Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘ذكريات بطعم السرطان’ Category

 في شهر ذي القعدة من عام 1430 هـــ تم اكتشافي لمرض السرطان .

هل أكذب إذا ما قلت أنها كانت فاجعة بالنسبة لي ؟ حسناً لن أكذب .. لم تكن فاجعة !

كنت متبنية نظرية ( هذا يحدث للآخرين فقط ) وبشدة .

تعرفون هذه النظرية ؟ علمني إياها الكاتب المبدع أحمد خالد توفيق .

كل المصائب لا تحدث لي أنا وإنما تحدث للآخرين فقط !

فكان اعتقادي حينما اكتشفت هذا الورم في ثديي أن هذا مجرد .. مجرد .. مجرد شيء ما وسيذهب ، لأني لا يمكن أن أُصاب بالسرطان فهذا يحدث لأم عبد العزيز وأم سعيد ( الكبار في السن ) أما أم خالد الشابة الأربعينية فلا !

بطبعي أحب الأحداث الجديدة ” المثيرة ” : أحب الولادة ، أحب جو الاختبارات ، أحب السفر ( بالتأكيد) ، فكان التشخيص المبدئي في مستشفى الملك فهد بالمدينة مثيراً ، تلاه حوادث مثيرة أخرى من السفر إلى الجدة وتلقي الفحوصات في مستشفى الملك خالد ( الحرس الوطني ) والاهتمام من الأهل والصديقات .

أحسست في تلك الفترة بحنين للإمساك بالقلم وكتابة كل هذه المشاعر الدفاقة التي انهالت علي ، وأنا التي تركت الكتابة رسمياً منذ سن التاسعة عشر ، إلا محاولات مختبئة أكتبها عندما تتأجج مشاعري في غضب أو حزن لأي سبب كان ؛ تنسكب في ” ثورة عاطفية ” – كما كنت أسميها – على الورق ثم أعود فألملمها وأجعلها حبيسة الأدراج لأجتر قراءتها حينما يجتاحني “مود الحزن ” .

لذا فقد قررت إنشاء مدونة أسميتها ” الحياة الجديدة ” ، كنت أكتب فيها يومياتي مع مشاعري ، مع الفحوصات ، مع أهلي وصديقاتي ، قصدت منها أن أفرغ طاقاتي الانفعالية وأسجل هذه اليوميات للتاريخ ولمن يود أن يعرف كيف يشعر مريض السرطان ..

تعرفون ، ليس من السهل أبداً أن تتقدم لمريض سرطان وتسأله بوجه بارد والفضول يكاد يقتلك : كيف تشعر وأنت مريض ، وربما تموت ؟

حسناً ، ها أنا ذا قدمت لك الفرصة في طبق اليكتروني !

مرت الأيام وأنا أكتب ، وكنت أشعر بسعادة غامرة حين أتلقى التعليقات من شتى أنحاء المملكة : من المدينة ، من الشرقية ، من ينبع ، من الرياض ومن أمريكا أحياناً .

لا أحصي كم من المرات كنت أدخل على المدونة فقط لأقرأ التعليقات المبهجة الكثيرة التي تمدني بالتشجيع والمواساة ، حتى بدأت في جلسات الكيماوي ، وانقطعت عن العالم تقريباً .

تناولت أربع جلسات من مركب AC والذي تسميه ” العارفات ” بالشأن : الأحمر ! نظراً للون الأحمر الذي يميز أحد الدوائين اللذين يتركب منهما . كانت السمة الغالبة على آثار هذا المركب : الغثيان !

اجمع كل الغثيان لجميع الحوامل اللواتي تعرفهم وضعه في شخص واحد وتخيل ما الذي يشعر به ؟

هل تصدق أني لا أزال أُصاب بالغثيان كلما دخلت مركز الأميرة نورة للأورام في مستشفى الحرس ؟ ويزيد الغثيان إذا ما شممت رائحة القهوة تنبعث من أحد المقاهي الصغيرة المتناثرة . بل هل تصدق أني أكتب هذه الأسطر الآن – وقد انقضت سنة ونصف منذ آخر جلسة كيماوي تلقيتها- والغثيان يداعب مؤخرة حلقي ، فقط لأجل السيرة ؟

ثم أجريت عملية استئصال الثدي المصاب وخمس وعشرين من الغدد الليمفاوية والتي اتضح إصابة اثنين منها بالمرض ، وحدثت أمور مضحكة وأخرى محزنة في هذه الفترة ، واشتدت حاجتي للكتابة .

كنت أشعر أني بحاجة لأكتب ويثني على ما أكتبه أحد .

كنت أشعر أني بحاجة إلى دعم قوي .

لم يعد يكفيني أن يحيطني أهلي وصديقاتي بالحب ، خاصة وأني كنت في جدة ، والكثير منهم في المدينة .

شعرت بأني أحتاج للمزيد من الاهتمام و الثناء ، فقد كنت أمر في هذه الآونة تماماً بمشاكل زوجية عاصفة .

أحسست أني أنسحب تدريجياً من الحياة . وعلى الرغم من نفسيتي المتفائلة إلا أن المشاكل إضافة إلى آثار الكيماوي المسببة للاكتئاب ، وحزن الاستئصال كلها كانت تشعرني أحياناً باليأس والرغبة في الموت .

وفي يوم حادثتني إحدى الصديقات الطبيبات ورجتني رجاء حاراً أن أكتب قصتي وأطعّمها ببعض المعلومات الطبية والتي استفدتها من تصفحي للمواقع الأمريكية المعتمدة بحثاً عن المعلومة الشافية .

عندئذ ، أضاءت لمبة فوق رأسي ورجعت إلى المدونة التي أغلقتها مؤقتاً فنسخت محتوياتها في ملف وورد ، ثم حذفتها آسفة متحسرة على كل التعليقات التي طارت أدراج الرياح ، ثم صرت أحاول استعادة الذكريات والمشاعر بل وحتى الروائح والطعوم وأدوّن كل ذلك حتى تعادلت الأزمنة ووصلت فعلياً وكتابياً إلى مرحلة جلسات الكيماوي الثانية التي تلت العملية من عقار  Taxotere المدمر . ولن أصف لكم ماذا كان يصنع لأن هذا ستجدونه في الكتاب ، وقد تجد بعضاً منه في تدوينة جداري قبل سنة (2).

كنت أدوّن مشاعري بدقة ، ومن يقرأ الكتاب سيلحظ ذلك ، وكنت كلما شعرت بانهيار نفسي وعاطفي وأحسست بفقدان الرغبة في الحياة فكرت في مدى استفادة الناس من هذا الكتاب لو قدر الله خروجه ، فكان يعطيني دفعة قوية إلى درجة أني كنت أدعو الله أن يعافيني لأرى بعيني أصداء الكتاب في المجتمع .

وفي إحدى أيام العلاج الإشعاعي لمحت شريطاً جميلاً بنفسجي اللون لُفّت به الهدية الجماعية التي قدمتها لي بنات أخواني في العيد فطرأت على ذهني فكرة صورة ، ونفذتها على الفور : بحثت عن شريط مشابه وردي وكليك كليك ، تمت الصورة ، واحتفظت بها على أن أستعملها فيما بعد كغلاف لكتابي المنتظر .

الآن كل شيء جاهز : الكتاب ، الغلاف ، وبقيت دار النشر ، فراجعنا مكتبة العبيكان إلا أنه كالعادة – اللهم بارك – كان مزدحماً وأرشدنا إلى الحصول على الفسح الإعلامي قبل أن نفعل أي شيء .

سمعت في سبيل الحصول  على الفسح القصص الطوال ، وأن بعضهم استغرق حصوله على الفسح الشهر والشهرين ، فتوكلت على الله وذهبت مع خالد إلى المكتب المخصص لذلك تشيعني دعوات أمي الحارة ( الدعوات هي الحارة وليست أمي ) أن يوفقني الله .

دخلنا وقابلنا المسؤول عن هذا الشأن فطلب منا تعبئة استمارة في الدور السفلي .

كاد أن يسقط في يدي ، إذ أن آثار الكيماوي لم تختف بعد ، والمشي متعب بعض الشيء ، أضف إلى ذلك أني كنت أرتدي حذاء ( يطقطق ) عند المشي ، ولم أستسغ فكرة النزول للدور السفلي والمشي بهذا الحذاء “المطقطق”  فيعرف كل من في المبنى أن ثمة امرأة ( متقصوعة ) تتمشى في الردهات ، فتجمدت في مكاني لثوان يبدو أنها كانت كافية لينتبه الرجل أن التي أمامه هي ” خالة ” وليست امرأة ” متقصوعة “( على الأقل عرفنا فائدة من وراء هذه الخلخلة ) .

 فقال : ” والا أقول لكم ، تعالوا هنا ” ، وأدخلنا إلى حجرة جانبية وأعطاني الاستمارة المطلوب تعبئتها ، وكما يقول الفرنسيون : voila  فوالا !

انتهيت من الأمر وطلبوا منا مراجعتهم بعد يومين .

يومان ؟ ألم يقل الناس : شهرين ؟ فقال الرجل : أليست مذكرات ؟ وتصفح مذكرة الكتاب سريعا ، وقال : مادام ليس فيها شيء ممنوع فلن تستغرق أكثر من يومين .

رجعت إلى البيت وأنا في فرح شديد ، وقبلت يدي أمي والتي كان دعاؤها ولا شك سبب تسهيل مهمتي .

دق جوالي بعد وصولي بعشر دقائق فإذا به ذاك الرجل المسؤول ، دمث الأخلاق يخبرني أن فسح الكتاب قد صدر وعليّ أن أرسل أحداً الآن ليستلمه .

احتجت أن أسأله مرتين عما قال لأتأكد من صحة ما سمعت .. جئتك قبل نصف ساعة ، وصدر الفسح أثناء رجوعي إلى البيت ؟

يا الله ، كم هو كريم ربنا . كم يحب إسعاد عباده ، ولكننا قلما ننظر إلى نعم الله ولا نفلح غالباً إلا في تصيد البلااءات والمحن .

ليتنا كنا متصيدين للنعم كذلك ، فقط لإحداث بعض التوازن في حياتنا .

وبعد ذلك تم التعاقد على دار وجوه – وهي الدار الوحيدة التي رد عليّ أحد موظفيها بالهاتف – على طباعة كتابي ، وللحق ألفيتهم حسني التعامل مع العملاء وعندهم الكثير من المرونة ، وأسعارهم معقولة .

والآن ، ها أنا ذا أحصد ثمار ما زرعته منذ ما يقارب السنتين ، وإنه لعمر الله حصاد طيب المذاق ، أسأل الله أن يهبني خيره ويكفيني شره .

أشكر كل من قرأ المدونة الأولى وشجعني ، ومن تابع هذه المدونة وتفاعل معي وأثنى علي ، فلكم الفضل بعد الله في تشجيعي على إقدامي على هذه الخطوة ، والتي ما ظننت أني سأقوم بها لو لم أتلق هذا الدعم .

أشكركم .. أشكركم ..

صفحة الكتاب في فيس بوك

يمكنكم الحصول على الكتاب بنسخته الالكترونية من متجر  سيبويه الجليس الرقمي

أسماء المنافذ التي يوجد فيها الكتاب

Read Full Post »

تحكي كتب التواريخ  قصة عجيبة لعمر بن الخطاب وقعت حينما كان يخطب ذات يوم على المنبر ، فصاح فجأة : يا سارية ، الجبل الجبل ..

وعلم المسلمون فيما بعد من سارية بن زنيم أنه كان على رأس سرية بنهاوند وأنهم قدحوصروا من قبل العدو فسمعوا صائحاً يصيح فيهم : يا سارية الجبل ، يا سارية الجبل ، فاعتصموا بالجبل وجعلوه خلفهم حتى انتصروا .

وردت هذه القصة في التفاسير و بعض كتب العقائد على أنها كرامة لعمر بن الخطاب رضي الله عنها، ولا أجد لها تفسيراً إلا ذلك .

وإذا نظرنا إلى عالمنا الآن نجد كثيراً من الحوادث الغريبة التي تحدث ولانجد لها تفسيراً .

هناك مفهوم في العلم الحديث يسمى بالتخاطر telepathy يندرج تحت خوارق الطبيعة ، حيث يستطيع شخصان منفصلان مكانياً أن يتخاطرا بذهنيهما رغم بعد المسافات .

وأمور مشابهة مما يمكن إدراجها في قائمة الخوارق ، ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام لما فصلت العير التي تحمل قميص يوسف من مصر :” إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ” .

وفي تويتر وضعت سؤالاً أحببت أن أتعرف على آراء المغردين عن رأيهم بفكرة التخاطر عن بعد .

وكالعادة : ( ما عندك أحد ) إلا من مغردتين فقط : فسرتها إحداهما بالحدس ، والأخرى بالترابط العاطفي القوي بين المتخاطرين .

وقد تلقفت الفكرة الروايات العلمية وأفلام الخيال العلمي لتجني منها كنوزاً تداعب خيالات الجمهور .

حسناً ..

أنا محظوظة لأن عندي من هذه القصص ولكنها مجانية ولا أحتاج أن أدفع فيها ريالاً واحداً .

في الحقيقة ..

أمي هي التي تدفع !

أخبرتكم من قبل أني الابنة الصغرى والوحيدة لأمي ، وقد توفي والدي رحمه الله وأنا في العاشرة .

كان تعلق أمي بي شديداً ( أراه الآن في تعلقي بشمس ) ، وكنت لا أكاد أفارقها .

حتى إذا ما تزوجت انتقلت مع زوجي إلى بلد أخرى وتركتها .

أعتقد أن المشكلة بدأت من هنا .

سنين طويلة مضت حتى عرفت بوجود مشكلة أصلاً .

اكتشفت أن أمي كانت تعاني آلام الطلق أثناء ولادتي لخالد ( تباً .. وأنا التي كنت أصر على بقائها معي في غرفة الولادة ) .

وفي السنتين الماضيتين ، بعد تشخيص مرض السرطان ظهر الأمر جلياً لكل ذي عينين .

أمي تشعر بما أشعر به ، ولو كنت في بلد آخر ، ولو لم أشتك .

لا أكاد أحصي عدد المرات التي اكتشفت أنها تعاني جزءاً من أي شيء أعانيه : نفسياً كان أو جسدياً .

بعدما أجريت عملية استئصال الثدي بأسبوع ، بدأت أشعر بآلام قوية في منطقة الإبط الأيسر وأعلى ذراعي حيث استؤصلت الغدد الليمفاوية كذلك .

كانت الآلام أشبه ما تكون بألم ( السلخة ) الحارقة .

كنت لا أطيق شيئاً على ذراعي ، ولو كان كم قميصي القطني الفضفاض .

كنت أشعر به وكأنه كم من شوك .

ولكني لم أنبس ببنت شفة .. فيكفي أمي ما تعانيه من رؤيتها لابنتها الوحيدة تصارع مرض السرطان ( القاتل ، الخبيث ، المخيف )  ، وما كان يبدو عليّ من تعب لم أتمكن من إخفائه جراء العملية .

عدة أيام مرت ، وشعرت أمي بألم ( سلخة ) قوي تحت ثديها ” الأيسر “!!

كان يزعجها جداً ويؤلمها .

تقول : تعالي يا هناء ، انظري هل ثمة ( سلخة ) ؟

ولكن يا أمي .. المكان أبيض كاللبن ، و الجلد ناعم ونظيف .

ماهذا الألم إذاً ؟

تناولت بعض العلاجات ولكن لا فائدة ..

استمر معها الألم حتى بعد أن تعافيت منه ، بعد شهر تقريباً .

من أجل ذلك اضطررت إلى قضاء أيام النقاهة من جرعات الكيماوي الثانية بعد العملية بعيداً عنها، إما في ينبع أو المدينة .

أمي تصاب بما أصاب به ..

وكانت جلسات التاكسوتير أشدها وطأة وأعظمها ألماً بسبب حقن رفع المناعة .

كنت أحاول أن أفتعل المرح وأرفع صوتي إذا ما حادثتني يومياً بالهاتف ، ولكن أنفاسي كانت تتقطع من الألم في أول ستة أيام من تناول الجرعة ، وكانت هي تشعر ( بكتمة ) لا تعرف لها سبباً.

وفي رمضان ، كنت أمر بظروف عائلية صعبة ، وكعادتي لا أظهر لها إلا الضحك والقوة ، لكن قلبها ما كان ليخطئها ..

فزادت عليها ( الكتمة ) حتى ذهبنا بها إلى الطوارئ بعد العيد .

أقول لأخواني : أمي ليس بها إلا العافية ..

أو إن شئتم : أمي ليس بها إلا حب ابنتها الزائد الذي يدفعها إلى الإحساس بكل ما تحسه .

كانوا يلومونني : لا تخبريها إذن بآلامك ..

فكانوا يزيدون آلامي ..

وهل يعقل أن أخبر بآلامي لتتألم هي ؟

كنت أبذل جهداً فائقاً لأمثل ..

كنت أعاني من آلام السرطان وعلاجاته ، ومن خوف من الألم لو مت  ، ومن مشاكلي العائلية  ولكني كنت على الرغم من ذلك لا أبدي لها إلا كل تجلد وشجاعة .

ما ذنبي أنا إن كانت هي فائقة الإحساس بي وبما يخبؤه قلبي ؟

تكرر الأمر بعد انتهائي من العلاج الإشعاعي حيث أصبت بحروق كحروق الشمس في المنطقة المعالَجة ، وعادت لها ( السلخة ) مرة ثانية .

هذه المرة كنت أعرف السبب .

وعرفته هي ..

سألتني دون أن أوحي لها بأي شيء : هناء ، هل تشعرين ( بالسلخة ) الحارقة ؟

تمعر قلبي – دون وجهي – وسألت : لماذا يا أمي ؟

فقالت : أشعر بذلك في الجهة  اليسرى ..

لقد عاد الألم القديم .

ضحكت رغماً عني وقلت : يا ماما .. ألم تحفظي الدرس بعد ؟ كل ما يصيبني فإنه يصيبك .

المشكلة أني أتعافى من الألم سريعاً ، في حين تظل هي تعاني منها فترة طويلة بعد ذلك .

آخر مغامراتي مع أمي كانت أثناء اختباراتي الفصل الماضي ، فكما تعلمون الطالبة في سن جدتي تدرس في الجامعة عن طريق التعليم عن بعد .

و(محسوبتكم ) إنسانة مولعة بال أ+ فكنت أذاكر كثيراً  يومياً .

حتى كان ذلك اليوم الذي أرهقت فيه جداً فأصبت بهبوط شديد ودوخة قوية وخفقان في القلب يكاد يكون مؤلماً .

كان الأمر مزعجاً لدرجة أني أحسست أني سأعاين ملائكة الموت في أي لحظة ..

تركت ما بيدي ، وصرت أتلو الشهادتين ( حتى لو فجأني الموت فإنه يكون آخر ما أ تكلم به هو الشهادتين ) !!

ثم أني لما رأيت ان الأمر طال ولم أمت بعد ، فكرت أنه ربما لن يكون موتاً وإنما تعباً طارئاً بسبب الإرهاق ، فقمت للراحة وقلبي يحدثني أن أمي سيصيبها ما أصابني ..

ونذرت أني سأكتب في ذلك تدوينة لو ثبت عندي تأثرها بما ألمّ بي .

 بعد أربعة أيام حين ذهبت إلى جدة لزيارة أمي إذا بها تشتكي أنها في يوم الأحد (!!) شعرت بنغزات مؤلمة في قلبها في العاشرة مساء (!!) وأنها إلى الآن تشتكي من الخفقان .

ضحكت – وإن شر البلية ما يضحك -وأخبرتها بما حدث ، ثم قلت : لكني يا ماما كويسة الآن..

يعني بإمكانك أن تتعافي ..

ولكن ماما لم تكن لتتعافى مباشرة مما قد يصيبني ..

وهاهي تدوينة اليوم بين أيديكم ..

وفاءً للنذر الذي عقدته ..

أحكي لكم عن قصة من غرائب القصص ..

وأشكو إليكم خوفي على أمي ..

يعني الواحد ما يقدر يمرض بسلام ؟

Read Full Post »

أوووف ..

 هنا بعض الغبار ..

متى تقابلنا آخر مرة ؟

أعرف أعرف . ليلة الثالث والعشرين وفي تدوينة معادة ..

سأفترض متغابية أنكم اشتقتم لتدويناتي ( لأني اشتقت لتعليقاتكم بصراحة ) .

وأهنئكم بالعيد متأخرة ، ولكن أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل مطلقاً .

والآن ، ماذا عساي أن أتكلم عنه ؟

هل أفضفض قليلاً ؟

هل أكتب مذكراتي وما مر معي ؟

هل أكتب بعض الحكم والخواطر ؟

ليتكم تساعدوني (مرة واحدة في حياتكم فقط ) وتخبروني كيف تحبون أن تكون تدويناتي .

هل تفضلونها كمذكرات يومية أحياناً ؟

هل يزعجكم إذا ما قلبتها دروساً وعظية بعض المرات ؟

اكتبوا لي تعليقاتكم – لو كنتم تهتمون بقراءة تدويناتي – هنا أو في تويتر أو في الفيسبوك ، أو عن طريق الإيميل ، وربما الواتس أب وأخبروني عن تفضيلاتكم .

وحتى ذلك الحين فعليكم أن تقنعوا بما أكتب .

البارحة كان موعدي في مستشفى الحرس الوطني للفحص الدوري .

ليست هذه المرة الأولى التي أذهب فيها للفحص الدوري بعد انتهاء العلاجات ، ولكني لا أعرف لم كانت المشاعر طاغية هذه المرة .

انتقلت مشياً بداخل المستشفى من قسم الأورام إلى قسم مختبر القلب لإجراء بعض الفحوصات .

كنت أمشي متمهلة على غير عادتي في المشي السريع .

ربما كنت أسترجع بعض الذكريات القديمة ؟

أمر بالمقاهي الصغيرة المنتشرة التي تفوح منها رائحة القهوة والكراسون فيداعب الغثيان مؤخرة حلقي مبتسماً ويقول : فاكرة ؟

هنا غرف الكيماوي ، وهنا قسم العلاج الإشعاعي .

أما هذا القسم فقسم الأشعات : المقطعية ، والمسح النووي ،والماموجرام .. يالها من أسماء فخمة مهيبة ..

أمشي في الردهات الطويلة إلى مختبر القلب ، وأرى أفواج الأطباء والموظفين يتبادلون التهاني .

أمر بالعيادات الخارجية حيث كانت مراجعاتي للطبيب الجراح ..

يا الله .. هنا كنت أغير ضمادات جرحي بعد العملية .

أتذكر كيف كنت أقف متهالكة في غرفة الانتظار ذات المقاعد المحدودة ، ما بين تعب الكيماوي وضعف العملية أنتظر أن ترحمني إحدى الجالسات فتتنازل لي عن مقعدها أو تفسح لي مكاناً جانبها .

لم تداعت علي الذكريات بهذه الطريقة ؟

لا أعرف في الحقيقة .

لكن الغريب أني شعرت بحنين لتلك الأيام .

أبحث جاهدة في عقلي عن تفسير فلا أكاد أجد .

حنين ؟ أيكون حنيناً حقيقة ؟

من يحن للكيماوي وآلام التاكسوتير وغثيان ac ؟

من يحن للحزن الدفين الملبس بسكر المرح واللا مبالاة عند تساقط الشعر كاملاً مرتين واستئصال الثدي لأبدو بأعجب منظر يمكن أن أرى نفسي فيه !

من يحن للتعري المزعج الذي كنت أعانيه يومياً في جلسات العلاج الإشعاعي لمدة 25 يوماً ؟

من يحن لتغيير الروتين المقلق ( التغيير هو المقلق لا الروتين ) : ترك الأولاد لأسابيع طويلة في المدينة، والسفر المستمر ، والابتعاد عن بيتي : عن سريري وحمامي وكنبتي الأثيرة وبرامجي التليفزيونية المفضلة؟

لماذا أفترض أن يكون هذا الشعور حنيناً ؟

لماذا لا يكون شعوراً بالانعتاق والتخلص والفرح ؟

حسناً حسناً .

 أخبرتكم منذ البداية أني لا أعرف كنه هذا الشعور .

قد يكون فيه بعض ما ذكرت ولكن قد يكون حنيناً فعلاً ..

ليس إلى التعب والنصب ولكن إلى المشاعر القلبية التي انتابتني .

كنت أجلس في غرف الانتظار وأفكر : كم من حكايا وقصص وصور ودموع شهدتها غرف الانتظار ؟

كم من العَبرات تسكب ، ومن العِبر تحصّل هناك .. وبين هذا وذاك تشهد نعم الله الجليلة عليك ، لو أفلحت أن تنظر بعين الرضا .

هذه امرأة انتفخت ذراعها بشكل ملحوظ جداً ومؤلم بعد إجراء عملية الاستئصال ، ولا حل لذلك للأسف ، على الأقل هنا في السعودية  ، إلا الصبر ..

وتلك امرأة كبيرة في السن عاودها السرطان في نفس المكان بعد الاستئصال مرتين ، وهاهي عودة إلى الكيماوي والإشعاعي من جديد .

وأخرة فتاة صغيرة لم تجاوز العشرين أصابها السرطان وتعافت ثم عاد .. تتمدد بضعف على المقاعد متوسدة فخذ أمها ، وبنظرة واحدة إلى وجهها الخالي من الرموش والحواجب أعرف أنها تلقت العلاج الكيماوي ، وأتأوه بألم فقط لذكراه .

وأقلب عيناي لأجد أطفالاً في التاسعة والخامسة ، بل ودون السنتين قد عريت رؤوسهم عن الشعر بسبب العلاج الكيماوي يجلسون بوهن إلى جوار أمهاتهم فأحمد الله أني من أصابها السرطان وليس أحداً من أولادي .

كنت أشعر بفرح خفي أن الله اختارني ليلقي إليّ بهذا البلاء واعتبرته حظاً سعيداً .

أعلم أن منكم من سيرفع حاجبه ويرخي زاوية فمه اليمنى ويحرك رأسه ويفكر : هيا !! إيش هذا الاستعراض ؟

وأعذركم ..
وربما لو قرأت لشخص غيري ما أكتبه الآن لفعلت ذات الشيء .

ولكنه – والله – ليس استعراضاً ، وإنما هو دعوة معي للتأمل .

كيف أشعر بفرح ، وهو على ما يبدو من ظاهره ليس أمراً مفرحاً ألبتة ؟

ولكني لا أجد لذلك تفسيراً إلا أن يكون لطف الله ..

منذ أن أصبت بالمرض ورأيت في نفسي قوة لتقبله في ذات الوقت الذي شهدت فيه بعيني رأسي جزع من حولي
من أهلي وصديقاتي لإصابتي ، بل كنت أواسيهم وأصبرهم في مصابي ، علمت يقيناً أن الله تعالى ما ينزل من بلاء إلا وينزل معه لطفاً يساوي ذلك البلاء أو يفوقه ..

 ألم يقل تعالى ” إن مع العسر يسراً ، إن مع العسر يسراً ” ؟

 فهذا عسر السرطان غلبه في قلبي يسر ألطاف الله وشهود نعمه الوافرة وحب أهلي وصديقاتي الغامر .

من يقول أن السرطان دائماً تجربة سيئة ؟

حين يمكنني الله تعالى من ملاحظة نعم صغيرة متنكرة في حياتي اليومية ، ويوفقني لشكرها بلساني ، ثم يغمر قلبي حب الله ورضاي عنه ، ويلهج لساني بالثناء عليه وحمده هل تسمى هذه تجربة سيئة ؟

أرجو أن لا يفكر أحد ” يا الله ، كم هي شجاعة ومؤمنة وصابرة “..

لست كذلك (بشطارتي ) ، ولكنها رحمة الله التي وفقني لها ، وكم حُرمها كثير !

لا أدعي أني سأفرح لو قدر الله لي أن أصاب بالسرطان ثانية ، ولكن لو استمرت نعمة الله علي ولم يحرمنيها بسوء فعالي فلن أموت كمداً ..

فمن ابتلاني جدير بأن يساعدني في بلواي خاصة لو استشعرت أني أدعوه في اليوم والليلة سبع عشرة مرة: ” إياك نعبد وإياك نستعين ” .

نداء إلى كل مصاب ، وكل منا مصاب بشكل أو بآخر :

تبن معي عقيدتي بأن البلاء ينزل محفوفاً باللطف .

صدقني هو موجود .. ولكن يحتاج أن تنقب عنه قليلاً ، كالكنز ذي الخريطة  المخبأ في باطن الأرض ،  حتى إذا ما وضعت يدك على طرفه فسترى عون الله في تحصيل البقية .

ابحث عن الخريطة أولاً ، ثم ابحث عن الكنز !!

Read Full Post »

هناك ثمة احتمال شبه قوي في أن أذهب لتناول إفطاري في الحرم ..

تداعت علي ذكريات العام الماضي .. في مثل هذا اليوم ، ليلة الثالث والعشرين حدثت معي قصة جميلة ، لم أكن لأنساها ،وكتبت عنها فصلاً في كتابي المرتقب أ، وأسميته ( الفصل لا الكتاب ) : صديقتي الفاتنة سارة !

اعذروني لإعادتها هنا ، ولكنها تبهجني حقاً ، ولعلها تبهجكم .

اليوم الأربعاء وقد دخلت العشر الأواخر ..

 وأولادي صاروا يتناولون طعام الإفطار في الحرم مع ( السفرة ) ..

أتراني أستطيع أن أفطر في الحرم ؟

 كنت كلما أنتظر أذان المغرب أمام شاشة التلفاز ، وأشاهد الجموع الغفيرة وهي تتناول إفطارها في تكافل وود ، وكلٌ يدعو الآخر لمشاركته ( الشريك ) أو ( الحيسة ) ، ويصبون القهوة لبعضهم البعض ، وأمام كل واحد منهم علبة اللبن الزبادي ، يأكل منه مع الدقة  بتلذذ ، و تهفو نفسي لمشاركتهم هذا الجو الرحيم..

كل يوم كنت أقول : الله .. نفسي أفطر في الحرم .

 وكل يوم كان خالد يقول : أوديكي بكرة ..

وكل يوم كنت أتراجع عن الفكرة لعدم رغبتي في الذهاب من الساعة الخامسة لأجد مكاناً ..

لم يكن بمقدوري أن أجلس على هيئة واحدة لأكثر من نصف ساعة ..

كما تعلمون .. رجلي اليمنى تؤلمني جداً..

لكن لما دخلت العشر الأواخر ، وازداد غياب أولادي بسبب ( السفرة ) و التهجد ، فكرت جدياً هذه المرة..

حادثت صديقتي سارة ، وأخبرتها برغبتي ، فتواعدنا ليلة الثالث والعشرين في مكان معين تفطر فيه مع بعض معارفها.

ويبدو أن خطئي الأكبر كان خروجي من البيت في السادسة إلا ربعاً ..

 لما وصلنا إلى الحرم ، كانت مواقف السيارات السفلية قد أُغلقت لامتلائها ، والشوارع مزدحمة بالناس وهم يتجهون إلى الحرم ومعهم في أيديهم زواداتهم ..

كان خالد يبحث جاهداً عن مدخل من هنا وهناك يقربنا إلى الحرم حتى لا أضطر إلى المشي لمسافة طويلة، وأنا أراقب الناس ، مبهورة ، تتلاحق أنفاسي من الإثارة ..

 أخيراً بعد انتظار طال سأفطر في الحرم . حيثما نظرت كانت الجموع الغفيرة تتجه إلى وجهة واحدة .. مسجد رسول الله r ، بأيديهم زجاجات الماء ، أو صناديق التمور، أو بضع حبات من ( الشريك ) .

ولكننا لا نكاد نجد طريقاً ..

 فهاتفت سارة وأخبرتها أن الشوارع مزدحمة جداً ، وقد لا أتمكن من الوصول، إلا أنها توسلت إلي أن أحاول جاهدة الاقتراب قدر الإمكان وأخذت تدعو لي أن أجد  منفذاً ، فكان إلحاحها علي بالمجيء دافعاً لأن أطلب من خالد المزيد من المحاولات ..

 كان خالد يرفض أن أنزل بعيداً رفضاً تاماً لعلمه بسرعة تعبي ، ولشدة الازدحام في هذه المنطقة، فكان يخشى علي من التعب ، ومن العدوى .

( خلاص ، أنزلي هنا يا أمي ، هذا أقرب ما أستطيعه ) ..

 بهذه الكلمات أيقظني خالد من شرود ذهني  ..

 نظرت ، فوجدت أننا نقف عند الباب الخلفي لإحدى الفنادق التي تطل على الحرم .

 نزلت بسرعة وعبرت من الباب الخلفي للباب الأمامي ، حيث  الساحة ..

ورأيت الجمال والجلال .. رأيت الحرم !!

يا الله ، كم أحب الحرم ..

كلما أمر به تهفو نفسي إليه ، وأقول : آآآه ، وحشني الحرم ..

أخيراً أنا هنا ؟ بعد غياب قرابة السبعة أشهر قبل  أول جلسة كيماوي ..

أحقاً أنا هنا لأفطر في الحرم .. أخيراً !!

الناس كنحل في خلية ..

الساحة تغص بالصائمين وقد افترشوا السفر بانتظار الأذان ..

رائحة رز ولحم تنبعث من زاوية، وفي أخرى رائحة ( الشريك) تسيل اللعاب ..

أين أنت يا سارة ؟

اتصلت عليها فحددت لي مكان اللقاء أمام بوابة قسم النساء بدون الأطفال..

شققت طريقي لها بين الزحام حتى إذا ما وجدتها ، كان علينا أن نشق طريقاً آخر لنصل إلى مكان سفرتها والتي كانت في أول صف في هذا المربع ، وفي أقصى اليمين ..

نظرت فإذا المكان ممتلئ لآخره .. وكما نقول ( ممتلئ حتى عينه ).. ولو شئت لقلت ( حتى شعره)..

كيف يا سارة بالله عليك تريدينا أن نصل إلى هناك ؟

ولكن بالإرادة والتصميم نفعل المستحيل ..

 صارت تمشي تقودني وأنا أمشي وراءها ألهث ..

 تعبت من المشي ..

وأحياناً أغطي أنفي وفمي باللثام ، وأحياناً أخرى أرفعه لأنه يكتم أنفاسي ، وذهني يحاول أن يبحث بين خلايا مخي التي صدئت بفعل الكيمو عن حديث ينهى عن تخطي الرقاب .. أكان الحديث في النهي عن تخطي الرقاب أثناء الصلاة أو تخطيها مطلقاً ؟

أحسست الآن بشعور طرزان ، فذاك كان يتنقل من شجرة إلى شجرة ، وأنا كنت أتبع سارة وأعبر السُفَر ، لم يكن مشياً في الواقع، كان يشبه القفز والمشي على الحبل .. أتخطى الرقاب وأحاول تفادي المشي على السفر التي يضع الناس عليها طعامهم ، أقف على رجل واحدة ، وأمد الثانية لأبعد ما أستطيعه في الجهة الأخرى من السفرة المعترضة ، وقد أفقد التوازن وأضطر إلى الاتكاء على إحدى النساء ..

  نطأ على أقدام البعض أحياناً ، وتصطدم أرجلنا ببعض الكؤوس أو صحون التمر فنقلبها أحياناً أخرى ، وأنا بين هذا وذاك لا أزال أردد : أوه أنا آسفة ، سامحوني ، طريق لو سمحتوا ، شوية شوية ..

وفي منتصف الطريق التفتت لي سارة وكأنها مستكشف عظيم منطلق في سبر أغوار طريق جديد يوصل إلى أرض الفردوس، فرأتني غارقة في لهاثي وأنا أحمل حقيبتي وكيساً به حذائي ..

سارة طبعاً خفيفة الوزن ، وأنا ما شاء الله جيدة !! ومعي حمل لا بأس به في يدي .. فمدت يدها والتقطت مني حملي غير مبالية ياحتجاجي ، وقالت لي مشفقة من العدوى : ” وددت يا هناء لو تلثمت”.. وأكملت سيرها حتى وصلنا أخيراً إلى المكان المنشود ، في أول صف في هذا المربع .

أجلستني سارة على كرسيها الوثير حتى ألتقط أنفاسي وأخذت تعد الإفطار وتعرف صديقاتها علي بقولها : هذه هناء صديقتي ، وهي تفطر في الحرم لأول مرة ..

فرحبن بي بحرارة وكلٌ تسارع لعرض ما عندها من طعام ، وسارة تقول : (نفك ريقنا أولاً ، ثم نأكل ) ..

قدمت لي ثلاث تمرات من عجوة المدينة الفاخرة ، وصبت لي كأس زمزم ( مبخّر ) من ثلاجتها، وجلسنا ندعو بعد أداء تحية المسجد ..

أذن المؤذن ونظرت سريعاً خلفي ، لأرى الجموع الغفيرة منهمكة في تناول الإفطار ..

يا الله .. كم أحب هذا المنظر ..

 المنظر الذي كان دوماً يشدني ، ها أنا فيه الآن .. يا فرحتي !!

أرى في سفرتي الأخوات وهن يصببن ماء زمزم من الثلاجات لبعضهن البعض ،  ثم القهوة من الدلال التي أتوا بها من المنزل ، في جو غاية في الروعة والبهاء .. وبين الحين والآخر تأتي امرأة أو فتاة من السفرة المجاورة تطلب ماء مثلجاً، أو تمراً معيناً والأخوات يبذلن ذلك بكل فرح وسرور..

أنظر وأتعجب ..

 لو كانت هذه أخلاقنا خارج الحرم وخارج رمضان ، هل بقي مسكين أو فقير ؟

أقيمت الصلاة ..

كان المسجد في لغط كبير ، إذ لا زال بعض الناس يأكلون ، ومنهم من كان ينظف منطقته من الفتات والعلب والكؤوس البلاستيكية ، فلما قرأ الإمام الفاتحة ، خفتت الأصوات بسرعة ملحوظة حتى لم  تعد تسمع إلا صوت سعلة هنا أو بكاء طفل هناك ..

ولما أمن الناس ، شعرت بالمسجد يرتج بالتأمين بهدير يبعث القشعريرة في النفس .

سبحان الله ، ما  أعظم الصلاة في تعليمها المسلم النظام .. لكن المشكلة لا تكمن في الشعائر وإنما تكمن في النفوس  التي تعجب من تناقضها ..

 فحين تراها غاية في التنظيم والترتيب في الصلاة ، تجدها هي هي غاية في الإهمال و الفوضى خارجها .

انتهت الصلاة ، ومدت السفر ثانية لتناول الطعام .

حسناً ، لم يكن طعاماً بالطريقة التي قد تخطر في بالك ..

 لم تكن ثمّ شوربة وسمبوسة ولقيمات وعصير توت ، فهذه إن شئتها تجدها بالخارج ، في الساحة مع الرز واللحوم والدجاج..

 لكن هنا لم يكن إلا الشريك والفتوت واللبن الزبادي و الدقة .

يرشون الدقة فوق اللبن الزبادي ثم يقلّبونها ويتناولونها إما بالملعقة ، أو بالشريك .

قالت سارة : ” تمكنت من إدخال اللبن الذي تحبينه لك ” ..

 وأخرجت من حقيبتها زجاجة لبن متوسطة ، وأردفت : “خسارة ، كنت أود أن أجد اللبن منزوع الدسم أو قليله ..كادت المفتشة التي عند الباب أن تأخذه مني ورفضت إدخاله في البداية ، لكني أخبرتها أن اللبن لصديقتي وهي مريضة ، وأن هذه أول مرة تفطر في الحرم ، فسمحت لي ” وضحكت ..

 ثم أخرجت صحناً بلاستيكياً مغلفاً فيه جبن القشقوان الأثيرة لدي ، وقالت :”  الحمد لله أنها لم تلحظ الجبن ” ..

وتناولت قطعة كبيرة من الفتوت ، قطعتها من المنتصف وحشتها بالجبن ونثرت عليها بسخاء من الدقة التي صنعتها والدتها وناولتني إياها ..

كم أسرتني سارة بمعروفها ..

 مثل سارة يُخدم ، فهي حاصلة على السند في القرآن الكريم من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم النبوي القدماء ، وعندها خمس قراءات،  وكثير من النساء يقصدنها ليقرأن عليها بعضاً من الآيات فتصحح لهن قراءتهن ..

كما أنها من عائلة عريقة وثرية ، فمثلها في الحقيقة يُخدم ..

 وها هي الآن ، تؤثرني بمقعدها المريح وتجلس على الأرض أو على كرسي صغير ،  وتصنع لي طعامي ، وتناولني ما أحتاج من قبل أن أطلبه ، تقرأ نظراتي ، وتخمن ما أريد ..

وأنا غارقة في خجلي منها ، لا أحب أن أضايق أحداً بأن آخذ مكانه أو طعامه أو أتعبه معي ، ولكنها فعلت كل هذه الأمور ببساطة شديدة وعفوية محببة ، جعلتني أهتف أخيراً : سارة .. سأكتب اسمك في كتابي..

فضحكت، وقالت : إذن أكتبي ( ذهبت إلى الحرم مع صديقتي  الفاتنة سارة ) ..

 

Read Full Post »

تلقت آسفة خبر كونها عقيماً لن تنجب !

ينظر بأسى إلى قدمه المبتورة ويبتلع غصصاً وغصصاً محاولاً إظهار التجلد !

أقف أمام المرآة مكشوفة الجذع وأنظر إلى موضع الثدي المستأصل وأهز رأسي بمرارة !

تنتفض في مكانها وهي تقسم أنها سمعت صوت ابنها يلقي السلام .. ابنها الذي مات في حادث سيارة قبل أسبوع !

كم من الأمور المؤسفة مرت عليك أو على بعض ممن تعرف ؟

أمور من النوع الذي تستطيع أن تعبر عنه فعلاً بقولك : إنه خسارة .

هي أمور لا تستطيع أن تسترجعها إذا ما فقدتها .

هي أمور لا تعود .

بعد مرور سنة ونصف من استئصال ثديي للسرطان الذي أصابه ، لا زلت أتضايق من رؤية (شكلي).

هذا المكان المبتور يعطيني انطباعاً بالعَوَر !

سنة ونصف مرت ، تغلبت فيها بفضل الله على فكرة إصابتي بالسرطان .

واجهت ضغوطاً كثيرة من نفسي تطالب نفسي أن ترضخ لفكرة المرض ، وتسلم ، وتتقبل .

جربت أنواعاً مختلفة من التركيز ومحاولة التعايش فوفقني الله إلى ذلك .

إلا هذا الشكل ..

حتى الآن لم أستطع تقبله بأريحية .

لا زال هذا الشكل يضايقني ..

طيب والحل ؟

أحاول أن أرمي ضيقي وراء ظهري ، وهي عادة جديدة اكتسبتها بعد إصابتي بالمرض ( ولابد أن هناك كومة من القمائم تختبئ وراء ظهري ) ثم أركز قليلاً وأخاطب نفسي .

ولم سميت “دنيا” إذا ؟

ألم تسم “دنيا” لتدني منزلتها عند الله تعالى ، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما أكرم كافراً منها بشربة ماء .

اصبري يا هناء اصبري .. فهناك أشياء حلُّها في الجنة ..

عندما علمت بخبر عقم إحدى معارفي ،كأنما طعنت في قلبي .

لا أقوله اعتراضاً ، وأستغفر الله إن فُهم ذلك مني ، ولكني تخيلت موقفها .

هذه امرأة حُرمت الذرية للأبد .

ستخرج من هذه الحياة دون أن تحظى بشعور الأمومة الممتع .

وأخرى تخطت سن الزواج ولم تحظ بمتعة السكن والمودة الزوجية ، وثالثة فقدت ابنها أو ابنتها للأبد ، ورابع بتر عضو منه ، وخامس سقط الركن الذي كان يستند إليه لسنين طويلة : زوج أو زوجة.

وقس على ذلك كثيراً .

طيب ، ما العمل ؟

أقول : العمل عمل ربنا .

علينا أن نتسم ببعض الحنكة والحصافة لنعيش .

ليست الحياة متعة واحدة إذا فاتت فاتت عليك  الحياة .

إنما الحياة مزيج متناغم من المتع ، يكمل بعضها بعضاً ، فإذا فقدت بعضها فليس من الحكمة أبداً أن تنتهي حياتك في هذه النقطة .

اخرج وابحث عن متع أخرى تجبر ما فاتك.

وصدقني ، ستجد الكثير الكثير .

بعد تشخيص السرطان واستئصال ثديي كان يصيبني بعض الإحباط والكآبة أحياناً .

وكان ذلك شيء مزعج ، إذ عند تلك الأحايين أشعر بفقدان الرغبة في الحياة .

رأس صلعاء ، وثدي مبتور ، أستغفر الله ، ما هذا الشكل ؟

كان عليّ أن أعوض نفسي .. أن أجد أشياء أخرى تثير البهجة في نفسي لئلا تتحطم معنوياتي .

فتحت عيناي ، وأدهشتني الكمية الكبيرة من المتع التي بإمكاني – لو أردت – أن أصيب منها فتمتلئ حياتي ألواناً .

اكتشفت أن المشكلة ليست في البلاء ، وإنما في ولع المرء في امتلاك ما لا يملك .

نحسد الطيور على قدرتها على الطيران ، والأسماك على حياتها في الماء في حين نعاني من لهيب الصيف.

ذو العيال يغبط أخاه خالي الوفاض , وخالي الوفاض يتمنى بيتاً بصخب الطفولة مزدحم .

المبتعث يتمنى الرجوع إلى بلاده ( غالباً ) ، والقاعد يكاد يحسد المبتعث على حظه السعيد في الابتعاث، الخ …

هذه دعوة مني لإهداء نفسك السلام والطمأنينة بأن تعيش حياتك بما فيها من متع ودعك من ضيق الأفق .

وتذكر أن الطاهي الماهر هو من يفلح في أن يصنع مما عنده من المكونات طبقاً متميزاً .

Read Full Post »

لا زال رمضان مقترناً في ذهني بالمسرات ..

فعلا كالضيف الحبيب الذي ( يتغلى ) ..

يطبق حقاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : زر غباً تزدد حباً .

بدأ رمضان البارحة .
البارحة بالذات كان يوماً مغبراً في مدينة جدة .

تنظر إلى الأجواء عبر النافذة في حجرتك المكيفة فلا ترى للشمس سطوعاً ، فيخيل لك أن الجو مغيماً.

القلوب تتأهب لاستقبال رمضان ..

الشوارع مليئة بمن يشتري ( مقاضي رمضان ) في آخر لحظة .

وفي فمي طعم غريب ..

تذكرت مثل هذا الوقت في العام الماضي .

حين كنت أتلقى العلاج في جدة، بعيدة عن أولادي .

لم يزل جسدي يئن تحت آثار التاكسوتير المزعج ، لا شعر ، لا رموش ولا حواجب .. فقط ظهر محدودب قصمه الوهن والوحدة ، وملامح متعبة منهكة ، وقلب ينبض رضا بالله وعن الله ..

كان لساني يجد طعوماً مضحكة لأشياء أستطيع أن أقسم أن طعمها لم يكن كذلك في يوم من الأيام.

ودعوني أؤكد لكم أن الطعوم كانت سيئة !

حركتي بطيئة ، ومشيي مثقل مهموم ، ولا عجب ..

فمهما كنت أتمتع بنفسية متفائلة إلا أني لابد أن أضعف أحياناً بين الحين والآخر .

لا تنسوا أني كنت مصابة بالسرطان .

أرجوكم لا تطالبوني بأن أكون المرأة الحديدية .

حتى الحديد يضعف مع كثرة الطرق أحياناً .

كنت أنظر إلى نفسي في المرآة وأتحسس رأسي الذي يبدو كالبيضة  .

فيه شعر خفيف جداً  ، أخف من زغب الطير .

أكاد لا أرى حواجبي ، وربما أقلت أجفاني ستاً أو سبعاً من الشعيرات .

أتحسس وجهي وأتنهد .

لم أبدو وكأني في السبعين ؟

والله لا أبكي يومياً ، بل ولا أسبوعياً ، فلم هذه الملامح ؟

هل يغير الكيماوي الملامح ؟

أمشي وتلتقط عيناي صورتي في المرآة ، فأرى جسداً محنياً يمشي مشية ( بطريقية ) ، ويصيبني الذعر ..

لكني لست في السبعين ..

أنا في الخامسة والأربعين فقط  ، ولياقتي لا بأس بها ..

أقصد ، لياقتي (كانت ) لا بأس بها .

فلم هذا الوهن والضعف ؟

وفي مؤخرة عقلي أسمع صوتاً مرحاً يقول : مرحباً بك في نادي السرطانيات نياهاهاهاهاهاها .

فأهز رأسي وأقول : يا لك من خفيف الظل !

حين دخل شهر رمضان في العام الماضي لا أعرف كيف استطعت أن أصوم.

بل لعل الصيام كان أسهل علي بسبب قلة شهيتي لتناول الطعام .

لم يكن لشوربة الحب التي تعدها أمي ذات المذاق اللذيذ ، ولا للسمبوسك ( البف ) الشهير .

أما العصيرات فحدث ولا حرج .

هذا عصير فيمتو ؟ لابد أنك تمزح .. هذا دواء ( الكحة ) !

هل هذه بيتزا ، أم شراب ابنتي القديم  ! ( وراجع إن شئت التدوينة التي تحمل هذا الاسم )

كان الصيف شديد الوطأة  في تلك السنة  ، وجسمي يتصبب عرقاً في حر جدة الرطب .

العلاج الهرموني يسبب الكثير من اختلال الهرمونات وأعراض كأعراض انقطاع الطمث .

كنب أمي الجلدي يزيد الأمر صعوبة .

كنت أجلس أمام المكيف فتصرخ رجلاي ألماً .

أغطي رجليّ بغطاء سميك فقط لأبدو كجدة عجوز :

نظارة ، ملامح متعبة ، ظهر محدودب ، طاقةخائرة وغطاء على الرجلين ..

ينقصني كرسي هزاز حتماً .

يا الله  ..

متى تنقضي هذه الأيام ؟

متى أستعيد عافيتي لأستمتع بالمشي السريع دون حاجة إلى الاعتماد على ظهر الكنبة أو طرف الطاولة؟

لأستمتع بالبيتزا والتبولة وماء الزمزم ؟

لأستمتع برؤية ملامح واضحة لوجهي دون الحاجة إلى تحديدها بالقلم : هنا حاجب وهذه رموش  .

لأستمتع بالمشي بلا بندانا في هذا الجو القائظ تزيد من ارتفاع حرارتي.

ولمن يسأل : نعم ، لم أكن لأخرج حاسرة الرأس أبداً .

لم أرد أن يصاب الناظر إليّ بصدمة وهو يرى رأس بيضية ( نسبة إلى البيض ) لامرأة !

قلت من قبل أن الناس يألفون رؤية رجل أصلع ، ولكن امرأة صلعاء ….. لا أعدكم بذلك كثيراً .

متى أستعيد عافيتي لأستعيد حياتي ؟

والآن ..

 وبعد سنة كاملة ..

أنظر إلى الوراء وأبتسم .

ها أنا اليوم أقضي أول رمضان مع أمي في جدة وأولادي كلهم .

حسناً .. كلهم تقريباً فخالد لا يزال في المدينة .

أمسح على شعري المصفف بعناية وقد صار يبدو كشعر امرأة أخيراً .

أستمتع بجو المكيف دون أن تعترض علي رجليّ .

ويسيل لعابي كلما اقترب وقت المغرب فلساني في شوق إلى الأكلات الرمضانية التي حُرم منها العام الماضي .

أفكر مبتهجة أني بحمد الله لم أسخط ولا ثانية واحدة على قضاء الله علي بالسرطان .

كنت دائماً راضية عنه ، لأني اعتبرتها فرصة لتكفير جبال سيئاتي .

كنت دائماً أفكر أنه منّ عليّ بهذا المرض ليرفع درجاتي عنده وأحمد الله  أنه كان بلاء محتملاً .

متعباً جداً نعم .. ولكنه يظل محتملاً .

كنت أدعو الله فأبدأ بالثناء عليه ( لأدخل في جو الدعاء ) فيقودني الثناء إلى التفكر بالنعم الهائلة التي وجدت نفسي محاطة بها لسنين ، والآن ، مع السرطان فقط انتبهت .

لِم يحتاج الإنسان أن يُبتلى ليعرف عظمة ربه وسعة رحمته وعظيم كرمه ؟

(ناس ما تقيش إلا بالشخيط ؟)

الآن ، وقد عافى الله جسدي من المرض ( مبدئياً ) وعرفني نعمه وألطافه ، وغدت تلك الأيام ذكريات ..

أحمد الله أنهاذكريات حسنة ، رأى مني الله صبراً ورضاً ، بل وشكراً .. أجلس لأكتب لكم وقد امتلأ قلبي بهجة ..

 أبتسم وأقول : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله .

Read Full Post »

عندي قناعة شبه أكيدة أن التدوينات التي تكتب عن الأطفال هي من أجملها على الإطلاق ، على الأقل في نفس كاتبها .

أولئك مخلوقات طاهرة بريئة (مهما بلغ خبث أحدهم ومكره ) ، ماهرة في انتزاع البسمات والضحكات من قلوب (الطبيعيين ) من الناس .

تذكرون تدوينتي بعنوان : ” حكاية ما قبل النوم ، بطولة شمس !” ؟

كانت هذه من أنجح التدوينات التي نالت استحسان القراء الأعزاء .

الأطفال نعمة من الله .

وأحدد الأطفال ممن لم يتجاوزوا السادسة من  العمر ..

فإذا كبروا  فإنهم قد يتحولون تدريجياً ( بقصد أو بدون قصد ) إلى أدوات تعذيب لآبائهم .

أما قبل ذلك فذاك عالم باهر من الروعة والبهاء .

كلما أردت استجلاب شيء من السعادة أتذكر شيئاً من أولادي حينما كانوا صغاراً ..

أحاول أن أتذكر ما لا يستدر دمعي في الحقيقة، فأنا بعد سفر سهل زادت شهيتي نحو البكاء !

كم أتوق للأيام التي كنت فيها ( كل ) عالمهم  .

يكفي الرضيع فيهم أن يغرق في عينيّ فيشعر أنه في الجنة ذاتها .

وصغيرهم كان يعتقد أني أعلم من في الأرض .

لمساتهم حنان دفاق .

ونظراتهم وله وعشق .

حسن .. أحاول أن لا أخرج عن الخط المعتدل إلى خط الحزن والدراما بهذه التدوينة .. يكفي تدوينة سهل أليس كذلك؟

في الواقع أشعر أني بتدوينة ” رحلة إلى عالم النسيان ” قد قدمت جرعات مأساوية تكفي لعدةأشهر قادمة .

لكن ما أثار هذا الموضوع قبل قليل أن شمساً كانت تمشط شعري..

قررت أن تلعب دور مصففة الشعر ( أبلة ميرفت ) فأخذت تمشط شعري وتفرقه يمنة ويسرة ، ثم تنظر إلي وتقول :

 يا ناااااس ..

وتكرر العمل ، وتغير ( التسريحة ) وفي كل مرة تختم ذلك بأن تنظر إلى وجهي وتقول : يا نااااس .

اقتربت لطيفة منا بفضول ، وظلت تنظر إلى ما تفعله شمس ، ثم أعطتها بعض التوجيهات لتخرج منها بنتيجة مفادها أني أشبه ( دانة ) .

قالت شمس : ( ايوة صح ، زي دانة ) !

ثم سكتت برهة وقالت : مين دانة ؟

ضحكت عالياً .. ولبثت أفكر .. كم من الجمال يراه الأطفال في أمهاتهم وآبائهم .

كم من الحب يغمرون أهليهم به بكل أريحية  ، في لمساتهم ، في كلماتهم ، في نظراتهم ..

حينما سقط شعر رأسي بعد الجرعة الأولى من العلاج الكيماوي كان شكلي غريباً بالتأكيد .

مهما حاول مَن حولي إقناعي بأن شكلي ( عادي ) إلا أن لي عينين في رأسي أبصر بهما شكلي وأستطيع التفريق جيداً بين ما كان يبدو ( عادياً ) وما لم يكن كذلك .

أتخيل وجود رجل أصلع .. فهذا عادي فعلاً بسبب العمرة والحج .

أما امرأة صلعاء ، فهي غريبة بغرابة لفظ الكلمة : ( امرأة صلعاء ) !

كانت شمسي رفيقتي في فترة المرض والعلاج ..

وكانت تحب دائماً أن تحتضن رأسي من خلفي وتمسح عليه بيديها معاً .

لم تكن تخاف من شكلي ولاتنفر منه ..

بل كان يستهويها جداً أن تضم رأسي إلى صدرها وتقبله ..

كنت أشعر أن هذه الحركة نعمة من الله ، تعيد إلى قلبي بعضا ً من الحياة .

حينما كان عبد الله في الابتدائية كان يستلم مكافأة التحفيظ ويلفها بورقة كتب فيها رسالة حب وشكر على ( تعبي في تربيتهم ) ويضعها بجانب سريري .

وحين كان الثلاثة الكبار صغاراً كانوا يحبون أن يفاجئوني بترتيب البيت ترتيباً متقناً نظيفاً ، أو يأتي أحدهم ليلعب بشعري وهي حركة نسميها ( حَبّو ) فتسترخي أعصابي .

الأطفال تظل أعينهم على آبائهم ، يرصدون حركاتهم وأقوالهم ويتعلمون منهم .

قبل الاختبارات كنت في جدة لمدة أسبوع بسبب موعدي مع طبيب الأورام .

خرجت في إحدى الليالي ورجعت متأخرة ولما تنم شمسي بعد .

وضعتها في فراشي وأنا متيقنة أنها ستنام خلال خمس دقائق ، ولكنها تأخرت عن ذلك كثيراً .

أصابني الملل وأدركت أني طالما كنت معها في الحجرة فلن تنام ، لذا أخبرتها أني سأذهب إلى دورة المياه كي أتوضأ وأغسل أسناني ، وأن عليها ألا تقوم من فراشها حتى أعود .

خرجت وكلي أمل أن تنام خلال هذه الفترة ..

وبعد خمس دقائق مررت بالحجرة فسمعتها تغني فقررت أن أتأخر عن الدخول إليها قليلاً ريثما تنام .

وذهبت إلى الصالة وفتحت كمبيوتري لأتفقد أحوال المنتدى .

وجدت مواضيع تحتاج إلى رد فاستغرقت في الكتابة لأفاجأ بعد قليل بصوت من ورائي يقول : الكذب حرام !

كاد قلبي يتوقف ..

ففي هدأة الليل ، والسكون المزعج خرجت شمس من الحجرة لما انتبهت إلى تأخري عنها ، ومشت بخطوات صغيرة رقيقة على الأرض المكسوة بالبساط في بيت أمي لتكتشفني جالسة أطقطق على الكمبيوتر وأنا التي وعدتها أن أرجع إليها بعد انتهائي من طقوس ما قبل النوم .

اقشعر جلدي ، وبردت أطرافي ، وأكاد أجزم أن الأدرينالين قارب على أن ( يخبط ) السقف برأسه .

التفت إليها سريعاً ، وقبل أن أتكلم ، دخلت بهدوء وهي تنظر إلي نظرة جانبية ، وقد ارتسمت الجدية الصارمة على وجهها ، وكررت بصوت حازم : الكذب حرام ..

هنا تداعت إلى ذعني كل مقاطع الرعب التي شاهدتها حين كنت أمثل ( الكوالة ) في مراهقتي .

لوهلة خاطفة تخيلت أني سأسمع صوتاً عميقاً يخرج من جوفها ليقول : الكذب حرام .

أنتم لم تروا النظرة ..

ولم تسمعوا النبرة  ..

كانت خطيرة بالفعل ..

وللمعلومية .. شمسي ممثلة بارعة ، وتتقن جداً تمثيل هذه النظرات لتشعرك بالذنب أو الخوف أو الاحتقار ، أو ما شاءته وكان مناسباً للظرف .

كانت ترتدي قميص نوم طويل ، وظلام البيت من خلفها ، فبدت بالفعل وكأنها خارجة من أحد أفلام الرعب التقليدية.

انتبهت من فزعي وقلت : بسم الله ، فجعتيني ..

فقالت وقد لانت نظرتها بعض الشيء : الكذب حرام .. ما قلتي حترجعي ؟ كيف قاعدة ع الكمبيوتر ؟

قمت إليها وأمسكت يدها الصغيرة وقدتها إلى الحجرة وعقلي يفكر : أوه الحمد لله . تتكلم بطريقة عادية .. لم تخرج إذن من أفلام الرعب .

شرحت لها أني قصدت فعلاً الرجوع إليها بعد انتهائي من الوضوء ، ولكني أتيت إلى الصالة لأرى شيئاً سريعاً فانتهى بي المقام إلى التطويل ، وأخبرتها أن : أمي لا تكذب ..

أعترف أني اخطأت نواعترف أني لم أقصد خداعها ، وإنما كان قصدي ألا أتواجد معها لتتمكن من النوم سريعاً .

وأعترف أنها منذ ذلك اليوم صارت تفسر كل ما لا يحدث (حرفياً ) مما أخبرها به أنه كذب ، ولو كان في الحقيقة سوء فهم أو خطأ غير مقصود . وصارت تكرر لي : الكذب حرام يا أمي.

ماكان موضوع هذه التدوينة بالضبط ؟

لا أعرف .. لا شيئ محدد هناك .

فقط أحببت ان أشارككم خواطري بشأن هؤلاء الأحبة ..

لا أعني بها شمس فقط .. وإنما شموس حياتي أجمعين .

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: