Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘لماذا أسلمت’ Category

سيلفيا امرأة في الثلاثينيات من عمرها ، من بلاد التشيك .. تعرفون ما التشيك ؟ إنها بلد في وسط أوروبا تمتاز بالمناخ البارد المعتدل والطبيعة الخضراء والمياه الوفيرة ، وعامة سكانها لا دينيون .

نشأت سيلفيا بين أبوين ملحدين ، مشغولين على الدوام ، ومع أخت تكبرها بأربع سنوات ، مختلفة الطباع والتفكير عنها تماماً ، لذا فقد أحبت ملازمة جدتها المتدينة اللطيفة التي بثت في نفسها الكثير من المعرفة بالرب وعلمتها كيف تؤمن وتثق به ، كما اتخذت من الكتب صديقة صدوقة تنسى نفسها بين صفحاتها وهي تقلبها الواحدة تلو الأخرى تبحث فيها عن ما يشبع نهمة الطبيعة التشيكية الشغوفة بالتعلم والمعرفة .. كانت تنشد في قراءاتها القدوات التي تقتبس منها الصواب والنبل والتواضع ، ولكنها كلما وجدت من اعتقدت فيه السلامة ، كانت تكتشف فيه عيوباً أخرى ، لذا فقد كانت دائماً تشعر بالقلق : هل ما أفعله صواب ؟ هل ما يفعله الناس في بلادي صحيح ؟ الكذب ، الخيانة ، كل العيوب البشرية ؟ لا يمكن أن يكون صحيحاً وإن فعله كل الناس .. تلك أمور مقيتة ، بغيضة ، وسيئة ..

حينما كانت في الثامنة سألت أمها الملحدة سؤالاً ملحاً كان يقض مضجعها : ماذا بعد الموت ؟ فقالت ببساطة : لا شيء .. ظلام فقط . زلزلت هذه الإجابة البسيطة كيان الطفلة .. ظلام ؟ ولكني أخاف من الظلام !

حاولت أن تكون متدينة كجدتها اللطيفة ، لكنها في المدرسة الثانوية لم تستطع أبداً أن تفهم عقيدة التثليث. سألت قسيساً كان يعلمهم فكان يجيبها إجابات هشة ضعيفة لم تلق في نفسها أي قبول فكرهت العقيدة ورفضتها فقال لها القسيس : ” سيكون عندك أسئلة كثيرة ، ولكن اعلمي أنها من الشيطان ، فآمني و كفي عن السؤال” ، فما زادها ذلك إلا إصراراً على البحث عن الحقيقة . الحقيقة التي لم تدر ما هي . أصبحت – من حيث لا تدري – حنيفية ، تؤمن بالله وإن لم تعرف كيف تعبده .

كم هو صعب أن يبحث المرء عما لا يعرفه .. أملاً في أن يجده .. يبحث عن شعور ملح في داخله ، كقطعة الأحجية الناقصة التي إن وجدتها وركبتها اكتملت عندك الصورة البديعة ، ولكن كيف شكل هذه القطعة ، ما لونها ، ما حجمها ، بل ما هي ؟ أسئلة بلا إجابات .

في الجامعة قابلت “ميلان” الذي كان يبحث كذلك عن تلك القطعة الناقصة من الأحجية. كان شغوفاً بالفلك وكان يقضي أوقاتاً كثيرة في التأمل في السموات ، متينة البنيان ، ذات النجوم الزاهرات والأفلاك المحكمات ، ويتسائل دائماً: لماذا نحن وجميع هذه المخلوقات هنا ؟ ما الهدف من وجودنا ؟ ماذا بعد الموت ؟

لحظة لحظة .. ماذا بعد الموت ؟ هذا نفس سؤالها .. لابد أن يكون هناك شيء آخر غير الظلام يلي الموت .. لابد أن يكون هناك شيء منطقي يلي نهاية هذا الخلق المحكم المتقن الذي لا يمكن أن يكون قد وُجد عبثاً .. لابد أن تكون هناك إجابة معقولة تجيب به أولادها إذا ما سألوها عما بعد الموت .

تزوجا ، وعمل هو في منصب جيد بشركة السيارات المشهورة مرسيدس بنز ، فكان عمله يدر عليهما دخلاً جيداً ، فلم تكن بحاجة إلى أن تعمل ، وكانت فرصة ذهبية لتتفرغ للقراءة والاطلاع .كان مما قرأته مرة قصة امرأة رحالة تحكي مشاهداتها في البلاد الإسلامية ، فوجدت – ولأول مرة – معلومات مدهشة وجميلة عن الإسلام ، وهو الذي كان يحظى بسمعة سيئة في إعلام بلدها وتعليمه. فذهبت في اليوم التالي إلى المكتبة العامة تبحث عن المزيد عن هذا الدين الجذاب ، فلم تجد – للأسف- إلا كتيباً صغيراً من صفحات فيه المعلومات الأساسية عن الدين الإسلامي.. وكانت البداية .

شعرت أنها –لعلها- وضعت قدمها على أول طريق الحقيقة المنشودة .. الحقيقة المجهولة ..

كانت تريد أن تفهم .. أن تفك الرموز التي عبثت بقلبها بشدة ، فقلبته ولم تعد ترتيبه .

تذكرت مشهداً من فيلم – لعله أمريكياً- ومترجم للتشيكية، رأته في صباها ، لم تذكر اسمه ولا موضوعه، فقط تذكر جماعة من العرب الهمج المزعجين ، وبينهم كان يقف ذلك الأنيق ، في ثياب جميلة نظيفة ، ويتحدث بكلام بليغ ورصين شد انتباهها ، وتمنت بعمق لو أنها كانت تملك جمال منطقه وحسن أسلوبه.. نُقشت تلك اللقطة في ذاكرتها نقشاً .. وبعد سنوات ، عندما طرأ ذكر الإسلام في ذهنها تذكرت أن من جذب انتباهها بشدة كان -في الفيلم- مسلماً بين كفار ، وخفق قلبها !

سافرت مع زوجها إلى العاصمة حيث دلهما زوج صديقتها على رجل تونسي بارع ، يتحدث العديد من اللغات ، وعنده علم طيب عن الإسلام ، وبدآ يسألانه عن الكثير مما أشكل عليهم من مسائل الدين كالعقيدة والحجاب وغيرها ، فكان ذكياً في إجاباته ، لماحاً ولطيفاً .. يجبيهم فقط ، دون أي إيحاء أو ضغط ، فشعرا بالراحة العظيمة معه ، وأخيراً قال لهم : ” الله تعالى أعطاكما العقل ، فاستعملاه وسيقودكما للحقيقة ” .

بعد سنة من البحث المتعب المضني اعتنقت سيلفيا وميلان الإسلام ، وكانت سعادتها غامرة أنها وجدت – أخيراً – إجابة لسؤالها المحير : ماذا بعد الموت .

وجدت القدوة التي لا عيب فيها ..

وجدت الحقيقة .. ووجدت نفسها.

لم يكن الاكتفاء بما عثرا عليه من كنوز وارداً لأن همتهما كانت أعلى من ذلك ، فبدأ زوجها يراسل الجامعات في البلاد العربية ، والمراكز الإسلامية يخبرهم عن رغبته في التعرف على الدين الإسلامي إلى أن وصلهما بعد زمن طويل خطاب من شيخٍ ما من السعودية يخبرهما أنه رتب لهما مكاناً في معهد في القاهرة لتعلم اللغة العربية ، فكان السفر ، وكانت الانتقالة الهائلة ، من بلد مرتب ، نظيف كالتشيك إلى بلد نخرها الفساد كسائر البلاد العربية . كانت دهشتهما عارمة لأنهما تعلما أن الإسلام دين نظافة وترتيب وحسن خلق ، وسبب هذا التناقض لهما الكثير من التشويش ، فلم يسكّن فؤادهما إلا حين أخبرهما أحد الدعاة : لا تنظرا إلى الناس ، وانظرا إلى الكتب .

وتتالت الأحداث ، وبعد 8 سنوات من سكنى القاهرة وتعلم القرآن الكريم حصل ميلان على منحة لدراسة الدعوة وأصول الدين في الجماعة الإسلامية في المدينة ، إلا أن الإقامة كانت له وحده، فمكثت سيلفيا في القاهرة وحيدة مع ابنتها ، فارة بدينها من بلدها ، وعاجزة عن الالتحاق بزوجها الذي لا تسمح له تأشيرته بضم زوجته معه .

كل يوم يمر كان الزوج فيه يتعذب إذ كان يخشى على زوجته وابنته الصغيرة ذات الخمس سنوات في بلاد الغربة .. حاول بشتى الطرق ضمها إليه في إقامته ولكنه عجز .. لم تكن هناك استثناءات لزوجات طلبة الجامعة الإسلامية القادمين من بلاد كافرة (غالباً) .. عجيب جداً أنهم لم يفكروا في أن وضع أولئك مع بلدانهم وأهاليهم يختلف عن وضع الموظفين والطلبة الاعتياديين .. عجيب أنهم لم يفكروا في إيواء من هاجر بدينه من بلده لطلب العلم الشرعي ، وما كان ذلك ليكلف الشي الكثير.. وبعد أربعة سنوات من التعب النفسي واليأس من تغير الأوضاع ، قرر ميلان قراراً جازماً أن يتوقف عن الدراسة ويلتحق بزوجته في القاهرة ، وعندئذ لم يرعه إلا أمر من مدير الجامعة الإسلامية باستخراج إقامة استثنائية لسيلفيا.. والتم الشمل أخيراً ..

حضرت سيلفيا للسعودية ، وعندما ارتدت العباءة تذكرت حلماً قديماً قديماً ، في خبايا الذاكرة حين كانت في الثامنة ، حيث رأت نفسها في قارب ، متشحة بالسواد ، وتتحدث بلغة لا تفهمها .. تذكر جيداً أنها أفاقت من نومها متعجبة من تلكم اللغة .. في بلادها تستطيع أن تفرق بين معظم اللغات الأوروبية ، ولكن هذه اللغة كانت عجيبة ، ولها إيقاع غريب عن أسماعها .

عجيب هو تقدير الله لعباده ، حيث يهيؤهم لخيرهم من أول حياتهم ، فمنهم من يكون ذكياً فطناً يلمح تهيئة الله له فيمسك بحبل نجاته بيديه وأسنانه ، ومنهم من تمر به التلميحة تلو التلميحة فلا يكاد يفطن لشيء ..

أخبرتني وعيناها تترقرق بدمع حبيس : أتعلمين كيف هو شعوري بعد الإسلام ؟ كأنني كنت في بيت ضيق مظلم ، ثم انتقلت إلى قصر واسع بهيّ يغمره ضياء الشمس البهيج ..

غمغمت : ليت قومي يعلمون .. فقالت بابتسامة شفيقة : لا تحزني .. هم فقط تعودوا على سكنى القصر ، فلم يعودوا يرون ما فيه من جمال وماهم فيه من نعيم .. ولكن نحن .. حالنا مختلف !

والآن ، بدأت رحلة بحث الزوجين عن أماكن يبدآن فيها الدعوة إلى الإسلام .. سألتها : ولم لا تعودان إلى التشيك لتدعوا قومكما إلى الدين ؟ فأجابتني بأسى واضح : نحن هناك أمة فقيرة وصغيرة ، فالمواطنون المسلمون يبلغون قرابة الخمسمئة مسلم فقط ، وهم مضطهدون ومحارَبون من قبل الحكومة ، والمركز الإسلامي الوحيد أخبرنا أنهم يحتاجون إلينا للدعوة ولكن بلا مرتبات شهرية لعجزهم المادي . ولو عدنا، بعد غياب قرابة 13 سنة لم تستفد فيها بلادنا من خدمتنا ومن ضريبة دخلنا ، فلن يشملنا الضمان الاجتماعي ولا التأمينات الصحية ولا التقاعد ، فكيف لنا أن نعيش ؟ خسرنا أعمالنا وبيوتنا وممتلكاتنا حينما هاجرنا لطلب العلم الشرعي، وأهالينا يقفون ضدنا ، بل إن بعضهم قد يؤذينا .. الدعوة تحتاج إلى أموال للإعاشة على الأقل ، لإيجار المنزل ، السيارة ، العلاج، ونحن نفتقر إلى ذلك والتشيك غالية.. ولو عدنا وعملنا لنحصل على قوتنا اليومي فإن طاقتنا ستستنفذ لآخرها في العمل ولن يبقى منها شيء للدعوة .. نحن نبحث الآن عن مراكز اسلامية في أي بلد أوروبي يمكنه أن يوظفنا وصدقيني أن هدفنا الأبعد العودة إلى بلادنا لندعو الناس إلى عبادة الله ، فخير الدعاة من يدعو في قومه وبلسانهم على علم وبصيرة ..

نريد أن نعلم ما تعلمناه ..

نريد أن نرشد قومنا إلى الحقيقة ..

إلى القدوات الصالحة الحقيقية ..

إلى الإجابة الصحيحة إذا ما سألهم أولادهم : ماذا بعد الموت ؟

Advertisements

Read Full Post »

%d مدونون معجبون بهذه: