Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘متع مبهجات’ Category

أعتذر إليكم ، أعلم أني قد تأخرت عليكم ولكن تعلمون ظروف الإجازة ، والأعذار المتكررة في مثل هذه الظروف .

كما أعلم أني ربما أكون قد ( غثيتكم) بالحديث عن نفسي وذكرياتي التي قد لا تهم أحداً ، ولكنا اتفقنا من قبل أن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم ، فبعضها قد لا يهمكم ألبتة ( مثل الحديث عن نفسي وذكرياتي ) إلا أنها تدخل على نفسي بعض المتعة ، وقد أتحدث عن أشياء لا تهمني كثيراً ولا تروقني ولكني أفعله لأجلكم – صدقوني J –

يكفي هذا الهراء الذي لابد منه لصنع مقدمة لا بأس بها حين تفتقر إلى مقدمات مناسبة .

هذه الحلقة الأخيرة من استجلاب الذكريات السعيدة عن مدرستي دار الحنان .

سنوات الثانوي كانت حافلة بالعديد من النشاطات التي كانت لا تكاد توجد إلا في دار الحنان في تلك الفترة من الزمان .

لا أعرف في الحقيقة عم أتحدث وماذا أدع .. لا أكاد أذكر شيئاً سيئاً في تلك الفترة ..

قد يكون هناك شيئاً سيئاً وأسقطه عقلي من الذاكرة ، لكن فيما أراه ماثلاً في ذهني فلا أكاد أذكر أي مرارة أو أسى .

وإنما أذكر أشياء كثيرة أنظر إليها الآن ، وأحللها فقط لأكتشف نعم الله عليّ .

فمثلاً ، كانت من أنشطة دار الحنان رعاية المواهب الموسيقية ، وكانت لدينا مدرسة موسيقى تجيد العزف على البيانو ( الذي كنت أعشقه ) وتجيد قراءة النوتة الموسيقية ، وحين قررت مع بعض صديقاتي إنشاد أغنية وداعية استقيناها من إحدى الأفلام الأمريكية  على أن تعزف مقطوعتها هذه المدرّسة إلا أن الفريق الغنائي الذي كان معي لم يكن متقناً جداً فألغت الإدارة هذه الفقرة لعدم الإتقان . والآن أفكر في لطف الله بي إذ صرف عني الغناء والموسيقى في وقت كنت أحبهما وأجيدهما جداً ، والله وحده يعلم لو لم يصرف عني ذلك ماكان حالي الآن ؟

هل أخبرتكم من قبل عن مكتبة المدرسة ؟

كانت لدى المدرسة مكتبة كبيرة مرتبة ومنظمة ، ومنيرة بشكل مريح ، باردة ، واسعة ، وباختصار: مبهجة . وكان يعجبني منذ سني الابتدائية أن أزورها باستمرار لاستعارة الكتب ..

كنت أجد نهمتي البالغة للقراءة في قصص الأطفال المتينة نوعاًما ..

 كنت أستعير الكتاب في الفسحة وأشرع في قراءته بين الحصص ، وفي الباص ، وبعد تناول الغداء لأعيده في اليوم الثاني مع تعجب أمينة المكتبة ، فقط لأستعير كتاباً آخر .

 أين قرأت قصة بنوكيو وروبنسون كروزو و جزيرة الكنز وكتب نجيب الكيلاني إلا في مكتبة مدرستي؟

في علية المكتبة كانت غرفة السينما ، حيث تقبع آلة عرض الأفلام وكمية من الأفلام التعليمية والوثائقية التي كنا نتفرج عليها في بعض حصص الفراغ ..

نحن نتحدث عن أحداث تمت منذ قرابة الثلاثين سنة .. في تلك الفترة كان التفرج على الأفلام في المدرسة يعد ضرباً من الترف والرفاهية ، خاصة لو كان المكان نظيفاً وبارداً ..

حتماً كان ينقصنا بعض الفيشار والمرطبات .

في السنة الأولى الثانوي كان الذهاب إلى معامل الكيمياء والفيزياء من المتع كذلك ..

الخروج من الفصل الروتيني في طابور منظم لمعمل الكيمياء حيث تحاول غالبيتنا الجلوس في المقاعد الخلفية والعلوية من مدرج المعمل ، أو بجانب النافذة حيث تقتنص نظرات الجالسة هناك الرائحات والغاديات في الفناء ، وقد تكون إحداهن صديقتها فتظل ترسم وجوهاً مضحكة لتضحكها بها فتوقعها في شراك المدرّسة .

لا أنسى التجارب المعملية التي كانت تكلفنا بها المدرّسة أحياناً ، والتفاعلات الكيميائية ، والأدخنة المتطايرة ، والتعامل مع المجاهر ( الميكروسكوب ) . حقاً كانت متع لا تنسى .

كانت سنوات الثانوي حافلة بالمسابقات ، وكنت دائماً في الفرق المشاركة ..كانت هناك المسابقات الثقافية بين الفصول والتي كانت بمثابة اختبارات لمعرفة جودة الدراسة ، إذ أنها مراجعة على جميع المناهج الدراسية ، إضافة إلى سرعة البديهة في كثير من الأسئلة .

كما كانت تقام المساجلات الشعرية ، فكنا نحفظ مئات من أبيات الشعر والتي كنت أستخرجها من الدواوين الشعرية التي اكتظت بها مكتبة والدي رحمه الله ، نكتبها في أوراق كثيرة ، ونحفظها في عدة أسابيع لتعقد المساجلات بين الفرق : حيث يأتي كل فريق ببيت يبدأ بالحرف الأخير من البيت الذي ذكره الفريق الذي قبلنا .

أستغفر الله ، كنا نقوم أحياناً بعملية غش صغيرة إذا ما ( تورطنا ) ببيت نحتاج أن يبدأ بحرف الواو أو الفاء أحياناً ، فكنا نأتي بالبيت الذي يبدأ بأي حرف ، ونضيف إليه واواً زائدة أو فاء زائدة ، (ولا من شاف ولا من دري ) .

طبعاً لم نكن نستطيع أن نقوم بهذه الحركة مع كل الأبيات ، فمثلاً لو قلت :

“و” على قدر أهل العزم تأتي العزائم    وتأتي على قدر الكرام المكارم

لانكشفت حيلتك مباشرة..لعل شمسي تحفظ هذا البيت ، فلا يمكنك بحال تغيير أي شيء فيه .

لكن لو قلت :

“و”ما جال بعدكِ لحظي في سنا القمر          إلا ذكرتكِ ذكر العين بالأثر

فمن بربك يحفظ ديوان ابن زيدون ليكتشف غشنا ؟؟

من ابن زيدون أصلاً ؟؟

في السنةالأولى ثانوي انتقلنا إلى مبنى المطار القديم نظراً لوجود ترميمات في مبنى المدرسة الذي بلغ من العمر قريباً من العشرين سنة أو يزيد وبالتأكيد كانت سنة متميزة ..

أقيمت الفواصل في إحدى مباني المطار لتكون فصولاً دراسية ، وكانت مدرسة الأحياء تشرح درساً في الفصل المجاور فيطغى صوتها على صوت مدرسة اللغة العربية في فصلنا ، فتقع النوادر والقفشات.

كنت نصطحب معنا الزلاجات إذ لا يمكن أن تجد مكاناً أنسب من أرض  مبنى المطار الناعمة والانسيابية للتهادى بالزلاجات عليها ، وكانت بعض الفتيات يستعرضن مهاراتهن في التزلج والتي اكتسبنها من سفرهن للخارج .

قاربت السنة على الانتهاء .. واقترب التخرج .

أقامت المدرسة يوما مفتوحاً ، مفاده أن تقوم من أحبت من طالبات الصف الثالث الثانوي بتقمص أدوار من تشاء من ا لمدرسات و الإداريات بعد استئذانهن .

انطلقت جرياً إلى وكيلة المدرسة الأثيرة لدي : أبلة فايزة كيال ، والتي كانت معروفة عندنا بأناقتها وقربها من قلوب الطالبات واستأذنتها في أداء دورها فوافقت .

وفي صباح ذلك اليوم ، دخلت في أول الدوام المدرسي مكتب أبلة فايزة .. وجلست على مكتبها..

جاءتني وعلمتني كيفية استخدام الهاتف ( السنترال ) وسمحت لي بفتح أدراجها والاطلاع على الأوراق الموجودة واشترطت ألا أفشي سراً وخرجت .

كان من أمتع الأيام إلى قلبي . استمتعت فعلاً بقراءة الملفات الموجودة ، والاتصال على بعض صديقاتي ممن آثرن أن يتقمصن دور المديرة أو الناظرة ..

كنت أؤدي دور أبلة أحبها وهذا يكفيني .

وكنت أحياناً أتصل على ( غرفة الخالات ) لتحضر لي إحداهن كوباً من الماء أو فنجاناً من القهوة.

للأسف لم تستمر هذه المتعة لأكثر من أربع حصص ، ورجعنا بعدها طالبات مرة أخرى .

في إحدى الأيام مررت ببعض الأبلات وهن يتحدثن ، كان منهن أبلة فايزة ، وأبلة ميسر رحمها الله ولما اقتربت سمعت إحداهن تقول بصوت منخفض : شش جاءت جاءت .

تحدثت معهن لبرهة ثم انصرفت وفي قلبي نما أمل ما ، حاولت طرده لئلا أنساق في الأحلام السعيدة .

وأخيراً حان يوم حفل التخرج . في ذلك اليوم ذهبت إلى مصففة الشعر وارتديت فستاناً أبيض أشبه ما يكون بفساتين الزفاف ، وعليها العباءة العودية والشريط والوشاح الورديين ، وكانت المسيرة على أنغام أغنية وطنية : بلادي بلادي منار الهدى .

اصطففنا على المسرح الذي أقيم في ساحة المدرسة وأدينا السلام الملكي ونشيد المدرسة ..

كنت أودع المدرسة التي قضيت فيها أجمل سنوات عمري ، والتي تعلمت فيها مهارات أجني ثمارها ونتائجها الآن :حيث تعلمت اللغة العربية السليمة ، وإلقاء الكلمات أمام الجماهير ، والتحدث باللغة الانجليزية بطلاقة ، وقراءة القرآن بأحكام التجويد الأساسية ، باختصار ، كنت أفعل كل شيء بثقة تامة ، وكلها أمور تفيدني الآن في المحاضرات الدعوية العربية والانجليزية على حد سواء ، وفي درس القرآن الأسبوعي الذي أنال به السند ..

ماذا ؟ لم أخبركم أني آخذ السند ؟

في تدوينة أخرى إن شاء الله ، ولكن دعوني أنهي هذه الآن .. أشعر أني قد أطلت فيها كثيراً .

غنينا معاً وبحزن نشيد المدرسة ، حتى وصلنا إلى مقطع مؤثر :

هنا في الحنان مشينا سوى         وسرنا معاً في رحاب الوفا
لنرفع أوطانــــــــــــــــــــنا للسما           ونسمو بها نحو فجر جديد

شعرت بالغصة  تخنقني ، ودمعت عيناي ، ولم أستطع إكمال النشيد ..

شعرت بشعور العروس السعيدة بزفافها ، ولكن مغادرة مرابع صباها حيث أجمل الذكريات لابد أنه
كان يكدر عليها شيئاً من فرحها ..

انتهت المسيرة وابتدأ الحفل الفعلي ، كلمة الخريجات التي ألقتها إحدى صديقاتي ، ثم التكريم ..

كانت ثمة فعاليات كثيرة طوال السنة الدراسية ، والآن حان وقت الحصاد .

حصدت في تلك الليلة ست شهادات تقدير ، لمشاركتي في جمعية الصحافة والإذاعة والمكتبة ..

مهلاً ، المكتبة ؟ كيف ؟

منذ أن دخلت الثانوية قلّت استعارتي للكتب من مكتبة المدرسة جداً لاعتمادي على شراء الكتب التي أود قراءتها ، لكن أمينة المكتبة أبلة مشيرة أشارت لهم بوضع اسمي ضمن المتفوقات في استعارة الكتب بناء على ما سبق .

ست مرات صعدت على خشبة المسرح لأستلم شهادات التقدير من الأميرة لولوة الفيصل .. وفي المرة الثالثة بدأت تهمس : ما شاء الله كلما رأتني .. وفي قلبي يتضخم الزهو والفرح ويتحرك لساني “ما شاء الله ” وبالحمد ..

بعد أن تم توزيع شهادات التقدير  ، استلمت درع التفوق الذهبي مكتوب عليه اسمي بمناسبة حصولي على المركز الأول على فصول الأدبي .

ولا يزال الفرح ينمو ويزهو ، حتى حُبست الأنفاس للإعلان عن الطالبة المثالية لذلك العام .

فلما تردد اسمي هاجت الساحة تصفيقاً وتصفيراً وصياحاً باسمي وأنا كالمذهولة ..

حقاً اختاروني الطالبة المثالية ؟

وهنا تداعت إلى ذهني الأحداث التي لم افهم مغزاها في وقتها : لم كانت الأبلات يسكتن إذا قدمت عليهن في اجتماعهن مع أبلة فايزة أو الناظرة أبلة هيام ، لم خبأت أبلة فايزة الكأس المكتوب عليه اسم الطالبة المثالية لما دخلت عليها أسألها عن شيء ما . لم كانت أبلة فايزة تضحك بمكر كلما سألتها أن تغششني وتخبرني عن الفائزة بلقب الطالبة المثالية .

قمت وسط صياح الجمهور واعتليت خشبة ا لمسرح ، وهنا سمعت الأميرة تقول بصوت واضح : ما شاء الله ، مبروك !!

استلمت الكأس واستدرت إلى صديقاتي والجمهور ورفعت الكأس عالياً فوق رأسي وسط الصياح والتصفير لأنال نفس فرحة رئيس الفريق الفائز بكأس الدوري .

وفي اليوم الأخير الاختبارات ، كان الأسى مخيماً على المدرسة ..

نعم ، كان هناك بعض الفرح بمناسبة التخرج والانتقال من مرحلة المدرسة على مرحلة الجامعة ، ولكن كانت هناك الغصة في الحلوق .

بعض البنات قذفن بالكتب عالياً في صراخ فرح لتسقط وتتشقق في حركة غير حضارية ألبتة .

وبعضهن طفقن يكتبن على قمصان بعضهن البعض العبارات الوداعية التذكارية ، في حين التقطت الكثير والكثير من الصور التذكارية .

مشيت مع صديقتي لنودع المدرسة ..

أقبل ذا الجدار وذا الجدار ..

تعانق عيني الفناء الواسع .. صالة الألعاب .. فصلي الذي درست فيه الثاني والثالث الثانوي .. المعامل العلمية ، غرفة الممرضة والتي كنا ننام فيها إذا ما باغتت إحدانا الدورة الشهرية ، النخلة العجوز التي تستقبلنا في مدخل المدرسة ، غرف الإداريات ..

مشيت أنظر وأتذكر ، وكأني أسمع الأصوات ، وأشم الروائح ..

خرجت من المدرسة ، ولكن المدرسة لم تخرج من قلبي ، ولا زلت أحتفظ عنها بأحلى الذكريات ، ولا زلت أكتب فيها أجمل السطور .

قد أكون أخفقت في توصيل مشاعري حرفياً إليكم ، ولكن فقط أقول : كلما شممتم رائحة  عطر جميلة ، أو اصطبحت أعينكم بمنظر طبيعي فريد ، أو غمرتكم السعادة في أوقات ما ، فاعلموا أن هذه المشاعر العذبة التي تجدونها هي ما يملأ قلبي كلما تذكرت مدرستي ..

إنها قصة حب ، سطرتها بقلبي قبل أصابعي ..

أشكركم كثيراً على صبركم عليّ وتحملكم قراءة كلمات قد لا يعنيكم شأنها في شيء .. ولكن حسبكم أنكم أتحتم لي سعادة غامرة وأنا أسطر هذه الأحرف .

أشكركم ..

Read Full Post »

حسناً يا سادة ..

دعوني أعدل من جلستي قليلاً ، أحضر كوب الماء إلى جانبي ، أمد ساقيّ المتعبتين أمامي ..

أسند ظهري وأغمض عيني وأحلق في جو الذكريات السعيدة لأعود إلى دار الحنان .

هلا بدأنا ؟

حسن ، ماذا لدي الليلة ؟

كنت قد ختمت المرة الماضية بذكر اليوم الرياضي .

في الحقيقة ، هناك أشياء لا أكاد أذكر تفاصيلها لأن ذاك عهد قديم وانقضى .. فقد أخطئ في ذكر بعض التفاصيل ولكن أعتقد أنه لا بأس بذلك .. فنحن لا نؤرخ للدولة السعودية ، أليس كذلك..

أقامت المدرسة يوماً ما يسمى باليوم الرياضي .

كانت هناك بعض المسيرات والتشكيلات بالرايات الملونة ولا أذكر فعلياً ما كان فحوى هذا اليوم..

لكن الاستعدادات التي سبقته لا تكاد تمحى من ذهني .

اتفقت المدرسة مع إدارة الاستاد الرياضي في طريق مكة والمعروف باستاد الأمير عبد الله الفيصل لإقامة اليوم الرياضي فيه .. وليومين متتاليين كنا نذهب من العصر وحتى المساء لأداء البروفات اللازمة لهذا الاحتفال .

غني عن الذكر أن الاستاد كان فارغاً تماماً إلا منا .

كان بارداً واسعاً لم تنله يد البلى والأنوار الكاشفة في كل مكان .

كان مثيراً بحق ، إذ أن هذه المرة الأولى التي ندخل فيها إلى مكان رياضي مرتب كهذا ..

حجرات تغيير الملابس ، المغتسلات ذات الفواصل و ( الأدشاش ) القوية .

الأرضية الناعمة التي تسمح لنا بممارسة التزلج عليها بسهولة ونعومة .

و لاداعي أن أذكر أن وجبات الغداء والتي كانت تتكفل بها المدرسة لكامل الفريق كانت من ..

نعم .. البروست !!

وفي يوم الحفل كان علي أن أرتدي إلى جانب اللباس الرياضي المقرر : قفازات بيضاء ( كتلك التي يرتديها رجال الشرطاة الملكية البريطانية ) ، وحذاء رياضيا أبيض .. ذلك الخاص براقصي الباليه ، والذي كنا نشتريه من محلات الفالح للرياضة .

لكني لا أعرف كيف ، نسيت حذائي ولم أكتشف ذلك إلا بعد أن قارب الحفل على البدء وقد خرجت أمي من بيتها ، ولم تكن الجوالات قد اخترعت بعد ..

فكان علي أن أؤدي الاستعراض مرتدية شرابي الأبيض فقط ، داعية الله أن لايلحظ الجمهور أني الوحيدة بين الطالبات من كانت ترتدي شراباً وليس حذاء !

وكالعادة ، فإن ( من على رأسه بطحة ، يحسس عليها ) . كنت أشعر أن كل الأنظار اجتمعت لتنظر إلى قدمي ، وأن تلك الأم التي كانت تضحك في الصف العاشر إنما كانت تضحك سخرية مني لأني أؤدي استعراضي بالشراب لا بالحذاء .

لم تفلح محاولات أمي في إقناعي أن الناس لن ينتبهوا إليّ بالذات من بين خمسين طالبة كانت تشاركني  الاستعراض ، ولكن لم تكن بيدي حيلة .. فصرت أؤدي دوري وأنا بكامل ( فشالتي ) .

والآن ، كلما يخبرني أحد أولادي أنه لن يستطيع تأدية صلاة الفجر في المسجد لأن ثوبه مبقع قليلاً أو ( مكرمش ) أبدأ في إعطائه المحاضرة إياها : أن الناس ( يا دوب ) يفتحون أعينهم في هذا الوقت فلن يهتموا بمراقبة فلان الفلاني كيف هو ثوبه .. ولكنه لايقتنع ويظل متبرماً متسخطاً إلى أن ألزمه إلزاماً بالذهاب إلى المسجد ، وصوت ما يهتف في ذهني : ألا يذكرك بنفسك في تلك الحادثة؟ فأتنهد وأقول وقد جف ريقي من مهاترته :  الله يرحم أمهاتنا ويجزيهن عنا خيراً .

حصص النشاط كانت مثيرة عندنا . كان علينا  أن نختار من عدة ( جمعيات ) لننضم إليها ..

حاولت معي مدرسة الانجليزي أن أنخرط معهن في جمعية ( الباسكت ) أو كرة السلة طمعاً في طولي، ولكني لم أحب هذه اللعبة أبداً ، وأعدّ نفسي من أفشل خلق الله في إصابة الأهداف ، فكنت أرفض على الدوام كل محاولاتها .

كنت دائماً أعتقد أن المدرسة المكان المثالي للطلاب لتنمية المهارات الفردية . لذا فقد اخترت جمعية الصحافة .

كنت دائماً أطمح لأن أكون صحفية .

ولعل إصابتي بالسرطان كانت إحدى ثمار هذا الطموح ، إذ أني اطلعت مرة على تحقيق صحفي لرجل أصيب بسرطان في وجهه وأجريت له عمليات عدة حتى عوفي وشفي . فدعوت الله – بكل حماس المراهقة التي كانت تعتمل فيّ ( وغبائها كذلك ) – أن أصاب بالسرطان وأشفى منه لأكتب عنه !

وها أنا الآن ، أصبت بالسرطان ، وكتبت عنه في كتاب لعله يولد قريباً بإذن الله ، وأسأل الله أن يتمم دعائي ويكتب لي الشفاء التام .

في جمعية الصحافة مارست أشياء لم أفكر أن أمارسها أبداً . تعلمت الكتابة بالآلة الكاتبة ، وكنا نكتب المقالات لمجلة  المدرسة ، ونجري اللقاءات الصحفية مع بعض المدرسات ، ثم أطبعها على الآلة الكاتبة ، ونصف الورق ، ونقطعه بالقطاعة الضخمة – والتي لم أفلح يوماً في عملي بها .

وفي معرض الكتاب السنوي كنا نبيع هذه المجلة للزائرات ، والآن أستحضر تلك اللحظات ولا أعرف لماذا أتذكر في الوقت ذاته باعة اللبان والمناشف قريباً من المراكز التجارية.

في إحدى الأيام جاءتني أبلة رابحة النقادي إحدى إدرايات المدرسة وطلبت مني أن أحضر للمدرسة عصراً للتعليق على عرض الأزياء الشعبية والذي ستقيمه المدرسة لمجموعة من النساء الغربيات .

حضرت عصراً بالتأكيد ، واطلعت على الملبوسات والمجوهرات الشعبية التي تقلدتها مجموعة من الطالبات من بعض البيوتات الكبيرة المعروفة في جدة والمدينة .

ثم كان التعليق .. حاولت استحضار كل الكلمات المناسبة لوصف الأزياء والمجوهرات ، والعارضات أحياناً إذا ما خانتني الأفكار ..

لماذا تخونني الأفكار ؟ لأن التعليق كان باللغة الانجليزية ، والخطأ أمام هذا الكم من النساء الأوروبيات والأمريكيات ، لم يكن شيئاً مشرفاً بالتأكيد .. ولكن الحمد لله ، مرت تلك الليلة بسلام.

لا شك أن هذه النشاطات المسائية في المدرسة كانت مثيرة وممتعة لأقصى حد ، إذ فيها كم كبير من الإثارة والخروج عن رتابة وروتين البيت .

وعلى الرغم من موافقة أمي شبة الدائمة على اشتراكي في كل النشاطات إلا أنها رفضت وبشكل قاطع انضمامي للزهرات ( الكشافة ) .

وحتى اليوم لا أعرف سبب هذا الرفض .

أحاول أن أقلب ذلك في ذهني فلا أجد سبباً ظاهراً لذلك .

كنت أفعل في النشاطات المسائية ما كنت سأفعله لو كنت في فرقة الزهرات ، من تأخر في الرجوع إلى البيت مساء ، والقيام بزيارات مدرسية إلى مدراس أخرى ، فلم كانت ترفض الزهرات بالذات؟ هذا ماينبغي لي أن أسألها عنه في لقائي بها في المرة القادمة .. إن لم أنس، وإن هي تذكرت .

كان لباسهن يبهرني .. الطاقية العودية اللون تقبع بدلال على جانب الرأس ، تتوسطها شارة الكشافة .. التحية العسكرية ، و ( الصفقة ) المميزة والتي كانت بمثابة ( صيحة ) من صيحات الكشافة.

عالم ممتع مثير لا أعرف عنه شيئاً ..

ولكني لا زلت أظن أن أقدار الله خير .. ومادام الله تعالى قد صرفه عني ، فلا بد أن له حكمة في ذلك .

هل لي أن أختم حلقة اليوم من الذكريات ؟

قبل أن أودعكم أردت أن أخبركم بخاطرة خطرت لي بعد كتابة التدوينة السابقة عن أبلة ميسر .

أخبرتكم أني دهشت وذهلت ووجمت بعد سماعي بالخبر ..

تعلمون لماذا ؟

جلست قبل أيام أحلل سبب مشاعري تلك ..

أنا لا أعرف أبلة ميسر إلا وقد تجاوزت الثلاثين من عمرها .. حينها كنت أنا في السابعة عشر .

ثم توقف بي الزمن وتجمدت تلك الذكريات حتى سمعت نبأ وفاتها بعد 27 سنة من تركي لها .

وجومي ذلك كان لأني تعجبت من وفاتها وهي بتلك السن الصغيرة ..

ولما أفقت ، بعملية حسابية صغيرة انتبهت إلى أنها لم تكن صغيرة جداً لما توفيت ..

كانت قد جاوزت الستين على الأقل .

وهنا كان وجومي الثاني ..

أنا بالذات يتوقف الزمن عندي في مرحلة الشباب ، لذا أجد نفسي دائماً أنادي بعض النساء ممن يبدو عليهن آثار الزمن أناديهن : يا خالة .

ثم أتنبه إلى أنني خالة كذلك ، وأن المرأة التي ( خلخلتها ) لا تكبرني في الحقيقة بأكثر من عشر سنوات .

هممم .. هذا ما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : يبصر أحدكم القدى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه !

أفلح بأن أرى الخطوط الدقيقة على جانبي العينين والفم لتلك ( الخالة ) المسكينة ، وأنسى خصلة الشعر البيضاء السميكة في مفرق رأسي ..

عندما سمعت بخبر وفاة أبلة ميسر ، كأني تخيلتها صغيرة ، لأني تخيلت نفسي صغيرة ..

فلما حسبت عمرها تعجبت من مرور الزمن علينا ونحن غافلون .

وأتساءل .. ترى ، هل سيمضي وقت كالذي مضى لأفيق بعد ثلاثين سنة وأنا في الخامسة والسبعين ، وأبنائي الكبار في الخمسين ؟

اسمعوا ..

كأني أصبت بصدمة نوعاً ما .. أعتقد أن من الأفضل لي أن أختم التدوينة ..

أفضّل أن تكون تدوينتي مرحة ومليئة بالذكريات العذبة ، وما أقوله الآن لا يخدم قضيتي .

إلى لقاء قريب بإذن الله مع التدوينة الأخيرة – مبدئياً – ، وأعدكم إن شاء الله أنها ستكون جميلة .

لا لأني مغرورة بكتاباتي والعياذ بالله ، ولكن لأن الكاتب حينما يصف امرأة رائعة الحسن فلن يصفها إلا بحسنها .

ودار الحنان ، في تلك الفترة لاشك أنها كانت غادة  المدرسات وواسطة العقد .

Read Full Post »

فتحت الفيس بوك قبل قليل لأجد تحديثاً لصفحة مدرستي دار الحنان والتي اشتركت بها مؤخراً . فتحتها وكلي لهفة أن أجد شيئاً عن إحدى صديقات العهد القديم ، فكان أن وجدت نعياً لإحدى مدرساتي الحبيبات في الثانوي : أبلة ميسّر البواب مدرسة التاريخ .

وجمت لفترة لا بأس بها .

ظللت أرمق الصفحة ببلاهة ، في حين تداعت عليّ الذكريات .

أبلة ميسّر ..

من بقايا الماضي السعيد ..

كانت أبلة متميزة بالفعل ..

 لا يزال صوتها يرن في أذني في بداية كل حصة : طلعوا (الكلاسير) ، والذي عرفنا في النهاية أنه الملف ( ذي الطق طق ) والذي يأتي غالباً مع أوراق بثقبين في الجانب ، كانت تجري لنا اختباراً سريعاً تضيف درجاته لأعمال السنة  ، وتطلب منا الاحتفاظ بأوراق الاختبارات في ( الكلاسير ) بعد تصحيحها .

رحم الله أبلة ميسّر .

ما أذكرها إلا حريصة على فائدة الطالبات ، ودليل ذلك تلك الاختبارات التي سبقت المدرسات بها ، كما أنها كانت فعلاً تحترم عقلياتنا كفتيات مراهقات وتكثر من الحديث معنا خارج الحصص ، فكان أن نشأت بيننا وبينها علاقة حب امتدت للمدرسة ذاتها .

رحم الله أبلة ميسّر!

أجبرتني أخيراً  أن أجلس لأستعيد ذكريات ذلك الزمان البهيج .

كأني أرى المدرسة الآن ..

 تخيلوا معي ..

سأصف لكم القسم المتوسط والثانوي فقط .

ساحة كبيرة جداً ، يمكن لثلاث باصات من النوع الأصفر الكبير أن تصطف فيه مع باصين صغيرين كباصات خط البلدة ، ولكن أنظف بالتأكيد  وأجود تكييفاً .

كانت تقام في هذه الساحة مباريات الكرة الطائرة  في دوري بين الصفوف ..

كأني أسمع الآن هدير الطالبات وهن يشجعن الفصلين المتباريين بالتصفيق أو ( بالتخبيط ) على باب صالة الألعاب  ، حتى تلتهب الأيادي وتحمر في نهاية المباراة : ” بالطول بالعرض الأدبي يهز الأرض ” ( فصلنا ) ، أو : ” آه يا علمي يا أبهة ، إيه العظمة دي كلها “( فصل منى باسليم )  ، فإذا ما أحرزت إحدى اللاعبات هدفاً ( جيداً ) كانت المشجعات يهتفن : وحدة وحدة وحدة ، ( فلانة ) أحسن وحدة!

حتى إذا ما انتهت المباراة كانت رئيسة الفريق تُحمل على الأعناق فعلاً ( يا لتأثرنا بمباريات كرة القدم ) ومع ذلك كان جو الود بين الفريقين طاغياً واضحاً .

أما صالة الألعاب فهذه حكاية أخرى ..

كانت صالة الألعاب صالة واسعة وتستخدم لجميع الأغراض التي يمكنك تخيلها ، فهي أحياناً قاعة اختبارات تسع طالبات صف دراسي بكامل شعبه أو أكثر ( خاصة إذا ما علمنا أن عدد الطالبات في الفصل لم يكن ليزيد عن عشرين طالبة ) ، وأحياناً تكون معرضاً أيام البازار ، وقد تقام فيه حفل عيد ميلاد مفاجئة لإحدى الطالبات ( التي أول حرف من اسمها : هناء ! ) ، وهي في الأصل  كاسمها : صالة ألعاب ..

 هذا جدار كامل تغطيه المرايا الكبيرة ، وهنا مجموعة من الدواليب حشيت بمجموعة من الكرات الخاصة بلعبة الكرة الطائرة وكرة السلة والبسط الرياضية وأرواب التخرج ومجموعة من الثياب التي تصلح  للمسرحيات ، وفي  هذا الجانب جهاز المتوازي الذي تقام عليه بعض حركات الجمباز ، وعلى جانبي الصالة علقت سلتي كرة السلة عالياً .

لا أنسى أن إلى جانب مدخل الصالة كان ثمة درج يوصل إلى مكان ما لا أذكره ، ربما السطح وربما حجرة ما .. كان يحلو لي وصديقاتي الاختباء أحياناً تحت هذا الدرج في الأيام الأخيرة من السنة ، حين تكثر الاستعدادات لحفلة التخرج  ويكثر خروجنا من الحصص للسبب ذاته ، فنختبئ بعيداً عن أنظار الإداريات ونلعب لعبة ( الأونو ) التي بدأت في الانتشار في تلك الفترة .

بعض البنات ( الخطيرات ) كن أكثر (كوالة ) ، فكن يلعبن البلوت والطرنيب ، أما أنا فلم أكن لأتقن هاتين اللعبتين أبداً ، ولعل هذا من رحمة الله بي .

كان لدار الحنان نشاطات رائعة .. لا أزال أجد طعمها الحلو في فمي .

كان هناك البازار أو السوق الخيري.

يوم كامل من المتعة والسرور حتى الساعة الحادية عشر ليلاً .

تنتشر في أرجاء المدرسة العديد من الفعاليات : صد سمكة ولك هدية ، ارم الكرة على مجموعة القوارير ولك جائزة ، ضع ذيل الحمار وأنت معصوب العينين وتكسب شيئاً ، التلوين على الوجوه، و صنع الأشغال الفنية والألعاب الحركية مقابل مبالغ مالية بسيطة .

ورائحة الفشار والبرجر والبطاطس المقلية تنتشر في الجو وتسيل اللعاب ، والإذاعة تصدح بالإعلانات عن الفعاليات المقامة هنا وهناك ، وعن البضائع المعروضة في صالة الألعاب والتي ساهم في صنع العديد منها الطالبات في حصص التدبير المنزلي والأشغال الفنية والرسم .

أذكر أن شركة ألبان السعودية قدمت في إحدى السنوات تبرعاً للمدرسة متمثلاً بسيارة أيسكريم السعودية ، حيث وقفت في الساحة الجانبية عربة بها ثلاجات الأيسكريم ، وفيها شباكان كبيران كمنفذين للبيع .

واخترت مع صديقتين للبيع في هذه السيارة ، فاتفقنا على زي معين وصنعنا قبعات كرتونية رسمنا عليها شعار حليب السعودية لنشبه البائعين في مطاعم الوجبات السريعة قدر الإمكان .

كان العمل متعباً بعض الشيء خاصة في ظل انعدام ثقافة الطابور المنظم والهدوء أثناء الشراء ، وإنما هو التزاحم على الشباكين لترى الأيادي الممتدة إليك ببعض الريالات ، والأصوات تتقاذف من هنا وهناك: 3 فانيلا .. واحد شوكولاتة .. أبلة أبلة فيه فراولة ؟ ( أنا أبلة ؟ )

ويبلغ الأسى مبلغه حينما تقذف لك إحدى  المشتريات في هذه الزحمة بورقة من فئة المئة ريال وتطلب ( اثنين ايسكريم ) … بريالين .. وتريد الفكة ..تقضي بعض الوقت في إخراج الفكة من العلبة  ، أو تضطر للخروج من العربية إلى إحدى الأركان الترفيهية وتطلب فكة ، ثم تعود إلى مكانك وتبدأ المهمة الشاقة في البحث عن صاحبة المال في خضم هذا البحر المتلاطم من الأطفال الذين يبدون كأنهم لم يشتروا أيسكريما من قبل .

وفي نهاية الليل كان نوماً لا أحلام فيه لشدة التعب الذي أصابني من الوقوف المتواصل لسبع ساعات مستمرة ، إلا أن الإثارة كانت تملأ قلبي ، وكنت كلما أغمضت عيني أرى تفاصيل هذا اليوم تعاد كرة وأخرى في ناظري المغمض  فتعلو شفتي ابتسامة حبور .

وكان هناك معرض الكتاب السنوي ..

كل فصل يختار مادة ما يؤلف فيها بحثاً ، شخصية علمية أو أدبية ، أو بلد ما .

أذكر أن شخصيتنا المختارة في الصف الثالث  الثانوي كانت الدكتور الشاعر غازي القصيبي رحمه الله .

كنا نجمع كل ما يقع في أيدينا عنه : أخبار ، أشعار ، كتابات ، وتبرعت أنا بطباعة البحث . فكنت أطبعه على آلة كاتبة اشتراها أخي لي خصيصاً في زمن كانت الآلات الكاتبة كأجهزة الكمبيوتر الآن ، و كان الكمبيوتر عند الناس مقتصراً على الأتاري ولعبة الباك مان !

هل جربت الطباعة على الآلة الكاتبة ؟

لا شك أن الطباعة بالكمبيوتر يعد ترفاً هائلاً مقارنة بالطباعة على الآلة الكاتبة .

هل تتخيل أنك حينما تخطئ في كلمة فإنك تضطر إلى طمسها بالطامس ( كنا نسميه ليكويد ) ، وتعيد كتابة الكلمة عليها ..

فإذا غلطت في سطرين في وسط الصفحة ، فمن الأفضل لك أن ترمي الورقة بأكملها في سلة المهملات وتعاود الكتابة .

وبعد ذلك كنا ندفع بالبحث إلى مكتبة ما لتقوم بتصوير أوراق البحث على مئة نسخة أو مئتين ، ثم نحتل حجرة فارغة ، غالباً غرفة التدبير المنزلي ونصفّ الأوراق على الطاولات الكبيرة لتقوم مجموعة من الطالبات ( ستة تقريباً )  بتجميع البحث . 

غني عن الذكر أن هذه اللحظات كانت من أمتع الأوقات ..

كنا نستأذن من الأبلة لحصتين أو ثلاث أو أربع أحياناً لننهي البحث ، وكانت دائماً توافق لأن المستأذنات هن غالباً من المتفوقات .

نخرج من الفصل وعلى وجوهنا سيماء الجد والحزم ، فنحن في طريقنا لأداء عمل مهم وهادف ، حتى إذا ما غبنا عن أنظار الأبلة انطلقنا نجري ونضحك بهجة وإثارة إلى أربع حصص من الضحك والوناسة تنتظرنا تحت مسمى العمل .

أحياناً تكون ( مربية الفصل ) ذات تفكير خلاق ومبدع ، فتقوم مع طالباتها بابتكار مجسمات تنتمي إلى موضوع بحثها فيزداد بها قوة وجمالاً ، وقد تطلب مني مدرسة هذا الفصل أو ذاك مساعدتها في كتابة أو ترتيب ، أو تعليق شيء ( بسبب طولي ) ، فتنتفخ أوداجي زهواً  وأشعر فعلاً بالأهمية ، مع أني لا أعدو في الحقيقة أن أكون سلماً بشرياً !

ولعل أكثر ما يحدث في هذه الأيام إثارة أننا نضطر إلى التأخر في اليومين الأخيرين قبل إقامة المعرض لنعود إلى بيوتنا في التاسعة مساء .

كنا نتناول غداءنا في الساحة والذي غالباً ما يكون ( البروست ) والمعروف الآن باسم ( بروست البيك ) ، ولكنه وقتها كان “بروست ” و (بس ) !

ويالبهجة تلك الأوقات ونحن نتضاحك مع صديقاتنا في متعة طعامية مدهشة مكونة من الرباعي الرائع : بروست ، وبطاطس ، وثوم ، وبيبسي !

حتى إذا كان اليوم الموعود ، ما كان ينقصنا فعلاً إلا الألعاب النارية .

أذكر أني كنت أدور بنسخ بحثي ومجلة المدرسة التي كان يحررها طالبات المدرسة المتفوقات أدبياً ، وأعرضها للبيع كما يفعل باعة الجرائد في الأفلام المصرية .

هل يتسع المقام لذكر اليوم الرياضي ؟

قاربت على إنهاء خمس صفحات ، وأخشى أن أنساق في ذكر هذه الفعالية المثيرة لأنهي تدوينتي في ست أوسبع صفحات ..

وتعلمون جميعاً رغبتي الجادة في تقليص عدد الصفحات لأني لا أعتقد أن الكثير منكم يرغب في قضاء نصف يومه يقرأ تدوينة هناء .

لذا لنرجئ ذكر اليوم الرياضي للتدوينة القادمة ..

وأعدكم أن تدوينتي التالية ستكون بنفس جمال هذه التدوينة ..

طبعاً سأتغابى وأفترض أن هذه التدوينة جميلة.

هي جميلة بالفعل ، وذلك لأني أكتبها وانا أغلق عيني بين الفينة والأخرى لأستدعي الذكريات ..

أحاول أن أشم رائحة الفشار والبرجر والبروست .

أحاول أن أعيش جو الأنس مع صديقات غابت عني شخوصهن ، ولم تغب صورهن وضحكاتهن.

كتبت هذه التدوينة وأنا في عالم وردي جميل ما فيه إلا الأيام السعيدة ..

أفلا تكون التدوينة بعد ذلك جميلة ؟

انتظروني  في التدوينة التالية ..

وأرجوكم .. من باب المجاملة فقط .. اكتبوا تعليقاتكم وذكرياتكم ..

أحب أن أرى منكم تفاعلاً فأتشجع في كتابة المزيد .

اكتبوا لي عن مدارسكم وصديقاتكم ونشاطاتكم ..

وإن كنت واثقة أنكم لن تكتبوا عن مدرسة كدار الحنان !

Read Full Post »

لا زلنا في الاختبارات ، ولا زالت الضربات تتوالى من الأساتذة الذين يملكون حساً غريباً في وضع الأسئلة. غريباً جداً لدرجة أنك تتساءل في نفسك وأنت تنظر بغباء إلى ورقة الأسئلة مخاطباً الأستاذ  ( وش تحس فيه ) ؟

كفانا حديثاً عن الأسئلة فهذا موضوع تحدثت فيه إلى أن بح صوتي ولا يزال منسوب الأدرينالين (لعله) يرتفع بسببه وترتفع معه أشياء أخرى ( ربما الضغط والكلسترول ، والسكر الذي لست مصابة به والحمد لله .. حتى الآن على الأقل !) وأخشى أن أرتفع بذاتي محلقة في سقف الحجرة كلما تذكرت الأسئلة ، وألجم لساني بشدة خشية أن أدعو على هذه النوعية من الأساتذة وأفكر في نفسي : بل أريد من حسناتهم .. أريد رفعة من الله .. أريد أن أصيب ( عزم الأمور ) .

ما أهداف هذه التدوينة إذا ؟

الأهداف :

  • محاولة تعويد النفس على كتابة تدوينات من صفحتين فحسب .

  • استجلاب بعض الترويح للنفس المرهقة باستجلاب الذكريات .. أية ذكريات ؟ تعرفها في الهدف الثالث :

  • تحية لزميلة الدراسة الدكتورة منى باسليم ، استشارية جراحة أورام الثدي بمستشفى الملك فهد بجدة .

كنت أسمع باسمها وأتساءل ..

 منى ؟ أتكون منى التي أخبرها في مدرستي الجميلة دار الحنان ؟

وأعود بذاكرتي إلى الوراء ، وتتوالى علي الذكريات بمختلف الطعوم والروائح والألوان .

ذكريات سعيدة لأيام سعيدة قضيتها في مدرسة دار الحنان .

كم مرة ذكرت أني لابد أن أكتب عنها تدوينات خاصة ؟ ربما في إجازة الصيف !

الهدف الآن هو الكتابة عن منى ، منى الطالبة لا الطبيبة لأني لا أعرفها كطبيبة .

ولابد أن أحصر هدفي هنا لئلا ينتهي بي المطاف إلى كتابة تدوينة من عشر صفحات هذه المرة ، إذ أن مجرد الحديث عن المدرسة يقودني مسحورة إلى عالم جميل ، ومساحات شاسعة من اللونين الزهري والتفاحي في تناغم وود ، ولا بأس على الإطلاق بحشر بعضاً من البنفجسي (لوني المفضل) بأي درجاته  هنا وهناك .

تحسونه نشازاً ؟

لايهمني ، فمادام أنه عالمي فلأضع فيه ما يدخل إلى قلبي السرور من الألوان .

هناء !!

حسناً حسناً .. الاستطراد .. فهمت فهمت !

موضوعي : منى باسليم .

كانت منى من البارزات فعلاً في السنة الدراسية 1404 ..

ياااااااه ، ذاك عهد قديم .

ماهذه المعلومة المتسربة ؟ إنها تعطي دلالة واضحة جداً على أعمارنا لا تقبل الشك ولا الريب .

ولكن ، من قال أني ( أنا على الأقل ) صغيرة .

لا أزال أذكر في كل زمان ومكان أني ( خالة ) وطالبة في سن جدتي وكل هذا الهراء ، فلن يضير إذا ما ذكرت في أي سنة كان تخرجي من الثانوية .

كانت منى تتصف منذ ذلك الوقت بالعقل والرزانة  ، وكنت دائماً أعقد مقارنات في نفسي بيني وبينها ، وأتمنى بإعجاب خفي أن أحظى ببعض ما عندها ..

صوتها منخفض نوعاً ما ، هادئة ، من النوع ( التحتاني ) الذي يلقي بالتعليقات الساخرة وهي تقرأ كتاباً ، فتستلقي أنت على الأرض و( تكفشك الأبلة ) في حين تظل هي تقرأ كتابها  في براءة . لا أقصد أن موقفاً كهذا حصل معي ، فقد كانت في القسم العلمي  وكنت في الأدبي ، ولكن أقصد أنها كانت خفيفة الظل بلا صخب  ، وغني عن الذكر أنها كانت ( دافورة ) ما شاء الله .

ولمن لا يعرف معنى هذا المصطلح (دافورة ) فهو يعني القمة في ( الشطارة الدراسية ) .

جمعني بمنى بعض الإذاعات الصباحية من فئة : مديرتي الفاضلة ، مدرساتي الحبيبات ، أخواتي الطالبات … الخ ، وبعضاً من مباريات الكرة الطائرة ( وأرجو ألا أكون أخرف أو أن الصور عندي تداخلت ) وبعض الصديقات .

لم تكن صديقتي بالمعني الفعلي ، ولكن كانت زميلتي التي أعجبت بصوتها المنخفض وحرصها على الدراسة ورصانتها وكل ما افتقرت إليه في تلك الفترة .

حينما أشارت عليّ عمة أولادي أن أحادث الدكتورة منى باسليم أعرض عليها الاشتراك في تجمع طهر لمريضات السرطان ضمن الهيئة الاستشارية للتجمع

http://www.m-tohr.com/vb/

 أغلقت عيناي وسافرت بخيالي إلى ذلك العالم الساحر .. عالم مدرستي ، ورجعت أحاول تجسيد صورة منى في ذهني ..

منى في فصل العلمي ، منى في الساحة تلعب كرة الطائرة ، منى في الإذاعة (تستهبل ) أمام (المايك) قبل أن نكون على الهواء ، منى هنا وهناك .. منى والذئب !!

ماذا ؟ أوه نعم .. تلك ليلى والذئب .. معذرة .

كنت أخشى أن تتداخل علي الصور ، وها قد حصل المحذور .

أخذت الرقم وأرسلت لها رسالة في البداية ..

أعرف هؤلاء الأطباء لا يردون على أرقام مجهولة لئلا ( يتوهقون ) أو ( يبتلشون ) مع المرضى.. وعلى سيرة (الابتلاش) ذكروني فيما بعد أن أحكي لكم كيف تقرأ الشيخة شمس ( بنتي ) القرآن .

أرسلت لمنى أذكرها بنفسي وأطلب منها أن تحدد الوقت المناسب للاتصال بها .

تجاوبت معي جزاها الله خيرا ..

لا زالت بدماثة أخلاقها الذي أعرفه فيها..

ثم حادثتها أخيراً .

نفس الصوت ..

كنت أحادثها بحذر في البداية ، فمسافة 27 سنة تفصلني عنها ليست هينة .

خفت ألا تتذكر مني طبعي الساخر والصخب الذي كنت أحدثه فتنكرني .

ولكن كانت منى هي هي ، وكنت أنا أنا .

دون أية رتوش أو زوائد .

تحادثنا لعشر دقائق عجِلة ، لحرجي من أن أكون أشغلتها عن بيتها وأولادها .

أنهيت المكالمة وقلبي يبتسم بحبور .

هذه ذكريات جديدة من ذلك العالم الفاتن ( الذي يدعى مدرسة دار الحنان ) تتداعى علي .

دكتورة منى ، أرفع باروكتي تقديراً لك ، وأفخر بأن أقول : كانت زميلتي في الدراسة !!

ملحوظة : يبدو أن وضعي ميؤوس منه .. مع كل محاولات الاختصار بلغت هذه التدوينة 4 صفحات .. لنأمل أن يحصل بعض التحسن .. فقد نقصت تدوينتي صفحة هذه المرة .

 

Read Full Post »

كانت هذه الخاطرة تراودني منذ زمن ..

أو لعلي أقول أنها لم تنفك عن ذهني أبدا منذ أن أصبت بمرضي .

هل فكرت يوماً في السعادة التي تغمر قلبك حينما يحقق الله لك مطلباً ، أو يجيب لك دعاء ؟

أتراها بسبب تحقق ما أردت ؟

أنا عن نفسي ، فكثيراً ما تكون سبب سعادتي إحساسي بسماع الله العظيم صوتي وأنا أناجيه ، وأطلبه أن يحقق مبتغاي ..

قبل عدة أيام كنت أقرأ في مادة التفسير أثناء مذاكرتي في سبب نزول قوله تعالى : ” قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها ” .. كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أول ما فرضت الصلاة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن يحول قبلته إلى بيت المقدس ، وقيل في ذاك أقوال كثيرة ..

كان يتمنى لو يأمره الله تعالى بالتحول إلى الكعبة لأنه كان يحبها ، ويعجبه أن يصلي إليها .. فكان يدعو الله يتحويل القبلة  وينظر إلى السماء منتظراً أن يجيب الله دعاءه، ومكث في صلاته جهة بيت المقدس ست عشرة أو سبع عشرة شهراً ..

حتى نزل قوله تعالى : ” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ” ..

يا الله .. عندما قرأت هذه القصة اقشعر بدني إذ تخيلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية..

وضعت نفسي مكانه ..

كيف تكون فرحتي إذا كنت أدعو الله دعاء حاراً لشيء أرجوه ، ويرنو بصري إلى السماء أتوسل إلى الله بعيني وبقلبي أن يحقق مرادي ..

 وقد يطول عليّ الزمان ، ويزداد تشوّفي ..

 وقد أيأس ..

 قد أعتقد أن الله صرف عني هذا الأمر لشر فيه ..

ولكن لا يزال قلبي معلق بحدوثه ..

 ثم يحقق الله رجائي ..

عندها أشعر بالفرحة تنزل على قلبي كالماء البارد في جوف الظمآن ؛ هنية ، حلوة ، منعشة .

هذا التشوف الذي يتلوه إجابة الدعاء أعتبره من أعظم المتع ..

كيف لا وهو يشعرك  بعظمتك وعلو مكانتك ، إذ كان ربك هو الله ، السميع القريب المجيب .

في معركة بدر ، كان يبلغ عدد المسلمين قرابة الثلاثمئة شخص فقط مقابل ألف من المشركين ..

لم يكن معهم إلا فرس واحدة وكانوا في حال يرثى لها من الفقر والحاجة .

كل الدلائل المادية كانت تدل على الغالب والمغلوب ..

كل الدلائل المادية كانت ترجح كفة المشركين ، وأنهم هم الغالبون  ( وهم يضحكون )!!

دخل رسول الله صلى الله عليم وسلم العريش وطفق يدعو ربه دعاء حاراً قوياً ، يرفع يديه إلى السماء يقول : ” اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبداً ” ، وما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن مكنبيه ، عندها جاءه أبو بكر وأرجع الرداء على منكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتضنه من ورائه وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك فإنه منجز ما وعدك ” ، فأنزل الله تعالى ” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين “وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ” أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله ، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النقع ” .

كلما قرأت هذه القصة تغرورق عيناي بالدمع رهبة من هذا الموقف .

من سماع الله لدعاء نبيه ، وسرعة استجابته والتي قال في وصفها( فاستجاب ) فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب : تستغيثون فاستجاب !

أتخيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خائف على دينه .. على أصحابه يدعو الله بقلب مرتجف .

 أي فرحة نصفها تلك التي تصيبه إذا ما أنزل الله نصره عليه واستجاب دعاءه وأمّنه مما يخاف ؟

في مجموعة النعم المنسية في الفيس بوك كتبت آلاء هذه الخاطرة :

” والله من أحلى النعم إنك لما تكوني بأمس الحاجه لربنا ترفعي راسك للسما تلاقي في رب يسمعلك .
تخيلي لو ربنا خلقنا وتركنا وكل ما بدنا إياه لازم نعمل موعد وبعد انتظار لما يجي الموعد يقلك بسرعه بسرعه وراكي ناس !!
حتى لو صحينا بنص الليل رح نلاقي ربنا لدرجة انو كل شخص فينا يحس ربنا دايما معاه ما عندو غيرو.. الحمدالله يارب .. وريتنا بالأخير قاعدين نستعمل هالميزه غير بأوقات الحاجه ” .

قبل أيام كنت أذاكر فتلقيت اتصالاً عبر برنامج الوتس أب ، نظرت إليه سريعاً فوجدت إحدى صديقاتي ممن تلقين العلاج الكيماوي وأجرت العملية، تناديني و في كلماتها فرح وسرور ..

أخبرتني أن دورتها الشهرية عادت بعد انقطاع ، وأنها الآن : امرأة .. مرة ثانية !!

فرحت لها كثيراً .. وتفكرت كم في مرضنا هذا من مآسي : استئصال الثدي ، وانقطاع الدورة الشهرية ،وسقوط الشعر ، كلها أمور تسيء إلى سمعتك “كأنثى “..

كانت صديقتي في فرح بالغ ..

 أخبرتني كيف أنها كادت تبكي ، وظلت لفترة تعبر لي عن فرحها العظيم ، وعندها قفزت فكرة هذه التدوينة في ذهني .

أليس من المتع والنعيم أن يحقق الله لك أمنياتك ..
أن يشعرك الله أنه يسمعك ، ويعلم دواخل نفسك ، فإذا دعوته أثبت لك أنه يسمعك باستجابته؟

ولكن مشكلتنا العظمى أتعلمون ماهي ؟

إنه الاستعجال ..

نظل نتعجل الدعاء ، وقد ندعو مرة أو مرتين أو خمساً على أكثر تقدير ، فإن لم يستجب الله نقنط ونسلم ونغفل أن الله يحب أن يسمع صوت عبده وهو يلح عليه بالدعاء ..

ونغفل أننا لسنا طاهرين من الذنوب لدرجة أن ندعو فيستجيب الله مباشرة .

ونغفل أن سوء ظننا بالله صرفنا النظر عن الدعاء .

ونغفل أنه ربما كان دعاؤنا خطأ من الأصل : ندعو وأعيننا معلقة بالتلفاز أو ونحن نطبخ ، أو ونحن نتصفح المجلات ..

ندعو بقلب غافل لاه فأنى يستجاب .

الدعاء يا سادة فن له أصول وآداب ..

الدعاء يحتاج إلى حضور ذهن واستجماع قلب وتعلق بالمعطي الوهاب .

نعم ، قد تحتاج إلى الاختلاء بنفسك بعض الشيء .. قد تحتاج إلى إغلاق الأنوار واستقبال القبلة .

أحياناً قد يفيد تقديم صدقة بين يدي الدعاء .. تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تثني على الله تعالى بما هو أهله .. أهل الثناء والمجد ربنا !!

حاول أن تفكر بنعم الله العديدة والعظيمة عليك .

حاول أن تبحث بقلبك – قبل عقلك – عن ألطاف الله في حياتك ثم احمده عليها ..

لك الحمد يا رب على أمي وأولادي ، لك الحمد يا رب على صديقاتي وعلى النعمة الفلانية والنعمة الفلانية  ، وتظل تحمد الله على كل صغيرة وكبيرة تذكرها في تلك الساعة .

صدقني ، ستجد أن قلبك شيئاً فشيئاً يشعر بالامتنان لله تعالى ويمتلئ بحبه والافتقار إليه مع تمام غناه عنك ، وضعفك مع كمال قوته ، وعجزك مع جميل قدرته ، وقد يفضي ذلك بك إلى البكاء لحاجتك وفاقتك إلى ما في يديه سبحانه ..

 عندها فقط اطلب وتمن ..

اذكر كل ما تحتاجه وتريده ، ولا تنس نفسك من الغفران والرحمة ..

ولا أنسى الكلمة العجيبة  التي وصلتني كرسالة جوال ذات مرة : قال ابن الجوزى: إذا جلست فى الظلام، بين يدى الملك العلام، استعمل أخلاق الأطفال؛ فالطفل إذا طلب شيئا ولم يعطه.. بكى حتى أخذه ..

ما أصوبها من كلمة ..

ابك وأظهر الحاجة إلى الله ، ودعك من صلفك وكبرك ، فأنت عند الله عبد فقير ، فتصرف معه تصرف العبيد ، ليكون معك الملك الغني الكريم .

فإذا أعطاك – ومن كل ما سألناه ربنا أعطانا – فهنيئاً لك هذا الفرح ولا تنس أن تحمده و تثني عليه وإذا استطعت أن تتصدق بشيء يسير – أو كبير – شكراً لهذه النعمة فنعم ما فعلت .

كيف لي أن أنهي هذا الموضوع ؟ لا أعرف ..

أنا أحب جدا هذه المتعة ، وبإمكاني أن أتحدث عنها إلى غد ..

ولكن لابد لي أن أذهب ..

سأذهب وأوصيكم باستخدام أخلاق الأطفال تلك مع الله تعالى ..

سأترككم تستمتعون بالعبودية لله الجليل .

وإذا دعوتم في المرة القادمة بالطريقة التي أخبرتكم عنها فاجعلوا لي نصيباً من دعائكم .

Read Full Post »

ذهبت في الأسبوع الماضي إلى مدينة ينبع الصناعية وقمت بزيارة حديقة الزهور .

وهناك رأيت ما أطربني بحق : مساحة واسعة كالبساط من الزهور الملونة .

 

 

مشيت كالمسحورة أقلب نظري في هذه الزهور وأتعجب من هذا الجمال .

التقطت آلة التصوير وطفقت أصور كل ما أعجبني .

كان الجو يومها غائماً ، وبه لمسة باردة حانية ، فتمنيت لو استطعت أن  أدرج الجو في الصورة لتكتمل .

صورت الأحمر

 

والأبيض

 

 

 

والأصفر

 

حتى رأيت الروعة

مجموعات من الزهور البنفسجية التي أهيم بها ..

أخذت أصور وأتفكر في نعم الله على الإنسان في خلق الأشياء الجميلة التي تمتع حواسه .

فكرت أني مستعدة أن أبقى أمام هذه الزهور البنفسجية لساعات وساعات ، ولا بأس لدي إذا ما عدت إلى بيتي وطبعت الصورة مكبرة جداً وعلقتها في حجرة مكتبي أمام أريكتي الأثيرة لأستمتع بالنظر إليها .

هناك الكثير من المتع “الحسية ” التي يمكن للمرء أن يلجأ إليها ليمتع نفسه إذا ما ضاقت عليه أيامه أحياناً .

سأذكر بعضها ، وتفكر أنت في ما يمتعك ، وخبئ هذه الأفكار في محفظة ذاكرتك لتخرجها حين تحتاج إليها .

هل تذكر رائحة القهوة الطازجة ، عربية كانت أو افرنجية ..

جرب أن تدخل محمصة أو دكان لبيع القهوة ، واملأ صدرك بالعبق الجميل للقهوة الطازجة  ، تشعر بانتعاش لذيذ .

هناك أيضاً رائحة الخبز الطازج الذي يضرب به المثل فيقال للشخص العكر المزاج : ما يضحكش للعيش السخن . يااه ، ما أجمل هذه الرائحة ..

والأجمل أنها قد تجلب لذهنك متعة التخيل .. فتتخيل هذا الخبز مع قطعة من الجبن الفرنسي الأبيض ، أو لعله كوباً من الشاي بالنعناع .

لا تنس رائحة الرضيع .. رائحته جميلة حقاً ولو لم يتنظف .. رائحة البراءة والطهر .

أنا شخصياً أحب رائحة البقدونس المفروم إذ تحملني رائحته إلى أجواء رمضان في ساعات إعداد طعام الإفطار، خاصة لو انضاف إلى ذلك صوت الإمام في المسجد المجاور وهو يقرأ الدرس اليومي بعد صلاة العصر ، وصدح  جهاز التسجيل بصوت الشيخ محمد أيوب في إحدى قراءاته الرائعة ، وانبعثت من سطح الفرن رائحة اللحم المفروم و ( اللحمة المسلوقية).

تمتعني أيضاً أصوات تداخل الأئمة في المساجد المجاورة في صلاة العشاء ، إذ تجعلني أعيش ذات الأجواء السابقة ، فقط يكمن الاختلاف أن هذه الصلوات تذكر بصلاة التراويح .. فيهفو قلبي لذكر رمضان ، وينطلق لساني مبتهلاً إلى الله أن يعيده علي أعواماً عديدة ، ويعينني على صيامه وقيامه ، ويتقبله بعد ذلك مني .

أولادي يعجبهم جميعاً وبلا استثناء – فيما أعلمه – صوت غريب جداً .. صوت المكرونة الناضجة وهي تُقلب ، سواء كانت باللبن أو بالصلصة الحمراء .. لا أدري حقيقة ما هذا الذوق الغريب ، لكنهم مجمعون على أن هذا الصوت يثير في أنفسهم نشوة غريبة ! مضحك، أليس كذلك ؟

ماذا عن متعة التذوق ؟

هذه بالذات كتبت فيها تدوينة كاملة فلن أعيد ذكرها .

أما اللمس ، فهناك متعة أن تغوص يداك ورجلاك في الرمل الناعم في الأيام الربيعية أو الخريفية المائلة للبرودة ، فتعتريك النشوة حتى يقشعر لها بدنك .

أو أن تداعب أصابعك شعر قطك الغزير والطويل ( الشعر هو الغزير لا القط ! ) فتشعر من تحت أناملك بتلك الخرخرة الهادئة التي تخبرك كم هو مستمتع قطك بهذه المداعبة ..

وقد تناقلت بعض المواقع الأمريكية الاعتقادات أن خرخرة  القطط لها فوائد صحية للإنسان من حيث تخفيف التوترات وزيادة الاسترخاء بما تحدثه من اهتزازات متعددة الترددات .

 بل أن هناك بعض الدرسات التي أثبتت أن كبار السن الذين يملكون قططاً يعيشون عمراً أطول – بإذن الله – وتنخفض معدلات ضغط الدم لديهم عن غيرهم ممن لا يملكون حيوانات أليفة في البيت .

ويقسم البعض أن نوبات الصداع النصفي التي تجتاحهم تخف جداً إذا ما تمدد قط ( مخرخر ) إلى جانب رؤوسهم ..

 أياً ما كان ، إذا قررت أن تستعين بقط فلا تنس أن شعر القطط سيكون في كل مكان ، فوق المخدة ، في أسفل العباءة ، في أنفك وفمك أحياناً .. لا تقل أني لم أحذرك !

ملخص القول .. الحياة جميلة ، ولكن لابد أن نعيشها صح ( الآن ، أليس هذا اسم برنامج ؟ )

لاينبغي أن نقصر أنظارنا على البلاءات التي يصيبنا الله تعالى بها ..

هناك أشياء جميلة تستحق التوقف عندها ، والتأمل فيها ، لنعلم أن الله إن كان قد أخذ فقد أعطى كثيراً .. فنشكره على ما أعطانا ، ونصبر على ما فقدناه ، ونكون بذلك ممن يدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ” رواه مسلم ، وبذلك نعيش حياتنا وما قسم الله لنا من رزق بسعادة ..

لاينبغي أن نكون كبعض الناس الذين يستهويهم أن يكونوا في مزاج النكد .. يحبون أن يشعروا بالحزن والبؤس فقط لأن الله تعالى لم يعطهم ما أرادوا بحذافيره ..

يذكروني هؤلاء بأولادي ..

كنت ألعب معهم لعبة ( إنسان حيوان ) ، فيطلبون مني حيواناً بحرف الفاء ، فأقول : فراشة ، فيجيبون : لالا ، فيل .. لالا .. فرس .. لالا .. ماذا إذاً ؟ فيجيبون : فقمة ..

لم يعجبهم جميع ما ذكرت ، لأنهم كانوا يريدون إجابة محددة ..

كذلك تلك النوعية من البشر .. لا تعجبهم كل نعم الله وآلائه لأنهم وضعوا أشياء محددة في أذهانهم ، فإذ لم يحققها الله لهم ، شعروا بالتعاسة والحرمان : عندهم كامري وهم يريدون لكزس . يعيشون في بيت إيجار وهو يريدون فيلا بدورين . يقضون إجازة الصيف في جدةو  الرياض وهم يرغبون في  أوروبا أو ماليزيا ..

لم ينتبهوا أن الله أعطاهم نعمة السكن ، والمركب ، والمتعة في حين حرمها غيرهم ..

وأنهم إن قضوا إجازاتهم في جدة والرياض ، فغيرهم يذهب إلى ذات المدن لتلقي علاجاً كيماوياً يسقط الشعر ويسبب الغثيان .

أيها البشر .. أربعوا على أنفسكم .. وعيشوا حياتكم بما أعطاكم الله برضا .. لتشعروا بالسعادة !

Read Full Post »

حينما أصبت بالسرطان ، كأنما كانت إصابتي هزة أيقظتني من نومة عميقة .. استيقظت لأرى نفسي محاطة بالجمال .. نعم الله حولي في كل مكان وأنا لا أدري .. الآن فقط ، حينما فقدت بعضها ، علمت أي فضل من الله كنت غارقة فيه .

أنشأت لذلك مجموعة ( بعض الناس يحب أن يسميها “قروب” ، إغراقاً في ” الكوالة”) في الفيس بوك وسميتها : النعم المنسية ، وهذا رابطها فيما لو أحببت الانضمام إليها

http://www.facebook.com/home.php?sk=2361831622#!/group.php?gid=114830981862557  .

ولعل أبرز هذه النعم التي لم نلق لها كثير بال نعمة الاستمتاع بالطعام ، وهي النعمة التي أجزم أنه يشترك في فقدها جميع من يتناول العلاج الكيماوي ، والذي يعد أطول أنواع علاجات السرطان زمناً ، وأشدها وطأة ..

قد يكون كلامي مختلف التأثير على من يقرؤه ، فبعضكم قد يجد فيه تذكيراً لأيام سوداء قاحلة لا يود تذكرها .. وبعضكم قد يراها تذكيراً لنعم افتقدها في وقت مضى من حياته ولم يكن يشكرها من قبل .. وبعضكم قد لا يعنيه الأمر من قبل ولا من بعد لأنه لم يمر بمثل ما مررت به ، وغاية ما في الأمر أنه يفقد بعض التذوق إذا ما أصيب بزكام قوي .. ولهذا الصنف الثالث أقول : لا بأس ، تابع معي تدوينتي لعلك تعلم ما أنت فيه من النعم التي لم تتعب نفسك في التفكير فيها من قبل .

قبل أن أبدأ في العلاج الكيماوي أخبرني طبيبي أن الورم من مستقبلات الإستروجين الموجبة estrogen receptor positive ، حيث يكون شديد الحساسية لهرمون الإستروجين في الجسم ، وهذا يعني أن الخلايا السرطانية تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم.. ولهذا فإنه منعني من تناول أي مصدر من مصادر هرمون الإستروجين قطعاً للمادة التي يتغذى عليها الورم ..

وكانت الفاجعة بالنسبة لي يوم أن منعني الطبيب من ( بعض ) المأكولات التي يدخل فيها هذا الهرمون .. منعني من تناول الدواجن واللحوم ومشتقات الحليب والبيض فقط .. فقط ؟؟ أذكر جيداً أنه لما ذكر قائمة الممنوعات تساءلت في تعاسة عما أبقاه مسموحاً لي بتناوله .. أنا لا أحب السمك أبداً ، ولست من عشاق الخضروات ولا الفاكهة ، فإلى متى سأستمر في تناول لحوم الغنم ( والتي كانت الوحيدة التي سمح بها ) ؟ هل سأقوى على تناولها يومياً .

فجأة اشتهيت دجاج الشواية وسندويشات كودو ( دجاج ) ، وطبق السليق الرهيب ( دجاج وحليب وسمن بلدي ) ، وطبق البيض بالجبن ( التابو الثنائي : بيض وجبن وربما ينضاف إليها الزبدة ) .. ولكن يبدو أن هذه أشياء ستختفي من قائمة طعامي لفترة مؤقتة ، ليحل محلها البروكلي والفلفل الملون ، والزنجبيل والشاي الأخضر !!

أذكر أن أخي بعد تلك الأيام قدم لزيارتنا من ينبع ، وحملت زوجته لي من أطايب الطعام ” الصحي ” والمراد : المسموح لي به . صنعت لي طبق العيش باللحم من مفرومة الغنم ، وبضع كعكات بدون بيض ، وخبزاً خالياً من البيض كذلك .

أبقيت العيش باللحم لحالات الطوارئ حينما كنت أجوع ولا أجد ما يسد جوعي ، فقد ولى زمن سندوتشات ( جبن الكاسات ) وأكواب اللبن ..

كما اشتريت نصف دزينة من البرجر بلحم الغنم وجمدتها في الفريزر إلى جانب كيلوات من لحم الأوصال المشوي ..

فجأة أحسست أني مللت البرجر والأوصال واللحم بعد أن كانت في يوم ما طعامي المفضل .

ثم أني لما بدأت بتناول العلاج الكيماوي ac ، عرفت أني كنت في نعيم قبل أيام ، وأن حزني وتعاستي كانت ( لعب أطفال ) .. حينما بدأ تغير طعم الفم ورفضت الغدد اللعابية إفراز الكمية المعهودة من اللعاب ، بل و تضافرت معها جهود حليمات التذوق في الثورة على الطعوم ، فصارت تعطيني مذاقات مزيفة وثائرة ..

أحياناً تطالبني حليمات التذوق بتناول ( أكل أحمر فيه مرق ) ، فأطلب من فاطم أن تهيء لي إيدام بطاطس بدون دجاج ولا لحم لأتناوله مع الرز الأبيض والسلطة .. ويسيل لعابي وأنا أتخيل الطعم الجميل ويمتلئ قلبي حبوراً وفرحاً لملاقاة وجبة طلبها لساني شخصياً  ، ولكن تكون الصدمة حينما أتذوق اللقيمات الأولى فأجد هذه الحليمات تعاندني كالأطفال فترفض هذا الطعم .. ماذا تريدين إذاً ؟ هل تريدين طعماً أقل حموضة ، أو أكثر ملوحة أو أشد ليونة أم ماذا ؟ أتساءل بخيبة أمل ثم أترك طبقي شبه ممتلئ وأقوم لأبحث عن طعام جديد نافع .

فإذا اجتمع مع هذا الطعم غير المقبول إلحاحاً من جانب أمي أو أخوتي على تناول ما لا أحبه أصلاً من الطعام كالبروكلي أو الخضروات لفائدتها ، فإن هذا – لعمر الله – هو التعذيب بعينه ..

وأحياناً كان لساني يلعب معي ويعطيني طعماً زائفاً لنفسه دون أن أتناول أي طعام ، فكنت أشعر بطعم الأسبرين المذاب في فمي ، ويعلم أبناء جيلي جيداً سوء هذا الطعم حينما كنا نصاب بالانفلونزا ونحن أطفال ، فكانت أمهاتنا تذيب الحبة في ملعقة ماء ثم تجرعننا إياه .. فارتبط هذا المذاق الكريه بالحمى والمرض .

ولما بدأت جلسات العلاج الكيماوي taxotere أيقنت أن ما جرى معي أيام ac كان مداعبة ثقيلة من لساني ، فقط ليتحول الأمر الآن إلى جد ..

كنت لا أتمكن من تناول أي طعام في الأيام الخمسة الأولى حتى أني كنت أفقد في أول كل جلسة ثلاثة كيلوجرامات ، وكانت أمي تتوسل إلي لتناول المزيد من الطعام والذي كان لا يزيد بحال من الأحوال عما تأكله شمسي .. كنت لا أشتهي شيئاً في البداية ، ثم تطور الأمر ليتحول إحساس الطعام في فمي كالقماش .. وأخيراً كان هذا القماش سيء الطعم ، فينتهي بي الأمر لتركي الطعام بالكلية ..

حتى الماء كنت لا أجده مستساغاً .. أما زمزم ، فانس الموضوع !!

وإذا ما دعيت إلى العشاء عند إحدى صديقاتي أبكي على الأطلال .. أطلال حليمات التذوق ( الصاحية ) والتي كانت تعرف أن ما ألوكه الآن هو قطعة بيتزا لا شراب ابنتي القديم .

وسمعت في تلك الفترة محاضرة للشيخ أبي إسحاق الحويني يتكلم في قناة الحكمة عن الطعام وكيف أن المريض لا يكاد يجد طعماً لشيء ، ثم حكى عن شخص قال لحكيم : ما أطيب هذا الطعام ! فقال الحكيم : إنما طيبته العافية .

أذكر يومها كنت مستلقية على الأريكة باسترخاء وكسل وفتور ، فلما سمعت قولته فكأنما وقعت على كنز .. اعتدلت في جلستي ، واتسعات حدقتاي وأصغيت لكلامه ونفسي تحدثني : فعلاً ، إنما تطيبه العافية ، لا الملح ولا السكر .. وأخذت أهز رأسي بطرب وأنا أكرر لنفسي : الله ! إنما طيبته العافية .. ولولا خشية اتهامي بالعته لقلت : ياليل يا عين .

واليوم ، حينما أشتهي شيئاً ، فأذوقه ، فأجده كما أشتهيته تحملني الذكرى إلى تلك الأيام ( والتي لن أصفها بالسعيدة ولا التعيسة ) وأحمد الله على العافية التي فقدتها لفترة من الزمن .. الآن بإمكاني أن أتخيل البيتزا المقرمشة الأطراف ، الغنية بالصلصة الحمراء والمغطاة بالجبن الذائب ، و كعك الشوكولاتة المغطى بطبقة ثخينة من كريمة الشوكولاتة ، فأجد تفاصيل الطعوم واضحة لا تقبل اللبس ، الحامض والمالح والحلو ، كلها معتدلة لا يطغى طعم على الآخر ..

صدقوني .. الآن أجد أن مجرد ذكر هذه الأطعمة ووصفها يثير في نفسي الكثير من المتعة والبهجة فكيف بتناولها !

أخوتي في عالم الكيماوي ممن لم يمن الله عليهم بالشفاء بعد .. اصبروا .. ففرج الله قريب !

Read Full Post »

حينما كتبت ذاك الفصل من كتابي والذي سميته ” صديقتي الفاتنة سارة ” ، كنت أقصد به ذكر الحدث الجميل الذي مررت به ، والذي قدّر الله أن تكون بطلته صديقتي سارة ، في وقت تداعت علي آلام جسدية ونفسية كثيرة نشأت من جلسات الكيماوي المتلاحقة ، وأمور أخرى .

 أعجبني جداً محتواه ، وأعجبني أكثر عنوانه – ولا تعجب من إعجابي بصنعي ، فأرجو أن لا يكون ذلك غروراً ، وإنما هو تماماً كإعجاب ربة المنزل الماهرة بطبقها ، وإعجاب المهندس بديكور منزله الذي أنشأه– ولكن بعدها تردد في ذهني : كم من الفاتنات اللاتي قابلت في فترة مرضي هذه ؟ كم من الفاتنات أدخلن السرور على قلبي ؟ في إحدى التعليقات على تدوينة ” صديقتي الفاتنة سارة ” ذكرتُ أن الفاتنة عندي هي التي تبذل جهدها ووقتها ونفسها لمساعدة الغير ، وعلى هذا كانت حياتي العام الماضي ملأى بالفاتنات .. خلدت إحداهن – سارة – في أحد فصول كتابي ، والباقيات لسن بأقل منها وإن لم أذكرهن .

هناك ، في ذاكرتي ، مساحات واسعة شاسعة من الفضل لأهل الفضل ، قدموه لي بعفوية وتلقائية ، إما لأنهم على هذا جُبلوا ، أو لأنهم رأوا ما لإدخال السرور على قلب المسلم من أجر ..

اليوم ، حينما تلقيت نتيجة أشعتي الأخيرة والتي أظهرت خلو عظامي بفضل الله تعالى ومنته من المرض أرسلت بهاتفي الجوال لعدد من الأشخاص الذين كانوا يبدون اهتماماً كبيراً بنتيجة الأشعة أبشرهم بفضل الله علي .. وفي خلال عشر دقائق تلقيت من الرسائل النصية عدداً مماثلاً لما أرسلته وفوقها بعض المكالمات كلها تهنئ وتبرّك وتدعو الله بإسباغ النعمة عليّ وعلى ذريتي ، ومنهن من بكت من الفرح ، ومنهن من بشرت أهلها ، ومنهم من رتب لي ولائم .. وأنا بين هذا وذاك ، تغرورق عيني بالدموع امتناناً لهذا السيل الجارف من المشاعر الجميلة والعواطف الفياضة ..

عندها فكرت .. لابد من تدوينة شكر ، أشكر لكل هؤلاء الناس فضلهم ودفء مشاعرهم التي غمروني بها في أوقات كانت  أسناني تصطك فيها من شدة برد الظروف المحيطة آنذاك ، وكنت أشكو جدب القلب من الأمل أحياناً ، ومن ضيق الإحساس بالوحدة أحياناً أخرى .. فكانت مشاعرهم تمسح بيدها الحانية على قلبي الضعيف فيقوى بإذن الله عندما يعرف أن هناك ، في هذا العالم ، ما تزال مجموعة كبيرة من الناس تستحق أن تعيش لأجلها ، وأن تكافح المرض لأنها تقف وراءك وتشجعك وتبث في قلبك التفاؤل والمحبة .

هناك فايزة التي كانت تدعو ابنتي لطيفة عندها – لما غبت عنها لتلقي جلسات الكيماوي – تمسح على رأسها وتحتفي بها وتداعبها في وقت كانت فيه لطيفة تشكو من حالة ( ما عندك أحد ) !! أي جميل حمّلته فايزة ظهري بفعلها هذا ؟ هي تنعم بعيش هانئ بأخلاقها الجميلة ( الله يبارك لها ) وأنا أحيا تحت وطأة هذا الجميل الذي أسأل الله الكريم أن يجزيها عني خير الجزاء .

ونادية .. مرة ثانية ؟ نعم ثانية وثالثة وعاشرة وألف .. ألم أقل أنها وأهلها هم أهلي في المدينة ؟ تخجلني بإطرائها وثنائها علي ، تخجلني بتواضعها وخدمتها لي ، وتفانيها في إشعاري بالأهمية .. مرة أخرى أقول – وهذا للفائدة – كم من الخير تفعل لو أدخلت السرور على قلوب الناس ، وبالذات مريض السرطان ، الذي لا يفتأ يشعر بثقله على أحبابه والمجتمع ، وكثير منهم يشعر بالتعاسة وقرب انتهاء الحياة ، فتكون الكلمة الحسنة والمعاملة الجميلة والهدية الصغيرة والدعوة البسيطة غير المتكلفة مع جمع من الأصدقاء من أكثر الأمور المشعرة بأهمية هذا المريض والمنشطة لاستعادته زمام نفسه اليائسة مرة أخرى بإذن الله .

مروة .. بكرمها وحسن ضيافتها ، وإصرارها الدائم على زيارتها وحسن ظنها بي ..

ما عساي أن ( أحس فيه ) وهي تقول بلهجتها السورية المحببة ( أنت يا هناء حتة من ألبي ، الي بيألمك بيألمني ) .. أرسلتها لي رسالة نصية في تلك الليلة التي علمَت فيها بخبر مرضي ، ولم تجد الشجاعة الكافية لمواجهتي بما علمت ، لعلها إذ فعلت لفتحت عليّ وعليها سيولاً من الدموع .. صبرتني على بلائي وذكرتني بماضيّ القريب الذي كنت أطلب فيه العلم وأربي أولادي عليه .. أشعرتني أن هذا البلاء الذي أصابني كان نعمة من الله يريد بها تعالى أن يتمّ بها عليّ باقي نعمه بتكفيره للسيئات وبرفعه للدرجات .

بعض بنات منتداي الحبيب في سؤالهن عني واهتمامهن بأمر نتيجتي ، ثم استعمال ألفاظ صغيرة شديدة العذوبة وقوية في الإفصاح عما في القلب : ملح التجمع ، روح التجمع ، قلب التجمع .. فيزهو قلبي ويختال  أن هؤلاء – بفضل الله – يحببنني ..

بدرية التي أعطتني في أول مرضي زجاجة كبيرة من زيت السمسم المقروء عليه ، لينا التي لم تنسني من طيب طعامها ورقيتها لي في أيام الكيماوي العصيبة ، لمياء التي كانت تعرض علي سائقها إذا ما احتجته بأريحية تُغبط عليها ، أهلي المحبون الذين تتهاوى أمامهم كل صور الحب والوفاء ..

كل هذه الأمور تثير في نفسي – إذا ما أمعنت فيها التفكير – عجباً كبيراً من هذه النفس البشرية التي تحب الاهتمام ، وتسقي أرضها المزهرة المشاعر الإيجابية .. كاذب من يدعي أنه لا يهتم بحب الناس أو ثناؤهم ، وحزين من يرفض هذا الحب والاهتمام ، وبخيل من يضن بإظهارهما ..

علمتني كل هذه الصور وأمثالها أن أخرج من ( وضعية أبي الهول ) المغرقة في الصمت ، وأبدأ في التفاعل مع الناس ، فقط لأدخل السرور على قلوبهم ،كما أدخل كل هؤلاء الرائعين على قلبي السرور وأشعروني بالبهجة والمتاع .. أشكر من يستحق الشكر ، وأثني على من يسعده الثناء – وكلنا ذاك الرجل – وأحيي الأمل في قلب الكسير بكلمات نابعة من القلب ..

كلنا نحتاج إلى إغداق الكثير من المشاعر الجميلة لنستلمها في يوم من الأيام ، في وقت قد نكون فيه بأمس الحاجة إليها .. والجميل في الأمر أن هذا أمر لا يكلف الكثير من الجهد أو الوقت أو المال .. فقط ، أخرج عن صمتك وأطلق لمشاعرك العنان ، و-صدقني- هي التي ستقودك إلى الطريق الصحيح ..

 

Read Full Post »

كم من المرات خلوت بنفسك وحملك عقلك إلى ماضٍ قريب أو سحيق تتلمس فيه ذكريات سعيدة ، فتغرق في تذكر تفاصيلها لدقائق قد تطول طالما لم يوقف هذا التيار أحد . بإمكانك استجلاب الذكريات بحواسك الخمسة ، فللذكريات رؤى ومذاقات وروائح وملمس وأصوات ، كلها تساعد على نفض الغبار عن صور قديمة مخزنة في دهاليز الذاكرة .

كلما خرجت في صباح باكر وتسللت إلى أنفي رائحة الشوارع وعانقتني نسائم الصباح قفزت فوراً صورة صباحات مدرستي دار الحنان قبل ما يزيد عن ثلاثين سنة مضت .. الاستيقاظ المبكر وارتداء ثيابي على أخبارإذاعة “صوت أمريكا” – أيام ( الفقعنة) والتمظهر بمظهر المثقفين – الباص والتجول في المدينة التي تنفض عن أرجائها آثار النوم ، رائحة البسطرمة والبيض في بعض الأحياء الشعبية ، الجو المعتدل الجميل لصباح جدة .. الوقوف في الطابور ، قراءة سورة الفاتحة وإلقاء النشيد الوطني ثم نشيد المدرسة ، الاستماع إلى الإذاعة الرتيبة : مديرتي الفاضلة ، مدرساتي الحبيبات ، أخواتي الطالبات ، أسعد الله صباحكن بكل خير .. ( الدبور ) التقليدي يمرح كالعادة بين الطوابير وينعم بوقت ممتع وهو يرى صفوف البنات تتبعثر بفزع مبالغ فيه ، يجرين واضعات أيديهن في آذانهن ، ويصرخن بأعلى طبقة تصل إليها حناجرهن في محاولة لتبديد النظام المدرسي الرتيب ..

كلما دخلت مكتبة وتجولت بين خزائنها تذكرت مكتبة مدرستي المرتبة المنمقة الزاخرة بالعديد من القصص المسيلة للعاب .. كنت زبونة دائمة عندهم ، أستعير القصة لأقرأها في الباص وأرجعها في اليوم التالي . هذه المكتبة كانت تؤدي أغراضاً عدة .. فهي ” ليست مجرد مكتبة ” ، وإنما قاعة للندوات ، وتقام فيها المسابقات الثقافية والمساجلات الشعرية بين الفصول ، وتقام فيها معارض الكتاب والتي كنا نتأخر بعد الدوام المدرسي للمساعدة في إعدادها وحتى التاسعة مساء .. رائحة البروستد اليوم تذكرني ببروستد البيك ( الذي لم يكن عندنا غيره آنذاك ) والذي كانت تطلبه لنا إدارة المدرسة كغداء بسبب هذا التأخير .. ولا يخفى ما في هذا التأخير من ( فَلة وحماس ) !!

نفس المشهد قد يجلب ذِكريَيْن في آن واحد ، فذات المكتبة التي تذكرني بمكتبة مدرستي ، تذكرني كذلك بمكتبة دار المعارف بالقاهرة والتي دخلتها في صغري .. جلت بين أرجائها وحملت في يدي الصغيرتين ما استطعت أن أحمله من القصص التي لا أجدها في جدة .. قصص المكتبة الخضراء ، والمغامرين الخمسة والأربعة والثلاثة ، مجلدات لولو وميكي وسمير .. أرجع إلى بلدي لا تسعني الفرحة وبيدي هذا الكنز الثمين ، وزاد هوايتي لأشهر قادمة قبل أن أعود فأجترها من جديد .

رائحة عوادم السيارات عند الظهيرة تذكرني بموعد الرجوع من المدرسة .. ذات (اللفلفة الصباحية ) في الشوارع إلا أن الشوارع في الظهر أكثر ازدحاماً ، والحر أشد وطئة ، ورائحة السمك المقلي تنبعث من بعض المطاعم ، فتحرك الجوع في البطون الصغيرة الخاوية .. صوت إحدى البنات يرتفع لتُسمِع صديقتها التي سألتها عن غدائهم اليوم : اليوم غداؤنا بامية .. فيرتفع حاجبي الأيسر وأفكر : همممم.. كيف عرفت أن غداءهم بامية ؟ هل أخبرتها والدتها ( من صباح العالمين ) قبل أن تغادر إلى المدرسة عن عزمها على طهي البامية ؟ ما شاء الله عليها .. كيف قوي قلب الوالدة على التفكير بالإيدامات في هذه الساعة المبكرة من اليوم ! أو أن الفتاة ( تخرش ) على صديقتها !!

كلما شممت رائحة الكتب الورقية الزكية أتذكر بالكثير من السعادة مستودع الكتب في مدرسة الطفولة .. كانت مدرّستي تستعين بي لأستخرج الكتب الدراسية الجديدة من مستودع الكتب .. أدخل هذه الحجرة الواسعة وتعانقني رائحة الورق القوية ، آخذ نفساً عميقاً أثبّت به الرائحة في ذاكرتي أكثر وأكثر .. أحمل الكتب  اللامعة الجديدة والمصقولة ، وأستمتع بتوزيعها على الطالبات ، وأستمتع أكثر بمشاعر الفخر والزهو تغمرني لأني ( مهمة ) وأؤدي دوراً ( مهماً ) في توزيع الكتب ، ولو كنت لئيمة بعض الشيء لنهرتهن قائلة ( الي ما تجلس مكانها ما حتأخذ كتبها ) فقط لأستمتع بسرعة  انصياعهن لأوامري وبتضخم الغرور في قلبي الصغير .. ولكني لم أكن لئيمة بفضل الله !

قصص أولادي عن الاستئذان المستمر للخروج من الحصة لشرب الماء أو الذهاب إلى الحمام يثير في ذاكرتي الكثير من البهجة ، حينما ترسلني مدرسة الجغرافيا لجلب خريطة “قرغيزيا” من الإدارة ، فأخرج بسعادة تشيعني نظرات زميلاتي الحاسدة وأمشي في تلكؤ إلى أن أصل الإدارة ، وأبحث في تلكؤ عن الخريطة بين خرائط الصومال ومدغشقر والواق واق ، وأعود في تلكؤ أيضاً .. أو تطلبني مدرسة أخرى لأساعدها وبعض المتفوقات من فصول ” العلمي “و ” الأدبي ” الآخر في صف أوراق المجلة التي تطبعها المدرسة سنوياً استعداداً لتغليفها ، فأخرج لأجد أن هؤلاء المتفوقات هن صديقاتي الشخصيات ، فنظل نعمل حصتين متواليتين في جد تارة ، وفي مزح وضحك تارات أكثر .

وإذا وقعت عيناي على صورة لأحد الرياضين وهو يرفع الكأس بيديه ، أتذكر ذلك اليوم السعيد الذي اختارتني فيه مدرستي الطالبة المثالية لعام 1404 هـ وذلك في حفل تخرجي من الثانوية .. يومها حملت الكأس في يدي ورفعته كما يفعل هؤلاء الرياضيون تماماً ، وتعالت أصوات التصفيق والتصفير من القاعة وأنا أشعر بالإثارة تكاد تقطع أنفاسي ، وبالهبل في الوقت ذاته !!

 ومع كل ما قد ذُُكر فإن الذكريات المستجلبة لا تكون سعيدة دائماً.. رائحة القهوة التي أشمها في مستشفى الحرس الوطني بالذات تذكرني بأيام الكيماوي .. عبق القهوة المنعش ، الزاكي ، الذي يفترض فيه أن (يصحصح ) يثير فيّ غثياناً قوياً لأني كنت أشم هذه الرائحة بكثرة في كل مرة أذهب إلى المستشفى لتلقي جرعات الكيماوي ..

بعض الصور لأشخاص طوتهم الأرض في أكنافها ، أو رسائل جوال تذكر بمشاكل عائلية أليمة ، أو عبارات تقرع في الذهن أجراساً قديمة ، كلها قد لا تكون من النعيم  ، ولكنها تطرق أبواب عقلك بإصرار وعناد فلا تستطيع لها صرفاً ولا تحويلاً .. إلا أن هناك مخرج دائماً من تلك الذكريات التعيسة ، وهي أن تتذكر ألطاف الله تعالى في أثنائها ، وفرجه بعدها .

 أحب دائماً أن أردد أن الله تعالى إذا أنزل بلاء فإنه ينزل من اللطف ما يساوي ذاك البلاء أو يفوقه ، وعلى العبد أن يفتش عن هذا اللطف ، فإنه إذا رآه بعين بصيرته رآه يفوق بلاءه حتى تنسي عذوبته ( اللطف ) مرارته ( البلاء ) .كم من النعم لحظتها أثناء مرضي بالسرطان ، أو بالأدق : لم ألحظها إلا أثناء إصابتي بالسرطان ، غمرتني حتى أعمتني بلطافتها عن رؤية البلاء العظيم .. رأيتها في أولادي وصديقاتي وبنات أخواني وآلاء الله علي في كل شيء  ، فتعاظمت وبهرني جمالها وجلالها حتى إذا ما خطرت في ذهني صور السرطان لم أر – معظماً – إلا صور عطاء الأحبة وتشجيعهم وكل نعم الله في هذا البلاء تتقاطر من حولي ..

هناك الكثير من الذكريات الجميلة ، ولابد للعاقل أن يعمل جاهداً على تأجيج أوارها في القلب لأنها تمنح الجزيل من السعادة والدفء إذا غرق القلب في بحور الألم والمرارة .

Read Full Post »

حينما كتبت تدوينتي السابقة عن القراءة في الكتب الورقية ، فكرت بعدها في إنشاء سلسلة من التدوينات تحكي عن بعض المتع التي تبهج النفس ( نفسي أنا على الأقل ). فكان طبيعياً أن تلي الكتابةُ الورقية القراءةَ في الكتب الورقية .

أنا من جيل تربي على القلم والدفتر .. كنا نكتب ساعات معدودة وبصبر لا ينفد القطع المطولة في كتاب القراءة ، ولا أنسى حينما كنت في الصف الأول الابتدائي زرت بعض صديقاتي وكانت في مثل سني الدراسية وتنسخ قطعة ما .. كنت أنظر لها وهي تكتب الصلعمة المزخرفة التي نراها في الكتب  فأشعر فعلاً بالتحطم .. كانت ترسمها رسماً وأنا خائبة في الرسم (  وليس من متعي المبهجة بالتأكيد ) ، كنت أحاول تقليدها لكن لا فائدة ..

و في الثانوية كنا نحل تمارين القواعد في الدفتر ، ثمانية أو تسعة تمارين ، يتألف كل تمرين من ثمان فقرات ، كلها ننسخها في دفتر ( أبو ثمانين ) ثم نحلها فقط لتشخط عليها المعلمة القديرة بكلمة ( نظر ) ، ويالها من كلمة سخيفة ، فلا هي بالتي تحفز على الإتيان بالمزيد من الإبداع ، ولا بالتي تلفت النظر إلى مواطن الخلل – إن كان ثمة شيء منه –

 كانت – ولا زالت – متعتي القصوى بعد التجول بين دواليب المكتبات هي التجول بين أرفف القرطاسيات .. أحب الدفاتر الزاهية والأقلام الملونة .. أحب أن أشتري أدوات القرطاسية كما تحب النساء شراء ألوان المناكير والأرواج ( ما تعريب هذه الكلمة ؟ ) أشعر أني أعيش في عالم جميل حالم ، أجول بين أروقته كما يجول الطفل في دكان الحلوى ، تزيغ نظراته هنا وهناك ، يود لو أنه جمع كل شيء في ثوبه .. لذا فإني أنتظر أول كل فصل دراسي بفارغ الصبر لأذهب للقرطاسية وأدخلها قبل أولادي لأستمتع بشراء ما يحتاجونه للمدرسة . ولما أصبت بالسرطان وضعفت عن الحركة صرت أكتفي بإرسال أحد أولادي بورقة كبيرة فيها الاحتياجات المطلوبة لأمارس متعة توزيعها عليهم كما يوزع المدير شهادات النجاح ..

 كان شعوراً طاغياً بالسعادة حينما أستلم بيدي رسالة أو بطاقة مكتوبة عليها أختام بريدية من أمريكا حيث كان أخي يدرس ، أفضها بانبهار وأقرؤها بسرعة شديدة ثم أعود فأقرؤها بتروي ، وأثلّث قراءتها ، أتفحص النقاط والحركات ، وتدويرة الجيم في آخر الكلمة وأسنان السين والشين .. ثم ألتقط القلم بدوري وأخط رسالة أرد فيها على رسالته وأكتب وأكتب ، ثم أضع الرسالة في الظرف وأتفنن في كتابة العنوان باللغة الانجليزية ، وأحبّر خطي المبعثر ، وأزخرف حرف H الذي يبدأ به اسمي في محاولة طفولية للضحك على الذات بأن الخط لا بأس به على الإطلاق ، والدليل هذه الإتش الرائعة !!

 ولما كبرت وصرت أطلب العلم وأفرغ أشرطة المشايخ مارست متعة شراء الدفاتر والأقلام الملونة من أجل التفريغ فكنت أكتب بسبعة ألوان كتابة منمقة – وإن كانت سريعة – ، وإذا لم يعجبني الخط أو امتلأت الصفحة بالأخطاء الكثيرة فإني لا أتردد أبداً في تمزيقها وإعادة كتابتها ، لأني أريد صفحة نظيفة تسر الناظرين . ولا أحصي كم من المرات تركت دفاتري مشرعة على سطح مكتبي لأؤدي صلاة أو أصنع طعاماً فأرجع فأجد رسوماً سيريالية تغطي أسطري أبدعتها أنامل صغيرة فنانة ، أو أجد الدفتر بأكمله يشرب ويرتوي من ماء صُب عليه صباً فتسيح الأحرف وأصرخ أنا محاولة إدرك ما يمكن إدراكه ..

 فلما وفدت إلي بيتنا التقنية اضطررت إلى اللجوء إلى الكمبيوتر في كثير من الأحيان  لأحفظ وثائقي وخواطري من الضياع ، فقل استخدامي للقلم ، وبالتالي ساء خطي جداً .

والآن ، كلما أردت كتابة شيء ما ، كتفريغ شريط أو تدوين خواطر تنفعني في كتبي المستقبلية أو مدونتي أكاد أعرف كيف يشعر طفل السنة التمهيدية حينما يحاول الكتابة ، الخط كبير ، الأحرف معوجة .. سبحان الله ، كيف تهدرالكثير من المعارف الجميلة والمهارات العالية بسبب قلة الممارسة .

أشعر أن هذه الموهبة والمتعة تكاد تُسلب مني تحت طغيان الكمبيوتر الجارف .. لابد أن أقاوم !!

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: