Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘نظرات ثاقبة’ Category

منذ أن افتتحت متجري الالكتروني في انستغرام وبدأت في التعامل مع أسواق (الآخر) ، انفتحت عليّ سيول المقارنات .. لا أميل إلى عقد المقارنات بالعادة ، لأن كفة (الآخر) ترجح دائماً ، وأعزو ذلك إلى سبقهم لنا في تطورهم الحضاري بعقود طويلة ، وللقوانين الصارمة التي تحكمهم ، بخلاف الفساد الذي يستشري في بلادنا ، فلا يزع قومنا لا القرآن ولا السلطان . ولكن الأحداث تتالت بشكل استوقفني ..

لا أذكر متى بدأت الحالة بالتفاقم في ذهني .. ولكن لي بعض الذكريات شبه الضبابية عن مطعم يفترض به أن يكون فاخراً ، يهمل في طلبات زبائنه ( نعم أسميه إهمالا ولا أقبل حجة ضغط الزبائن )، فيحضر السلطة (المدفوع ثمنها) بعد الانتهاء من الطبق الرئيسي ، فتقع في حيرة : هل تأكلها وقد امتلأ بطنك ، أم تأخذها معك للمنزل لتتعشى بها ؟ تتعشى بالخس الذي ذبل والتتبيلة التي امتصها الخبز !! ثم تدفع ثمنها تأدباً ( أو غباء لا أدري أيهما ) ، وذهنك يستحضر ذكاء بعض المطاعم في كسب زبائنها عن طريق إلغاء هذا الطبق المتأخر من الفاتورة ، بل وأحياناً ، إلغاء الفاتورة بأكملها .

وهناك مطعم فاخر آخر تطلب منه أسياخ الدجاج المشوية فيأتيك في طبق خمسة أسياخ ، أحدها كالمطاط تماما . تطلب من النادل أن يستبدل هذا السيخ بآخر ، فيضطر لمراجعة المدير ( السعودي) الذي لا يزال يسألك ببرود : هل تريد أن آتيك بغيره ؟ وبالفعل يأتيك بسيخ واحد فقط ، يلقيه أمامك متجهما ، ليعتذر النادل بدلاً منه ؟

وتتالى الأحداث التي تدفعك دفعاً إلى المقارنة .. كتلك الموظفة في مبنى الجوازات والتي كانت تتحدث مع المراجعات ( وبعضهن مسنات ) من خلف ظهرها ( حرفيا) لانشغالها بكتابة بعض الأوراق ، مروراً بالخدمة التي يقدمها البعض لشراء بطاقات الآيتيونز عبر الواتس اب فتفاجأ بطلبك الذي يبلغ خمسين دولاراً وقد تم استعماله .. وعند مراجعتهم يكتفي بإرسال بطاقة جديدة دون تعويض لكسب رضاك ، وصولاً إلى بعض المنشآت التعليمية التي تستقبل أبناء منسوباتها بنفس الرسوم الباهظة التي تستقبل بها غيرهم من العملاء ودون أدنى تمييز لكونها موظفة عندهم ..

أفهم أن غالب مقارناتي لا يحكمها قانون ملزم ، وإنما لا يكاد الأمر يتعدى الذكاء التجاري ( في غير مسألة موظفة الجوازات) ، وليس الناس مطالبين بأن يكونوا أذكياء .. ولكن سؤالي هو : لماذا لا يكون الناس أذكياء بالفعل؟

اشتريت مرة شحنة من أحد المواقع التجارية تبلغ 180 دولاراً أمريكيا ( 675 ريالاً تقريباً) .. بعد قرابة أسبوعين من وصولها عندي اكتشفت نقصان قطعة واحدة يبلغ ثمنها 65 ريالا فأرسلت للموقع بذلك ، فاعتذر مني بحرارة وعوضني مباشرة ثمن الطلب كاملاً ..

حسناً ، لا أريد أن أحدث بلبلة في الصفوف .. لقد كان ذلك نتيجة سوء فهم من الموقع ، فأرسلت إليه ثانية أخبره أن الطلب وصلني كاملاً إلا من هذه القطعة وبعد مداولات وعدة إيميلات طلب مني الموقع (السماح له) بسحب المبلغ الذي حوله لي ناقصاً الـ 65 ريالاً .. ولم أسمح له بفعل ذلك إلا بعد أن تأكدت من وجودها أصلاً ..

لسبب أجهله تذكرت موضوع السلطة في ذلك المطعم ..

وبعدها بأيام ومن موقع آخر اكتشفت نقصان قطعة يبلغ ثمنها خمساً وأربعين دولاراً ووجود قطعة أخرى لم أطلبها ، ولكنها تبدو فاخرة .. أرسلت لهم بالتفاصيل وأخبرتهم أني مستعدة بأن أدفع لهم فرق الثمن بين القطعتين مقابل الاحتفاظ بهذه .. المفاجأة أنهم أخبروني بأنه لا حاجة لي بدفع الفرق ، وأنهم سيحولون لي ثمن القطعة الناقصة !! أهدوني قطعة يبلغ ثمنها خمساً وثمانين دولاراً !! ( اضربوا المبلغ في 3,75 لتعرفوا القيمة بالريال السعودي ) ..

لسبب آخر أجهله أحسست بطعم سيخ دجاج مشوي في فمي !!

وأخيراً ، كانت ثالثة الأثافي ، حينما اشتركت في بريد واصل العالمي التايع للبريد السعودي ..

 وصلت شحنتي لمكتب البريد بأمريكا يوم 7 ذي القعدة ، ولم يتم إصدار فاتورتي إلا يوم 15 ذي القعدة !! ولأقطع أي سبب للتأخير حولت لهم قيمة الشحن مباشرة .. اليوم 1 من ذي الحجة ولن تصل شحنتي إلا يوم الأحد 4 من ذي الحجة ، واعتذرت لي الموظفة بأن هذا التأخير بسبب اليوم الوطني ..

أعتقد أني لو سافرت بالإبل من المدينة إلى جدة واستلمتها ورجعت لوسعني أن أعود قبل 4 ذي الحجة . ما زاد الطين بلة أنها حذرتني أنني إن تأخرت في استلام الشحنة فستعود بعد أربعة أيام إلى مصدرها ( أمريكا يعني) .. بعد تواصل طال قليلاً في تويتر قررت أن أذهب بنفسي إلى مكتب البريد لاستلامها ، ففوجئت أنها لم تصلهم بعد .. ضحكت غيظاً عندما قلت له : أخبروني في تويتر أنها عندكم ، إذ أنها كانت في جدة يوم 21 ، فقال : يبدو أنها لم تصل !!

لم تصل ؟ شكرا لك يا وطني ، فبسببك توقفت “دواب ” البريد في الطريق لترقص فرحاً بيومك ! لم يكظم غيظي إلا الموظف المحترم الخلوق الذي تعهد أن يحفظ شحنتي لحين رجوعي من السفر ، وأرجو أن يكون صادقاً وعلى قدر المسؤولية .

خسارة ، لقد كنت أؤمل خيراً في البريد السعودي منذ فترة ، ولكن خابت آمالي للأسف .

لِم لا يؤدي الناس مهامهم بكفاءة ؟ استلمت في جدة شحنة مرسلة بالبريد الأمريكي في خلال أسبوع وبسعر مقارب للبريد السعودي ، واستلمت في المدينة شحنة مرسلة من أمريكا عن طريق إحدى شركات الشحن الخاصة في أربعة أيام فقط .. لماذا يحتاج البريد السعودي شهراً كاملاً ليوصل لي شحنتي ؟ فهمنا أن السعوديين يغرقون في شبر ماء و (حواسين) لذا تستغرق شحنتي أسبوعين للوصول لبيتي . فماذا عن العاملين الأمريكان في مكتب واصل العالمي بأمريكا ؟ هل هي عدوى تنتشر في المنشأة السعودية بجميع مرافقها وفروعها ؟

لماذا لا يفكر الناس قليلاً ويطورون من أنفسهم ليؤدوا عملاً أفضل ؟

لماذا – إذ لم يزعهم القرآن ولا السلطان – لم يدفعهم الذكاء التجاري للربح عن طريق كسب الزبون وإرضائه ؟ أن أنهم يعملون على مبدأ : خلا لك الجو فبيضي واصفري ، ونقري ما شئتِ أن تنقري ..

مستوى الخدمات في بلادنا يئن من أناس لم يعملوا عقولهم ولا رغبتهم في الإتقان الذي يحبه الله ..

المقارنات تنعقد تلقائياً ، وفي أمور تكون أحياناً أخلاقية أو ضرورية .. ( لن أتحدث أبداً عن خدمات الصحة والتعليم والاتصالات .. أبداً أبداً )

بلادنا تغرق ببطء ..

Read Full Post »

بدأت الإجازة الصيفية عند الغالبية ، وبدأ معها مسلسل ضياع الوقت والفراغ المقيت الذي يصاحب كل إجازة .

لا أخفيكم أني لست بأفضل حال منكم ، ولكن استوقفتني قبل أيام فكرة new year resolution والتي تعتمد على معاهدة النفس بالقيام بتغييرات معينة ابتداء من عيد رأس السنة .. فكرت : لم لا يكون عندنا summer resolution ، ننوط به عمل بعض التغيرات التي نرغب فيها و أداء مهامنا التي أهملناها خلال السنة فتراكمت حتى علاها الغبار والصدأ .. فكرة جيدة ، أليست كذلك ؟

إلا أنّا لو فعلنا ذلك فإن هناك أخطاء مجهضة لتلكم الأهداف قد نقع فيها وتهدد بالفشل الذريع ، وإليكم ثمانية من هذه الأخطاء :

1-              رصد قائمة طويلة : ليس الهدف من كتابة الأهداف هو “الهياط “وإنما تدوين نوايا جادة لفعل أشياء مهمة .. إذا كانت مهامك تستغرق وقتاً طويلاً لتحقيقها ، مثل تعلم لغة أو مهارة جديدة ، أو تحقيق إنجازات صحية أو الإقلاع عن عادة سيئة كالتدخين مثلاً ، فيكفيك أن تركز على ثلاث أو أربع مهام كبرى، خاصة وأن الوقت إجازة صيف، وقد يعتريك سفر أو استقبال ضيوف من خارج المدينة ، وعدم تحقيقك لكل هذه الأهداف الطويلة سيصيبك بالإحباط والشعور بالإخفاق ، أما لو كانت المهام من النوع السريع الذي لا يستغرق وقتاً طويلاً كترتيب مكتبتك ، أو فرز ما تحتاجه من ملابس العائلة والتخلص مما لا تحتاجه، أو القيام ببعض الإصلاحات المنزلية فارصد منها ما تشاء ودوّنه .. ستجد متعة فائقة في شطب المهمة تلو المهمة بعد إنجازه.

 

2-              عدم مراعاة الظروف : ماذا تعني لك الإجازة الصيفية ؟ نوم وانقلاب الليل والنهار ، وخمول، سفر ، ثم ها أنت تضع للإجازة أهدافاً جادة تود تحقيقها ؟ راع ظروفك “الإجازية” ، لئلا تتعرض للفشل. قد لا يكون من المناسب البدء بحمية التمر واللبن مثلاً (مع تحفظي على هذا النوع من الحميات ) وأنت تستضيفين أهل زوجك لأسبوعين. قد لا يكون من المناسب أن تكون أحد أهدافك إتمام قراءة عشر كتب في شهر واحد وأنت تعزم على السفر .. كن منطقياً !

Photo: ‎شمستي‎

3-              غير قابلة للقياس : من الخطأ مثلاً أن تكتب : ” أتمرن بشكل أكثر أو أكبر”، أو أحسّن علاقتي بوالدتي ، أو أكون زوجاً طيباً لئلا تتركني زوجتي. ما مقياس التمرين الأكثر ، أو تحسين العلاقة أو تطوير النفس ؟ هذا كلام عام جداً ، ولا يصلح لأن يكون هدفاً . كتبتُ في لائحتي أولاً: نزول 3 كيلو ، ثم مسحته بعد قليل لأن فقدان الوزن ليس بيدي ، إذ تتحكم فيه الضغوطات النفسية وقلة النوم والهرمونات وملايين الأسباب الخفية والظاهرة، وكتبت بدلاً عن ذلك : تحقيق مشي ما مجموعه 80 كيلو متر في الشهر على الأقل مشياً سريعاً صحياً ، ولو تحقق لي ذلك لأنهيت الإجازة الصيفية بمشي 240 كيلو تقريباً . هذا الآن هدف معقول وقابل للقياس ، بل ويمكنني أن أزيد عليه لأحقق درجة أعلى من الرضى.

4-              أهداف مثالية : كلنا نحب أن نفعل أشياء خارقة تدير الرؤوس . عن نفسي أتمنى لو أكتب روايات تحقق عدد مبيعات هائل أو تفوز بجوائز عالمية ، أو أتمكن من المشي 10 كيلو في أقل من ساعة .. لو حددت مثل هذا هدفاً صيفياً فأنا أخطط لإخفاقي . كن واقعياً ، واكتف مثلاً بالتخطيط لروايتك الجديدة أو كتابة تدوينة أسبوعياً.. خطط للمواظبة على تمرين معين إذا كنت مبتدئاً ، أو الانتقال إلى مرحلة متقدمة إذا كنت محترفاً، ولاحظ أنك تتكلم عن خطط صيفية محدودة بثلاثة أشهر فقط ، حيث السهر والاجتماعات على الطعام، وحتى التمشيات تصير (تحشيات) ، وحين يسود الجميع فكرة أن الصيف للنوم وتضييع الأوقات .

5-              التخطيط العشوائي : عندك أفكار جبارة تنوي تحقيقها في الصيف ، ولا تعرف كيف لأنك تتركها “بالبركة” ، ويمضي الشهر الأول ثم الثاني والثالث وأنت لم تحقق شيئاً يذكر . وزع أهدافك إلى نطاقات : النطاق الصحي ، الثقافي ، الروحي ، الاجتماعي ، ثم قسّم أهداف كل نطاق إلى أهداف فرعية تكون بمثابة محطات الطرق السريعة التي تعرف عن طريقها كم قطعت وكم بقي لك فتكون لك خير حافز . حدد متى ستبدأ كل هدف على وجه التقريب ، وبعد انقضاء نصف المدة توقف مع لائحتك مرة ثانية وراجع مكانك ، وأعد تقييم أداءك ، وعدل ما يحتاج إلى تعديل ثم واصل الانطلاق.

6-              لا تعرف دوافعك : لماذا أريد أن أفعل كذا وكذا ؟ خسارة الوزن مثلاً ، أو كتابة رواية جديدة أو صلة الرحم البعيد الخ .. لو لم تكن دوافعك قوية بما فيه الكفاية فستنقطع قريباً. قد يكون هدفك لنقصان الوزن رغبتك في ارتداء فستان السهرة الجديد لحضور حفل زفاف قريبتك . هذا هدف جيد ومقبول ، ولكن ماذا باعتقادك سيكون أول ما تفعلينه صباح اليوم التالي لحفل الزفاف ؟ سنبحث عنك في المطبخ لا شك .

7-              أنت وحيد : ابحث عن فرق الدعم التي تؤمن بقضيتك .. أي إنجاز تود فعله ستحتاج فيه إلى فريق دعم يؤمن بقدراتك ويضخ في عروقك التشجيع والحماس كلما فترت .. لا أسأم من ترداد كيف منّ الله علي بفِرق تشجيع أثناء مرضي .. كانوا يحيطونني بالكثير من الحب والتشجيع ، يبكون إذا بكيت ، ثم لا يلبثون أن يضحكوا إذا ضحكت .. يذكرونني إذا ما ضعفت برحمة الله ، وبتكفير السيئات ورفع الدرجات ، حتى منّ الله علي بالشفاء ، بفضله ورحمته أولاً ، ثم بسبب الروح المعنوية المرتفعة ، وإن نصف العلاج يرجع إلى الحالة النفسية للمريض. إلا أنه يجب عليك أن تعطيهم الضوء الأخضر لتشجيعك بالقوة المناسبة لأن الأصدقاء قد يكونون لطفاء بزيادة فيخجلون من إغضابك أو إحراجك.. أخبرهم أنك تعطيهم كافة الصلاحيات لتشجيعك وأنك لن تغضب منهم لو كانوا خشنين معك إذا اقتضى الأمر .. تأكد أنك لن تغضب منهم بالفعل ، فلن تصيح على من يخطف الشوكولاتة من يدك بعد الغداء الدسم ، ولا أنك ستشتم في سرك من يمنعك من تناول الغداء الدسم أصلاً ( سيبدو على وجهك) ، ولا أنك ستستشيط غضباً حينما ينتقدك أحد أفراد فرق الدعم لتخاذلك عن التمرين / الكتابة / العمل الفني ، الخ …

8- اجتماعي بزيادة : قد يعتريك نوع من الإدمان ( إن لم تكن مصاباً به بالفعل ) على الشبكات الاجتماعية المختلفة  ، وهذا بالتأكيد من عوائق النجاح الكبرى .. كلما هممت بإمساك المصحف أو البدء بعمل كتابي أو فني ، أو أي عمل في قائمتك فكرت : لم لا أتصفح تويتر لدقائق ، فما تنتبه لنفسك إلا بعد ساعة يكون وقتها قد حان دور عمل آخر .. وتمضي إجازتك ولَم تحقق نصف ما كنت تنوي فعله .. كن حازماً مع نفسك وقرر أنك لن تفتح تويتر حتى تنتهي من مراجعة وردك اليوم ، أو لن تتصفح انستغرام حتى تنهي تمرينك ، وهكذا .. أما لو كنت مدمن يوتيوب ، فكبر على إجازتك أربعاً وصل عليها صلاة الميت !

 

Read Full Post »

حينما كنت أتعالج بالعلاج الكيماوي ، كان يصيبني إرهاق شديد ، وتحولات عجيبة في براعم التذوق في لساني ، فكنت لا أجد للطعام طعماً أحياناً ، وأحياناً أخرى أجده متنكراً ، فالحلو يضحى مالحاً ، والمالح يصبح مراً ، وأنا بين هذا وذاك أبحث عن الحل الصحيح .

غني عن الذكر أن ذاكرتي وذهني كانا يعملان بفوضى بسبب وطأة الكيماوي ، فإما بطئاً ، أو تشويشاً أو أي شيء لا يمت بصلة إلى الذهن الذي كنت أعهده فيّ قبل المرض ..

كل الملابسات كانت محبطة ، ولكني وجدت لذلك مخرجاً .

أدمنت في تلك الفترة لعبة كمبيوترية اسمها Cooking Dash ، وهي عن فتاة تبني مطعمها الخاص بالتدريج ، تبدأ بكراسي بسيطة وأثاث متواضع ، بل ووجبات محدودة .. تدور لتخدم زبائنها المتطلبين وتحاول ألا تخلط بين الطلبات وإلا فستتعرض لغضبهم وخروجهم من المطعم وبالتالي خسارتها .

كان عليها أن تحقق هدفاً يومياً لتحرز المزيد من النقود التي تمكنها من شراء أفران جديدة أسرع ، وتقديم وجبات أكثر تنوعاً ، وتغيير الأثاث بآخر أكثر فخامة ليجتذب الزبائن .

كنت أبدأ اللعبة حالما أتمكن من الجلوس في سريري بعد جلسة الكيماوي ، وقد أستغرق في اللعب بها لمدة ساعتين متواصلتين دون أن أشعر بنفسي ، ثم أختم المرحلة الخمسين في خلال الخمسة أيام الصعبة بعد تناولي للكيماوي .

كنت لا أتمكن من فعل أي شيء مفيد في تلك الأيام شديدة الوطأة ، أتكلم قليلاً وآكل قليلاً وأتحرك قليلاً . حاولت أن أراجع محفوظاتي من القرآن فكان ذهني لا يستقيم لي ، وكانت ذاكرتي تضحك من سذاجتي . فلما اكتشفت اللعبة ، أحسست أن هناك آفاقاً واسعة لا تزال متاحة .

كنت ألعب بتركيز ، أخسر أحياناً فأعيد المرحلة ، وأفوز أحياناً فأقوم بترقية مطعمي . كنت أفرح بكل قطعة جديدة أشتريها وكأني حزتها بالفعل . كنت أنتشي بسماع صوت البطاطس وهو يُقلى ، والستيك وهو يُشوى وأنا المحرومة من مذاق الطعام اللذيذ .

 أصوات ارتطام الملاعق بالصحون والكؤوس بعضها ببعض كان يأسرني وينقلني إلى جو حميمي ساحر ، أتناول فيه طعاماً واضح طعمه ، غير متنكر ، مع رفقة حبيبة في مطعم خافت الأضواء ، لا تسمع فيه إلا همسات المرتادين ، وأصوات ارتطام ملاعقهم بصحونهم وكؤوسهم .. نفس الجو الذي ألعب فيه .

ختمت اللعبة ثمان مرات ، بعدد جلسات الكيماوي ، وكلما وجدت جزءاً جديداً للعبة سارعت بشرائه وتحميله . كنت ألعب وأنا أشعر بنوع من السخافة ، ولكني لم أكن أستطيع أن أقاوم .

وبعد تفكير عميق عرفت سبب هذا الانجذاب للعبة . كانت اللعبة الإنجاز الوحيد الذي كنت أستطيع تأديته في تلك الفترة . كانت تطلق خيالي لبناء مطعمي الشخصي .. كانت تربطني بأمل .. كانت تربطني بالحياة في وقت كنت أشعر فيه أن جميع السبل مسدودة أمامي ..

كل فرد منا – ليس مريض السرطان فقط – بحاجة إلى إنجاز يشعره بأهميته ووجوده ، ولتحلو حياته ويصبح لها معنى .

 لا يشترط أن تكون الإنجازات كبيرة وعظيمة .. قد  تكون مراجعة جزء من القرآن ، أو حياكة قميص جديد ، أو الانتهاء من رسم لوحة فنية أو كتابة شطر من كتاب لطيف..

 يكفي أنه يشعر بالسعادة بعد تحقيقها ..  يكفي أنه يشعر بالإنجاز ..

كنت أنتظر انتهاء علاجي الإشعاعي بفارغ الصبر لأتوجه إلى مقاعد الدراسة الجامعية التي تركتها منذ 27 سنة . فلما فعلت صرت أرتشف لذة التعلم ، واسترجاع المعلومات ، وتلخيص المسائل المهمة ، ثم أستمتع بطعم التفوق في نهاية الفصل الدراسي .

والآن ، يمكنني القول بأنني أنهيت – رسمياً – ثلاث سنوات من الدراسة الجامعية في كلية الشريعة ، وصرت في السنة الرابعة والأخيرة .. أشعرت كيف مرت السنون ، وصار الماضي الأليم ذكريات سعيدة ؟ 

بهذه المناسبة يسرني أن أدعوك إلى مطعمي الافتراضي لتناول وجبة مجانية فاخرة مكونة من البطاطس المقلية والستيك المشوي .. تفضله مشوياً جداً أو متوسطاً ؟

Read Full Post »

في الماضي القريب كان آباؤنا يعملون جاهدين الساعات الطوال لتوفير لقمة العيش في ظروف صعبة ؛ يضطر بعضهم للعمل تحت الشمس من قبيل الفجر وحتى الغروب ، يتسلق النخل ويتعرض لخطر السقوط. أو يعملون في البحار لصيد السمك أو جنى اللؤلؤ ويغيبون عن بيوتهم وأهاليهم أياماً، وقد لا يعودون . أو يسافرون بحثاً عن الرزق في بلاد بعيدة، يقطعون المفاوز ويواجهون قطاع الطرق ثم قد لا تتجاوز غلة أحدهم بعد كل هذه المتاعب العشرة ريالات، أو ما يساوي في زمننا الحاضر ألف ريال.

كانت المراكب الفارهة والبيوت متعددة الحجرات والأثاث المريح يكاد يكون محصوراً على الأثرياء والتجار فقط، وكان كثير من الناس لا يذوقون اللحم إلا في عيد الأضحى وينعدم عندهم التوسع في المآكل والملابس إلا في الأعياد. أما حيازة الخدم فكانت ترفاً بالغاً لا تكاد تجده إلا في بيوتات محدودة.

وانظر إلى أحوالنا الآن. يمكننا أن نقول أن الحال قد انعكست تماماً. الأغلبية تمتلك سيارة أو أكثر، انتشار المطاعم السريعة والبطيئة دليل على كمية وافرة من الرفاهية، شراء الثياب الجديدة لا موسم له، والسفر مقارنة بالأسفار القديمة صار أشبه ما يكون بسرعة انتقال عرش بلقيس للنبي سليمان عليه السلام . الكثير جداً من الناس عندهم خادمات، والأغلب يمتلك جوالات ذكية (وإن اضطر لشرائها مستعملة) .

ومع كل ذلك، لا زال كثير من الناس لا يرى إلا نصف الكوب الفارغ .

لماذا نرفض الاعتراف بأن الحياة جميلة؟

لماذا نصر على أننا (مساكين) و(حالنا تحزّن) ونظل في بؤس، فقط لأننا لم نحقق الكمال في جميع أمورنا. صاحب المازدا يريد ليكزساً فيسخط على (مازدته)، وصاحب الليكزس يريد بِنتلياً فيسخط على ( لِكزسه)،  الطويل يتمنى لو كان قصيراً لأنه أجمل، والقصير يعجبه الطول لأنه (أكشخ) ..الفتاة تتمنى لو كانت ذكراً لتنعم بالحرية، والذكر يتمنى لو كان أنثى ليرتاح (لأن الأنثى عندنا ملكة!)، وبين هذا وذاك تكمن (الحلطمة) والتوجع والشعور بالفقد واليتم والمرارة والنقص..

مشكلتنا أننا لا ننظر إلى التفاصيل الدقيقة التي تجعل الحياة أجمل.

تلفت أنظارنا أحياناً بعض الدور في أناقتها وفخامتها، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن ذلك يعود لتفوقها على غيرها بالاهتمام بالتفاصيل: اللوحات، التحف الصغيرة على الطاولات الجانبية, مفارش الطاولات، زينة الستائر، البسط المتفرقة، الوسائد المتناثرة وغيرها. كلما أمعن المصمم في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة كانت الدار أرقى وأجمل.

ماذا عن حياتك؟ أليس فيها من الدقائق ما يحيل حياتك نعيماً ، لو تفكرت ؟

ألم تلحظ مشاعر الراحة تغمرك حين تدخل بيتك المكيف هرباً من أشعة الشمس ( الشاوية) ظهراً، فتعانق خياشيمك رائحة الطعام الزكية تدغدغ بطنك الخاوية؟

ألم يلفت نظرك قراءة ابنتك الصغيرة للقرآن ، أو لثغة آخر العنقود وهو ويتكلم فلا تتمالك نفسك من أن تلثم فاه كلما لثغ؟

ألم تشعر بالأمان كلما ضمتك ذراعي والدك المحب إلى صدره، أو شيعتك دعوات أمك بالتوفيق والصلاح ورعاية المولى وحفظه؟

ألم يمتلئ قلبك حباً كلما التقت عينك بعيني زوجتك في ساعة ود، أو همس زوجكِ في أذنكِ بكلمة عشق ووله؟

ماذا عن حدب أخوتك وقت الشدائد، وجمَعة الأهل المتآلفين في الأعياد والأفراح، وتفاني زملاء العمل في أعمالهم، وجمال الصداقة الصدوقة في كل وقت؟

بل ماذا عن براعم التذوق (الصاحية) التي تصف الطعوم بدقة، والجسد القوي الذي يحملك ويخدمك دون مساعدة خارجية.. ماذا عن حواجبك ؟

حينما أُصبت بالسرطان وتناولت العلاج الكيماوي صار رأسي لوناً واحداً شاحباً ، لا لون مميز فيه إلا حدقتاي. كنت أرسم حواجبي بالقلم وأضع الكحل لأذكر نفسي بوجود هذين العضوين في وجهي . كنت أنظر إلى وجهي المعدّل بعد ذلك في المرآة وأقول : يا الله ! الحمد لك على نعمة الحواجب .. ماذا عنك أنت ؟ هل شكرت الله قط على نعمة الحواجب؟

هناك الكثير من الجمال في حياتنا ، ولكن مصدر القوة أو الضعف، الإيجابية أو السلبية، العزم أو الإعاقة ، كلها في قلوبنا وعقولنا، وليست في الحياة من حولنا.

أحب أن أجرب الحياة بكافة أشكالها لأستمتع، والقاعدة عندي تقتضي أن ( النكد مش حلو).

أحب أن آكل البيتزا الطازجة حارة جداً فأستمتع بالجبن ( المطاطي) ومذاق صلصة الطماطم الغنية بنكهة الريحان والزعتر البري ، فإذا باتت فضلتها باردة من الثلاجة لأستمتع بالطعم الحقيقي للعجين والجبن الذي حجبه عني حرارة الطعام، ولكليهما طعم خاص.

وكلما لبست الكم الضاغط الذي يغطي جميع ذراعي اليسرى بسبب الليمفاديما (الوذمة) الناتجة عن استئصال الغدد الليمفاوية في الإبط بسبب السرطان ، وضاقت به نفسي ذكرتها بأن وجودها في يدي خير من وجودها في ساقي مثلاً حين تنتفخ فتكبر قدمي مقاساً أو مقاسين فأضطر لشراء زوجين من نفس الحذاء بمقاسين مختلفين !

وعندما فقدت شعري بعد الكيماوي اعتبرت ذلك (نيولوك) جديداً، تحديت قريباتي وصديقاتي –مازحة- أن يأتين به، وأنى لهن .

أحب – كلما واجهتني أيام عصيبة _ أن أمني نفسي وأهدئها : هناك حكمة، هناك لطف، هناك رحمة ولابد ، فهذا القدر المؤلم هو من الحكيم اللطيف الرحيم.. ابحثي عن الجمال.. ارفعي بساط الألم وفتشي عن النعم الباهرة أسفله.

كم كان جميلاً لو اجتمعت كل المتع بكمالها لدى المرء ، ولكن هذا أمر غير واقعي ، فكان لابد أن نتعلم كيف نثمّن كل ما لدينا ونستمتع بجمال الحياة كما هي – إذا أخفقنا في تعديلها- وهكذا فقط سندرك أن الحياة جميلة، وأنها مثل لعبة الكمبيوتر : كلما سبرت أغوار المرحلة واستكشفت خباياها، وجدت هدايا صغيرة وستُفتح لك مراحل جديدة و (عوالم) مثيرة بعد قضائك على ( الوحش الأخير) : السلبية ..

العب بذكاء !

Read Full Post »

الحياةُ لوحاتٌ زيتية رُسمت على قماش فاخر ، أم أن اللوحات هي التي تحكي الحياة ؟ من هواياتي الأثيرة أن أفتح عينيّ جيداً ، وأتجول في معرض لوحات الحياة مع جزءٍ فضوليٍ من نفسي ، وأستمتع بشيء من التطفل و التخيل لأسبر أغوار النفوس البشرية . كم نرى من مشاهد ظاهرها يخفي كثيراً من حقيقتها .. بعض المظاهر خداعة ، وتحتاج منا لكثير من البصيرة لنقرأ ما بين ضربات الفرش ، فإذا فعلنا انقشعت عنا حُجبٌ ، وتكشفت لنا حقائق بإمكانها -إذا تدبرناها- أن تجعل حياتنا أكثر جمالاً .. يكفي بذلك أننا ننسى كثيراً من واقعنا المؤلم ، يكفي أننا نغرق في دقائق ممتعة من خيال لذيذ ، يكفي أننا قد نفلح في تلمّس بعض النعم التي غفلنا عنها .

بعد فضولي الذي طال النوافذ والستور المرخاة في تدوينتي الأولى ومن الفضول ما يُحمد والتي لاقت نجاحاً كبيراً بفضل الله ، فسيسعدني أن أطرح عليكم المزيد بطريقة مختلفة قليلاً ، فهلا مشيتم معي في هذا الممر من معرض لوحات “الحياة”، لأريكم بعض النماذج؟ ستحتاجون أولاً لإعمال شيء من فضولكم ، ولا تخافوا ، فإن بعضاً من الفضول لن يضر !

هذه لوحة تصور لي رجلاً ، يقود سيارة مهترئة وسط شارع مليء بالسيارات الفاخرة . ينظر إليها جزئي الفضولي فيقول : انظري إلى هذه السيارة “المقربعة” ، والمشكلة أن صاحبها يضحك .. كيف يمكن له أن يضحك وهو يقود شيئاً كهذا؟ لو كنت مكانه لأرخيت رأسي خجلاً وأنا أمر إلى جانب كل هذه المراكب النظيفة .. أتطلع إليه متفحصة.  بالفعل ، باب سيارته ساقط ، فهو يمسكه بيد ويقود سيارته باليد الأخرى، باب الراكب المجاور منبعج انبعاجاً قوياً ، وفي الخلف تراصّ خمسة أولاد بطريقة فنية ما ، ومع ذلك فصوت المذياع يصدح ، وضحكات الأطفال تغطي صوت المذياع ، وأكاد أسمع صوته يرد ساخراً : “لو رأيتِ الحادث الشنيع الذي بسببه اهترأت هذه السيارة وخرجتُ منه وأولادي سالمين بلا خدش واحد لعلمتِ أنه يحق لي أن أضحك وألا أتحسر بعد ذلك اليوم على ضياع أي شيء دنيوي. لقد عاينت الموت لثوانٍ ونجاني الله ، فعلى أي شيء آسف ، ومن أي شيء أخجل ؟ ولكن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

وهنا لوحة تحكي طالباً في كلية الطب الخاصة ، يلبس ثياباً جيدة ويضع عطراً فاخراً ، يحضر محاضراته بكل جدية واجتهاد ، ويتكلم برقي وأدب .. أنظر إليه فيتساءل جزئي الفضولي: محترم جداً! وددت لو رأيت بيته! فأتخيل داراً فارهة ، كثيرة الحجرات ، عالية الأسقف ، تحيط بأسوارها أشجار جوز الهند، وتصطف في مرآبها بضع سيارات ثمينة ، وإلى جوار مسبحها الكبير يتمشى الجنائني وهو يرمق المياه الزرقاء ويتلمظ محدّثاً نفسه أن يرمي بنفسه في المياه الباردة لتنقذه من لهيب الصيف الرهيب ، وليطردوه بعد ذلك . يلتفت إليّ الفتى في الصورة فيبتسم ويقول : أخطأتِ في خيالك .. وأراني في مخيلتي بيته ؛ الحي بائس, شوارعه مليئة بالحفر الرطبة .. الجرذان تمشي إلى جانبك لتدلك إلى أي دار تريدها، وصناديق القمامة الكبيرة تؤوي عشرات القطط الضالة ذات الأعين العوراء أو الذيول المقطوعة . وقبل أن يعترض جزئي الفضولي، يرفع الفتى أصبعه ويقول : “لحظة ! أنا في هذه الكلية في منحة لتفوقي ، فلم أدفع ريالًا واحداً، أما هذه الثياب فقطع نظيفة تبرع لنا بها بعض المحسنين ، ومالي في كل هذا البذخ الذي تراه إلا العطر الذي وضعته .. وللمعلومية ، فإنه مقلد! هل تستكثر عليّ عطراً مقلداً لا أعرف متى سيصيبني بالأكزيما ؟ أما عن الأدب ، فمن قال أن الأدب ملازم للغنى ؟ ظننت الأمر واضحاً ، ولكن يبدو أن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

انظروا إلى هذه اللوحة ، تصور مهرجان الزهور الذي يقام في مدينتي كل سنة . تدغدغ الألوان الجياشة مشاعري ، وأشعر بها تكسر برفق أشعة الشمس الصارمة المسلطة على رؤوسنا كالحراب. ألمح زوجين مسنين بعض الشيء من دولة آسيوية يتمشيان معاً. يقفان أمام كل مجموعة ليتحدثا برهة قبل أن يخرج الزوج آلة التصوير ليصور امرأته ؛ ارفعي يدك إلى خصرك ، أميلي برأسك ، تلثمي بالطرحة في غنج ، وهي تمتثل وتضحك في دلال ، ثم يمشيان معاً ليتوقفا ثانية فيصورها بكاميرا الآيباد هذه المرة متبعاً نفس الخطوات السابقة ، افعلي كذا وكذا .. وتساءل جزئي الفضولي : انظري إليه ، يصورها بكل آلة تصوير متاحة ، ولو أتيح له أن يحضر مثّالاً لأحضره وصنع لها تمثالاً .. هل يحبها بالفعل ، أم أنه يفعل ذلك لأنه لا خيار له غير ذلك ؟ التفت إليّ الزوج على وجهه مسحة غضب وخوف معاً ، وقبل أن يتكلم بكلمة لذت بالفرار ، وأنا أعنّف فضولي وأطالبه بالتفرج في صمت .

توقفت طويلاً أمام لوحة جُدل إطارها بألياف الصبر والحب. هاهو رجل في الخمسينيات ، يرتدي ثوبه الرمادي الرث، يمشي مثقلاً بأكياس متخمة بأطايب اشتراها للتو من البقالة ، وعائدٌ إلى داره القريبة . أتفرس في الأكياس بفضول فأرى عصائر وحلويات ، وفواكه الموسم وحليبَ الصغير . يدخل على أسرته مستجيراً بالله من حرارة الجو وينادي في تعب على أطفاله الذين يهرعون ليتلقفوا ما أتاهم به والفرحة تشع من وجوههم الصغيرة التي لم تتغضن بعد، تستنشق ابنته أحد الأكياس بنهم لتملأ رئتيها من رائحة الفاكهة الطازجة ويرتفع صوت أحدهم بلثغته المحببة : بابا ، زا اللاتِب ؟ فيومئ إليه بحب ويحضنه ويلثم فاه ثم يدس في فمه قطعة شوكولاتة صغيرة . أمشي في سعادة وأمان الدنيا يغمرني ، وحنان الأب يفيض عليّ من تلكم اللوحة ، وطعم الشوكولاتة لا يزال في فمي .

ماذا عن اللوحة المشرقة  في الركن؟ اقترب  لتراها! هاهي امرأة في أواسط الستينيات ، مات عنها زوجها منذ أمد ، وتزوج آخر أولادها قبل خمس سنوات وعاشت في وحدة مع خادمتها تنتظر إطلالة أولادها عليها يومياً حسب جدول مرتب. منذ أن غادر آخر أولادها المنزل كان أمامها أحد اختيارين : أن تؤمن بانتهاء مهمتها في الحياة وتستسلم لفكرة الموت والتلاشي ، أو أن تبدأ حياة جديدة . لحسن الحظ أنها اختارت الثاني . بدأت في ممارسة الرياضة  ، إذ الرياضة من أفضل الوسائل التي ترفع هرمون السعادة (دون أن ترفع الوزن كالشوكولاتة) وتحافظ -في الوقت ذاته- على قوة البدن ، وبالتالي على صفاء الذهن ، فكانت تمشي مع خادمتها يومياً في الشارع العام حيث تشعر بأمان أكثر من الأحياء المجاورة الممتلئة حُفراً وسوائل لا تعرف مصدرها ثم تعود إلى بيتها وتفتح النافذة وتمد ساقيها في أشعة الشمس التي تنتشر سريعاً على أرض الحجرة . تسلي نفسها بقراءة كتاب ، أو تفتح المذياع على برنامج الأسرة الصباحي وتقوم بتمارين التمدد التي رأتها في يوتيوب، وبعد أن تنهي وردها اليومي من القرآن تشرع في “ساعة التعلم” كما تحب أن تسميها حيث حمّلت لها ابنتها عدة تطبيقات تعليمية تحرك بها ذهنها وتقوي ذاكرتها ، وكان آخرها تعلم اللغة الإسبانية . تذكر عندما هتفت بها ابنتها : لماذا الإسبانية ؟ فقالت ضاحكة : لأن اليابانية صعبة . والحقيقة أنها تتقن الكلمات الأساسية من الانجليزية والتي لن تحتاج إلى غيرها ، ولكنها أرادت أن تثبت لنفسها بتعلمها الإسبانية أنها لا تزال تتمتع بذهن قوي متفتح .. المسألة كلها تدور حول إثبات النفس ، حول الشعور بالقوة والقدرة على البذل ، حول عدم اليأس والإحساس بالوهن الذي يميت قبل الموت ، لهذا قبلت التحدي غير المنطوق من قِبل أولادها وطالبت بالآيفون والآيباد وشاركت في تويتر وفيس بوك وانستغرام وهي تقول : من قال أن مثل هذه الأمور حكر على الشباب ؟  أعطونا فرصة أو اثنتين لنثبت لكم أننا نستطيع .. وفازت بالتحدي .. انصرفتُ عن هذه اللوحة وقد خُيل إليّ أن المرأة تبتسم لي وترفع إبهامها مشجعة وهي ترتدي حذاء الرياضة .

طيب ، هذه اللوحة .. هذان زوجان يستعدان للسفر إلى البعثة ويودعان أهليهما .. الزوج يسمع للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف التوصيات على زوجته ، من أمها وجدتها ، وخالتها وعمتها وامرأة أبيها وخالة عم جارتها ، فيبتسم بتصنع ويقول للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف : أكيد ، “سما” في عيوني ، لا توصي حريص الخ الخ الخ . ترفع “سما” بصرها إليه فتكاد تتلقف الضجر والملل بيدها وهما يتقافزان في عينيه، وتتعجب ، ما كانت تعهد في نفسها القدرة على قراءة لغة الأعين ، أم أن لغة الأعين سهلة وواضحة لكل ذي لب . وفي ذهنه يتعالى السخط .. كلهم يوصيني على “سما” ، حتى أمي وأخواتي ، لكن من يوصي “سما” عليّ ؟ أم أن الرجال لا بواكي لهم؟

ما رأيكم بهذه اللوحة الملونة بألوان الباستيل الجميلة ؟ هذا خالٌ شاب ، أو ربما يكون كبيراً بعض الشيء. تأتي أخته  من بلد زوجها بأبنائها لتقضي مع أهلها شهراً من عطلة الصيف . لم يسمح زوجها لها بالذهاب إلا شريطة أن تصطحب أبناءها معها ، حيث لا شيء إلا الملل .. ينبري هذا الخال فيحمل على عاتقه إسعاد أبناء أخته ، يلعب معهم ألعاب الكمبيوتر ، ويصيح معهم في حماس كلما أحرز أحدهم هدفاً ، يمشّيهم، يشتري لهم الحلوى ، يأخذهم معه إلى المسجد، يصطحبهم إلى محل الألعاب ليشتري لهم هدايا النجاح، أو إلى المكتبة ليبتاع لهم قصصاً جديدة ، حتى صار هذا الخال من أحب ما يكون في حياتهم . وتمر الأيام ويكبر الأطفال ليصيروا شباباً أو مراهقين ويكبر الخال، فلا تعود ألعاب الكمبيوتر تسليهم، ولا يعودون يهتمون بالمكتبات ولا دكاكين الألعاب، يقدمون مع والدتهم إلى بلدها وقد لا يقدمون ، يسلمون على الخال تسليم الغريب ويمضون ، قد يتذكرونه باتصال بين الحين والآخر وغالباً ما ينسون. فجأة صار هذا الخال مملاً، و”قديماً”. ما هذه المرارة في فم الخال ؟ ماهذه الصور الباهتة التي يراها في خياله لأطفال صغار نسوه وما نسيهم؟ ولا زال في العيد بالهدايا يذكرهم ؟ قد يكون خالاً أو عماً ، قد يكون جداً أو مثل ذلك من الإناث.. أغادر ، ويهتف فضولي رغماً عني وعنه:  “ما يستحوا”!

هذه اللوحة الأخيرة، تبدو وكأنها لوحة إعلانية لقرطاسية .. الله .. أحب القرطاسيات .. أتمشى فيها بشغف كما تتمشى إحداكن في محلات العطور والمكياج . رائحة الأوراق تسحرني كما تفعل بكم رائحة القهوة الغنية ، أحب الأقلام الخشبية الملونة ، أحب أشكال الصلصال والأعمال الفنية المزركشة ، أحب الدفاتر السلكية الكبيرة ذات الأغلفة الكرتونية المبهجة ، أحب هذا العالم باختصار . ومن  منا لا يحبه ؟ أقصد ، هناك البعض ممن لا يحبه . أقف عند المحاسب ويقف أمامي رجلٌ في الخمسينيات يرتدي ثوباً رمادياً رثاً، وثلاث بنات في الابتدائية يقفن إلى جواره في صمت ويتطلعن إليه في رجاء ، وتمسك إحداهن صغيراً فضولياً يمد يده القصيرة للأرفف العالية محاولاً اصطياد أي شيء .. يخيل إليّ أني رأيت هذا الرجل من قبل، ولكن أين؟  اصطفت أمامه كومة من طلبات المدارس : أستطيع أن أميّز الصلصال ، ومسدس الغراء ، وألواح الخشب الخفيفة ، ومريلة المطبخ ، ونوعين من الألوان ، وأشياء أخرى خفيت عليّ . رأيته يخرج محفظته ويعدّ “أمواله” ثم ينقد المحاسب الثمن : فكة رهيبة من عشرات وريالات ، ليس فيها ورقة واحدة لمئة كاملة .. أكاد أسمع تأوه قلبه المنفطر من هذا الغلاء وكثرة الطلبات . ويعلو صوت الصغير : بابا ، خلّث اللاتِب ؟ فيبتسم الأب في وهن ويحمله بيده ، ويناول بيده الأخرى الأكياس لبناته فيتلقفنها في سرور وحماس.. لعل هذا السرور هو ما يطفئ لهيب قلبه .. أخرج جوالي في عجلة وأنظر إلى التاريخ الهجري وأنا أبتعد عن اللوحة فأجده الخامس من الشهر!

والآن ، ماذا عنك ؟ هلا أخبرتني عن لوحات أعجبتك ؟

سأقوم بإهداء ثلاث نسخ موقعة من كتابي ” الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ” لأفضل ثلاث تعليقات عشوائية تردني هنا في المدونة ، أو تويتر @hannooti   خلال الأسبوع الأول من إطلاق هذه التدوينة .. تابع التعليقات بين الحين والآخر ، قد يحالفك الحظ .

Read Full Post »

كنت في شبابي أقرأ أحياناً عن معتقلات وزنازين جمال عبد الناصر والسادات وعن وسائل التعذيب التي تُمارس مع المخالفين ، ويقف شعري لكمية القسوة والجبروت التي احتوشت قلوب أولئك الزبانية .  كنت أقول في نفسي : أكيد ، لا يقدر على تلك القسوة إلا غائب عقل أو ميت قلب .

حتى الآونة الأخيرة كنت أعتقد أن بلادنا تخلو من أمثال هؤلاء ، فنحن “ندرس” التوحيد والفقه منذ الصف الأول الابتدائي والمساجد منتشرة في كل مكان .. كان ذلك ظني حتى خرجت عدة مقاطع تصور شباباً فارغاً . فارغاً عن العمل والهم ، وفارغاً قلبه من الرحمة ، ولعله الإيمان .

أخبرني ابني مرة حانقاً غاضباً من مقطع رآه لشباب أمسكوا ثعلباً (حياً) من ذيله وقربوا رأسه من شكمان السيارة و(بوووم) !!

وآخر لشباب  يسكبون على قطة صغيرة بنزيناً ثم يضرمون فيها النار .. حية!! كانوا يتسلون !! ثم قال : “يذكرون أن موقع يوتيوب حذف المقطع .. فشلونا الله يفشلهم !! “

ورأيت أنا مقطعاً لشاب “يتسلى” بضرب عامل بخيزرانة في يده ، وضربه حتى صار العامل يبكي بصوت مرتفع .. ينوح بالأصح .. ورغم أني أضع نفسي دائماً مكان الأم فآبى أن أدعو على شاب أزعجني بتفحيط أو تبختر بدباب مزعج أو رفع موسيقى عالية في الثالثة صباحاً إلا أن عدة دعوات انفلتت من فمي لا شعورياً حين شاهدت ذلك المقطع : جاك كسر في يدك . حسبي الله عليك . وجع الله يشيلك .

 لم يكن الضرب في الحقيقة مؤلماً لهذه الدرجة ، وتساءلت : لِم لم يطلق الرجل لساقيه العنان ؟ أتراه الإحساس بالذل والقهر والعجز شل قدميه ، فلم يملك إلا العويل على كرامته المهدورة وعلى الفقر الذي دفعه ليترك وطناً وأماً وزوجة وابنة ، آملاً بمرتب –وإن كان مجحفاً- إلا أنه سيكفيه ليبني بيتاً يقي أهله من الأمطار اليومية ، ويجعلهم يأكلون اللحم أسبوعياً ويصنعون خبزهم من حَب أفضل ؟

هذه الكرامة التي تنزف دماً مسفوحاً هي نفسها التي حركت ثورات العالم .. حين لا تُراعى ولا تُدارى ، وتكون قيمة الإنسان في المجتمع أقل من قيمة نعال العمرة ، وحين يجتمع من هؤلاء الأشخاص الآلاف الذين يعانون من جور الكفيل وضعف الراتب وترف المخدوم وسماجته اللزجة فيتسلط عليهم بقلب تجرد من الرحمة والإنسانية فضلاً عن الأخلاق والذوق ، عند كل ذلك ، أعرف لم كان وجود هؤلاء الآلاف في بلادنا خطراً على أمننا .

وحين أنظر إلى أولئك السامجين اللزجين الذين “يتسلون” بأذية مخلوقات الله، وأحاول أن أفكر في كمية السادية التي تغلف قلوبهم بحيث يطربهم بكاء إنسان وعواء حيوان، أدرك أنهم نفس الشباب الذين يكسرون صناديق البريد الجديدة في الأحياء ، ويشعلون النار في الإطارات في الحدائق العامة ليتمتعوا بكمية جيدة من الإثارة حين يرون سيارة الإطفاء تهرع لتطفئ الحريق  .. عندها أعرف منشأ زبانية السجون وشبيحة الأنظمة الجائرة .

الشباب في بلادنا مهمشين بالرغم من تصريحات المسؤولين بأنهم عماد الوطن وأنهم محل اهتمام الى آخر هذه الجعجعة التي لا نرى لها طحيناً ، وأبسط مثال على ذلك أن مدننا مدن عجائز .. لا ترى فيها ملاعب ولا مماشي ولا أماكن ترفيهية ، بل ولا دورات تدريبية . وأرجو ألا “ينبرش” عليّ أحد ويقول : موجود .

نعم هو موجود ولكن أين ، وبكم ، وكم منها تتوفر لكل ألفي شاب ؟

حينما زرت الولايات المتحدة قبل 28 عاماً تقريباً دُهشت لملاعب التنس العامة ( المجانية ) التي كانت (منتشرة) في المدينة التي كان يدرس أخي فيها، ومن يحب هذه اللعبة يعلم جيداً التكلفة العالية لإنشاء هذا الملعب.. ( تلميحة : الأرضية وحدها يكلف النوع الأدنى منها لملعب واحد : 45 ألف دولار ، بدون الكشافات والأسوار والشبكة ).

بلادنا تخلو من شواغل جيدة للشباب وتصريفات لطاقاتهم .. ويوم أن أرادوا أن يفعلوا لهم شيئاً ، سمحوا لهم بالدخول للمولات .

 أين ملاعب الكرة المجانية التي لا تكلف شيئاً كثيراً ، أين المماشي المنتشرة في الأحياء ؟ لماذا لا تُفعّل مراكز الأحياء بأنشطة جذابة ودورات مهمة مدروسة ؟ أعجب من بلد مثل السعودية مترامية الأطراف تلتصق مبانيها التصاقاً مشيناً فلا يفصل شباك داري عن شباك جيراننا إلا أربعة أمتار فقط لسعر أمتار الأراضي المبالغ فيها ، فيضطر صاحب كل أرض أن يستغل جميع المساحات الممكنة لينشئ في أرضه أكبر قدر ممكن من الغرف والشقق ، ولا عزاء للأطفال الذين يحتاجون للجري والانطلاق تحت نظر أهاليهم وأسماعهم .

ما دور المدرسة ؟ لماذا لا يستفاد من مباني المدارس في الفترة المسائية وملاعبها ( إن وجدت ) . لماذا لا يتم الاستفادة من فكرة ساعات خدمة المجتمع بحيث تحسب في رصيد المراهق الدراسي ( المتوسط والثانوي) أو تؤخذ مع الاعتبارات الأخرى لقبوله في الجامعات مثلاً ، أو تستخدم كعقوبات لمن كانت جناياتهم خفيفة ، فيُكلفون بإعادة دهان الجدران الملطخة بكتاباتهم وتنظيف الشواطئ والعمل مع المؤسسات الخيرية  والأربطة . بل أين المدرسون المعدون إعداداً طيباً ليغرسوا تقوى الله  وتعظيمه في نفوس الناشئة أثناء تدربسهم مقررات الفقه والتوحيد والتي لا تزال تتناقص في كل سنة ، فلا يقتصر عملهم على إعطاء الدرس بصورة سطحية وإنما يكافحون بشدة في سبيل توصيل المعلومة وربط قلوب اليافعين بالله تعالى .

أين الدورات التدريبية في تطوير الذات وتنمية المهارات المختلفة والتي تكون بأسعار رمزية أو حتى مجانية .. كل الناس صاروا مصورين محترفين ، ولاعبي كرة ، ومنشدين ، وأطباء ومهندسين ، ولكن كما تعلمون ، نحتاج إلى مهرة في أعمال السباكة والكهرباء وصيانة السيارات والحواسيب  والإسعافات الأولية والتعامل مع حالات الطوارئ .. ليس بالضرورة أن يمتهنوا هذه الحرف ، ولكن يكفي أن يعلموا أبجدياتها مثلما يُفرض على البنات تعلم الأعمال الفنية العقيمة بالرقائق المعدنية وحرق الخشب وألوان الاكريليك التي لا تخرج من الملابس إذا صبغتها خطأ . الطلاب بحاجة إلى تعلم الأساسيات في المنزل وفي السيارة ، وهذا لن يتم مع اعتقادهم بأن (برستيجهم) سيندمر تماماً مع هذه الوظائف الخاصة بفئة ( صديق ) ، فكان واجباً على الدولة تشجيعهم على الإقبال عليها بوضع حوافز مادية وتشجيعية و(تهديدية) ، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ..

لماذا لا يُفتح باب التجنيد الإجباري ليكون شبابنا رجالاً ؟ التجنيد يعلم الشدة في العيش وقوة التحمل ومهارات أخرى يحتاجها الفرد في الطوارئ . لا أعرف لم يُفترض دائماً أن بلادنا لا أعداء لها وستبقى أبداً في رغد وهناءة .. أليس عدم وضع الاحتمالات الأسوأ من العَجز وسوء التدبير ؟

أين القوانين الصارمة والمفعلة التي تسري على الجميع بلا استثناء ، بل بالقوي قبل الضعيف ، وبالشريف قبل  الوضيع  ، فإن من أمن العقوبة أساء الأدب .. وأي إساءة أدب أكثر من أن تنشر المقاطع تلو المقاطع في تحدٍ سافر لجميع الأخلاق والمشاعر ، لعلمهم بأن ( ما عندك أحد) !

أليس إشغال الشباب بالنافع والمفيد هو تصريف طاقات مكبوتة تظهر آثارها المصغرة في تخريبات اليوم الوطني وقتلى التفحيط وحرق القط وضرب المستضعف الذي لا نُنصر إلا به .

وأرجو أن لا يُفهم أني أهوّن من شأن التربية المنزلية ، فالطفل المستهتر يبدأ استهتاره واحتقاره للضعفاء من بيته حين يرى الأم والأب والأخوة الكبار يحتقرون الخدم ، ويرمون المخلفات في الطريق ولا ينشطون لغرس القيم والأخلاق الحسنة في نفوس أبنائهم ، ولكن هل كل الناس يهتمون لذلك ؟ وإذا لم يهتم الآباء ، فأين دور المدرسة والمجتمع والدولة ؟

كما أني لا أحمّل الدولة مسؤولية توفير وبناء كل شيء – مع اعتقادي أنها قادرة على ذلك لو فعلت – ولكن أين دور الشركات والمؤسسات والبنوك التي تأخذ ولا تعطي إلا بثمن .. لِم لا نرى برامجهم ، كلٌ بقدرته ، في تطوير المجتمع والمساهمة في حل مشاكل الإسكان كتوفير بعض المساكن أو المساعدة في البناء بالقروض الحسنة اليسيرة والإسهام في البرامج الشبابية والعائلية التي تساهم في تحسين دخول العائلات رقيقة الحال .. أين دورهم في رعاية الشباب وإقامة النوادي والمكتبات العامة والنشاطات التدريبية والتطويرية ، ومن ثم تعيينهم في وظائف بدوام جزئي بعد الدوام المدرسي فيستفيدون من ذلك مادياً ونفسياً .

 تقولون أن كل ذلك موجود ؟ أقول : أين ، وما مدى استفادة الشعب منها ؟

الهموم كثيرة والحلول أكثر ، ولا ينقصنا الجهد ولا المال وإنما ينقصنا الهمة وحسن التخطيط . هناك شبيحة صغار ينمون بيننا إذا لم نتداركهم بحلول حكيمة ومنطقية ، والأمر إليكم فانظروا ماذا تفعلون .

Read Full Post »

في عام 1985م تحالفت مجموعة من المنظمات الأمريكية لإقامة حملة وطنية كبرى ( أصبحت عالمية فيما بعد ) للتوعية بسرطان الثدي National Breast cancer awareness Month (NBCAM).كان من أهداف هذه الحملة : توعية النساء حول أهمية الكشف المبكر ، وجمع الأموال اللازمة لتمويل الأبحاث والدراسات المتعلقة بسرطان الثدي ، بالإضافة إلى إمداد المرضى بالدعم والمعلومات الضرورية ، إلا أن الهدف الأصلي لهذه الحملة كان تعزيز دور أشعة الماموغرام كوسيلة أساسية لمحاربة سرطان الثدي .

وفي عام 1993 قامت إيفيلين لودر ، نائب رئيس مجلس إدارة شركات إستي لودر المشهورة في مجال التجميل والعطور بإنشاء مؤسسة أبحاث سرطان الثدي وجعلت من الشريط الوردي علامة لها .

وفي كل عام تقام في المدن العالمية في شهر أكتوبر النشاطات التي تذكر بهذا المرض والجهود المبذولة في التوعية على مدار العام . فتقام سباقات الماراثون والبازارات ، وتكتسح الأسواق المنتجات الوردية أو التي تحمل الشريط الوردي والتي تجعل جزءاً من ريعها لتمويل الأبحاث وترتيب زيارات مجانية للنساء لإجراء الماموغرام ، وتضاء بعض المباني المشهورة باللون الوردي كالبيت الأبيض  ومبنى الإمباير ستيت في الولايات المتحدة ، وقصر باكنغهام البريطاني وبرج العرب الإماراتي ، وغيرها من المعالم العالمية المشهورة .. كم اشتهيت أن أرى قصر المصمك أو برج المملكة يضاءان بالوردي ..

وفي عام 2004  قامت هند البرعي الطالبة في مدرسة ثانوية في ولاية ميزوري الأمريكية بإنشاء ما يسمى بيوم الحجاب الوردي شاركت فيه مع مجموعة من الناشطات ( والناشطين ) في الفعاليات القومية للتوعية بسرطان الثدي مرتديات حجاباً (وطواقي) وردية في محاولة جيدة لإثارة فضول الشعب الأمريكي للسؤال عن هذه الشعيرة وعن الإسلام .

الكثير والكثير يتم ترتيبه من أجل التوعية في مجال سرطان الثدي والذي أدى إلى زيادة الوعي بأهمية الكشف المبكر وبالتالي سرعة معالجة المرض وانخفاض معدل الوفيات بإذن الله تعالى .

في شهر ذي القعدة من عام 1430هـ وأثناء قيامي بالكشف المنزلي للثدي اكتشفت ورماً صغيراً  بحجم حبة الليمون بنزهير أو كرة الطاولة . كان ورماً صلباً  كحبة الجزر لا رخواً ولا ليناً ، ثابتاً لا يتحرك تحت أصبعي . لم يكن ثمة ألم ولا إفرازات .. ورم فقط ، كان اكتشافي لذلك الورم  بوابة لدخولي عالم جديد ..

حينما زرت الطبيب ليشخص الورم سألته : هل سأعيش إلى سنة ؟ فضحك الطبيب وقال : يا شيخة أذكري الله .

بعد ذلك بثلاثة أسابيع دخلت دوامة مرض السرطان من فحوصات وعلاجات . كان لا بد لي أن أواجه هذا الشبح المروع الذي يجثم على (صدور) النساء ، وفي ذهني الآلاف من الصور السلبية التي تلقيناها من الإعلام والناس من حولنا والتي مفادها شيء واحد : السرطان يعني الموت .

 لوهلة كدت أنجرف وراء ذلك التفكير إذ لم تكن لدي معلومات كافية عن السرطان أبداً –وأنا التي كنت أعد نفسي من فئة المثقفين –  كما أن فكرة الإصابة بالسرطان لم تكن واردة في ذهني ألبتة ، فهذه الأمور السيئة تحدث للآخرين فقط ، فلم يكن ثمة داع للقراءة فيها . ولكني لما شُخص ورمي تأكدت أن هذه الأمور قد تصيبني أنا أيضاً ، وكان علي أن أختار أحد طريقين : إما الاستسلام للنظرة السوداوية السائدة  – وقد كدت بالفعل حين كففت عن شراء أي شيء شخصي حتى لا أبدد أموال (الورثة) – أو أن أقف لأحارب المرض وأنقذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى لي من أيام قلّت أو كثرت .

 قرأت في إحدى الكتب مقولة أرشدتني للطريق الصحيح : لا يختار المرء متى يموت وكيف ، ولكن يمكنه أن يختار كيف يعيش.

 اخترت أن أعيش في نور العلم ، إذ أن ظلام الجهل يعطي تصورات خاطئة وقد يعطي أبعاداً للمرض أكبر من حجمها. بعض الناس يموتون لا لأجل المرض ولكن لأجل الخوف والجزع والوهم الذي يقتل ببطء .

من قال أن السرطان يميت بالضرورة ؟ أنظر حولي وأرى الكثير والكثير من النساء اللاتي تجاوزن هذه القنطرة بسلام واستعدن حياتهن الطبيعية . علمت أن المشكلة في مجتمعنا في الموروثات التي تجعل السرطان عند الناس البعبع المخيف الذي يخشى الناس من ذكر اسمه صريحاً فيكتفون بالإشارة إليه (بالخبيث) كما يسمون الجن (بسم الله) .

كل يوم يمر أقرأ فيه الجديد من المعلومات والتلميحات المفيدة في مواقع السرطان الأمريكية كان يشعرني بحاجة مجتمعنا الشديدة إلى نشر ثقافة السرطان بطريقة أكثر جدية وفائدة من بيع الدبابيس الوردية الأنيقة في البازارات وتسلق جبل إيفرست وإنشاء أكبر شريطة وردية في العالم ..

كل يوم أطلع في الانترنت على إلمام المريضات الأمريكيات بأنواع العلاجات التي يتناولنها ومراحل مرضهن وتشاورهن مع أطبائهن بشأن خطط العلاج وتعامل الأهل والأقارب مع المرض ، والمئات من الكتب التي تتكلم عن السرطان في جميع مجالاته وجزئياته بلغة موجهة للعوام ، والآلاف من مقاطع الفيديو المعدة بعناية لتثقيف المريض ومن يرعاه في كل شيء يمكنك أن تتخيله ، كل ذلك كان يصيبني ببعض الإحباط أن لا زال الوضع في مجتمعي مبهم وعائم .

 أين الجهود الحثيثة في التوعية ؟ أين دور مراكز الأورام في التثقيف الصحي ؟ أين دور رجال الأعمال والبنوك والشركات في خدمة مجتمعاتهم ؟ ما هو دور الجامعات في التوعية ؟ ماذا عن الإعلاميين؟ حينما أقيم ملتقى المتعافين من السرطان في الرياض في شهر جمادى الثاني عام 1433 هـ عبّر في تويتر الدكتور عصام مرشد @emurshid  رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للأورام وأحد الأطباء المنظمين للملتقى عن ضيقه وخيبة أمله من رفض بعض المشهورين لتقديم فقرة إلا بمبلغ مالي لا يتناسب مع طبيعة الملتقى الخيرية غير الربحية ، في الوقت الذي قام فيه  بعض الأطباء بالتبرع من أموالهم للمساهمة في إقامته !!

نساؤنا يرفضن إجراء الكشف المبكر خشية اكتشاف المرض ، المتعافيات لا يردن الحديث عن  تجاربهن لأنهن يتمنين طي هذه الحقبة من حياتهن للأبد ( مع أنهن بالأمس القريب كن يبحثن عمن يقدم لهن الأمل ) ، السرطان لا يزال يرتبط في أذهان الناس بالموت ، المكتبات العربية تعاني من القحط والتصحر في الكتب التي تتحدث عن السرطان بشكل مبسط يفهمه العامة ، والمريض الذي أصيب يتخبط بحثاً عن المعلومة الموثقة بلغة يفهمها لأنها عربية أولاً وسهلة ثانياً .

أنا أتقن الانجليزية وأعرف كيف أستخرج المعلومات التي أحتاجها من مظانها ، ولكن ماذا عن الآلاف من النسوة اللاتي لا يكدن يجدن المعلومة بسبب انشغال الأطباء بالكم الهائل من المرضى الذين ينتظرون خارج العيادات ، وبسبب ضعف الإعلام في تغطية هذا المجال مقارنة بمجال الرياضة ( وكرة القدم على وجه التحديد) والفن  ، وبسبب اقتصار دور المستشفيات ومراكز الأورام على تقديم العلاج وبعض النصائح داخل المركز وعلى نطاق ضيق .

سنة كاملة عايشت فيها الفحوصات المختلفة والعلاج الكيماوي وعملية استئصال الثدي والعلاج الإشعاعي . كان رفيقي في هذه السنة : مواقع السرطان الأمريكية ، وكتب كنت أشتريها عبر موقع أمازون والتي تتحدث عن شتى المجالات، فهناك كتب كاملة ومفصلة للعوام عن العلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي ، وأخرى عن العملية الجراحية ، وثالثة مصورة عن التمارين الرياضية  التي تحتاجها المرأة بعد إجراء عمليات الاستئصال والترميم ، بل واشتريت كتاب طبخ خاص بمرضى السرطان يذكر فيه الكثير من المعلومات الغذائية الهامة ووصفات صحية تناسب مرضى السرطان في إخراج فني احترافي راق. كما رافقتني في تلك الفترة المدونة التي أنشأتها في البداية والتي كنت أصب فيها مشاعري وأحداثي اليومية لأتلقى الدعم المعنوي من الأهل والأصدقاء.

 تغيرت حياتي كلية بعد الشفاء .. فبعدما أحسست أن الحياة تتفلت من يدي صرت أبحث عن أشياء مثيرة لأستمتع بها. صرت أهتم بالتثقيف والتوعية ، ولذلك حولت مدونتي تلك إلى كتاب أسميته  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ،  وضعت فيه كل ما مررت به من فحوصات وعلاجات وآثار حتى تطلع المرأة العربية على ما اطلعت عليه لعلها تستفيد كما استفدت، وصرت أهتم بالرياضة والتزام الطعام الصحي قدر الإمكان  ، استأنفت دراستي الجامعية عن بعد وصرت أبحث عن نشاطات تشعرني بالإنجاز ، كل إنجاز أقوم به ولو كان تدوينة تلقى إعجاباً من القراء ، ولو كان كيلوغراماً أفقده من وزني ، ولو كان جزءاً من القرآن أنهي مراجعته ، أي إنجاز كان يشعرني بالرغبة في الحياة التي كدت أفقدها لولا أن منّ الله علي .

ولا زلت أتساءل بحسرة : متى تنتشر ثقافة السرطان بشكل جاد ومدروس في بلادنا ؟ متى نجد أطفالنا وشبابنا يفهمون تداعياته ، ويجد المريض فرق الدعم support groups  منتشرة في كل مكان ، وتقام الفعاليات المستمرة ويعتاد الناس سماع اسمه حتى لا يعود شبحاً مرعباً ترتعد له الفرائص وتنقبض منه القلوب  ، وتمتلئ أرفف المكتبات بالكتب التي تتناول جوانب هذا المرض حتى لا يعود مريض السرطان يشعر بالغربة ، فهاهو الكتاب الذي يخصه جنباً إلى جانب كتاب يتحدث عن الروماتويد أو تصلب الشرايين أو السكري .. أمراض مزمنة وخطيرة ، لكنها ليست قاتلة بالضرورة . متى تجد المريضة المحلات المتخصصة في بيع مستلزمات (السرطان) متاحة في جميع الاسواق ، وتقيم المستشفيات ومراكز الأورام الدورات لعامة الشعب للتثقيف في هذا المرض وطرق التعامل مع المريض . متى يتمكن المريض من الاستمتاع – ولو جزئياً- بحياته ويقيم إنجازاته بعيداً عن الهموم والمخاوف  في مجتمع واعٍ ومثقف.

متى سيتعاون الجميع للتصدي لهذا العمل البطل وتحقيق أحلامنا ؟

من سيجعل حياة نسائنا وأُسَرهم وردية ؟

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: