Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘نظرات ثاقبة’ Category

 وأكاد أسمع بعضكم يقول باستهزاء : ومن أنت لتكون لك تجارب شخصية تهديننا عبرها إلى النجاح .

فأقول  : نجحت في أشياء كثيرة من فضل الله علي : نجحت في دراستي ، وفي بحوثي وفي طلبي للعلم ، نجحت في زواجي وفي طلاقي وفي تربيتي لأولادي بفضل الله . ولعل أعظم ما نجحت فيه هو اجتيازي لمرحلة مرضي بالسرطان .. لا أدعي أني شفيت منه تماماً ، فنتيجة ذلك تظهر بعد مضيّ خمس سنوات من الشفاء ، ولكني على الأقل أفلحت بتوفيق الله لي في جعلها ذكريات سعيدة أشتاق إليها أحياناً ، واستطعت أن أتغلب على خجلي وسكوتي فأخرجت للعالم كتاباً أزعم أنه الأول من نوعه في العالم العربي-فيما أعلم- يتحدث بالتفصيل عن فترة المرض .

النجاح يا سادة هو كل شيء تم على وجهه الصحيح مهما صغر أو قلت قيمته . وحين أذكر عنواناً فخماً كعنوان تدوينتي فلا أعني بالضرورة نجاحاً اقتصادياً أو علمياً أو اجتماعياً هائلاً ، وإنما – ببساطة – تحقيق أهدافك التي وضعتها لنفسك على الوجه الذي يرضيك .

سأذكر لك خطوات ثمانية من خلال تجربتي الخاصة ، لعلك تجد فيها قبساً من نور يضيء لك بعضاً من حلكة ظلام، ولكني أحذرك أنك ستطلع على الكثير من الحديث عن النفس في هذه التدوينة ، وهذا مؤكد كوني قد نصصت على أن هذه الخطوات مستوحاة من تجاربي . هذا التحذير ضروري لئلا ينبري لي البعض في التعليقات : لماذا تتحدثين عن نفسك كثيراً ؟ أنت متكبرة !!

1-              اعرف حجمك وقدراتك ثم انطلق .. ويمكن التعبير عن هذه النقطة : احلم ولكن بواقعية .. قد تجد كماً لا بأس به من الناس يثبطك حينما تحدثهم عن طموحاتك وأفكارك ، وهذه نقطة تضعها دائماً في الحسبان: العاجزون عن العمل يكرهون الناجح ومن له أحلام قابلة للتحقيق فينبرون بدافع من العقل الباطن إلى تثبيطه ووضع العراقيل أمامه . دعهم يهرفون بما لا يعرفون ، واحلم ، إذ بدون الأحلام لا يزهر واقع ، ولكن لتكن أحلامك واقعية قابلة للتحقيق حتى لا تتحطم . أمي امرأة فنانة ، تهوى الأعمال الفنية وبارعة في الطبخ ، ومدرستي من أفضل المدارس في جدة في تلك الفترة ولكن لا أمي ولا مدرستي أفلحتا في صنع الفنانة في داخلي . كنت ولا زلت أهوى كل ما يتعلق بالكتب والتعليم والقراءة . كانت علاماتي في حصص الفنية والتدبير المنزلي شبه كاملة ، وقمت بصنع كل الأعمال الفنية بنفسي ولكنها لم تكن أبداً هواياتي فاكنت نهاية علاقتي بها بتخرجي من مدرستي . وكم حاولت أمي معي أن أستمر ، وكم حاولت أن أتشبه بالنساء في هذه الهوايات ولكني أخفقت، كم تمنيت أن أبدع في مجال صناعة الكب كيك وتزيينه وإنتاج مشروع تجاري منه ولكن حماسي لا يلبث أن ينطفئ ، إذ أن جيناتي الأدبية التي ورثتها من أبي رحمه الله كانت طاغية . وحتى الجينات الأدبية كان لها تخصص دقيق وهو المقالة والقصة، لا الشعر ولا المسرحية مثلاً . أعتقد أني عرفت حجمي وحلمت بأن أكون كاتبة لأبهر الناس . صحيح أني مرضت بالسرطان بسبب هذا الحلم ولذلك قصة يعرفها من قرأ كتابي ، ولكني حققت بعضاً من حلمي .

2-  أحسن الظن بالله : وكم من التدوينات يمكنني تسطيرها في هذا الشأن الذي غض الناس أعينهم عنه . عليك أن تبادر بتنفيذ مشروعك بعد أن توفيه حقه من الدراسة ، ثم تلجأ بقلبك إلى الله بالدعاء وإحسان الظن به أن يوفقك ويسددك . لا تعرّض مشروعك للفشل بسبب سوء الظن ، إذ أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي : “أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء “. فإذا رجوته كان لك فوق ما تريد ، وإذا حام بذهنك خاطر الفشل على الرغم من اتخاذك أسباب النجاح التامة فسيكون الله تعالى عند ظنك ، وستفشل . عندما مرضت بالسرطان وبدأت في الاطلاع على المواقع والكتب الأمريكية التي تتكلم عن السرطان خطرت في بالي فكرة تأليف الكتاب لنفع من يبحث عن المعلومة الشافية ممن لا يتقن الانجليزية . انهمكت في الكتابة ، ورغبتي في نفع الناس تنمو يوماً بعد يوم ، وكنت أدعو الله في صلاتي أن يشفيني ويسهل خروج الكتاب ، بل وجعلته سبباً أتشبث به للحياة فكنت أرجو أن أُشفى لأرى بعيني نجاح كتابي ، حتى بدأت في إجراءات النشر . مررت بمواقف عجيبة تجدها في تدوينتيّ : جارٍ تطبيق الهروب وتدوينة حكاية الحكاية .لم يسُأ ظني بالله يوماً ، وكنت متأكدة من الشفاء ، وكنت متأكدة من النجاح . لا لثقتي بأسلوبي وموهبتي وحاجة المجتمع لكتابي ، وإنما لثقتي بالله في استجابة دعائي .

3-              ضع هدفاً كبيراً توصل إليه أهداف أخرى صغيرة : خطأ شائع يقع فيه الكثير من الناس هو تحديد هدف كبير بعيد المنال يطمحون للوصول إليه ويجعلونه وحده بغيتهم .. ولا يزالون حتى الآن لم يصلوا . أخبرتني إحدى الطبيبات أن عليّ أن أفقد 20كيلو من وزني لأتمكن من إجراء عملية شد عضلات البطن . تعرفون أن إنجاب سبعاً من الولد تكون بعض عواقبه وخيمة . ثم أعطتني القاعدة الذهبية : كثير من الناس يضعون في أذهانهم أن عليهم أن يفقدوا 20 كيلو ويعملون لذلك جاهدين ، ولكنهم لا يضعون (نقاط تفتيش ) أو أهدافاً صغيرة  لذلك الهدف . وأرشدتني أن عليّ أن أضع أهدافاً معقولة أبلغها كل فترة وأعيد تقييم هدفي ، مثلاً : أهدف إلى فقدان كيلو واحد في الأسبوع ، أي أربعة كيلوات في الشهر وعلى هذا فإن بإمكاني أن أفقد العشرين كيلو في خمسة أشهر فقط .. إذن عليّ أن أنسى العشرين كيلو مؤقتاً وأركز على هذا الكيلو الأسبوعي وأعمل عليه ، وشيئاً فشيئاً سأبلغ الهدف الأكبر . كان هذا الكلام من سنة ونصف تقريباً ، ولم أفقد منذ ذلك الوقت إلا ثمان كيلوات ، لا لأني لم التزم بهذه النقطة وإنما لأن الأهداف التي وضعتها لم تكن واقعية تماماً .. فقدان كيلو واحد في الأسبوع كان أكبر من طاقتي خاصة وأنا أتناول العلاج الهرموني للسرطان مما يبطئ نزول الوزن .. فلبثت شهوراً تلو الشهور لا يتزحزح مؤشر الميزان عن مكانه إلا بعناد شديد مما يصيبني بالإحباط فأترك العمل لأستعيد ما فقدته من وزن. ولما تنبهت إلى هذه النقطة وعدلت أهدافي بحيث جعلتها ملائمة لوضعي الصحي واحتياجاتي النفسية ( المتمثلة في الرغبة في الاستمتاع بالطعام في الجمعات العائلية وحالات الحزن والقلق ) بدأ وزني بالنزول ولله الحمد .

4-  استخر واستشر : فالاستخارة طلب التوفيق والسداد من الله تعالى علام الغيوب ، والاستشارة استنارة بآراء العقلاء والحكماء ، ومساعدة على النظر على الموضوع بكافة زواياه و التي قد تغيب عنك أحياناً . ولكن احذر أن تستشير أي شخص وإنما تذهب لذوي الاختصاص .. قد يكون الشيخ أو العالم مُجيداً في فتواه ولكنه لا يصلح في الأمور الأدبية ، وقد يكون الطبيب بارعاً ولكنه إداري فاشل وهكذا .. لا تكاد تجد شخصاً (بتاع كله) فهذا عملة نادرة ، لذا فتعنّ قليلاً من أجل نجاح مشروعك واستشر ذوي الخبرة . بل وأدمن على طرق الأبواب، إذ الناس ليسوا فارغين على الدوام وعندهم مشاغل ، وأنت صاحب حاجة ، وعلى صاحب الحاجة أن يسعى لحاجته ، وعلى صاحب الحاجة أن يتحمل ذل السؤال ليبلغ مراده .. ولقد رأيتني وأنا أرسل برواياتي التي كتبتها في سن المراهقة إلى الأستاذ الأديب عبد الله الجفري وكان صديقاً للوالد رحم الله الجميع فيعلق بما لا يوافق هواي غالباً ، ولكني أضع تعليقاته في الحسبان ، وعندما فكرت في تأليف كتابي استشرت والدتي – حفظها الله – وآخرين فأشار عليّ أكثرهم بالمضي قدماً في هذا الشأن ، وحبطني البعض وثبطني . ولما كتبت الكتاب دفعت به إلى بعض المقربين ليقرؤوه وينقدوه من حيث اللغة والتراكيب الأدبية والأفكار ، واستفدت كثيراً من تعليقاتهم ونقدهم ، ونجح بفضل الله . صحيح أني لم أنل جائزة نوبل أو جائزة بوكر الأدبية بعد ، ولكن استفادة الناس من كتابي هو معيار نجاحه في نظري .

5-  تعلم ثم تعلم ثم تعلم : لا ينتهي إبداع المرء في تنفيذ مشروعه ، وإنما عليه أن يتعاهده بزيادة التعلم والاطلاع. التعلم نفسه حسنة عظيمة لا يتقنها الكثير بعزوفهم عن القراءة ( التي هي أساس التعلم ) وكسلهم عن البحث على الرغم من وفرة المصادر وسهولتها . انظر كيف فضّل الله تعالى الكلب المعلَّم على غير المعلم ، فأباح الأكل من صيد الأول وحرّم الثاني ، وكلاهما حيوان نجس . بل إن دراسة عجيبة من الأكاديمية الأمريكية لطب الألم تقترح أن البالغين الحائزين على شهادات البكالريوس فما فوق أقل عرضة للإصابة بالشقيقة وآلام أسفل الظهر والعنق والألم في الوجه الفكين من البالغين الذين لم يتخرجوا من الثانوية.

http://www.painmed.org/patientcenter/facts_on_pain.aspx#hhs

عندما أصبت بالسرطان ، كان في المواقع العربية البُلغة من المعلومات .. القدر الضروري فقط لأعرف ما السرطان  وما علاجاته وما الآثار الجانبية تلك العلاجات . ماذا عن طرق التعامل مع هذه الآثار الجانبية ، وما أتوقع أن أقابله أثناء إجراء الفحوصات ، والمتاعب النفسية والقلق .. ماذا عن بعد العملية ؟ أسئلة كثيرة لم أكن أجد جوابها إلا في المواقع الأمريكية للأسف ، فكنت أحرص على تثقيف نفسي كل يوم وقبل كل إجراء طبي لأكون على بصيرة . ولو كان بك فضول لمعرفة حادثة وقعت لي لم أتعلم قبلها فعليك بقراءة فصل : “يوم مثير” من كتابي .. لا بد من بعض التشويق والتسويق ! هذا التعلم أفادني كثيراً في توقّع ما سيحدث لي عند كل إجراء .. كنت دائماً أقول أن نصف الخوف من التجارب الجديدة سببه الجهل بها ، فإذا تعلم شيئاً عنها زال نصف الخوف .

6-  إذا وافقك الخير فوافقه : تعرض على المرء أحياناً فرص عظيمة لا تكاد تتكرر ، والفطن هو من يقتنص هذه الفرص  ويوظفها لمصلحته . ولقد رأيت الكثيرين تُعرض لهم فرص مذهلة لتعلم مهارة أو لغة أو تطوير ذات فيعرض عنها لأنه لا يرى نفسه محتاجاً إليها .. ومن قال أن على الإنسان أن يتعلم ما يحتاج إليه في ساعته؟ إن هذا لمن العجز .. بل عليه أن يتعلم كل ما يمكنه فليس كل يوم تتاح الفرص ، وقد يأتيه الوقت الذي يندم فيه على أنه لم يستفد من فرصة عُرضت عليه ولكنه ركلها بتأفف . كانت مدرستي دار الحنان رائدة المدارس في جدة قبل ثلاثين سنة وأكثر .. فيها كل مقومات المدرسة الناجحة والمثالية والتي لا تكاد تجدها في هذا الزمن . في مدرستي أقبلت على الرياضة فكنت في فريق الفصل للكرة الطائرة ، ولعبت تنس الريشة وبعض الجمباز ، وانخرطت في جمعية الصحافة وتعلمت الكتابة على الآلة الكاتبة لأكتب مقالات الجمعية وبحث الفصل المشارك في المسابقة الثقافية السنوية الكبرى ، ومواضيع المجلة السنوية التي تصدرها المدرسة ، وكنت عضواً فاعلاً في الإذاعة المدرسية والتي كان يشرف عليها أستاذات سوريات قديرات قوّمن ألسنتنا في حصص القرآن واللغة. لم أكن لأدع مسابقة إلا وأشترك فيها وكان بإمكاني ألا أفعل كل ذلك ، فكثير من البنات فضلن الجلوس في الفسح والتلذذ بشطائرهن، أو الاتكال على الطالبات المتفوقات لرفع أسهم الفصل ، أو ببساطة : الاكتفاء بالبلادة  . بل إن هناك من المتفوقات من لم تشأ أن تنخرط في هذه النشاطات لأنها لا تكسبهن درجات ولا تزيدهن حباً من المعلمات . ولكن  تلك الحكمة التي أخبرتك عنها كانت تلازمني دائماً بفضل الله ، فكلما وجدت فرصة كنت أتلقفها بنشاط مما أثّر على شخصيتي وأكسبني الجرأة واستقامة اللسان العربي وحب الرياضة والقدرة على التعامل مع لوحات المفاتيح،  وكلها أمور استفدت منها في حياتي : في الكتابة الكمبيوترية السريعة – نوعاً ما خاصة وأنا في هذا السن – وإلقاء المحاضرات الدعوية والتأليف بل والقيادة أحياناً .. قيادة المجموعات لا السيارات فتنبه !

7-              أنشئ فرق التشجيع : لابد لكل ناجح مشجعون ، يستثيرون همته إذا فتر ، ويرفعون سقف عطائه إذا نجح , يلجأ إليهم إذا ادلهمت به الخطوب ، ويحتفل معهم إذا حالفه النجاح ، فالسعادة لا تحلو إلا بجمع من الأحبة . حينما مرضت بسرطان الثدي ، تكونت على الفور وبفضل من الله فرق التشجيع .. تكونت وحدها ولم أسع إليها . وجدت صديقاتي في المدينة ، وأولادي ، وبنات إخواني في جدة حيث كنت أتواجد كثيراً لظروف العلاج . كان التناغم بيني وبين بنات إخواني مثيراً ، ومعهن فهمت كيف يتحرك فريق الطيور متناغمين مع قائدهم .. كنت أجدهن أو إحداهن دائماً وقت الحاجة.. يضحكن إذا علقت على صلعتي ويمتدحن شجاعتي وصمودي ، وإذا ما ضعفت في لحظة يأس وبكيت لدقيقتين وجدتهن يبكين معي ، ويسكتن – ياللعجب- إذا ما أفرغت انفعالاتي وكففت عن البكاء . شعرت أني أريد أن أسعدهن كما أسعدنني .. شعرت أني أريد أن أعيش ، من أجلهن ..

8-              إذا سقطت من الحافلة فاركب مجدداً : هذه الجملة كنت أقرؤها دائماً في المواقع الأمريكية التي تعنى بشأن الوزن والرياضة . قد يعتري المرء الضعف أحياناً فيتخاذل ويضعف عن العمل و( يخرب الدنيا ) ، أو قد لا تمشي الرياح بما تشتهي سفنه فينقطع .. لا بأس . أعط نفسك حقها الطبيعي في الفتور ، ولكن لا تتمادَ وانهض سريعاً واستأنف العمل . كنت أحياناً أقسو على نفسي في الحمية والرياضة لرغبتي في فقدان أكبر كمية ممكنة من الوزن ، ولكن نفسي تمل سريعاً فينتهي بي الأمر أن أتهاوى أمام أول دعوة على العشاء أو وسوسة من ابنتي في شراء طعام (جنكي) سريع ، وافقها شعور بالملل أو ضيق أو حزن ، وبعد أن أنتهي من (جريمتي) يعلو صوت الضمير المؤنب: ( إيش سويتي ؟؟) هنا عندي طريقين عليّ أن أختار أحدهما : إما أن أدندن ( خاربة خاربة ) وأمضي في طريقي الجديد ، أو أن أعدّ هذا التخريب بمثابة إجازة عارضة وأتجه لركوب الحافلة مرة أخرى وأستأنف العمل ابتداء من الوجبة التالية .. نعم ، الوجبة التالية ، لا الأسبوع التالي ، بل ولا اليوم التالي .. وبالطبع فإن هذا الاختيار الأخير هو الاختيار الصحيح .

 

هذه ثمان خطوات للنجاح من تجاربي الخاصة ، هي غيض من فيض .. ولكلٍ نظرته ورؤيته .. اكتب لي هنا تجاربك وخطواتك .. لتمتلئ صفحة التعليقات بالأفكار الإيجابية ، وأعدكم أني سأهدي صاحب إحدى هذه التعليقات نسخة موقعة من كتابي إذا وفّر لي صندوق بريد مناسب أرسله إليه ، أما إذا كان خارج السعودية فله نسخة اليكترونية .. من هو ذاك المحظوظ ؟ قد يكون صاحب أفضل تعليق يصلني خلال أسبوع ، وقد يكون صاحب حظ سعيد حالفه في القرعة . لا تبالِ بذلك كثيراً.. اكتب فقط والله يجيب مطر !

 

شكر خاص للدكتور معن القطان @mkattan35 استشاري التخدير وعلاج الأمراض المزمنة .

Advertisements

Read Full Post »

كالعادة .. فقاعة كبيرة تطير في السماء لم تلبث أن انفقعت وتناثرت أشلاؤها على المجتمع السعودي ، تلكم هي فتنة فتيات الأولمبياد .

لا , ليست تدوينة اليوم شرعية ، بمعنى أني لن أحرر فيها حكم خروج فتياتنا إلى الأولمبياد ، إذ أن مشايخنا الأفاضل الأمناء قد كتبوا في ذلك وتكلموا فيه كثيراً ونصحوا جزاهم الله خيرا . ولكني رأيت في تويتر ما لا قبل لي بالسكوت عنه ، فكانت هذه التدوينة نصيحة لبني قومي ، وأعلم أنها لن تعجب الكثيرين ، ولكن هذا رأيي ومن حقي أن تحترم رأيي أو تناقشه بأدب الخلاف  ، وسأجعلها في نقاط .

1-              لاحظت من خلال التغريدات أن غالب الناس طرفي نقيض ؛ فمنهم الرافض لفكرة مشاركة الفتيات رفضاً تاماً – بغض النظر عن سبب هذا الرفض- ومنهم المؤيد والمشجع . فأما الرافض فقد قاده رفضه إلى البذاءة كوصفهن بأنهن عاهرات الأولمبياد أو إلى العنصرية المقيتة بأن لمزوا إحدى الفتيات بأنها لا تمثل الشعب السعودي لأنها غير سعودية ، أو ( طرش بحر ) في محاولات مستميتة لإظهار شناعة الأمر ، وأما المشجع فقد صفق وزمر وطالب بإقامة حفل استقبال يليق بها وأُرسلت مئات التغريدات المؤازرة .

2-              أما المخالف فأقول له :

 أوردها سعد وسعد مشتمل          ما هكذا يا سعد تورد الإبل

          سواء كان سبب الرفض شرعياً أو غير ذلك فإن البذاءة غير مسوغة بأي حال من الأحوال . وهؤلاء الفتيات وإن أخطأن بخروجهن إلا أن هذا سبب لا يبيح التكلم في أعراضهن . إن نبز الآخرين بلا مسوغ شرعي فيه تزكية للنفس وتحقير للمخالف فكيف إذا كان النبز كلام في العرض ووصف بصفة لا تطلق إلا على البغايا ؟

أفهم أن دافعك قد يكون غالباً من الغيرة على محارم الله ، ولكنك باستخدام هذه الكلمة انتهكت حرمة من محارم الله ، ويبدو أنك ( لخبطت ) ، فالحديث النبوي ( البذاذة من الإيمان ) أي التواضع في اللباس وترك التبجح به وليست : البذاءة من الإيمان ، فتنبه يا رعاك الله . أما كون المشاركات أو إحداهن ليست من أصول سعودية ، فهذا الكلام من السخف العقلي والاجتماعي والشرعي ما أعجب معه كيف نعيش في مجتمع يتعلم الدين من السنة الأولى الابتدائية ثم لا يزال يتكلم بمثل هذه الكلمات المخزية والتي تفصح في العادة على مقدار ما في القلوب من سوء التربية والكبر والفوقية التي أهلكت الأمم من قبلنا . كيف تصدر هذه الكلمات ونحن نسمع الأحاديث تلو الأحاديث في ذم العنصرية كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري حين عاير رجلاً بأمه ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ، ولما اختلف مهاجري وأنصاري في إحدى المرات نادى أحدهما : يا للمهاجرين ، ونادى الثاني : يا للأنصار ، غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ) . وعلى الرغم من أن الدعوى لم تكن بالقبائل والجنسيات إلا أن دافع الاستنصار لم يكن على أساس شرعي وهو الإسلام ، وإنما حركته نوازع عنصرية جاهلية وإن كانت المسميات شرعية (الهجرة والنصرة ).

3-              وأما الموافق فله أوجه تدوينتي في المقام الأول ، وأقول له :  إنكاري على مشاركة الفتيات في  الأولمبياد يعود أولاً وأخيراً إلى الأخطاء الشرعية التي ستقع في الوقت الحاضر فضلاً عما ستقوده إليه هذه المشاركة في المستقبل القريب . وقبل أن أسترسل فإن مشكلتي لا تنحصر على الفتيات السعوديات لئلا ينبري إليّ فاضل ويقول : لأنهن سعوديات ولا تمانعين في الجنسيات الأخرى ، فإن مشكلتي لا تكمن في الجنسية وإنما في الحكم الشرعي ، فمادامت المشاركة مسلمة فإن اشتراكها في الاولمبياد بوضعه الحالي غير مقبول . ولئلا ينبري فاضل آخر يهاجم : ومن تكونين أنت لتوافقي أو ترفضي ؟ أقول : أنا إنسان أكتب في مدونتي الخاصة رأيي الخاص . فإذا وافقتني فالحمد لله ، وإن لم توافق فمن حقك أن تخالف كما أن من حقي أن أطالب بأن يكون النقاش بيننا هادئاً وراقياً ومحترماً .

4-               بعض المغردين كان يهاجم بأن إحدى الفتيات شاركت بوجه خال من المساحيق و”بالحجاب” فلماذا تنكرون عليها والإعلام يغص بالمغنيات والممثلات السعوديات ، أو أن العلماء سكتوا عن كذا وكذا وقامت قيامتهم عند مشاركة فتيات الأولمبياد الخ .

 فقط أطالب ببعض الإنصاف وتذكروا معي : هل مر عليكم موقف قط من ” تلكم ” المواقف لم تجدوا فيها عالماً ينافح وينصح ويذكر ، ثم يتلقى السخريات والتهكمات من الذين لا يعجبهم ذلك ؟ شخصياً لا أعلم أن أي جديد أُحدث إلا وتكلم فيه المشائخ بدءاً من ظهور الإعلانات في التلفزيون السعودي ، مروراً بالتساهل في ظهور المرأة في التلفزيون إلى ظهور القنوات الفضائية وكل شيء آخر نسمع فيه لغطاً ولكن الأيام تمر ، ومن بيده القرار يصر على موقفه يشجعه في ذلك الكثير ممن ناسبت القرارات الجديدة هواه فتُنسى القضايا في نفوس العامة ويعتقدون أن العلماء ساكتون وراضون ، وليسوا كذلك .. لماذا قضايا المرأة بالذات ؟ لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بأن ( أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) وأعتقد أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام حاكماً وقاضياً .

5-              أما عن منافحة البعض بأن فتيات الاولمبياد كن يرتدين الحجاب  فهذه مصيبة أخرى . شاهدت مشاركة إحداهن لأطلع على الحجاب الذي فرح به المشجعون . لم تكن صدمتي من المشارِكة فقد لا تكون متحجبة في الأصل ، ولا من بعض المغردين الذين لا يملكون خلفية شرعية قوية ، وإنما الصدمة العظمى كانت من تشجيع بعض المنتسبين للكليات الشرعية ..تساءلت في تعجب : أين العلم الذي تعلمتموه ؟

قالت إحداهن : إن حجاب فلانة ممتاز !! غطت شعرها جيداً حتى لم يبد منه شيء . فلما اطلعت على المقطع وجدت ثغرات في الحجاب .. نعم ارتدت طاقية أخفت كل شعرها ، ولكن هل الحجاب يقتصر على غطاء الشعر ؟ ثم أن (سوالفها) لم تختبئ تحت الطاقية فظهرت واضحة جلية على جانبي وجهها. ماذا عن الرقبة ؟ إذا تغاضينا عن الوجه باعتباره أمراً مختلفاً فيه ، وعن القدمين باعتبار أن الكثيرين لا يولون للقدمين أي اهتمام ، فإن حجاب المشاركِة لا يزال غير مقبول ، دعك عن الانبطاح وما قد تتعرض له من الانكشاف عند الالتحام أو السقوط أو ما يظهر من تحرك ( أعضائها) عند العدو . ورحم الله تلك المرأة السوداء التي كانت تصرع فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها لئلا تتكشف . لم هان أمر الحجاب في نفوس الناس ؟ لم صارت النساء ( المتحجبات ) يتهاونّ في ظهور بعض الشعر من مقدمة الرأس ، وأنصاف أذرعتهن بل وارتداء البنطلونات الضيقة وعليها قميص بالكاد يغطي مؤخراتهن ؟ من أفتى لهن هذه الفتوى .. هل هذا الحجاب أدى الغرض منه ؟ هل يعرفن ما الغرض من الحجاب أصلاً ؟

ثم أرسلت لي إحدى المتابعات تحتج بمشاركة الصحابيات في الحروب ، فأسألها : هل يستويان ؟ وهل كانت الصحابية تخرج بأجزاء من جسمها لتعدو أمام المتفرجين أو (تنبطح) أم انها كانت  تدافع عن حمى الإسلام بخدمة المقاتلين وتطبيبهم ؟ يا جماعة .. ركزوا شوية !

6-              ذكر أحد المغردين أن دخول المرأة في الأولمبياد كان ( اضطرارياً ) لئلا يتم حرمان الرجال من المشاركة في الدورات القادمة من قبل اللجنة الأولمبية الدولية ، وأن ثمة ضغوط من قِبل منظمة حقوق الإنسان الدولية لإجبار السعودية على مشاركة النساء وإلا سيتم إيقاف السعودية على كافة المستويات الرياضية إن لم تستجب . أتساءل : هل هذه ضرورة شرعاً تسري فيها قاعدة : الضرورات تبيح المحظورات ؟ لا أحب نظرية المؤامرة ، ولكن هذه النظرية تكون أحياناً السبب المعقول الوحيد . وإلا لِم لم نر أي تحرك لمنظمة حقوق الإنسان بشكل فعال حيال قضايا العضل ومنع المرأة من ميراثها وحقوق المطلقات وغير ذلك من القضايا التي تغم المرأة فعلاً .

7-              كرد على سؤال أُرسل إلي في تويتر عن رأيي في السماح بالرياضة للنساء في المدارس أقول : نعم ، أنا مع ذلك وبقوة ، وأدعو إلى السماح بذلك في المدارس والنوادي النسائية لحاجتهن الملحة إلى ذلك خاصة وأني تربيت على حصة رياضية في الأسبوع في فناء مدرستي دار الحنان منذ 35 سنة إضافة إلى المباريات التي كانت تقام في الفسحة في كرة الطائرة وكرة السلة ، وبعضاً من تنس الريشة بين الحين والآخر في جو نسائي بحت . المرأة تحتاج للرياضة المنظمة بشدة صحياً ونفسياً ، و لا ، لا تقوم الأعمال المنزلية مقامها إذ أن تلك الأخيرة يمكن استخدامها كوسيلة تعذيب أو عقاب خاصة مع التربية الخاطئة التي تقضي بأن الرجل لا يشارك في داخل البيت إلا في زيادة الطلبات والأعباء ! وأما عن منعها بحجة أن اللاعبات سيرتدين البنطلون أقول : طيب ؟ ما المشكلة ؟ ليرتدين البنطلون الرياضي الواسع وعليه قميصاً طويلاً . أما منع الرياضة بالكلية بسبب اللباس ، فإننا نرى التعري الشنيع والقصير الفاضح المحرم شرعاً بلا خلاف في قصور الأفراح ولم نسمع مطالبة بمنع الأفراح أو إغلاق قصورها .

8-               خلاصة رأيي في الموضوع : نعم , أنا ضد اشتراك النساء في الأولمبياد ولست فخورة بهن ولا يمثلنني ، لأن مقياس الخطأ والصواب عندي هو الشرع وليس ما يقوم في أذهان الناس من الأفكار أو ما يقوله عنا الغرب. هؤلاء الفتيات أخطأن شرعاً بخروجهن في الأولمبياد ، وكذا أخطأ من سمح لهن بالخروج بحجة أن ذلك  سيكون بموجب ( الضوابط الشرعية ) ونرى الآن أن حكاية الضوابط الشرعية أصبحت فضفاضة مهلهلة كثياب الدراويش حتى صار كل من هب ودب يتكلم فيها مع أنها مختصة بأهل العلم الذين أفنوا شبابهم وأعمارهم في تعلم العلم الشرعي .  نحن نسير في سفينة المجتمع ، يخطئ بعضنا فيقومه الآخر لئلا تغرق بنا السفينة ، ولكن يكون ذلك بأسلوب حسن رحيم شفيق ، فكلنا ذوو خطأ . ومن الأخطاء العظيمة التي انتشرت التهاون بأمر الدين وتعظيمه في النفوس حتى إنه ليكاد يقتصر على ( الملتزمين والمطاوعة ) أو ينحصر في الطقوس التعبدية وما عدا ذلك فعنده أن الخلاف لا يسوغ الإنكار فيه .. ومن قال هذا ؟ إن أغلب مسائل الشرع فيها خلافات بعضها لا يستقيم ولا تقوم له حجة فلا يلتفت إليها . لِم هان أمر الدين في النفوس حتى صار لا يُحتكم إليه إذا تضاربت الأفكار والآراء ؟ ألا يستبين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة , فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها , فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة ) .

مرة ثانية ، أذكركم ونفسي بقوله تعالى : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون ) .. لا تدري ، لعل يوم البعض يكون قريباً !

Read Full Post »

تقدمت لخطبة فتاة كاملة الأوصاف فيما يبدو لك ولكن أهلها ردوك ؟ ورثت مبلغاً لا بأس به وأردت أن تستثمره ففشلت وضاعت أموالك ؟ أردت السفر لعمل فمنعتك أمك فأطعتها وجلست وخسرت الصفقة ؟

ضاعت عليك الفرص ؟

 في الأسبوع  الماضي شاهدت لقاءاً تلفزيونياً في قناة الناس طالما انتظرته مع الشيخ المحدث أبي إسحاق الحويني ، والذي يأتي في الدرجة الثالثة من مراتب العلماء في قلبي بعد شيخيّ عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين .

حينما رأيته في اللقاء اعتصر قلبي مشهده .. بدا ضعيفاً ، هزيلاً ، وإن كنت لا زلت أتلمس في صوته قوة الحق .

لمن لا يعرف ، فإن قدم الشيخ قُطعت منذ أكثر من شهر بسبب الإصابة بالسكري .

أذكر جيداً في تلك الفترة كيف تألم أهل بيتي للشيخ ألماً شديداً ، فقطع العضو ليس أمراً هيناً .. لكني وحدي لم أشعر بمثل شعورهم . يومها قلت لأحدهم : إن الله تعالى ينزل ألطافه بالعبد المبتلى حتى إنه لا يشعر بالبلاء ويكاد من حوله يقتل نفسه حزناً عليه ..

اسألوني ..

كان الزوار يأتونني وقلوبهم ملأى شفقة وغماً ، كيف لا وهم يقولون : سنذهب لزيارة هناء التي استؤصل ثديها .

حتى وقع الجملة موحش ومزعج !

ولكني كنت ذاهلة عن كل تلك الغموم بلطف من الله ؛ فمن الخدر العنيف الذي أصاب منطقة الغدد الليمفاوية المستأصلة ، إلى انشغال ذهني بألم أصاب أمي والتي يزامن مرضها مرضي إلى نجاح في التفكر في آلاء الله وإنعامه عليّ بالإصابة بهذا المرض الذي يكفر السيئات ويرفع الدرجات .. بلاء هو ، نعم ، ولكنه بلاء محتمل .

كنت دائماً اتفكر كيف أثابني الله غماً بغم .. كنت أشعر بنعمة هذه الغموم التي صرفت عني غماً أعظم .  

كنت أشعر بلطف الله عليّ .

حينما سأل مقدم البرنامج الشيخ عن اسم الله الذي شعر به جلياً في محنته ، كنت متيقنة من الاسم الذي سيتفوه به . أنا أعلم .. أنا مثله ..

قال : “في هذه المنحة الأخيرة ارتبطت باسم الله اللطيف “، عندها ذرفت عيناي دمعاً غزيراً فقد ذكرني بالذي مضى .

ذكرني بتلك الأيام التي واجهت فيها ، وفي وقت واحد محنتين عظيمتين : المرض والمشاكل الزوجية ، ولكني مع ذلك كأني كنت أغرف من بحر اللطف والنعيم .لم أكن أشعر أبداً بأني أمر في كوارث متتالية .. كنت أبكي أحياناً قليلة ، ولكن لفترة وجيزة جداً وكأنما أنفس بعض ما في صدري ، ثم ينحبس دمعي حينما أتمثل اسم الله اللطيف .

حتى الشيخ سماها “منحة” وليس محنة .. كأنما تلمس فيها فيوضاً من عطاء ونِعم .

كم نغفل عن هذا الاسم العظيم الذي بإمكانه أن يزيل عنا كثيراً من الوصب .

انظر إلى ذاك الذي تقدم لخطبة من ظنها مناسبة له ولكنه رُفض ، فاسودت الدنيا في عينيه ومضى يلوك أحزانه ، فما يفجؤه إلا خبرٌ عنها بعد شهور أو سنين يجعله يخبط جبهته ويحمد الله أن زواجه بها لم يتم .

وذاك الذي وضع كل أمواله في تجارة فشلت وضاع حلمه في أن يكون “هاموراً” وضاعت معه أحلامه ، هل كان يدري حين انهار منتحباً أنه لو لم يخسر أمواله لربما أفسدته وقسّت قلبه وأورثته أشراً وبطراً كما فعل قارون ؟

والثالث الذي هَمّ بسفر عمل فانقبض قلب أمه فترجته أن يعدل علن السفر فأطاعها بانكسار قلب لئلا يكسر قلبها فوقع زلزال في المدينة التي قصدها ونجا ؟ وغيرها من القصص التي تدل كلها على لطف خفي من رب وصف نفسه باللطف .

كثيراً ما يسيء البشر بالله ظنونهم لأنهم لا يرون أبعد من أنوفهم ، فيتطيرون للحوادث السيئة التي يواجهونها ولا يحاولون إدراك مراميها ، لعل بعضها يقود إلى قدر أفضل أو يمنع من قدر أسوأ ، لعل بعضها كفارات ورفع درجات ، المهم أن درجة تقبلها في نهاية المطاف تنبئ عن حجم الإيمان بالله في القلب .

تعجبني مقولة لابن مسعود رضي الله عنه قرأتها قبل سنين وعيتها ونقشتها في قلبي : “إن الرجل ليهم بالأمر من الإمارة أو التجارة حتى إذا لم يكن بينه وبينه إلا ذراع نظر الله تعالى إليه وقال : اصرفوا عبدي عنه فإني إن مكنته منه أدخلته النار ، فيصرفه الله عنه ، فيظل العبد يتطير ويقول: سبقني فلان ، دهاني فلان .. وما هي إلا رحمة الله ! ”

نعم ..ذاك لطف الله ، وهو اللطف الخفي الذي ربما أدركته بصيرة العبد أو لم تدركه إذ كانت عمياء ، والقصص الثلاث التي وردت عن الخضر مع موسى عليهما السلام في سورة الكهف مثال جلي لذلك .

حينما أصبت بالسرطان هالتني ألطاف الله وأعشت عيني عن رؤية البلاء . كان الناس يحسبونني صبورة متجلدة ، وما علموا أن ربي اللطيف قد تداركني بلطفه فأسندني حين ظننت أني سأسقط .

كل المؤشرات كانت تدل على الانهيار . أترى فقد العضو سهلاً ؟ تساقط الشعر ، انقطاع الدورة الشهرية للأبد بسبب الكيماوي ( دائماً أقول أن مرضنا هذا يسيء إلى سمعتنا كإناث ). أترى الآلام الناتجة عن العلاج هينة ؟ التعري أمام الأطباء والأخصائيين ، الاكتئاب ، فقدان التلذذ بالطعام وبالحياة بأكملها أحياناً .

التفكير المنطقي والعقلي يؤكد أن هذا المرض كارثة بجميع المقاييس .

ولكن من قال أن المعايير الإلهية ترضخ للتفكير المنطقي والعقلي .. هناك أمور غيبية قائمة بذاتها ، تسيّرها  حكمة إلهية عظيمة .

حين أصبت بكل ما سبق أحاطني الله بمجموعة رائعة من فرق التشجيع كانت تبجلني وتسبغ علي محبة منها جعلتني أحلق عالياً في السماء .. أولادي وصديقاتي وبنات أخواني ومعجبون من هنا وهناك لا أعرف من أين جاءوا .

حينما أصبت تعرفت على الله . كنت أجد لذة رقيقة في مناجاته كل ليلة ، أطلب منه العافية واللطف .. كأني أشعر برحماته تتنزل على قلبي فتمسح عنه كل خوف وغم . صادفتني أيام كنت أبدأ الدعاء بالثناء عليه فتنهمر دموعي ولا أتمكن من قول أي شيء إلا : سبحانك سبحانك سبحانك ! كان قلبي يشعر بالامتنان له أن اختارني لهذا البلاء وأعانني عليه بالصبر ، بل الرضا ، بل الشكر ، ورجوت أن أكون حصلت على الكفارات ورفع الدرجات ببلاء قوي ، ولكنه محتمل .

في حين أرى كثيراً غيري فشلوا في الصبر على أقدار الله فضلاً عن الرضا والشكر ، فظلوا في تسخط وتوجع مع أنهم في الحقيقة كانوا يتقلبون في النعيم .

هل تعتقد أني أهذي ؟ هل تعتقد أني أقول كلاما مغرقاً في المثالية ؟

لا ألومك ، فقد كنت كذلك حينما كانت تحدثني صديقتي عن كل تلك المشاعر وقد أصاب ابنها الصغير مرض الصرع.

كنت أرخي زاوية فمي اليمنى بخفية وأقول : ما هذه المبالغة ؟

ولما أُصبت بالمرض علمت تمام اليقين أنها لم تكن مبالغة ، فقد عشت في هذا اللطف .

آمنت أنه ما من بلاء إلا وينزل معه لطف من الرحمن. لطف غامر يماثل البلاء أو يفوقه ، ولكن المشكلة تكمن في بصائرنا ، إذ بعضنا لا يملك من قوة البصيرة ما يمكنه من رؤية هذا اللطف ، فيظل متسخطاً متذمراً ، ولطف الله تحت ذقنه .

صدقوني ، ليس البلاء ما نزل به الله تعالى من القدر الموجع ، وإنما البلاء أن تعمى بصائرنا عن رؤية الكثير من جمال وحسن أسماء الله وصفاته كاسمه اللطيف والودود والعليم ، والقدير والجبار وغيرها ، إما خذلاناً من الله –ونعوذ بالله من ذلك – أو جهلاً بأهمية تعلم تلك الأسماء ومدى ارتباط ذلك بسعادتنا ، أو ببساطة لأنه لا يَعتبر ذلك من “الكوالة “..

اسمع كلام مجرب ، وتفكر في نفسك كم من ألطاف الله مرت عليك ، فإذا رأيتها فاعمل على أن تدرب نفسك على البحث عن اللطف مع أي بلاء أو حادث سيء يصيبك ، فحين يكون ربك لطيفاً ، فكيف تتوقع أن تكون  الحياة؟

Read Full Post »

قبل ثلاثة أسابيع حضرت حفل تخرج ابنتي فاطمة من الجامعة .. هل قلت حفل تخرج ؟ نعم هذا ما كان مكتوباً في البطاقة .. المشكلة أنني حينما وصلت حسبت أنني في حفل زفاف أو عقد قران . هل لي أن أخبركم ماذا كانت الطالبات وكثير من المدعوات يرتدين ؟ يرتدين الميني ، وهو -لغير العارفين بهذه الشؤون – الذي يصل لمنتصف الفخذ .. نعم الفخذ لا الساق .

عشرات من الطالبات يرتدين العاري والميني في حفل تخرج ، وما زادني اعتقاداً أني في حفل زفاف الأغاني والدفوف التي تلت مسيرة الخريجات !

صرنا نسمع ونرى كثيراً من الشباب يرتدون الـ(طيحني) مهما بلغت أجسامهم من الضخامة في مناظر مزرية ؛ المحترمون منهم لا يبدو من عوراتهم شيئ ، ولكن كثيراً منهم غير محترمين للأسف فتجد حدود العورة المغلظة تبين وتختفي على استحياء . التناقض الصارخ في الحجاب بين كثير من الأمهات والبنات في السوق ، بل أن المسألة لم تعد مقتصرة على الخلاف الشائع في كشف الوجه أو تغطيته ، وإنما تعدى ذلك إلى ما لا خلاف في تحريمه مثل كشف الشعر أو جزء منه والمكياج والعباءات الضيقة والتغنج في الكلام والضحك بصوت عال وكأنها في بيت أبيها والعطور الصارخة والتميلح بين الجنسين …الخ .

الموضوع يا سادة أشبه ما يكون بقنبلة جرثومية انفجرت والعدوى تتفشى يومياً .

ما الذي حدث ؟

أتساءل بألم : ما الذي حدث لشبابنا وفتياتنا ؟

أكاد أسمع البعض يقول : وماذا في ذلك ؟ شباب يعيشون حياتهم فلا تبالغي .

لا أخفيكم أني ترددت كثيراً عند كتابة هذه التدوينة ، ولعلها من التدوينات النادرة التي أقدم رجلاً وأؤخر أخرى في كتابتها نظراً لأهمية الموضوع وثقله ، ولعدم رغبتي في الحديث عنه بجدية تامة لأني إن فعلت فسيغضب مني الكثير .

لابد لي من الكثير من التلطف والسخرية والمداراة .

ما الذي حدث؟

لماذا صار الشباب وكأنما يساقون سوقاً إلى هذه النوعية من المظاهر ؟ أهو إعجاب بالغرب ، أم رغبة في لفت الانتباه ، أم تحدي لقيم المجتمع المحافظ ، أم رغبة التميز ، أم كل ذلك ؟

أثناء انتظاري في حفل التخرج أفرغت ضيقي وانفعالاتي في تويتر ، فكان نتيجة ذلك أن أثيرت نقاشات عن لباس المرأة وحدود عورتها أمام النساء وكان احتجاج بعض المتابعين بحديث ( عورة المرأة من السرة للركبة ) .

 ولأني لا أرغب في اختراع أحكام فقهية من رأسي ، و رد أحاديث وإثبات أخرى خاصة بعد أن (شطف ) الكيماوي جزءاً لا بأس به من ذاكرتي فقد طلبت إمهالي لحين أبحث في المسألة جيداً وأكتب خلاصة رأيي في تدوينة .

مما لا شك فيه أنه لا يوجد حديث بهذه الصيغة أصلاً ” عورة المرأة أمام المرأة من السرة للركبة “، وغاية ما هنالك حديث: “إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى عورتها والعورة ما بين السرة والركبة “والسياق واضح في أن هذا خاص بعورة الأمة مع سيدها مع ما في الحديث من اضطراب وضعف ، فمن أين أتى المحتجون بحديثهم ؟

مما قرأته أن هذا “قول” لبعض المذاهب ولكنه ليس بحديث على الإطلاق ، وبهذا تنهار الحجة القوية التي لا يفتأ النساء بترديدها كلما أنكرت عليهن تعريهن. وأما قول الفقهاء هذا فلا يفهم منه أنهم يرون جواز جلوس المرأة كاشفة الصدر أمام مثيلاتها ، وإنما هم يفرقون بين عورة النظر وعورة اللباس , فيجعلون عورة النظر ما بين السرة و الركبة بحيث لو انكشف ما دون هذه المنطقة جاز للمرأة مثلها أن تنظر عرَضاً  كما يحدث أثناء إرضاع الطفل مثلاً .

ولو كان ثمة مجال ( ولو بالغلط ) للاحتجاج بهذا النص ، فهل يقال بجواز جلوس المرأة عارية الصدر تماماً أمام النساء مثلها ؟ إن هذا لا يقوله ولا يفعله حتى نساء الكفار إلا الشواذ منهم في نواد خاصة بالعراة . ولو احتججنا بهذا النص فما بال بعض النساء يتعدين عليه ويضربن به عرض الحائط بارتدائهن للميني . إذن ليست المسألة في وجود حديث يبيح التعري ، وإنما المسألة : الهوى .

وما عرف المسلمون في عصورهم القديمة هذا التعري أبداً ، وإنما كان فعل نساء الروم ، ولا زال ديدن النساء المسلمات الاحتشام والستر والحياء ، حتى أن بعضهم غالى في ذلك فكانت بعض المجتمعات تلزم المرأة بوضع النقاب أمام مثيلاتها من النساء وتغطي شعرها .

تعري النساء أمر حادث في هذه العصور ، ولا زلت أذكر أمي وهي تحكيني قبل ثلاثين سنة عن إنكارها على إحدى بنات جيلها خرجت في حفل زفاف أمام العريس ( الذي ليس من محارمها ) بلباس عاري .. لم تقل أمي الكثير ، قالت فقط: كدة بنات المدينة صاروا يلبسوا ؟ الآن يا أمي صار ( كل ) الناس كدة يلبسوا . وهذا مما يؤلم القلب بالفعل .

 إن الناظر لأحكام الشريعة يجد الكثير من النصوص التي تولي المظهر الخارجي  عناية كبيرة ، وما الأمر بإطلاق اللحية وتحريم الإسبال و الحجاب والنهي عن لباس الشهرة وغيرها من الألبسة إلا من ذلك ، ولا يقولن أحد أن هذه قشور والمهم هو اللب ، فليس في دين الله قشور وإنما كله لب ، وقد وصف من تشبه بقوم أنه منهم ، لأن المشابهة في الهدي الظاهر تورث المشابهة في الهدي الباطن ، وهذا ظاهر خاصة في هذه الأيام التي كثر فيها السفه على الله تعالى ورسوله وشرعه . وإني لأحسب أن التهاون في اللباس وإظهار العورات سواء المغلظة أو غيرها من مظاهر ضعف الإيمان .

وأرجو أن لا ينبري إليّ منبرٍ ويقول لا تتهمي الإيمان والقلوب ، فأنا لا أتهم وما كان لي ذلك . ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ، أما الاكتفاء بأصل الإيمان في القلب فهذا يجعلنا نحكم بالإيمان لإبليس .

إلا أن الأمر ليس كذلك . الأمر أكبر من ذلك .. هو توقير الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه .. هو الحرص على الظهور بمظهر المسلم الصالح ( وإن كان للأسف يحاول الكثير من الشباب التنصل من هذا المظهر لما له من تبعات ) ، هو الرغبة في إرضاء المنعم العلي وعدم إسخاطه ، وكل ذلك آخذ بالتلاشي للأسف من القلوب .

إن هجمة الإعلام وتزيينه هذا اللباس في وسائله المتعددة ليحمل الوزر الأكبر . فالمتبرجة المتبعة لخطوط الموضة من ممثلات ومذيعات هن دائماً (كول) في حين أن المتسترات : ( خالات ) . تماماً مثلما كانت أمي تقول أنها كانت تُنعت في صغرها بأنها “ابنة الإمام” فقط لأنها كانت تبادر بالصلاة حالما يؤذن ، في حين يقوم أقرانها بتأخير الصلاة حتى يقارب أذان الصلاة التالية .

 أشعر كأنها سبة ، من قبيل ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) . الملتزمون بشرع الله متخلفون عن ركب التحضر ، أما المتفلتون فهم من حاز المعالي .

ثم تأتي دور الأزياء لتعزز هذا المفهوم في النفوس ، ولا يقتصر ذلك على الدور الأوروبية وإنما جل المصممين العرب و السعوديين نحوا هذا المنحى في تبعية غريبة ومستهجنة ، ولن أدعي أن الجمهور عايز كدة ، إذ أن المصمم هو الذي يفرض رؤيته وغالب الجماهير كأنها غنم تساق !

وكانت ثالثة الأثافي أن دعمت دكاكين الملابس في بلدنا هذا التوجه ، فصار من الشائع والعادي أن ترى واجهات المحال تعرض ألبسة تحار معها ماذا تصنع ؟ ولولا جلوس أربعة رجال أمام أحد الدكاكين لصورت فستان سهرة عرضه أحد المحلات يشبه بدلة الرقص الشرقية .

صار الأصل هو العاري ، وعلى المحتشمات أن تبحث عن ما تستر به هذه الثياب دون أن تخل بالذوق العام .

العجيب أني وجدت أثناء بحثي في مواقع فساتين الزفاف الالكترونية أن الفساتين المحتشمة والتي تسمى Modest Dresses أغلى ثمناً من تلك العارية ، بشكل يبدو مبالغاً فيه أحياناً ، ولا أعرف ماذا يعني ذلك !

هذا التوجه من قبل محال الأزياء يجعل المرأة تتنازل عن كثير من قناعاتها ومبادئها إما لأن تستير الملابس أمر يحتاج لكثير فن وخيال ، أو لئلا توصم من قبل قريناتها أنها “متخلفة” أو “قديمة” أو “فقيرة ” أو كاهن أو مجنون !! تعددت النعوت والتهمة واحدة .

وما يثير التعجب حينما تبارك الأم – وخاصة لو كانت متدينة- لباس ابنتها ولا تجد فيه غضاضة ، وربما تجد ولكنها لا تقوى على ضغوط ابنتها . والأنكى من ذلك حين تسعى الأم بنفسها لشراء هذه الألبسة للابنة متغافلة عن الحكم الشرعي ودورها كراعية ومسؤولة عن رعيتها ، بل وناسية أمر العين والتحرشات الجنسية حتى من قبل النساء ( البويات ).

 ولا شك أن دورها يبدأ من الصغر ، في تعويد الفتاة على لبس العاري أو المحتشم .. وكثيراً ما أسمع الاستنكارات المستهجنة لإصراري على عدم ارتداء ابنتي شمس ذات الخمس سنوات العاري ، أو القصير بلا (سترتش) متحججين بأني هتكت بذلك أصول الموضة .

إذن ما هي حدود عورة المرأة أمام المرأة ؟

عورة المرأة أمام المرأة هي كعورتها أمام محارمها من الرجال ، وهذا مذكور في القرآن في قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن ) . فالزينة نوعان : الزينة الظاهرة وهي التي لا يمكن إخفاؤها كالعباءة وأسفل الثوب فهذا يجوز إبداؤه حتى للأجانب من الرجال على أن لا يكون زينة في حد ذاته ، والزينة الباطنة وهي التي تستلزم إظهار جزء من البدن كالرأس وموضع الخلخال من الساق والقلادة من النحر والسوار من الذراع والمعضد من العضد ، وما عدا ذلك فلا يجوز إظهاره ، وقد لخص الفقهاء ذلك بقولهم : ما يبدو غالباً ..

وأؤكد على ذلك لأن عقول الناس تتفتق يومياً عن مواطن جديدة للزينة ، ليس آخرها حلية السرة و حلية البوكسر ( وهو الاسم الكول للباس الداخلي والذي يخفف بعض الشيء من غلواء ظهوره بسبب ارتداء الـ “طيحني”) .

أخيراً .. حين تدغدغ خيالاتنا صور الأمة الإسلامية المنصورة المهيمنة على العالم ، ونردد شعار : المستقبل لهذا الدين ، فلا نتخيل أن يتم ذلك دون الدخول في السلم كافة : أي الإسلام كله ، وهذا لا يقتصر على العبادات فقط وإنما يشمل الأخلاق والقيم الإسلامية و المظهر إذ لا قشور في الدين كما ذكرت . نحتاج لكثير من التركيز وضبط الأهواء والانفعالات ، نحتاج لكثير من الحكمة ومخافة الله .

أما من لم يهمه لا مستقبل الأمة ولا مخافة الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ” .

Read Full Post »

كنت في الخامسة والعشرين من  عمري حينما قابلت مرة ابنة خالتي التي تعيش في مدينة ثانية . كانت تكبرني بست عشرة سنة ، وكانت قد اتبعت حمية غذائية ورياضة مستمرة ، صبغت شعرها وارتدت ثوباً جميلاً فهتفت بها : إيش الحلاوة دي يا أبلة ما شاء الله ؟ فقالت لي ضاحكة : الحياة تبدأ بعد الأربعين .

علقت جملتها هذه في ذاكرتي طويلاً ولا أدري ما السبب ، فأنا في ذلك الوقت كنت بعيدة جداً عن الأربعين .. أو على الأقل يُخيل إلي ذلك . وتمضي الأيام سريعة إلا أنها لم تكن بالسرعة الكافية التي تلهيني عن رؤية الخطوط الدقيقة التي بدأت بالظهور على جانبي عيني ، ولا غزو الشعيرات البيضاء لرأسي ، ولا ظل ظهري المحني قليلا على أرض الممشى ، ولا اضطراري لخلع النظارة كلما أردت أن أقرأ شيئاً قريباً. لم تفُتْني كل هذه المظاهر التي يؤكدها نداء حفيدتيّ ” يا جدة ” وكتابتي في خانة العمر في استمارة عبأتها قريباً : 46 سنة .

لسبب ما تذكرت جملة ابنة خالتي : الحياة تبدأ بعد الأربعين ، فهل بدأت حياتي أم أنها قاربت على الانتهاء ؟

تحرياً للدقة فإني أقول إن حياتي شارفت على الانتهاء قبل سنتين ونصف حينما أصبت بسرطان الثدي , إلا أنها بدأت من جديد بعد الشفاء . لا أخفيكم أني أدندن كثيراً على تقدمي في السن ، ولعل مرد ذلك اعتقادات مسبقة سببتها الرسوم الكاريكاتيرية والإعلام أن من تعدى الأربعين فقد بدأت رحلة نهايته .

 في الأدب الانجليزي –وأعتقد في كل الآداب – نجدهم يمثلون الشباب بفصل الصيف وشمس الظهيرة ، والكهولة بفصل الخريف والشمس الآفلة  .

حسناً ، قد يكون في تلك الاعتقادات بعض الصحة ، ولكن هذا لا ينبغي أن يحملنا على ترك الحياة ، بل العمل للآخرة مع عدم نسيان النصيب من الدنيا.. على الأقل هذا ما فهمته مؤخراً .

لماذا يسود هذا الظن عند الكثير من الناس ؟ لماذا يربط بعض الناس التقدم في السن بالعجز الجسدي والفكري ، فتجدهم تلقائياً يغلقون نوافذ التطور والتجديد في حياتهم بحجة السن ؛ النساء يرفضن ارتداء الألوان الزاهية ( عشان إيش يقولوا الناس ؟) والرجال لا يكادون يفلحون إلا في خوض غمار المراهقة المتأخرة واللحاق بما فاتهم من المتع . كلا الجنسين لا يحاولون تطوير أنفسهم في مجال العمل مكتفين بإنجازات الشباب ، عدم مواكبة العصر الحديث تقنياً وثقافياً، فقدان الرغبة في تغيير نمط الحياة مفضلين البقاء على روتينهم المعتاد ، عدم القدرة على التوافق مع شريك الحياة وكثرة الخلافات الزوجية بسبب عزوف المرأة عن الرغبة الجنسية إما زهداً فيها أو انصرافاً عنها إلى الأولاد والأحفاد ، وإقبال الرجل على ذلك في محاولة للتشبث بالشباب المتفلت ، العناد بدلاً من التفكير ، والسخرية من المخالف بدلاً من محاورته، والانغلاق على النفس أو على فئة معينة من الأصدقاء بدلاً من الانفتاح وتجربة مذاقات جديدة للحياة .

أليس من المفترض أن تكون الأربعين نقلة إلى حياة أفضل ، حيث تزداد الحكمة ويستقر الفكر ويستفاد من الخبرات والتجارب ؟

باعتقادي أن ما نراه من بعض النماذج السلبية يرجع سببها إلى الشخصية أولاً ، إذ أن الشخصية ؛ عيوبها ومحاسنها تتضخم بتقدم المرء في السن ، فإذا كان سلبياً فلن تزال سلبيته تتضاعف حتى تنسد السبل في وجهه وتضيق عليه الدنيا برحابتها ، ومثل هذا يكون عجوز القلب ولو كان في ربيع العمر ، أما لو كان إيجابياً فسيعيش في ظلال إيجابيته حياة معطاءة وسينعم بنجاحات متوالية  تنسيه سنه الحقيقي فيبقى قلبه في شباب دائم .

إلا أن الشخصية ليست هي العامل الوحيد ، فهناك الثقافة التي تحدد توجهات الفرد ، و المجتمع الذي يثبط أو يشجع .

حين ننظر إلى كبار السن في الدول الأمريكية والأوروبية نجد أن حياتهم الحقيقية تبدأ بعد الأربعين ، حين يكبر الأولاد وتتحقق الإنجازات وتنضج الشخصية عندها يركن الفرد إلى الاستمتاع بالحياة ، إما عن طريق تجربة أشياء جديدة لم يجربها من قبل ؛ سفر ، طعام جديد ، مزاولة رياضات ، أو عن طريق إنجازات تعيد الحيوية إلى عروقه كالأعمال التطوعية وخدمة المجتمع ، وهو إن فعل ذلك فإنه يجد المجتمع الذي يشجع ويكافئ مادياً ومعنوياً على هذا التوجه فيستمر في العطاء حتى يصاب بالعجز أو الزهايمر !

أذكر أن والد امرأة أخي الهولندية كان يزاول رياضة التنس وهو في الثمانين من عمره ولم يتوقف عن ذلك إلا حين أصيب بمرض السرطان الذي توفي به ، بل كان يقود دراجته بعد أن أصيب بالزهايمر ويضيع أحياناً عن منزله ، ونحن نعد من يحافظ على رياضة المشي فينا وهو في الخمسين شخصاً “رياضياً” !

إلا أن الوضع ليس بهذا السوء عند الجميع ، إذ لا ينحى كل الأربعينيين والخمسينيين ومن فوقهم منحى ( كذب الكذبة وصدقها) ، وإنما كثير منهم بدأت حياته الحقيقية عندما أسن . هم أولئك الذين يعتقدون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ) رواه أحمد وصححه الألباني . هم أولئك الإيجابيون الذين يرون أنه طالما بقي في الصدر نفس يتردد ، وفي الجسد بقايا من قوة ، فلابد من  العطاء . هم الأشجار التي تحب أن تموت و اقفة  .

حدثتني صديقتي اليوم عن قريبة زوجها ، طبيبة تخصصت في الأشعة ، وبعد التقاعد من العمل الحكومي وتزويج الأبناء عملت لفترة في القطاع الخاص ، ثم انخرطت في العمل مع الجاليات ومكاتب الدعوة . هذه امرأة لم تدع سنها يقهرها ، وإنما هي من اتخذت المبادرة وجعلت فراغها من شغلها ومن مسؤولية الأطفال ميزة أحسنت استغلالها .

كل يوم أرى في الممشى نماذج جميلة لكبار في السن يمشون يومياً ، وبعضهم يمشي ( كالطلقة ) في سرعته ونشاطه مما يجعلني أتمتم بالتبريك عليه ، ولم يحملهم سنهم على الخلود في المنزل انتظاراً لهجمة الروماتويد .

ابنة خالتي إياها ، أنشأت مواقع على الشبكة العنكبوتية للتعريف بالمملكة العربية السعودية ودين الإسلام باللغة الانجليزية وموقعاً آخر لأشغالها الفنية . كما أنها ناشطة اجتماعياً في حيها السكني حيث تقوم بتعليم الانجليزية لفتيات الحي عن طريق المحادثة والمحاورة ، ولها حلقة تحفيظ قرآن في أحد المساجد .

 أذكر جيداً كم كان يلفت نظري مشهداً كنت أراه أيام سكني في عنيزة في العقد الماضي .ففي الحين الذي كان يخرج (الشيّاب) من بعد صلاة العصر ليجتمعوا أمام أحد البيوت ( يتقهوون ويسولفون) حتى صلاة العشاء ، كان الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله –وهو في مثل سنهم- يجد الخطا على رجليه غالباً من بيته إلى الجامع الكبير حيث يقوم بتدريس طلبة العلم بعد صلاة العصر والمغرب والعشاء يومياً . كنت أرى هذه الفروق في النفسيات ، ففي حين كان الشيبان يبدون كما لو أنهم فرغوا من مهامهم في الكد لتحصيل لقمة العيش وتزويج الأولاد وأحيلوا إلى التقاعد وجلسوا ينتظرون الموت ، كان الشيخ رحمه الله كأنه يخطو في كل يوم خطوة إلى الجنة ، يعلم الناس ، ويصل رحمه ، ويشفع للمحتاج ، حتى بعد أن مرض كان يصر على التعليم كلما وجد في نفسه قوة على الكلام حتى كان آخر درس ألقاه في رمضان ليلة العيد وهو لا يكاد يتكلم من التعب ، وتوفي بعد ذلك بأسبوعين .

هل أذكر أمي الحبيبة التي كانت تستغل مواهبها الفنية فتشتري الصوف لتصنع منه قمصاناً وبناطيل ترسلها لنا لنوزعها على طلبة العلم المحتاجين في عنيزة ، وكانت تصنع بكلات الشعر وتبيعها ثم تضع ثمنها في صندوق جعلته قرب باب الدار لجمع التبرعات والصدقات . كانت تتسلى وتتصدق ولم تدع فرصة في يوم لأن يثنيها السن أو آلام الكهولة عن ممارسة الحياة . والآن حين وهن عظمها وثقلت عليها الأشغال الفنية أصبحت أكثر تطوراً وقامت بنقلة نوعية هائلة في التجديد ، إذ انضمت إلى فيس بوك وفتحت حساباً في انستاغرام وأخيراً في تويتر ، وأصبحت أمي الجدة الكول.

أعود إلى نفسي وأقول : نعم ، كنت عجوزاً قبل السرطان ، فلما مرضت أحسست أن هناك  الكثير من جمال الحياة قد فاتني ، لعل أعظمها : الإحساس بالإنجاز .

ما ذلك الوهم الذي عشت فيه ؟ أني كبرت لمجرد أني تعديت الأربعين ؟ أني صرت جدة فعليّ أن أتصرف كما تتصرف الجدات : يسيطر عليهن الضعف والوهن والصوت المرتعش .. أني سأموت قريباً .. ومن يدري متى سيموت .

حين أصبت بالسرطان وشارفت على الموت فعلاً ثم ردني الله تعالى إلى الحياة قررت أن أعيش الحياة .

كان أول ما قمت به هو تأليف الكتاب الذي يحكي قصتي مع المرض : الحياة الجديدة .. نعم .. كانت بداية حياة جديدة . حياة مليئة بالتطلعات لإنجاز شيء جديد كل يوم . ألفت الكتاب أثناء المرض ، تعلمت مبادئ التصوير الاحترافي ( وأنا التي كان عقلي ينغلق تلقائياً لأي كلام في التقنية ) ، ساهمت في إنشاء مجتمع طهر لمرضى السرطان وقمت بترجمة العديد من المقالات التي تهتم بالسرطان من المواقع الأمريكية المعتمدة ، عدت إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد انقطاع دام 27 سنة  وصرت طالبة في سن جدتي ! زاولت رياضة  المشي يومياً ، استمتعت بركوب الدباب في البر ، والأدهى من ذلك أني ركبت القارب في ينبع أخيراً . أنا التي كنت أرفض رفضاً قاطعاً ركوب القارب لخوفي الشديد من البحر وعدم اتقاني السباحة ، وأؤكد لكم أن تلك الرحلة كانت من أمتع الرحلات في حياتي .. كادت أنفاسي تتقطع من الإثارة .. ها أنا الآن أتغلب بفضل الله على خوفي القديم . أواه كم من المتع ضيعت على نفسي .

والآن أشعر بفخر شديد وأنا أصف نفسي في تويتر بأني الجدة الكول . صدقوني ، كم هو جميل أن يكون المرء كبيراً و كول في الوقت ذاته !

أستطيع أن ألحظ بجانب عيني فخر أولادي بي .

أسعد كلما وصلني تعليق يثني على كتابي ، أو أقوم بتصوير صورة جميلة تلقى إعجاباً ، أو أنهي جزءاً متقناً من القرآن وتثني شيختي على أدائي في درس السند الذي بدأته العام الماضي ، أو أفقد كيلاً من وزني كل أسبوعين ، أو تشكرني إحدى المريضات على استشارة طبية سرطانية ..

بقي لي من المتع ما أسأل الله أن يقر عيني به قبل أن ألقاه : أن يسلم بسببي وعلى يدي بعض الأشخاص ، أسمع شهادتهم بأذني ، وأمسح دموع الفرح بيديّ ، هنا أكون قد عشت الحياة الحقيقية بعد الأربعين .

Read Full Post »

دخل الشهر الأخير من عام 1432 هـ وقد  انقلب العالم رأساً على عقب .

لا أميل إلى استخدام التاريخ الميلادي  إلا لضرورة ، والضرورة هنا منتفية فأرجو أن لا يمتعض أحد من (دقتي القديمة ) .

العالم العربي يعيش ثورات على الأنظمة  البائدة .

شعب يريد إسقاط النظام .

وآخر يريد إسقاط الرئيس .

وآخر كانت مطالبه معقولة فأبى حاكمه فأصر  الشعب على إعدامه .

نفوسنا تحتاج إلى ثورات من هذا النوع .

ثورات ضد الأهواء والأمزجة الفاسدة .

نحتاج إلى تقويم لتعيش قلوبنا الربيع الرباني  الذي أزاح يوماً بقوته الوليدة فارس والروم حين تربعا في أيام خلت على عرش العالم  .

لو قلت لأحد قبل سنتين فقط أن خارطة  التاريخ العربي ستتغير بهذه الطريقة لاتهمني بالخبال .

أنا لا أطلب المستحيل .

أنا فقط أطلب إعادة تاريخ وواقع مر به  أجدادنا ..

تاريخ الأمويين والعباسيين والأندلس .

اقرأ كتاب : شمس العرب تسطع على الغرب  للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه لتبكي على حالك .

كانت كلمة السر التي وصل فيها المسلمون  إلى مجدهم : التمسك بالدين .

ولم يكن الانهيار سريعاً بعد  الانحرافات التي حصلت ، وإنما كأي بنيان راسخ قوي تطرق إلى أساسه الخلل والضعف فإن  السقوط يكون ببطء شديد ، ولكنه يسقط في الأخير سقوطاً مدمراً ومدوياً .

هذه دعوة مني لنفسي ولكم للرجوع إلى  الجذور .

صوتٌ مشتاق ينادينا ..

ونفوسنا تهفو إليه فلم المكابرة ؟

نحتاج إلى تصحيح كثير من المفاهيم .

نحتاج إلى ترسيخ الكثير من الاعتقادات  .

نحتاج للالتفاف حول العلماء من جديد ،  فهم الأعلم وإن خالفوا أهواءنا .

نحتاج لتصحيح العقيدة ، وغرس التوكل على الله ونبذ الخرافات وزيادة جرعة الإيمان بالغيب .

نحتاج لتعزيز الصلاة في نفوسنا قبل  نفوس أبنائنا لنجعلها قادرة على نهينا عن الفحشاء و المنكر .

نحتاج لنبر آباءنا وأمهاتنا أكثر من حاجتهم هم ، لأننا ببرنا سيبسط لنا في أرزاقنا ويُنسأ في آثارنا .

نحتاج أن نتعرف على صفات العدو الحقيقي لنعرفه وإن تنكر بألف ثوب وقناع .

نحتاج للكثير الكثير .

ولكن بالاستعانة بالله والتوكل عليه والعزم الصادق ستهب الثورة تلو الثورة ضد أنظمة الهوى الغاشمة ، التي حكمت القلوب سنيناً فأظلمت وظلمت .

سيأتي يوم تشرق فيه شمس الدين وتورق أشجار الربيع وتزهر حياة القلوب .

فكن  أنت من الغازين ولا تكن من فلول المنهزمين .

واعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر .

والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

Read Full Post »

هممم ..

كم من  الأمور يمكنك أن تتخيلها عند قراءتك للعنوان ؟

لذا لن أدع لك مجالاً للتخيل حتى ( لا تجيب العيد ) ، وسأشرح مرادي فوراً .

بدأ العام الدراسي ، وانتهت الإجازة ( بحمد الله ) وتنفست الأمهات الصعداء ، وعاد القطار إلى مجراه ..

هذه دورة جديدة من دورات الحياة ، تشبه دورات البرامح التلفزيونية او الإذاعية .

انتهت حقبة الإجازة الغثيثة التي قلبت الليل نهاراً والنهار ليلاً ، وقلبت الإنسان من كائن ( يفترض أن يكون ) منتجاً إلى كائن هلامي لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا رائحة .

أنا شخصياً متحمسة جداً للدورة الجديدة .

أنا الآن في المستوى الثاني من الجامعة ( ولا أحد يقول خالة بعد كدة !!)

كتابي في دور النشر ينتظر الطباعة وأفكر جدياً في البدء بالكتاب الثاني والذي سيكون تثقيفياً أو جمعاً لقصص السرطانيات ، أو ربما كتاب طهي يخص السرطانيين ، لا أعرف فلم أقرر بعد .

كذلك أعد لدورة جديدة في المدونة ..

ربما تعلو همتي فأخترع لكم استبياناً أطلب منكم حله وأضفي به على نفسي بعض الأهمية .

وربما أرضخ لواقعي الأليم الذي ينص على أن قرائي لا يتفاعلون معي ( إلا قليل منهم ) لا في كتابة تعليقات ولا في طلبي منهم ذكر اقتراحات .

ولكن قبل أن ننتقل إلى الدورة الجديدة أود أن أذكر بعض وقفات طرأت لي خلال الإجازة .

هي وقفات متعددة ، وبالتأكيد لن تكفيها تدوينة واحدة ( خاصة مع  العمل على محاولة تقليص عدد الصفحات منعاً للملل والإطالة ) ، لذا قد أذكر في كل تدوينة وقفتين أو ثلاث إلى أن تفرغ جعبتي من حصيلة الإجازة .

وقفة:

الفراغ القاتل .

الفراغ يحيط بي من جميع الجهات .

بعد أن كنت أدرس ما يقارب الاثني عشرة ساعة يومياً ، انتهت الاختبارات ووجدت نفسي كالطير الذي كف جناحاه عن الحركة في كبد السماء فبدأ يهوي من حالق .

بدأت أهوي فعلاً حتى تلقفتني عناية الله تعالى بعد يومين من محاولة التكيف مع الوضع ، وعدت أحلق من جديد لكن على ارتفاعات منخفضة .

ما زاد في توتري انتهاء أولادي من  الإجازة ثم انطلاقهم في عالم الفراغ الرحيب .

سهر طوال الليل ، نوم بعد صلاة الفجر ، لعب بالكمبيوتر ، يليه لعب بالكمبيوتر ، ثم يختمون باللعب بالكمبيوتر .. جدولهم كان منوعاً كما ترون !

تمنيت لو عُززت ثقافة المخيمات  الصيفية عندنا .

لكن لابد أن بعض الناس قد يربط المخيمات بالخوف من الإرهابيين ، وهذه مشكلة أخرى .

هنا أضيق ذرعاً بالفهم المتخلف للإرهابيين الحقيقيين الذين أدت حماقاتهم إلى منع الكثير من  الأعمال التطوعية وجمع التبرعات ومنع إقامة المخيمات الصيفية والتي تعلم الفتيان على الاعتماد على النفس وتَعلُم مهارات جديدة تنفعهم في حياتهم المستقبلية اليومية .

وأتساءل ، كم من فهم سقيم أدى إلى شر عميم ؟

وقفة:

جمعتني نقاشات عديدة مع بعض شباب العائلة .

هناك فكر جديد يا ( قدعان ) .

هناك تمييع للدين ورد للنصوص أو تأويلها والهجوم على منهج السلف .

ماذا حصل في السنة الماضية ؟

لم اكتشف الجميع فجأة أن هناك خلافات وأفهام متنوعة لنصوص كشف وجه المرأة ، والاختلاط والسفر بغير محرم وصلاة الجماعة  ؟

لم هذا الرد العنيف للدين ( القديم ) الذي نشأنا عليه بحجة أنه كان مهيمناً طوال القرن الماضي ساداً  الطريق أمام الأنظار للأقوال الأخرى في الدين ، وأن الدين يسر وأن وأن ، وجملة من الشبهات التي لا أود إيرادها هنا .

وانتبهت في أثناء نقاشاتي معهم أن عندنا ( أجمعين ) قصوراً شديداً في قراءة كتب السنة الأساسية,  ولا نكاد نجد من قرأ الصحيحين فقط ( فضلاً عن باقي كتب السنة ) من غير طلبة العلم ، ومع ذلك فالاجتراء على الفتيا ورد النصوص بحجة ( أن فيه غيرها ) وتخوين العلماء بات سائغاً ومقبولاً في أوساط الكثير من الناس ، وأكثرهم من فئة الشباب ، ولا أعرف ، أهم يبحثون عن الحقيقة فعلاً أم أنها الأهواء ؟

ما مفهوم الدين في أذهان هؤلاء القوم ؟

بطرق تفكيرهم الجديدة هل يبقى الدين قواماً متماسكاً وبنياناً قوياً ، أم أنه يضحى ثوباً مهلهلاً مخرقاً ومرقعاً ، كلٌ يدعي في كل مسألة أن ثمة خلاف فيها ويتبع الأسهل بحجة أن الدين يسر .

يا جماعة.. كدة لم يبق دين ..

وفي هذه الأيام ظهر أحد النكرات ليكتب مقالاً ينتقص فيه مقام الألوهية في إحدى الجرائد المحلية.

نعم .. لم تخطؤوا الفهم .. مقام الألوهية.

انتهى الناس من السخرية بأهل الدين ، ثم الأنبياء والنبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء الدور على مقام الألوهية ؟

هل انتهت المواضيع ؟

سبحان ربي ما أحلمه .

أفكر كثيراً : هل يعي هؤلاء المنتقصون لمقام الألوهية ، أو الساخرون بالدين وأهله ، أو المحتقرون أهل العلم لأن الله تعالى ينظر إليهم ويسمع قولهم ؟

فليحذروه إذاً  .

ترون تدوينتي اليوم كوكتيلاً ؟

هذا خطؤكم، فلعلكم تذكرون أني طلبت منكم في التدوينة السابقة بعض الاقتراحات ولم أستلم اقتراحاً واحداً .

اقنعوا إذن بما تقرؤون ، ولن تعدموا فيه بعض فوائد بإذن الله .

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: