمة موسعة نسبياً لفصوله .

الكتاب اسمه :

1-2-3Magic . Effective Discipline for Children 2-12 , by Thomas W. Phealn, Ph.D

ونسختي هي من الطبعة الرابعة 2010 .

pic.twitter.com/5TbNU0Ez

عملي في هذه التدوينات القادمة سيكون مقتصراً على الترجمة بتصرف يسير في الأمثلة وقد أكتب بعض الحوارات ببعض العامية  ، ولن أذكر رأيي غالباً ، فإذا ما ذكرته فسيكون ذلك بين قوسين مع التنصيص على أن ما ذكرته من قولي .

بدا المؤلف في المقدمة بذكر موقف يتكرر حدوثه في كل البيوت تقريباً :

–       أمي ، هل يمكنني تناول شبس ؟

–       لا يا حبيبي .

–       لم لا ؟

–       لأن الغداء في الثانية .

–       طيب أنا أريد شيبس !

–       قلت لك لا يمكنك !

–       إنت عمرك ما تعطيني شيء !

–       ماذا تقصد بقولك : ” عمري ما أعطيك شيء” ؟ ما عندك ملابس ؟ ما عندك غرفة ؟ ما بأسويلك أكل وأنظف ملابسك ؟

–       طيب ليش أحمد أخذ شبس من نصف ساعة ؟

–       اسمع ! أنت غير أخيك . ثم هو  يتناول غداءه كاملاً .

–       أعدك بأني سأتناول الغداء كاملاً .

–       لا تعدني . كل ما آخذه منك وعود وعود .سامي ، أعطيتك أمس حلاوة قبل الغداء ولم تكمل غداءك !

–       إذن ، سأقتل نفسي ، ثم اهرب من المنزل !

كرر هذا المشهد لآلاف المرات في أي يوم ، وصدقني أن ذلك سيسبب للوالدين والأطفال تعاسة عظمى على حد سواء.

إن مهمة الأمومة أو الأبوة هي أعظم مهمة في العالم ؛ قد تكون أصعب مهمة وقد تكون أكثرها إمتاعاً . ذلك يعتمد على طريقة تعامل الأبوين مع أطفالهما .

أهمية الكتاب : ينقل عن إحدى الأمهات التي كتبت له بعد أن جربت طريقته : التربية السحرية كانت سهلة في التعلم وأعطتني نتائج جيدة . رجعت للاستمتاع بأطفالي وصرت الأم التي أحب أن أمثلها.

والآن وبعد مرور ربع قرن على تجربة هذه الطريقة تقول أم : أطفالي كانوا رائعين ، والآن هم بالغون محبوبون ، ونحن نستمتع بوجودهم معنا .

التربية السحرية تساعد الأطفال ليكبروا ويصبحوا بالغين مهذبين ، أكفاء ، سعداء ، ويمكنهم التوافق مع الآخرين .

كيفية البدء في استعمال هذه الطريقة ؟

حالما تتعلم الطريقة فإنه من المفيد أن تشرع في استعمالها مباشرة ، فإذا لم تبدأ مباشرة ، لعلك ستسوف وتؤخر ، ثم تترك الأمر برمته .

تأكد من فهمك لوظائف الأبوة ( وسأقتصر على استخدام هذه الكلمة وأعني بها الأمومة والأبوة معاً تجنباً للتطويل ) الثلاثة وانطلق !

بعد تعلم الطريقة سيكون بإمكانك معرفة ما ينبغي قوله وما لا ينبغي ، وما ينبغي فعله وما لا ينبغي في مواجهة المواقف اليومية التي تواجهها مع أطفالك .

لأن التربية السحرية تعتمد على قواعد قليلة ومبادئ حاسمة وحازمة فإنه سيكون باستطاعتك استخدامها حينما تكون قلقاً أو منفعلاً أو غاضباً ، كما أنك ستكون أباً حازماً- ولكن حانياً – حينما تكون مشغولاً أو مستعجلاً .

ماذا تتوقع أن يحدث حين تجرب التربية السحرية :

حين تشرع في استعمال التربية السحرية ستتغير الأمور سريعاً ، لكن هناك أخبار حسنة ، وأخبار سيئة .

الأخبار الحسنة أن نصف الأطفال تقريباً الذين يستعمل آباؤهم التربية السحرية يتجاوبون مباشرة ، أحياناً ” كالسحر” .

عندها ما عليك إلا أن تسترخي وتحمد الله على نعمته عليك .

الأخبار السيئة أن النصف الآخر من الأطفال يصنفون في نطاق ” الأطفال الممتحنون ” !

سيسوء وضعهم في البداية ؛ سيتحدونك ليمتحنوا جديتك في التربية الصحيحة ، فإذا صمدت على موقفك السليم فإن الغالبية العظمى من الأطفال الممتحنين سيتحورون خلال 10 أيام بإذن الله ، وعندها ستبدأ بالاستمتاع بأطفالك مرة أخرى .

صدق أو لا تصدق أنك قريباً ستتمتع بمنزل أكثر هدوءاً ، وأطفال أكثر إمتاعاً .

قريباً : الجزء الثاني من السلسلة .

Read Full Post »

 

قرأت كلماتها في مدونتها الجميلة .

كلمات مشرقة عن الأم ، بعيداً عن  القيود المدرسية السخيفة التي تتحكم في كيفية كتابة عواطفك في مواضيع التعبير .

http://maryambantan.wordpress.com/2011/11/13/%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9-%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1/

اثارت في نفسي أشجان الأم ، إذ كانت تتحدث بلسان الابنة .

وعدتها أن أعارض رسالتها لأمها برسالة إلى ولدي .

أجزم أن رسالتي ستكون بلسان كل الأمهات .

” ولدي حبيبي ، أياً كان اسمك ..

اقترب مني .. لأشمك ، لأضمك إلى صدري . لتعانق مخيلتي ذكريات أيام سعيدة مضت .

اقترب أكثر ..

لتلثم يدي يدك .. وتسافر عيناي إلى الوراء أزمنة ما ، فأراك كما أنت عندي : طفلاً صغيراً .

كأني أسمع ضحكاتك ترن بصخب في أرجاء المنزل .

كأني أشعر بدفء حضنك وأنا أريح رأسي عليه لتلعب بشعري كما علمتك منذ صغرك .. تذكر طبعاً كم أحب ذلك .

كأني بك وقد ملأت صدري زهواً وفخراً لاعتقادك أني أعلم من في الأرض ، وأن ليس ثمة أم تماثل أمك في الجمال و الثقافة والعلم والأناقة .

تذكر حين كنت أنظر إليك بشغف حتى تستحي ، وأقول لك : أحبك ، فتجيبني بصوتك الرقيق : وأنا كمان ؟

أنا أذكر ، لأني أفعل الشيء ذاته مع أختك الصغيرة فتكرر عين الكلمات والأفعال .

تذكر رسائل الشكر التي كنت تكتبها بخطك المبعثر وتغلف بها العيديات التي استلمتها  وتهديني إياها ؟

أنا أذكرها ، بل لا زلت أحتفظ بها إلى الآن في درج مكتبي ، فقط لأن خطك الطفولي يذكرني براءتك القديمة .

تذكر كيف كان فرحي بك يوم أن أتممت حفظ القرآن الكريم ؟

أنا أذكره .. إذ لا يتاح للمرء لبس تاج الوقار كل يوم ، وأنت يا حبيبي ألبستني ذاك التاج .

تذكر كيف كنا نتناقش الساعات الطويلة في أيام مراهقتك ؟

أنا أذكر .. كان نقاشنا ينتهي بعد ثلاث أو أربع ساعات وقد بح صوتي من كثرة الكلام وأرهقني النعاس .

هل اعترفت لك من قبل أننا بعد مشاجراتنا مؤخراً كنت أغلق على نفسي الباب – أي باب متاح – وأبكي ، ثم لا ألبث أن أكفكف دمعي إذ أتذكر أني هكذا فعلت بأمي ذات يوم .

أعلم أني جرحتك كثيراً .

أعلم أني أسأت إليك كثيراً بصراخ أو كلام عنيف .

أعلم أنه لا يشفع لي القول بأني فعلت ذلك خوفاً عليك .

هكذا يقولون في كتب التربية .

ولكني للحق .. فعلت ذلك خوفاً عليك !

كلما رأيتك تخطئ تتجلى أمام ناظري الساعات الطويلة التي أمضيتها في تعليمك الصواب والخطأ .

هذا كان يثير حنقي بالتأكيد ، فأنا أريدك أكمل أهل الأرض .

لعلي غفلت أنك كنت مراهقاً تحتاج إلى مساحة أرحب لتجول فيها بحرية .

لعلي كنت ساذجة إلى درجة ظننت معها أني سأظل حبيبتك مهما فعلتُ …. كما كنتُ في صغرك .

فإذا بطفلي الصغير ، الذي كان لا يفتأ يتحين الفرص ليلتصق بي ، أو ينام إلى جانبي على سريري ، أو يأخذ كفي ليضعها على خده ، أو يتكئ على فخذي وهو يتناول طعامه أو أو أو ، هاهو يكبر ، ويأخذ
بالابتعاد .

صرت تكثر الجلوس في حجرتك وحيداً مع جوالك أو كتابك أو خيالاتك ..

كم تمنيت لو كنت تستمتع بالجلوس معي ، أحادثك وتحادثني ، وتهديني متعة الشعور بأن لي ابناً قد كبر .

صرت تصرح بأن البيت ممل ومقرف .. وما في البيت إلا أوامري وتوجيهاتي ؟

صبراً بني صبراً .

إن هي إلا أيام وتمضي .. تسافر للدراسة ، أو تُعين في بلد ما للعمل ، أو تتزوج .

المهم سيأتي اليوم الذي تفارقني فيه .

ستكون أنت في قمة السعادة والشعور بالانعتاق ، وسأكون أنا كالشجرة التي بدأت تذبل .

أتقدم في السن ، ويضعف جسمي .. ( تذكر ذلك الجسم الذي كان يلعب معك ويحملك إذا مرضت )؟

ولعل بصري وسمعي يضعفان أيضاً ، فتتحدث ولا أسمعك ، وأطلب منك أن تعيد ، فتعيد بتبرم ، وتلتقط أذناي هذه النبرة البائسة .

أعلم أنك في السن الوقادة المتوثبة ، وأني أعيق انطلاقك .

أعلم أن عليّ أن أصبر كثيراً ..

أعلم أني أسدد الدين الذي عليّ لأمي .

وأعلم أن الله تعالى لطيف ودود .

سأصبر حتى تكبر ، وتغدو رجلاً حكيماً .

ستعرف حينها فضلي وترجع إلي .

ستعود لتستشيرني ، ولتلعب بشعري الأبيض ، ولتريح رأسك على فخذي المنهك وأداعب شعرك بيدي المعروقة .

ستمسك بيدي لتعبر بي الشارع ، وستفتح لي باب سيارتك ، وستقدمني على زوجتك وأولادك كما قدمتك من قبل على أمي ونفسي .

أنا أعلم أن كل ذلك سيتحقق ..

فقط أرجو أن أكون حية في ذلك الوقت . “

أمك المحبة

Read Full Post »

هذا كان عنوان الهاشتاق الذي شاركت مؤخراً فيه في تويتر .

والذي يريد أن يعرف معنى الهاشتاق أو تويتر فعليه البحث في أقرب قوقل طلباً للإفادة ، إذ أن أمر شرحه يطول .

أيام الطفولة و الذكريات من الأمور التي أستعذبها للغاية ، وأهرب إليها كلما أردت استجلاب بعض السعادة .

اكتشفت في هذا الهاشتاق أن هناك الكثير من الأمور التي يتشابه فيها الناس في طفولتهم ..

كثير منهم يهوون ( التفل ) أو البصق على المارة من النوافذ أو الشرفات !

كثير منهم كانوا يكذبون بشأن الصلاة .

كثير منهم كانوا يهوون غسل الالكترونيات كالمسجل والجوال ( ويجيبوا العيد بعدها ) !

كثير منهم كانوا يسجلون الأناشيد بأصواتهم والتمثيليات والنشرات الإخبارية ! بل أن بعضهن حكت أنها كانت ( تتقصوع وتتميجغ ) في نطق اسم الرئيس الأمريكي ” جيمي كارتر ” إمعاناً في تلفظه باللهجة الأمريكية !

أيام الطفولة عالم جميل ، ساحر ، مليء بالمفارقات والقفشات والأشياء العجيبة .

أحكي لكم موقفاً مضحكاً ؟

أعلم أنه لا ينبغي لي أن أذكره حفاظاً على الحياء العام ، ولكني لا أتمالك نفسي من الضحك كلما ذكرته، وأنا أحب أن أضحككم دائماً ، فتغاضوا عن أي حياء مخدوش ، وتذكروا أولاً وأخيراً أن هذا صدر مني حين كنت في الثامنة أو التاسعة .

أنا أذكر جيداً أني كنت في هذه السن لأن أبي لم يتوف بعد .

كنت أقرأ في الصالة كتاباً ما أو مقالة في جريدة وأمي تعد الطعام في المطبخ ، فقرأت كلمة لم أعرف معناها، فصرخت لتسمعني أمي : مااااماااا ! إيش يعني كلمة ( ثاااديييي ) ولكم أن تحذفوا أحرف المد التي وضعتها هنا لتوحي بالصراخ .

وفي لمح البصر وجدت أمي تقف عند رأسي وبيدها المغرفة ( أو هكذا يهيأ لي أن كل الأمهات يمسكن بالمغارف إذا أردن معاقبة أولادهن .. كما ترون ، هنا تأثر شديد بأفلام الكرتون  ) وتقول لي وهي تجز على أسنانها بصوت منخفض : هش .. أخفضي صوتك .. كل البيت سمع ! كلمات كهذه لا تسأليها صارخة ، وإنما تأتي لي في المطبخ وتسأليني ..

طيب يا مامتي يا حبيبتي ، كيف لي أن أعرف ما إذا كانت الكلمة من ( تلك ) النوعية أو لا ، وأنا أصلاً لا أعرف معناها .

السؤال الذي يطرح نفسه هو : ما عساه يكون هذا الكتاب الذي احتوى على هذه الكلمة لتقرأه فتاة التاسعة ؟

لا يذهب فكركم بعيداً .

لعله كان كتاباً يحكي عن الأم الرؤوم التي ألقمت رضيعها الباكي ثديها !

وحينما كان خالد في الصف الرابع كان يحب الاستماع إلى شريط مختصر صحيح البخاري قبل النوم . فسألني ذات ليلة عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين حاضت في الحج : أنفست ؟

واحترت ، كيف لي أن أشرح لطفل التاسعة عن الحيض وهو ذكر وليس أنثى ؟ فأخبرته أن النفاس هو الفترة التي تجلسها المرأة بعد الولادة ، وكما يقولون ( لفيت  لموضوع ) ثم أغلقته .

الطفولة عالم من الشقاوة والأذية .

كنا نتصل ونحن صغار بعد أن تخلد أمي إلى النوم في رمضان على بعض الفنادق ونسأل الموظف : عندك جناح ؟ فيجيب : نعم ، فنقول : نحن نريد صدراً ، ونغلق الخط وأعيننا تدمع لشدة الضحك .

وأذكر أن ابن خالتي نصحني مرة إذا أردت الاستمتاع بعصير قمر الدين أن أشربه وأتنفس في الوقت ذاته ، فعملت بنصيحته و ( شرقت ) وأخذت أسعل مختنقة في حين غرق هو في الضحك هو على عبطي ،
وبقي طعم قمر الدين في البلعوم بين أنفي وحلقي لثلاثة أيام ، ومن بعدها كرهت قمر الدين  ليومي هذا.

الطفولة عالم غير من البراءة المضحكة في كثير من الأحيان .

 كنت عندما ألعب مع أخي عاصم يكون هو دائماً أحد ( المانات ) المتوفرين في تلك الفترة : سوبرمان أو باتمان أو سبايدرمان ، وأكون أنا النسخة ( الوومنية ) من تلك الشخصيات .

في حين أن خالد وسهل كانا يلعبان الكرة مرة فقال أحدهما : أنا موسى عليه السلام ( لقوته ) ، فقال الآخر محاولاً غلبه : وأنا يوشع بن نون ، أنا أقوى .. أوقف الله الشمس لي ولم يوقفها لك !

وقبل أسبوع كنت ألعب مع شمس لعبة : حجرة ورقة مقص ، فعملت بيديها حركة غريبة ، فسألتها : ما هذه الحركة ؟ هذه ليست ورقة ولا مقصاً ؟ ما هذا ؟

فقالت بعد تفكير عميق : هذا دفتر !

أما لطيفة فكانت تحب أن تخيفني وهي صغيرة .

ولعلها كانت لا تدرك ما تفعله ، ولكن كانت تحب أن تتخيل أشياء كثيرة .

فكنت إذا أردت أن أنومها وهي في الثالثة ، فإني أهدهدها بين يدي وأقرأ لها قرآناً حتى تنام .

فمرة رفعت رأسها فجأة ونظرت إلى النور وقالت بجدية : انظري هناك . أنظري إلى البقرة .

خفق قلبي بعنف وسألتها : أي بقرة يا توفي ؟

قالت :هناااااااااك  ، فوق الدولاب .

أدرت رأسي ببطء حيث أشارت وأنا أتمتم بآية الكرسي ، وطبعاً لا أجد شيئاً ، لأنه في خيالها .

وفي مرة أخرى رفعت رأسها وأشارت وكأنها تكلم شخصاً غير مرئي : تعالي تعالي .

نظرت حيث أشارت وحسبتها تكلم فاطم ، ولكني لم أر أحداً . فسألتها : من هي ؟

فقالت : البنت ، شوفيها !

بسم الله .. ما في أحد يا توفي .

فتضحك وتغلق عينيها وتنام ، وأظل أنا في عرقي البارد وأدريناليني المرتفع .

أكره حينما يخرج الأطفال ما في خيالهم إلى أرض الواقع ، لأننا من ( سيبتلش ) حتماً .

والآن وبعد هذه السنوات ، وبعدما كبرت وكبر أكثر أطفالي أشعر بحنين إلى تلك الأيام .

حينما كنت كل عالمهم .

حينما كنت أعلم الأرض في نظرهم .

حينما كان حضني هو المكان المفضل لهم .

وأبعد من ذلك ، حينما كانت أمي كل عالمي وحضنها مكاني المفضل .

أفتقد البراءة وراحة البال بشدة .

وكلما ضاق صدري بهموم الدنيا المصاحبة لكبري وكبر أولادي أزفر بحرارة وأردد : في الجنة تتحقق كل الأمنيات .. كل الأمنيات .

هل نكدت عليكم في نهاية هذا المقال المضحك ؟

لا بأس ، فبعد العلاج الهرموني صرت أعاني من تقلبات مزاجية أجاركم الله .

على الأقل أتوقع أنكم ضحكتم بعض الشيء فاحمدوا الله على ما جاءكم .

واعذروني على هذه النهاية المباغتة ، ففي كتابة التدوينة أعاني من مشكلة اختيار الموضوع ، ومشكلة دمج المقدمة بصلب المقالة ، ومشكلة ختم التدوينة ، ومشكلة الإطالة ( إيش بقي ) ؟

ولكن لهذا أحبكم .. لأنكم تصبرون عليّ !

Read Full Post »

كثير منا تقابله مواقف في حياته قد تكون سارة أو غير ذلك ، ويريد أن يهرب من مواجهتها .

لماذا يهرب من المواقف السارة ؟

لأي سبب .. قديكون الخجل أو الرهبة أو شدة الإثارة ويخشى أن تنفلت انفعالاته بما لا يحمدعقباه .

أسباب كثيرة .

وباعتقادي أن لكل إنسان طريقته في الهرب .

هناك من يهرب بالنوم ، أو باللجوء إلى الكتابة ، أو طرق أخرى ملتوية !

صغارنا حين ننظر إليهم بصرامة إذا ما أخطئوا كانوا يغمضون أعينهم يحسبون أنا لا نراهم كما أنهم لا يروننا .

والبدين يهرب من تأثره بالبدانة بأن يسخر من نفسه على الدوام ، من باب ( أنا أتتريق على نفسي لا أحد يتتريق علي ) ، وقل مثل ذلك في الطويل والقصير .

حين كنت صغيرة كان أبي رحمه الله يجمعنا لصلاة المغرب جماعة .

أذكر جيداً أني كنت في العاشرة  تقريباً وكنت أقرأ قصة عن بلال بن رباح رضي الله عنه حين أمرتني أمي بالتجهز للصلاة .

طيب .. في الحقيقة لم أكن أحب صلاة الجماعة كثيراً ، ولعل سبب ذلك واضح .

لماذا تحرص بنت العاشرة على صلاة الجماعة في حين أن بإمكانها أن تؤديها منفردة في نصف دقيقة ؟

لذا كان لابد لي من الهروب ..

قلت لأمي بجدية : لا أستطيع الآن .. أنا أقرأ عن بلال بن رباح !!

قالي لي بحزم أكبر : قومي الآن .

قمت وأنا متعجبة و( مستصيبة ) ..

أستغفر الله .. أقول لكم أقرأ عن بلال بن رباح وتقولون لي : قومي صلي ؟

يعني ( إيش أفود ) ؟ التعرف على الصحابي والا الصلاة  مثلاً ؟

انتم عجيبون !!

وفي القاهرة  كان لي موقف آخر مشابه مع ابنة خالتي التي كنا في زيارة لهم .

طلبت مني أن أذرع الردهة جيئة وذهاباً بابنها الصغير أدفعه في عربيته لتنويمه .

ما هذا العمل الممل ؟

كان يصرخ ( كالكفتيرة ) .

عندها ( تذكرت ) أن أمي طلبت مني أن أصلي العصر ..

أخبرتها أني وددت لو استطعت مساعدتها ، ولكن أمي طلبت مني أن أصلي ، وتعلمين أن الصلاة يجب أداءها على الفور !!

طبعاً ذهبت وشعرت ( بحاجتي الروحية ) لتجديد وضوئي ، ثم بحثت لبرهة عن ( الشرشف ) الملقى فعلياً فوق السرير أمامي ، ثم صليت أربع ركعات خاشعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن !!

هذه السن عجيبة بالفعل .

أقصد بين 8-10 سنوات .

فقط لإضحاككم أذكر هذه القصة .

أذكر أني في إحدى  الأيام حين كنت في هذه المرحلة العمرية العجيبة غضبت من والديّ غضباً شديداً .

لاأذكر السبب .

ولكني قررت الانتحار !

دخلت الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح .

وانتظرت لينتهي الأكسجين فأموت ، وعندها سيكسر أبويّ الباب ويجدانني قد فارقت الحياة وقد ازرق وجهي اختناقاً ، فيموتان كمداً ..

وبذلك أكون قد انتقمت منهم !

تصبب العرق مني .. وبدأت أشعر بالدوار .

وفجأة غبت عن الوعي ..

للأسف أنه لم يكن إغماء .

وبعد ساعتين دقت أمي الباب بشدة وأيقظتني من نومي وأمرتني أن أفتح الباب حالاً ، وضيعت علي فرصة الانتحار الذهبية !

طبعا أستفيد من هذه القصص الآن حينما أرى ما الذي تفعله بي لطيفة وشمس .

فقط علي أن أتحلى بالمزيد من الصبر وأضع نفسي مكانهما وأتذكر الأيام الخوالي التي كنت آتي فيها لأمي بالعجائب .

تناولت لطيفة يوماً  الغداء ثم قامت وغسلت يديها  .

ولما انتبهت إلى أنها لم تستغرق في غسل يديها وقتاً طويلاً علمت أنها غسلتهما بالماء فقط ، فناديتها وسألتها : هل غسلت يديك ؟

قالت بثقة : نعم .

قلت : شميها !

فشمتها وقالت : الله ( ومدت بها صوتها ) .

في الحقيقة أني شككت في فراستي لوهلة .

هاهنا ثقة مفرطة بنظافة اليدين حتى أنها تقول ( الله ) بإعجاب .

ولكني صمدت فجأة وطلبت منها أن أشمها ..

طبعاً النتيجة معروفة ..

رائحة دجاج ورز ولبن وسلطة مجتمعة :/

والآن بعد أن كبرت كلما ضاقت بي الحال أو شعرت بالملل ، أو بالضغوط النفسية فإني لازلت أهرب.

ولكن لا للأسف ..

ليس إلى الصلاة والذكر ، ولكن إلى الطعام .

وهذا ما يسمى بالأكل العاطفي emotional eating

ولهذا فقد زاد وزني في الفصل الماضي ثمانية كيلوات ..

لن أقول أنها كلها بسبب  الضغوط النفسية المصاحبة للاختبارات ، ولكن هناك العلاج الهرموني أيضاً والذي يسبب زيادة الوزن .

مالم أفلح في إتقان الهروب  فيه هو حين يثني علي أحد ما .

لا يخلو المرء من أن يفعل شيئاً يستحق أن يثنى عليه ..

هي عندي طامة .

نعم .. أحب الثناء والمديح ، وكاذب من يقول أنه لا يحبه .

ولكني ( أحوس ) فيه بشدة .

أكرمني الله ببعض الصديقات اللواتي ( أخذن مقلباً جامداً ) فيّ .

أشعر  أحياناً أنهم لا يدخرون جهداً في الثناء عليّ و (قطع رقبتي ) .

بعضهن كن يعتقدن أني عبد الله بن المبارك !

ووالله أني ليدخلني من الهم الكثير إذ لا أعرف كيف أتصرف ، وأظل أتمتم : الله المستعان ، الله المستعان ، أستغفر الله أستغفر الله .

فإن كان الثناء مواجهة ومشافهة فإنها الليلة الليلاء  والبلية الدهماء .

ماذا أفعل بيدي ؟ هل أعقدهما ، أو أرسلهما ؟

هل أنظر في المتكلم أو المستمع أو في الأرض ؟

هل أبتسم ببلاهة أو أحرك رأسي كالحكماء وأقول برصانة : الحمد لله .

وتنقضي دقيقة الثناء كالدهر ،  قبل أن أتنفس الصعداء ..

ثم حين تهدأ نفسي أجتر الكلمات التي قيلت ليستمتع قلبي بمذاقها الجميل .

هممم .

أكاد أقرأ ما يدور في أذهانكم ؟

تستجلب المدح بهذا الكلام ؟

طيب عادي ..

إذا أردتم أن تثنوا في المدونة فأهلا بكم ..

على الأقل لن أراكم وجهاً لوجه .

وإن فكرتم : كم هي صفيقة ، فعادي كذلك ..

لابد لمريضة السرطان أن تثني على نفسها أو تستجلب الثناء لتفرح ..

فمرضنا فيه الكثير من الأحزان ، ودوركم إدخال السرور على قلب المرضى .

وعلى هذا ..

فهل لكم ان تكتبوا لي عن هروبكم كيف يكون لتدخلوا بعض السرورعلى قلبي الكهل ؟

اكون لكم من الشاكرات  : )

Read Full Post »

 كنت قد وعدتكم في التدوينة الماضية باعتراف خطير .

حسناً ، ليس الأمر مثيراً لهذه الدرجة ، ( فلا تتحمسوا ) ، بل قد تكون هذه التدوينة مقلباً .

لا بأس .. مقلب لكم ومقلب عليكم ..

سأحكي لكم شيئاً ما أولاً ، ثم أعترف .

في الفترة الماضية ، ومع زيادة الوزن التي طرأت عليّ بعد اختباراتي الأخيرة ، لاحظت أني  أمشي محنية الظهر بعض الشيء ..

كيف لحظت ذلك ؟

مررت أمام المرآة بالطبع ،  وكعادة الإناث ، لم تكن المرآة لتفلت مني دون أن تحظى بنظرة سريعة لشكلي العام .

هذه الانحناءة التي لازمتني بعد الكيماوي .

كلما ألمح هذه الانحناءة ، أعود لأنصب ظهري و( أشفط ) بطني لأخفف بعض الثقل عن عضلات ظهري المسكين .

في رحلتي الأخيرة من جدة إلى المدينة ، تأخرت كعادتي في النزول من الطائرة أملاً في باص جديد أجد فيه مقعداً ، ولكن ( مو كل مرة تسلم الجرة ) .

نزلت فإذا الباص ممتلئ ، والمقاعد قد شُغلت .

فاضطررت للوقوف ، أمسك شمسي بيد ، وأحضن العمود بيدي الأخرى أحاذر السقوط .

هنا امرأة أجلست ابنها الصغير في المقعد المجاور ، ولا أدري لماذا لم تجلسه في حجرها الفارغ لتتيح لغيرها من النساء فرصة الجلوس .

 وهناك رجل ليس بالشاب ، ولكنه ليس مسناً ، قد تبوأ مقعداً ، جواله بيده يتحدث ، وجريدته تحت إبطه و( ماخذ راحته بالمرة ) .

تحرك الباص ببطء ، وقَوِيَ تمسكي بالعمود وبشمس وتشبثي بحقيبتي الشخصية وحقيبة كمبيوتري المحمول ، وكدت أفقد التوازن لولا أن قامت إحدى النساء الشابات من مقعدها وقالت لي : تفضلي يا خالة !

(……………)

( بررررررررر )

طبعاً ، شكرتها وجلست بجوار أمها ، في حين وقفت هي  برشاقة كالغزال دون أن تتمسك بأي شيء إلا بالبلاك بيري في انهماك .

وعلى الفور هتف في خاطري صوت ما ( بتعيجز): خالة خالة ، أهم شيء أجلس ..

(  شهقة قوية ) : هنااااااء .. انظري ماذا تقولين ؟

أرخي طرفي كسيرة الخاطر ، وأومئ برأسي بأسف وأقول : نعم ..

أريد أن أعترف ..

أنا خالة !!!!!

بعد هذا الموقف ، فإن من الشجاعة الأدبية أن أعترف ( بخلخلتي ) .

ويا هناء : ( حتاخدي زمانك وزمان غيرك) ؟

انظري إلى انحناءة ظهرك ، وإلى ضعف بصرك ، وإلى عرجتك الخفيفة بعد جلوس طويل .

أرجوك لا تلبّسي على الناس بقولك أن ذلك كله بتأثير الكيماوي أوزيادة الوزن ، فالمصداقية ضرورية في هذه المدونة .

أوووووف .. لن أقول ..

ألم أقل أني سأعترف ..

بل ألم أعترف فعلا ؟ لا داعي لكثرة الكلام .

لذا يا جماعة ..

تراني خالة ..

خلاص ؟

( ارتحتوا ) ؟

طبعا لا ينبغي أن يمر كلام محطِّم كهذا دون أن أدلل نفسي ببعض الثناء .

صحيح أني “خالة” لكني خالة عصرية ، و لا تغرنكم العباءة التي على الرأس ومرض السرطان .

لقد حزت المجد من أطرافه : فأنا طالبة في سن جدتي في المستوى الثاني ( يعني أصغر من بنتي وصديقاتها ) ، وأهوى التدوين ( وإلا لما كنتم تقرءون هراءاتي هذه ) وجزاكم الله خيراً على صبركم عليّ اليوم .

كتابي الأول تحت النشر ، وأحب التصوير جداً لكني لا أريد أن أتوغل فيه لأني لا أصور ذوات أرواح ، فلا داعي ( للنحنسنة ) ، وكل الصور التي تجدونها في مدونتي من تصويري  مالم أذكر شيئاً خلافه ، إما بكاميرا ابنتي الاحترافية ( الكاميرا هي الاحترافية لا ابنتي ) أو بكاميرا الجوال .

عندي  حساب في  الفيسبوك وتويتر والانستاغرام .

وأعشق قيادة السيارات (………… )

ما رأيكم بهذه الطامة ؟

ولكن مهلاً مهلاً ..

لست من الداعيات إلى قيادة المرأة للسيارة ، ولكن إذا كنت في البر فإن أول ما أفعله بعد تلاوة أذكار الخلاء : تناول مفتاح سيارة أي رجل متاح في مجموعتنا و( اللفلفة ) بالسيارة في الجوار ، وبإمكاني إعطاء دروس مجانية في القيادة لفتيات العائلة .

أعرف أني غثثتكم بكلام لا نفع فيه ولا طائل ، ولكن للحق ، فإني ( طفشانة ) ونفسيتي متعبة بعض الشيء وأريد أن أفرّح نفسي ببعض التفاهات ، واتفقنا من قبل أن هذه المدونة بيني وبينكم .

فصبراً صبراً .

وأخيراً ..

للتأكيد على ( الخلخلة ) ، وختمها بختم رسمي ، فقد أقام أولادي لي في بيت جدهم حفلاً بمناسبة ( سلامتي ) الجمعة الماضية ، وأشدد هنا على وضع كلمة سلامتي بين قوسين ، ذلك لأني لم أجر أي فحوصات قريبة لتتضح سلامتي ، ناهيك عن أنهم أقاموا لي حفلاً بالفعل بعد مرور سنة على إجراء العملية .

وسبحان الله ، قبل ذلك بيومين فقط كان يوم ميلادي الخامس والأربعين بالميلادي ، وأنا لا أحتفل بأعياد الميلاد .

( إيش الصدف دي ) ؟

وللمرة الثانية والثالثة والعاشرة وما لا يحصى من المرات أتخيل نفسي تلك الطفلة ، ثم الفتاة ، ثم الشابة ….
وها أنا الآن : مسنة ، ( وأرجو أن لا يتميلح أحدكم ويقول : ” مسنة والا جذعة هاهاااااي “، فالموقف ينبغي أن يكون دراماتيكياً بعض الشيء ) .

لا تخافوا ، لن أعطيكم مواعظ هذه المرة ..

تكفي جرعة الغثا المهولة في هذه التدوينة .

فأنا نفسي ( منغثة ) وأحببت أن أغثكم معي لأشعر بالتكافل الوجداني .

أشكركم لإتاحة الفرصة لي في ممارسة سوداويتي في تعذيب الآخرين بسماجاتي ، ونرجسيتي في مدح نفسي .

لكن صدقوني ..

أنا محتاجة لذلك بشدة اليوم .

Read Full Post »

عندي قناعة شبه أكيدة أن التدوينات التي تكتب عن الأطفال هي من أجملها على الإطلاق ، على الأقل في نفس كاتبها .

أولئك مخلوقات طاهرة بريئة (مهما بلغ خبث أحدهم ومكره ) ، ماهرة في انتزاع البسمات والضحكات من قلوب (الطبيعيين ) من الناس .

تذكرون تدوينتي بعنوان : ” حكاية ما قبل النوم ، بطولة شمس !” ؟

كانت هذه من أنجح التدوينات التي نالت استحسان القراء الأعزاء .

الأطفال نعمة من الله .

وأحدد الأطفال ممن لم يتجاوزوا السادسة من  العمر ..

فإذا كبروا  فإنهم قد يتحولون تدريجياً ( بقصد أو بدون قصد ) إلى أدوات تعذيب لآبائهم .

أما قبل ذلك فذاك عالم باهر من الروعة والبهاء .

كلما أردت استجلاب شيء من السعادة أتذكر شيئاً من أولادي حينما كانوا صغاراً ..

أحاول أن أتذكر ما لا يستدر دمعي في الحقيقة، فأنا بعد سفر سهل زادت شهيتي نحو البكاء !

كم أتوق للأيام التي كنت فيها ( كل ) عالمهم  .

يكفي الرضيع فيهم أن يغرق في عينيّ فيشعر أنه في الجنة ذاتها .

وصغيرهم كان يعتقد أني أعلم من في الأرض .

لمساتهم حنان دفاق .

ونظراتهم وله وعشق .

حسن .. أحاول أن لا أخرج عن الخط المعتدل إلى خط الحزن والدراما بهذه التدوينة .. يكفي تدوينة سهل أليس كذلك؟

في الواقع أشعر أني بتدوينة ” رحلة إلى عالم النسيان ” قد قدمت جرعات مأساوية تكفي لعدةأشهر قادمة .

لكن ما أثار هذا الموضوع قبل قليل أن شمساً كانت تمشط شعري..

قررت أن تلعب دور مصففة الشعر ( أبلة ميرفت ) فأخذت تمشط شعري وتفرقه يمنة ويسرة ، ثم تنظر إلي وتقول :

 يا ناااااس ..

وتكرر العمل ، وتغير ( التسريحة ) وفي كل مرة تختم ذلك بأن تنظر إلى وجهي وتقول : يا نااااس .

اقتربت لطيفة منا بفضول ، وظلت تنظر إلى ما تفعله شمس ، ثم أعطتها بعض التوجيهات لتخرج منها بنتيجة مفادها أني أشبه ( دانة ) .

قالت شمس : ( ايوة صح ، زي دانة ) !

ثم سكتت برهة وقالت : مين دانة ؟

ضحكت عالياً .. ولبثت أفكر .. كم من الجمال يراه الأطفال في أمهاتهم وآبائهم .

كم من الحب يغمرون أهليهم به بكل أريحية  ، في لمساتهم ، في كلماتهم ، في نظراتهم ..

حينما سقط شعر رأسي بعد الجرعة الأولى من العلاج الكيماوي كان شكلي غريباً بالتأكيد .

مهما حاول مَن حولي إقناعي بأن شكلي ( عادي ) إلا أن لي عينين في رأسي أبصر بهما شكلي وأستطيع التفريق جيداً بين ما كان يبدو ( عادياً ) وما لم يكن كذلك .

أتخيل وجود رجل أصلع .. فهذا عادي فعلاً بسبب العمرة والحج .

أما امرأة صلعاء ، فهي غريبة بغرابة لفظ الكلمة : ( امرأة صلعاء ) !

كانت شمسي رفيقتي في فترة المرض والعلاج ..

وكانت تحب دائماً أن تحتضن رأسي من خلفي وتمسح عليه بيديها معاً .

لم تكن تخاف من شكلي ولاتنفر منه ..

بل كان يستهويها جداً أن تضم رأسي إلى صدرها وتقبله ..

كنت أشعر أن هذه الحركة نعمة من الله ، تعيد إلى قلبي بعضا ً من الحياة .

حينما كان عبد الله في الابتدائية كان يستلم مكافأة التحفيظ ويلفها بورقة كتب فيها رسالة حب وشكر على ( تعبي في تربيتهم ) ويضعها بجانب سريري .

وحين كان الثلاثة الكبار صغاراً كانوا يحبون أن يفاجئوني بترتيب البيت ترتيباً متقناً نظيفاً ، أو يأتي أحدهم ليلعب بشعري وهي حركة نسميها ( حَبّو ) فتسترخي أعصابي .

الأطفال تظل أعينهم على آبائهم ، يرصدون حركاتهم وأقوالهم ويتعلمون منهم .

قبل الاختبارات كنت في جدة لمدة أسبوع بسبب موعدي مع طبيب الأورام .

خرجت في إحدى الليالي ورجعت متأخرة ولما تنم شمسي بعد .

وضعتها في فراشي وأنا متيقنة أنها ستنام خلال خمس دقائق ، ولكنها تأخرت عن ذلك كثيراً .

أصابني الملل وأدركت أني طالما كنت معها في الحجرة فلن تنام ، لذا أخبرتها أني سأذهب إلى دورة المياه كي أتوضأ وأغسل أسناني ، وأن عليها ألا تقوم من فراشها حتى أعود .

خرجت وكلي أمل أن تنام خلال هذه الفترة ..

وبعد خمس دقائق مررت بالحجرة فسمعتها تغني فقررت أن أتأخر عن الدخول إليها قليلاً ريثما تنام .

وذهبت إلى الصالة وفتحت كمبيوتري لأتفقد أحوال المنتدى .

وجدت مواضيع تحتاج إلى رد فاستغرقت في الكتابة لأفاجأ بعد قليل بصوت من ورائي يقول : الكذب حرام !

كاد قلبي يتوقف ..

ففي هدأة الليل ، والسكون المزعج خرجت شمس من الحجرة لما انتبهت إلى تأخري عنها ، ومشت بخطوات صغيرة رقيقة على الأرض المكسوة بالبساط في بيت أمي لتكتشفني جالسة أطقطق على الكمبيوتر وأنا التي وعدتها أن أرجع إليها بعد انتهائي من طقوس ما قبل النوم .

اقشعر جلدي ، وبردت أطرافي ، وأكاد أجزم أن الأدرينالين قارب على أن ( يخبط ) السقف برأسه .

التفت إليها سريعاً ، وقبل أن أتكلم ، دخلت بهدوء وهي تنظر إلي نظرة جانبية ، وقد ارتسمت الجدية الصارمة على وجهها ، وكررت بصوت حازم : الكذب حرام ..

هنا تداعت إلى ذعني كل مقاطع الرعب التي شاهدتها حين كنت أمثل ( الكوالة ) في مراهقتي .

لوهلة خاطفة تخيلت أني سأسمع صوتاً عميقاً يخرج من جوفها ليقول : الكذب حرام .

أنتم لم تروا النظرة ..

ولم تسمعوا النبرة  ..

كانت خطيرة بالفعل ..

وللمعلومية .. شمسي ممثلة بارعة ، وتتقن جداً تمثيل هذه النظرات لتشعرك بالذنب أو الخوف أو الاحتقار ، أو ما شاءته وكان مناسباً للظرف .

كانت ترتدي قميص نوم طويل ، وظلام البيت من خلفها ، فبدت بالفعل وكأنها خارجة من أحد أفلام الرعب التقليدية.

انتبهت من فزعي وقلت : بسم الله ، فجعتيني ..

فقالت وقد لانت نظرتها بعض الشيء : الكذب حرام .. ما قلتي حترجعي ؟ كيف قاعدة ع الكمبيوتر ؟

قمت إليها وأمسكت يدها الصغيرة وقدتها إلى الحجرة وعقلي يفكر : أوه الحمد لله . تتكلم بطريقة عادية .. لم تخرج إذن من أفلام الرعب .

شرحت لها أني قصدت فعلاً الرجوع إليها بعد انتهائي من الوضوء ، ولكني أتيت إلى الصالة لأرى شيئاً سريعاً فانتهى بي المقام إلى التطويل ، وأخبرتها أن : أمي لا تكذب ..

أعترف أني اخطأت نواعترف أني لم أقصد خداعها ، وإنما كان قصدي ألا أتواجد معها لتتمكن من النوم سريعاً .

وأعترف أنها منذ ذلك اليوم صارت تفسر كل ما لا يحدث (حرفياً ) مما أخبرها به أنه كذب ، ولو كان في الحقيقة سوء فهم أو خطأ غير مقصود . وصارت تكرر لي : الكذب حرام يا أمي.

ماكان موضوع هذه التدوينة بالضبط ؟

لا أعرف .. لا شيئ محدد هناك .

فقط أحببت ان أشارككم خواطري بشأن هؤلاء الأحبة ..

لا أعني بها شمس فقط .. وإنما شموس حياتي أجمعين .

Read Full Post »

قبل قرابة الخمس سنوات خرج خالد من بيتي يوم زواجه وكأن قطعة من قلبي انتزعت انتزاعاً .

واليوم ، وبعد سويعات قليلة سيغادر سهل بيتي إلى جدة ليعمل في مكتب المحاماة الخاص بجده في فترة الإجازة الصيفية ، ولا أدري لعلها إرهاصات بقرب مغادرته البيت تماماً للسفر في بعثة أو زواج أو شيء من هذا القبيل .

حمداً لله أنه لا يقرأ تدويناتي .

تدوينة اليوم قد يكون فيها الكثير من المأساوية ، وعليكم أن تحتملوني وتواسوني لأن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم .

ألم أذكر من قبل أن بعض الناس يحبون أن يظلوا في وضعية الحزن ( مود الحزن ) وأنهم يجدون في ذلك نوعاً من الرومانسية ؟

حسناً .. لعلي سخرت منهم فابتلاني الله اليوم بأن أكون مثلهم ..

منذ أن علمت بالخبر البارحة وأنا في كآبة ودموع .

حياتي مرتبطة جداً بأولادي الثلاثة الكبار : خالد وسهل وفاطم .

قضيت معهم شبابي ، وجربت فيهم وسائل التربية وحماس المربين .

على الرغم من أني كنت أعاقبهم عقوبات لا هوادة فيها إذا هم أخطؤوا إلا أني كنت أشعر بحبهم لي وهم صغار ..

كانت الفروقات العمرية بينهم طفيفة : سنتان بين خالد وسهل ، وأكثر من السنة بقليل بين سهل وفاطم  ، وثلاث وعشرين سنة بينها وبيني .

كنت أجد الكثير من المتعة في تعليمهم وتوجيههم ، وكنت أفرح بتعليقاتهم اللماحة الذكية على القصص التي أحكيها لهم ، والتي اكتسبوها – التعليقات لا القصص – بفضل الله من كثرة القراءة حيث لم نسمح بوجود التلفزيون والذي كان أبوهم يسميه : المفسديون .

كانوا يلعبون سوياً ، وإذا ما أزعجوني كنت أوجههم لترتيب ألعابهم التي بعثروها ، فيذهب ثلاثتهم لترتيبها ، فقط لينتهي الأمر باندماجهم في لعبة جديدة تمنحني ساعة أخرى من الهدوء .

كان هؤلاء الثلاثة يصنعون عالمي ..

كانوا كالألوان الزاهية التي تضفي إلى حياتي رونقاً وجمالاً .

اليوم .. خروج سهل يدمي فؤادي .

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ مدونتي .

أظل أذكر نفسي بأنه لابد أن يخرج في يوم من الأيام ..

كلهم لابد أن يخرج ، منهم من سيبحث عن رزقه ، ومنهم من ستتزوج ، وهذه هي الحياة ..

لم تربهم يا هناء ليظلوا في بيتك أبد الدهر ..

ولكنه شعور قتّال ..

اعذروني لارتباك حروفي وتبعثر كلماتي ، ولكني مشوشة الذهن بالفعل .

تتجاذبني مشاعر جياشة من الحزن والخوف من المستقبل ، والأسى لسفره .. وبعض من فقدان الرغبة في الحياة ..

أشعر بأن الهموم تكاثرت علي ، وخروج سهل الذي يساعدني في تربية أخوانه يقصم ظهري ..

حينما كان سهل في الثانوية ، وكان متفرغاً لي تقريباً ، يبرني ويؤنسني مع فاطم – بعد زواج خالد –  ويكون لي الدرع الذي أحمي به نفسي من قرف الصغار الذين راهقوا فيصرخ عليهم لو آذوني ، ويوجههم لمساعدتي ، كنت أمازحه دائماً وأقول له : لا تتزوج وتتركني لهؤلاء الأوباش ، فيضحك ويطمئنني بأنه لن يحدث ..

وأضحك وأمني نفسي بحياة طويلة في هدوء وراحة .

ولكن من قال أن الحياة تستقر على نمط واحد ؟

ها هي الأيام تمر ، ويكبر سهل ، ويتخرج من الجامعة ، ويصبح عمله أو إكمال دراسته لازماً ..

وما أفضل من مكتب جده للمحاماة ليتدرب على العمل فيه إن كان ينوي أن يعمل مستشاراً قانونياً ؟

حينما أخبرني بذلك البارحة ظللت أستمع إليه وعلى فمي ابتسامة بلهاء ، وقلبي يحرك رأسه بشدة في غير تصديق : لا .. وتتركني وحدي مع هؤلاء الأوباش ؟

لم أعد كالسابق ..

السرطان التهم نصف طاقتي ، وتربية المراهقين الجدد في هذا الزمن المتعب تلتهم النصف الآخر .

سهل كان يدي اليمنى بالفعل ، ويدي اليمنى اليوم تنفصل عني .

إذا خرب الدي إس إل ننادي : يا سهل .

إذا أزعجني المراهقون الجدد بتمردهم وسوء أدبهم ناديت : يا سهل .

إذا لم أجد من يوصلني لصديقتي أو لدرسي بحثت عن سهل ..

إذا احتجت لعمل متقن في ابتياع شيء ما يوافق رغباتي فما لذلك إلا سهل .

سهل دائماً يملأ الفراغات ..

واليوم سهل سيترك فراغاً كبيراً في قلبي ..

حمداً لله أنه لا يقرأ مدونتي .

وفي الركن الخلفي من عقلي يرتفع صوت حكيم رصين : وإلى متى ستضعينه تحت جناحك ؟

لابد أن يذهب ويبحث عن مستقبله ..

لابد أنه سيتزوج في يوم من الأيام أو يسافر لإكمال دراسته ويتركك ..

لاتكوني مبالغة في (مود الحزن ) وانظري كما تعودت في نعم الله وألطاف الله .

هو لن يتركك نهائياً ..

هو لم يمت للمزيد من الدقة ..

فقط سيغادر المنزل ليبني حياة جديدة  خاصة به.

وهل أنجبته ليكون امتداداً لحياتك ؟ ليكون كتاباً في مكتبتك أو قطة تتسلين بها ؟

أليس ذلك هودورك كأم ؟

أهز رأسي ، وأقول : كلام صحيح وجميل ..

ولكن الفراق مؤلم ومر كالعلقم .

سبحان الله .. في الحين الذي يتقلب الوالد على جمر الغضا من ألم الفراق والانفصال ، يكون الولد في غاية الحماس والنشاط والرغبة في خوض التجربة لحد الثمالة ..

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ تدويناتي .

لاحظت أن الكتابة في وسط الأحداث تكون مأساوية للغاية وباكية ، أما بعد انقضائها فتكون متفائلة ومرحة وفيها الكثير من الرضا بقضاء الله ..

هذا طبيعي .. كالعجين ، يدخل الفرن ليخرج حلوى لذيذة شهية مبهجة ..

أنا الآن أكتب لكم من وسط الفرن !

منذ البارحة أمشي وقد أثقل كاهلي الخبر ..

أمشي وكأني عجوز في السبعين ففي ساعات الأسى أشعر بأني عجوز عجوز .

في  الحقيقة أني لا أتخيل أن تخلو داري من سهل ، وربما في القريب تذهب فاطم كذلك ..

وأبدأ حياة جديدة متعبة مع المراهقين الجدد بلا معين ، ولا صحة قوية تساعدني ..

” لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ” ..

 ” يرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد”. كان يأوي إلى الله تعالى ..

هناء ..

من أعانك على تربية المراهقين القدامى سيعينك حتماً على المراهقين الجدد ، بل وربما سيكون ذلك أسهل لو أحسنت الظن بالله ..

لا شك أن أقدار الله كلها خير ، وأن هناك الكثير من الحسنات التي سينطوي عليها مغادرة سهل .

ماهي ؟ لن نعرف الآن ..

ولكن لابد من وجود الثقة بقضاء الله وحكمته وعلمه ..

لابد من إحسان الظن به تعالى  .

صحيح ..

لكنني حالياً لا أرى إلا الأسى ..

ربما يتحسن وضعي مساء ..

أحتاج إلى السفر في رحلة إلى عالم النسيان حتماً ..

أحتاج للمزيد من التركيز .

Read Full Post »

تدوينة اليوم لا فائدة لها على الإطلاق ، ولكنكم أصبحتم جزءاً من حياتي ، فأحببت أن أضحككم معي . لا أعرف إذا كنت ستضحكون أو لا ، ولكني سأرجو ذلك .

من بضعة أشهر اكتسبت ابنتي الصغرى شمس والبالغة من الأعوام أربعاً ونصف ، عادة جديدة . لا أستطيع أن أصفها بالسيئة ولا بالحسنة ، إذ يمكن  وصفها بالاثنين معاً وذلك بحسب الحال .

صارت طالبة مدرسة وهي لما تدخل المدرسة بعد . تنام من الثامنة مساء مع أختها لطيفة وتستيقظ معنا فجراً ، وتظل مستيقظة حتى موعد نومها مساء .

لك أن تتخيل بعدما ينصرف الأولاد إلى مدارسهم وأعزم على العودة مجدداً للنوم ماذا تفعل شمس في هذه السويعات ؟

إليك نظامنا اليومي في هذه الفترة فقط لتتخيل الوضع : أستيقظ لصلاة الفجر وأوقظ الأولاد ، فيبدأ مسلسل ( ترزيع أبواب الحمامات ) والتحدث بصوت مرتفع مفترضين أن على جميع من في الدار الاستيقاظ ، فتشرق شمسي بالطبع ..

تشرق شمسي ساطعة ما شاء الله ، ( طبعاً فقد نامت منذ الثامنة مساء ) وتلعب مع أخوتها وتتحكى معهم وتودعهم عند ذهابهم للمدارس والجامعات من شباك حجرتي مع تأكيدهم عليها ألا تصرخ في الشارع : ( جيبوا لي حلاوة معاكم ) .

أظل بعد ذهابهم مستيقظة بعض الوقت لأقرأ القرآن أو أتفقد منتداي أو أذاكر ، وفي هذه الأثناء تكون شمسي بجواري تلعب بالأيبود أو تحكّي نفسها من كتبها ، أو تظل تلح علي بترك ما بيدي لأحكي لها حكاية .

فإذا ما انتهيت من عملي واستلقيت تحت غطائي والنوم يداعب جفناي بقوة  تظل شمس تصرخ فوق رأسي  ( أبغى حكاية ) ..

 أحياناً أتمكن من إعطائها ما تريد : حكاية سريعة وملفقة أسكتها بها ، وأحياناً يكون النعاس قد بلغ مني مبلغاً كبيراً فأرفض .

اليوم كان من تلك الأيام التي رفضت فيها أن أحكي لها حكاية لأني أريد أن أنام وقتاً كافياً قبل أن أستيقظ مجدداً للمذاكرة ، فالامتحانات على الأبواب ، والطالبة التي في سن جدتي عندها 7 مواد في هذا الفصل تبلغ 25 ساعة ، وأظل أتحسر على أوقات الفراغ الماضية واستيقاظ الظهيرة ، التي صرت أملؤها دراسة واستذكاراً ..

خرجت عن الموضوع ؟ عذراً . لعلي أحكي بعض شجون الدراسة في تدوينة أخرى.

المهم أني قررت أن أنام ورفضت كل محاولات شمس في أن أحكي لها حكاية ،فقررت هي أن تحكي .

سألتني : تريدين حكاية الزرافة ؟

قلت : نعم ( وأنا لم أحك لها أي حكاية عن أي زرافة من قبل فلا أدري من أين أتت بها ) .

قالت : والصياد والأصدقاء ؟

قلت : نعم ( وأقول في نفسي : أي شيء الله يرحم أمك ، فقط دعيني أنام )!

قالت : والنزمة ؟ ( النجمة )

قلت : نعم ، هيا بسرعة .

فقالت ( وسأكتب لكم كيف تلفظت ، وانتبهوا جيداً لتشكيل الكلمات )

كين يا ميكين ، في قديم …… النزمين ( تستهبل ) ، ثم نظرت إليّ لترى وقع هذه ( الظرافة ) عليّ ، فلم تر مني إلا انسحاباً تدريجياً لعالم الغيبوبة .

أكملت : لأ ، كين يا ماكين وسالف العصر والأوين ، كان في زرافتيْن .. وبطتيْن .. ونزمتيْن .. وصديقتين ..  وبنتيْن ، و..

وهنا قاطعتها : ماهذه الحكاية (البايخة) ؟

فقالت متأثرة : ( ليش تقولي بايخة ؟ أنا ما أقول عن الي تحكيني بايخة ) !

فقلت : لكن حكايتك بايخة بالفعل ، وأنا لا أحكي لك : كان فيه زرافتين وبطتين  ونجمتين وتوتة توتة خلصت الحدوتة .

قالت محتجة : ما حأقول توتة توتة .. ما خلصت الحكاية .

قلت باستسلام : حسنا ، أكملي .

وأغلقت عيناي مرة ثانية لأنام وذهني يعمل : كم هي فرحة بهذا ( الغثا ) الذي تقوله وتفعله بتذاكي ، تحسب أنها تبهرني بظرفها وخفة دمها .. يا ترى ، ألا نفعل نحن أحياناً مثلهم ؟

نخطئ في تصرفاتنا أو أقوالنا أو مزاحنا ونحسب أنفسنا وسيمين ورائعين في حين يرانا محدثونا في قمة الغثاثة ؟

بدأت أنسحب مرة ثانية إلى عالم الغيبوبة تحت رتابة صوت شمس وهي تعيد اللازمة ( الحكاياتية ) :كين يا ما كين … الخ .

وجلست تحكي عن الزرافة  التي جاء الصياد ليصطادها بالبندقية ..

ما هذا !!

 أصبحت حكايات شمس عنيفة في هذه الأيام ، فمرة أكل الذئب البطة ، والمرة الثانية ، أكلت البطة السمكة ..

 وزادت هي في دراما الموقف عندما قالت : إن البطة الأم  بكت وقالت : اااااه يابنتيييييي ..

 يا الله .. ماهذه السوداوية ..

 أنا لا أحكي لها حكايات عنيفة كهذه ، فمن أين تأتي بهذه الأفكار ؟

والآن الصياد يريد أن ( يقتل ) الزرافة ..

 عندها اعترضت على الحكاية وقلت لها أني لا أحب حكاياتك ، فقررت للتو تغيير الحكاية .

أعادت المتلازمة مرة أخرى ، وللمرة الثالثة أغلقت عيناي لأنام ،  وسمعتها تقول : كان فيه زرافة ، وبعدين زا ( جاء ) ال… المين ؟ الصياد وقال للزرافة : هوه هوه يا زرافة ، أنا أمك !

 فتحت عيني بدهشة وسألتها : الصياد صار أم الزرافة ؟

 فقالت بثقة : ايوة .. خلاص لا تقاطعيني .. وبعدين كانت الزرافتيْن ( يلعبوتان ) …

( يلعبوتان ) ظنت أنها بذلك تثني الفعل ، فجاءت به مثنى مجموعاً ( من زود التحمس للكلام بالفصحى ) ، فضحكت بقوة مع محاولة شديدة لكتماني الضحك ، فكانت النتيجة أن فتحتي أنفي كانتا تفتحان وتغلقان بسرعة ، فحانت منها التفاتة على صوت ضحكي المكتوم وقطعت حكايتها ونظرت إليّ مندهشة ، وأشارت إلى أنفي وقالت: واااه ، ( خشمك ) !!

هنا انهارت آخر معاقلي وحصوني وانفجرت ضاحكة بصوت مرتفع وساهم التوتر والنعاس في زيادة جرعة الضحك ، فنظرت إليّ بحرج  واستهجان ، ثم غضب وأدارت ظهرها  وقالت : (خلاص ، مافي حكاية )  وغطت وجهها بالغطاء . وأنا مستغرقة في ضحكي مما زادها استياء فصارت تقول غاضبة : بلا  ضَحَك !!

حتى تمالكت نفسي بعد 3 دقائق وسكتّ .. وحاولت أن أرضيها بالقبلات والأحضان ، حتى رضيت ..

وعادت إلى حكايتها …

ألا أيها الصبح الطويل ألا انجلي !!

وعدت إلى نومي .. وأخيراً وبعد طول انتظار رددت شمسي متلازمة النهاية :توتة توتة ، خلصت الحدوتة ..حلوة والا مفلوتة ؟

 قلت وأنا لا أكاد أفتح فمي من النعاس : مفلوتة ..

فسألت : ( مزبوطة ؟)

فأومأت برأسي ، وغرقت في نوم عمييييييييق .

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: