Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘Uncategorized’ Category

الاثنين 28 /7/ 1441، الموافق لـ 23 مارس من عام 2020

مدونتي الحبيبة

استيقظت اليوم على أمر ملكي بحظر التجول من السابعة مساء إلى السادسة صباحا لثلاثة أسابيع.  حظر تجول … شعور غريب أن لا يمكنك الخروج من بيتك في بلدك الآمنة بعد السابعة مساء وإلا.. ولكن هل أترك لنفسي العنان في الاسترسال في القلق والخوف والتوجس؟ النفس -كماتعلمين- تحب الدراما ومستعدة فورا لنسج الخيالات والسيناريوهات السوداء لمستقبل بئيس، متغافلة عن كل النعم التي نرفل فيها بالرغم من الكآبة التي تعم  المكان.

اليوم أشعر بالفخر بدولتي العظيمة التي أمسكت زمام الأمور بيد صارمة، لأن كثيرا من الناس (ما يقوش إلا بالشخيط). أمرتنا بالتزام البيوت، وأجرت علينا المرتبات، وتكفلت بتوفير كل الأطعمة والأشربة و الكماليات والتحسينيات والترفيهات بأسعارها المعتادة، فقط عليكم أن تجلسوا في البيت وتستمتعوا. ياسلااام . ألم يكن هذا عز الطلب لأكثرنا؟

اليوم أشعر بالامتنان لهذا الحجز الإجباري: يمكنني الآن فعل الكثير مما كنت لا أفعله سابقا تحججا بضياع الوقت في الخروج المتكرر لزيارة أمي أو توصيل البنات للمدارس أو التسوق للبيت، (المرأة التي بيدها مفتاح سيارة كيف يمكنك أن تقنعها بالجلوس؟). اليوم سيتضح لي هل كنت مشغولة فعلا عن دراستي وعملي بالواجبات “الخروجية” أو أنني أفتقر لمهارات ترتيب الأولويات.

اليوم أشعر بأني آوي إلى ركن شديد. ربي ربي الله ولا أشرك به شيئا. رزقنا ورعانا ومن كل ما سألناه أعطانا. أجرى علينا الأرزاق الوافرة، وعلمنا الأذكار والأوراد التي تجيرنا مما نخاف، ومع ذلك ننسى ونجزع ونتسخط، كذلك الذي عنده الكامري يتسخط أن ليس عنده لكزس، وصاحب اللكزس يريد المرسيدس، أما ذاك الأخير فطموحه (في العلالي). كلهم لم ينظروا إلى صاحب الدراجة الذي يقود دراجته تحت لهيب الشمس تلفحه رياح السموم في قيظ الظهيرة، أما هو فيحمد الله ليل نهار على دراجته لأن صديقه يمشي برجليه إلى عمله. حين يعطينا الله تعالى ألفا من النعم ويمنعنا خمسا، لماذا يصر البعض على مد عينيه إلى تلك الخمس ويتحسر على فواتها ويفشل في رؤية الألف؟

هناء .. ثقي بربك اللطيف الخبير.

Read Full Post »

الأحد 27 /7/ 1441، الموافق لـ 22 مارس من عام 2020

مدونتي الحبيبة :

اليوم هو الثاني لي من العزلة المنزلية التي فرضتها على عائلتي الصغيرة بناء على توجيهات الدولة للتحرز من وباء كورونا. ومع أن خروجي قليل بطبيعة الحال إلا أن هذا الحجز المنزلي وكونه مفروضا يترك في نفسي شيئا من عدم القلق وعدم الارتياح.

الوضع الآن كالتالي: البنات إما في في الصالة أو في حجورهن مع أجهزتهن، عبد الله يصرخ مع أصدقائه القيمرز ويضحك، وأنا أتنقل في كل مكان ولكني غالبا في حجرتي وعلى كمبيوتري، إما أتابع أخبار التحدي، أو أكتب تدوينة صحية أو بوستا لانستغرام، أو أدرس الكورس الجديد (الذي اشتريته من 4 أشهر عن الشبخوخة). لا أزور أمي، لا أطلب من المطاعم ( بسبب التحدي)، لا نمشي في الشارع.

وقتي مليء بلا شك، ولكن (ترى في الجو غيم). تشعرين يا مدونتي بالقلق في الجو . تكادين تشمّين التوجس والترقب ينتقل في الهواء بين البشر، ومع ذلك فعليك المحافظة على رباطة جأشك، لأن الواقع أن الله تعالى منعم كريم. نحادث أحبابنا بالفيس تايم، ومخازننا ملأى بما لذ وطاب، والتقنية المرفِّهة ترفه عنا، وعيالنا معنا في بيوتنا. أولم يكن هذا جل ما نطلبه؟ فلماذا ضاقت الأنفس بالحجز المنزلي؟

اليوم أشعر بالبرد ، وحلقي يؤلمني من عدة أيام ، وحساسيتي من جو جدة عاودتني وأنهكني العطاس. نعم هي الحساسية وتغير الجو إن شاء الله وليس شيئا آخر. سأحاول في هذه الفترة أن أزورك يا مدونتي يوميا لأكتب ما يدور بخلدي، لي وللتاريخ، و لكل من يحب أن يعرف ما يفكر به الآخرون في الأزمات.  وحتى ذلك الحين سأكون على ما يرام إن شاء الله .

Read Full Post »

في العام الماضي وقريباً من هذا الوقت ألمت بي ظروف صعبة أنهكت تفكيري وامتصت الكثير من طاقتي، فلما انفرجت بعض الشيء في نهاية رمضان اتخذت قراراً يشكل لي تحدياً كبيراً . حكيت لكم في تدوينة لماذا الوسوسة من مدونتي الثانية “بعد الأربعين” عن مشكلة أمي مع فخذها المكسور وكيف أنني قررت بعد حادثتها أن ألتزم النمط الصحي للمعيشة وأدعو إليه. كنت أرى أمي تتعب كثيراً في القيام بمهمات الحياة اليومية ولا تكاد تمشي. لا تنسوا أن أمي مصابة بهشاشة قوية .

كنت أعلم من خلال قراءاتي الكثيرة في التغذية واللياقة أن أمي ستستعيد بعض قواها عن طريق الرياضة. لكن كيف؟ أي رياضة وهي مصابة بالهشاشة. وحتى عندما حاولت معها أن تمارس تمارينها البسيطة حاملة ثقلاً يبلغ ربع كيلو رفضت أخصائية العلاج الطبيعي التي كانت تزورها في البيت بحجة الهشاشة .  كدت أجن! لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا. أنا أعلم أن الرياضة ستحسن الوضع وبالذات الأثقال الخفيفة ، والذي تطلبه مني هذه المرأة أن أرى تدهور حال أمي حيث أن الهشاشة لن تقف عند حدها وإنما ستزيد .

كلام الأخصائية كان يوافق هوى أمي إذ أن عضلاتها أصبحت ضعيفة جداً بسبب السن وقلة الحركة وأي جهد زائد كان يتعبها، ولكن الحمد لله أن أمي كانت تثق بي في الوقت ذاته فكانت تطيعني في بعض الأحايين. أحسست أني لا بد أن يكون عندي شيء من المصداقية، ففي النهاية أنا مجرد مثقفة أغرف من محيط الآراء الطبية والرياضية وفيها الغث و السمين وأخبط خبط عشواء .. لا بد أن ـكون لي صفة تصدقني أمي بسببها. هنا لجأت إلى حيلتي القديمة: الدراسة عن بعد! وأخذت أبحث عن دورات أون لاين قوية لآخذ العلم الصحيح بأصوله كما فعلت قبل أن أبدأ بتدريس اللغة الانجليزية كلغة أجنبية. وجدت عدة مؤسسات أمريكية تقدم هذه الخدمة بمبالغ مالية محترمة. قارنت كثيراً بين المواقع حتى اعتمدت أحدها واستخرت الله واشتركت في دورة إعداد مدرب رياضي شخصي ، وكان هذا القرار تحدياً كبيراً.

 في البداية كان الأمر مسلياً ومثيراً ، فهذا تخصص جديد للغاية لم أعتده، وكانت الفصول الأربعة الأولى الرقمية ممتعة وسهلة ، وعندما وصلتني الكتب بعد 3 أسابيع علمت أن الأمر ليس مزحة! الكتاب الأول كان ضخمًا من 800 صفحة تقريبًا من الحجم الكبير والخطوط صغيرة ومتقاربة مع الكثير من الجداول والصور . أما الثاني فكان أصغر قليلاً ويكفي أن أقول أن الفصل الأول كان عن تشريح الجسم!

عندما أمسكت الكتابين بيدي أدركت أن مهمتي لن تكون سهلة كسابقاتها ولكني كنت أستحضر دائماً الهدف أمامي فأتشجع .

ما الهدف ؟

أولاً: أن يكون عندي شيء من المصداقية عندما أطلب من أمي أن تقوم ببعض التمارين الرياضية التي قد تتعبها في البداية والتي أعلم أنها لن تضرها بسبب الهشاشة وإنما ستفيدها، فأنا الآن أتكلم عن علم ولست مجرد قارئة .

ثانياً : نيتي في التوسع بدراسة تدريب كبار السن لمساعدة أمي أولاً، ثم لأستفيد أنا شخصياً لنفسي ولمساعدة صديقاتي  إذ كلنا في طريق الكبر ذاته.

وثالثا : صرف تفكيري عن الظروف التي ألمت بي والتي لم تنته بعد .. لم أحتمل فكرة أن أبقى أسيرة القلق أو الهم بسبب “الفضاوة” .كان لابد لي من إشغال نفسي بالمفيد قبل أن تشغلني بالسيء .

أمضيت قرابة الثمانية أشهر في هذه الدراسة وأؤكد لكم أنها كنت شديدة الصعوبة إذ هي باللغة الانجليزية وأنا أفقد التركيز إذا درست بغير العربية لأكثر من ساعتين، كما أنها تخصص علمي بحت، و مزاجي أدبي بحت. المعلومات جديدة جدًا، ونسبة ما أعرفه مسبقا لا تبلغ 10% إذ أن ما يتداول في مواقع التواصل الاجتماعي وما يكتب في  المدونات إنما هي القشور، وكتبي كانت تحوي ” العلم المؤصل” .

وحينما اخترت أن يكون اختباري في الأول من إبريل بدأ العد التنازلي في المذاكرة الجدية. قمت بترجمة كامل الكتابين مختصرة في 300 صفحة (لأني لا أحب المذاكرة بغير العربية) ثم أعدت اختصارها من جديد. وكعادة من عندهم اختبار، كنت أهرب! أبحث عن اجتماعات مع صديقاتي، أُكثر من تصفح تويتر بعد أن هجرته لفترة ، وحملت لعبة مطعم في الآيباد أجني من ورائها أموالًا طائلة (افتراضية)، وأفعل كل شيء ممكن إلا المذاكرة الجادة .

كنت مرعوبة بمعنى الكلمة. أهلي وصديقاتي ووضعوا كامل ثقتهم فيّ. وفي داخلي كان يهتف صوت ما: لن تنجحي! هذه الدورة ليست كدورة إعداد مدرب اللغة الانجليزية، هذه دورة صعبة للغاية بدليل أن اختبارها لن يكون في بيتك وإنما في مركز اختبارات.

قبل أسبوعين من الاختبار عادت تلك الظروف الصعبة من جديد وبذات الضراوة، وتعجبت من قدر الله كيف أني اشتركت في هذه الدورة لأهرب من التفكير فيها فجاء التفكير الحقيقي قبل الاختبار بأسبوعين. في المرة الأولى تعلمت أنه ما من بلاء إلا وينزل معه لطف لأن الله هو” اللطيف” وعلينا أن نبحث عن لطفه في بلائه. وتعلمت أن الله عليم حكيم فإذا تيقنت من ذلك فاطمئن لأقدار الله مهما كانت و ثق به وأحسن ظنك. وتعلمت أن الشيطان يريد أن يظفر منك بأي شيئ وهو يجري منك مجرى الدم، ولعله يخطر في بالك خواطر ملحة (كتلك الأغنية التي تتردد في ذهنك طوال الوقت حتى تكاد تجن) تحسبها من تفكيرك فإذا بها تكون من الشيطان فاحذر وانفضها عنك كما لو كانت أفعى تدب على يدك.

عندما عاودت التفكير في هذه الظروف المشكلة وبدأت ثانية في امتصاص طاقتي وفقني الله تعالى للتفكير السليم المتروي، وعلمت أن اغتمامي لن يحل المشكلة ولن يغير من الأمر شيئاً، ولكن الدعاء والصبر و إحسان الظن بالله سيفعل، فرميت كل شيء وراء ظهري وانتبهت لدراستي مطمئنة بأن الله سيدبر أمري جيداً، فهو الرب وهذا عمله.

قبل أن أغادر إلى مقر الاختبار سلمت على أمي التي قالت في ثقة: لا تخافي! ستنجحي لأني أدعو لك. ( فاصل : يا رب لا تحرمني من أمي) .

دخلت المركز الذي لم يكن فيه غيري واتخذت مقعدي أمام جهاز الكمبيوتر وبدأ الاختبار المكون من 150 سؤالاً عليّ حلها في 3 ساعات.

السؤال الأول كان مصيبة! لم أفهم جميع الخيارات لأنها كانت أسماء تمارين رياضية وأتحداكم لو مرت علي في الكتابين.

السؤال الثاني كان كارثة لأن هناك خيارين من أربعة كليهما صحيح، والسؤال يطلب الأصح؟ أحسست بالبرودة تجتاحني، وتصلبت أطرافي .. البداية لا تنبئ بخير. بدأت عيناي تقرآن الأسئلة المتتالية وتداعت أثناء ذلك على ذهني صور متناقضة :

“هذا الاختبار نجح فيه عام 2015 : 65% من المتقدمين “الأمريكان” (وأنا أيش أكو؟ )”.

 “أمي تقول : ستنجحين لأني أدعو لك “.

“اختاري الأصح من الإجابات ( المتشابهة )”.

“ابني سهل يقول: كل سؤال له دقيقة وثلث تقريباً، حاولي ألا تضيعي دقائقك بالتوقف عند الأسئلة لفترة أطول من دقيقة. الاختيارات من متعدد قائمة على الخدعة و اختبار سرعة التفكير. اختاري ما تعتقدين أنه صحيح ثم عودي إليه لو تبقى وقت”.

“لن تنجحي !! أنتِ أدبي وهذا علمي وباللغة الانجليزية أيضاً”.

“صديقاتي يكتبن لي: يا هناء، الأمريكان الذين رسبوا لم يكن عندهم من يدعو لهم ! كلنا معك في الدعاء و” أنت قدها” .

“لماذا أتى هذا السؤال بصيغ مختلفة 4 مرات؟ هل في الأمر خدعة”.

“ما الفرق بين عضلة بايسب فيموريس، وريكتُس فيموريس، وكوادراتوس فيموريس”؟

“لا تتعبي نفسك. لن تنجحي! ألا تلاحظين سرعة تنفسك؟ همممم أليس هذا هو هرومون إبانفراين الذي يُفرز عند التحفز؟ لا عليكِ، انظري إلى سرعة التنفس وتوترك من قراءة الانجليزية لساعتين حتى الآن، وبقي لك 30 سؤالاً”.

“تبًا لهم من أين يأتون بكل هذه الأسئلة”؟

” تمرين البوش أب تقوم به عضلة الترايسبس وبيكتورالس ميجر، وما الثالثة؟ رومبويد أم لاتيسيمس دورساي أم ترابيزيوس؟ ( هذه أسماء عضلات في الظهر وليست أسماء آلهة اغريقية)”!

“هناء .. اضغطي على زر التسليم و انسحبي من الاختبار! ضغطك يرتفع ولا فائدة. لن تنجحي!

 “ولكن إذا فعلت فكيف سأواجه أمي وأولادي وصديقاتي؟ أقول لهم أني لم أجرؤ على إكمال الاختبار بسبب التوتر؟ أقول أني لم أحارب كما ينبغي لأن “أعصابي باظت”.. وكيف سيمكنني أن أكون قدوة لأولادي إذا تخاذلت”؟

“هناء سترسبين “!

“ولو ! لو رسبت فحسبي أني بذلت كل ما في وسعي في دراسة تخصص جديد جداً علي . يكفيني شرف المحاولة”.

“هناء لن …”
“صه ! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”!

اعتدلت في جلستي “الانبطاحية ” واقتطعت دقيقتين للاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جامعة شتات نفسي و عدت . أنهيت الإجابة عن الأسئلة قبل انتهاء الوقت بحمس وأربعين دقيقة وراجعت الإجابات التي شككت فيها ثم ضغطت على زر التسليم submit قبل انتهاء الوقت بنصف دقيقة .

أغمضت عيناي وأخذ قلبي يدق بجنون .. لحظة إعلان النتائج دائما تهيّج مستوى الأدرينالين في دمي حتى لو لم أكن صاحبة النتيجة .

ظهرت نافذة أخرى تؤكد عليّ : هل أنت متأكد من التسليم ؟ لا زال أمامك وقت ..

Submit!

نافذة ثالثة : الآن ستظهر لك النتيجة ( حسبي الله عليكم يا كفار، لعبتوا بأعصابي)!

Ok!

نافذة رابعة في وسط خامسة : اطلب من المشرف طباعة النتيجة .

حسناً لكن أين النتيجة؟ عادة في مثل هذه الاختبارات تكون النتيجة المباشرة كلمة تهنئة congratulations أو اعتذار Sorry  مكتوبة بخط بارز أو ملون . هذه المرة صفحة فيها عدة أسطر وجدول وأرقام . ذهني توقف عن العمل .. مرت عيناي سريعًا على الكلام وفجأة لم أعد أفقه شيئاً .. أين النتيجة ؟ وأخيراً قرأت في السطر الثاني : Congratulations! You passed the test

لن أخبركم عن الشمس التي سطعت بعد احتجاب، ولا عن العصافير التي زقزقت بفرح ولا عن الألعاب النارية التي أضاءت سماء عقلي الذي أظلم لوهلة،  ولاعن فخري بأني لم أخيب ثقة أمي وأولادي وصديقاتي فيّ.. ولكني سأخبركم أني حالما غادرت مركز الاختبار وأُغلق الباب خلفي وتأكدت أن لا أحد في الطريق أخذت أتقافز وأضحك وأصرخ وأحمد الله وسط دهشة ابني سهل وقهقهته .

وأخيراً ، لست متأكدة من إمكانية مزاولتي لمهنة التدريب الشخصي إذ يظل عشقي الأبدي هو تعليم الفقه و اللغة الانجليزية، إلا أني فخورة جداً بإنجازي و بالمعلومات التي استفدتها والتي يمكن تطبيقها في حياتي ومع معارفي. تأكدت من نظريتي أن الإنسان سيظل قادراً بتوفيق الله على العطاء والنجاح مهما بلغ من العمر، ولكن عليه أن يتخيّر ما يناسبه. والأعظم من ذلك فرحي الغامر بأن الله حبيبي أسعدني بنجاحي في وقت لم أنفك فيه عن تخذيل الشيطان، وكأنه يؤكد لي: الصبر مفتاح الفرج، وظروفك الصعبة ستنجلي بإبهار كهذا الاختبار .. فقط اصبري وثابري بالدعاء وإحسان الظن .

شكرا لقراءتكم ومساؤكم سعيد!

Read Full Post »

عندما أصبت بالسرطان قبل سبع سنوات، وفقني الله تعالى إلى البحث عن مشبثات للحياة . كنت أحتاج إلى هذه المشبثات التي تذكرني أن الحياة جميلة وتستحق أن أقاوم المرض لأجلها وأن لا أستسلم للتيار كي يجرفني بعيداً. إحدى هذه المشبثات كانت استنئناف دراستي الجامعية والتي شرعت فيها بعد انتهاء علاجاتي مباشرة.. (راجع تدوينتي خريجة أخيراً ) .

الخطوة المنطقية التي تلي التخرج عادة هو العمل، فكان اختياري لمدرسة بنياتي الخاصة لأعمل كمعلمة للمواد الدينية للمرحلة الابتدائية ومدرّسة تقوية اللغة الانجليزية للصفوف الثانوية ( تناقض، صح؟) .

بدأت يومي الأول في الدوام بحماس منقطع النظير. استيقظت قبل الجميع ورتبت أوراقي وحقيبتي، وكنت كطالبة الروضة المتحمسة لروضتها .. للأسف ، تهاوى هذا الحماس في نهاية الأسبوع الأول ، بعدما أدركت أن الجد قد جَدّ، وأن عليّ أن أودع فعليا نوم الضحيات .

كنت أستيقظ يومياً متثاقلة أجرجر قدمي وأغمغم بسخط على “المشورة المهببة” التي جعلتني أترك حياة الدعة وألجأ إلى “البهدلة” اليومية . أحسست أن بعض متابعي تويتر صار يشمت بي لكثرة ما كنت أداعبهم صباحا بتغريدتي :”عودة للنوم مجددًا، ولا عزاء للمداومين والطلبة”! ولكني شيئاً فشيئاً بدأت أتأقلم على هذا الروتين الذي نظم لي حياتي، وبعد أسبوعين من المعاناة والصراع مع الدوام الجديد ، تصالحت معه وبدأت أعشق العمل.

أنا بطبيعتي أحب التدريس.. وأي عمل يتيح لي الثرثرة على رؤوس الخلائق والقيام بمهمتي كأم تعشق إسداء النصائح بذات الطريقة التي تجيدها مع أولادها المساكين سيكون مرحّباً به ولا شك، لذا فقد شققت طريقي في هذا الأمر بجدراة وذلك بفضل الله وحده.

كل يوم يمر كنت أكتشف بعض الثغرات في نظام التعليم .. خذ مثلاً:

  • الحصص الدراسية قصيرة جدًا مقارنة بالمناهج المزدحمة.. فإذا كانت الحصة 45 دقيقة تضيع منها عشر دقائق على الأقل في دخول المعلمة وانتزام الطالبات وأخذ الغياب والسؤال عن الكتب ومراجعة الواجب، فكم يتبقى من الحصة ؟ كنت أعجب ممن يقول أن هناك معلمات ينهين الدرس قبل انتهاء الحصة .. أيعقل هذا؟ لم أنهِ درسي أبداً قبل انتهاء الحصة، بل كنت أضطر دائماً إلى أخذ حصص الفراغ لإكمال دروسي ..

كيف تريدونني أن أطبق استراتيجيات التعلم التعاوني وأعطيهم أوراق عمل وأشرح لهم بعض الغوامض، وأجيب عن أسئلتهم الفضولية في 30 دقيقة فقط؟ أنا يا جماعة معلمة دين وطالبة علم، وهؤلاء ناشئة يتعرضون لشبهات يومية وعندهم أسئلة، أفيعقل أن أترك الإجابة عن أسئلتهم التي قد تتوسع لمجرد أن عليّ إنهاء الدرس؟

  • منهج الفقه للصف السادس الابتدائي فيه معلومات عن الركنين المعقدين علمياً على الكبار: الزكاة والحج ، فكيف بالصغار؟ ألم يكن من الأجدر تأخير تدريس هذين الركنين حتى تتسع مدارك الصغيرات لتفريعات الزكاة ويؤدين فعليا فريضة العمرة على الأقل ليسهل عليهن شيء من التخيل والفهم وزيادة حصة لمادة التوحيد خاصة وأننا نشتكي من ضعف العلم بالله وهو أصل العلوم وأشرفها؟
  • مستوى القراءة والكتابة لدى الطالبات منخفض، وهذا كان هذا في مدرسة خاصة أعلم حرصها على تعليم طالباتها ، فكيف بالمدارس التي يتكدس فيها الطلبة في الفصل ولا يلقون فيها العناية الوافية؟ ما سبب ذلك يا ترى؟
  • أما اللغة الانجليزية فلعلي أكتب فيها دواوين، ولا أريد الإثقال عليكم هنا بهذا الموضع ، لأني فيما يتعلق بتعليم الانجليزية بالذات ( لما أفك ما أصك )!!

 

في الحقيقة قضيت فصلا دراسيا ممتعا، ونشأت بيني وبين المعلمات علاقة قوية بفضل الله تعالى، ولكن لعل الله تعالى له اختيار أفضل يخصني. لم تقبل الوزارة شهادتي مع أنني خريجة جامعة حكومية معترف بها وهي جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض، وحصلت على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ولكني – وهذه كلمة السر – : طالبة عن بعد !!! لم أكن منتظمة ، فلم أحصل على تطبيق عملي استمر فصلاً أو سنة .. وبالتالي لم أكن “تربوية ” جديرة بـ”تربية وتعليم” الطالبات بشكل صحيح .. أنا أم السبعة أولاد .. لم تفكر الوزارة بأن من الحاصلات على البكالريوس عن بعد من تكون أكثر جدارة بالتدريس ممن حصلن على “شهادة ” التطبيق العملي .. وبالتالي كان لزاما عليها أن تضع آلية مدروسة لاختبار مثيلاتي لمعرفة جدارتهن للحصول على الوظيفة التعليمية.

ومع حزني العميق على عدم قبولي واضطراري للتخلي عن مهنة أحببتها وأعطيتها جهدي كله، إلا أني –ولعلمي اليقين بحكمة الله تعالى – رحت أفتش عن الإيجابيات، وسرعان ما وجدتها .. وجدت أن التدريس مع مافيه من متعة فائقة، إلا أنه حرمني من هواياتي، خاصة وأني كنت أدرّس مساء في حصصي الخاصة لتعليم الانجليزية كلغة أجنبية. لم أعد أجد الوقت لأكتب، والكتابة رئتي الثالثة .. أحسست أني عشت فصلاً دراسيًا بضيق شديد في التنفس .. لم أعد أجد الوقت لأقرأ، فوقتي كله ضائع بين دوام صباحي، ودوام مسائي وبينهما تحضيرات. لم أعد أجد الوقت لأدرس، فأنا شغوفة دائماً بالانخراط في منصات التعليم عن بعد لأدرس شيئاً ما. حُرمت من زيارات الحرم النبوي الصباحية مع صديقاتي.. حُرمت من المحاضرات التي كنت ألقيها صباحا أو مساء في أحد المساجد أو بعض البيوت. حُرمت من مراجعة القرآن وطلب العلم. حُرمت من جلسة بنياتي، ومتابعة دروسهن ومراجعتهن للقرآن، بل وحتى الاستماع إلى حكاياهن .. كنت كما يقولون (أجري ما أدري)، وأنا بت في سن لم يعد هذا الجري فيه سهلاً .. وهنا، وبعد الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات التي تخص حالتي وحدها، وبعد الاستخارة والاستشارة، رفضت الوظيفة الإدراية، وقررت العودة إلى نظام ربة المنزل ..

لم أندم على أيٍ من قراراتي، فكلها كانت باستخارة واستشارة .. يكفيني أني قد حصلت على مسمى معلمة واكتسبت شيئاً من خبرة، يكفيني تعرفي على ثلة من صديقات طيبات، يكفيني أني عرفت أن لي قبولاً في وسط الطالبات حديثات السن مع أني في عمر أمهاتهن،  يكفيني أني سبرت أغوار نفسي وعرفت ما ينفعني وما لا ينفعني ..

الآن وقد مضى على ذلك الزمان أكثر من سنة فإنني قد أديت من الإنجازات ما عوضني الله به عن تركي للمهنة التي أحببتها. انتظمت في نظام صحي جيد وخسرت وزنا لطالما تقت لخسارته، واشتركت في نظام رياضي أون لاين حتى غدت الرياضة جزءًا مهمًا من يومي (ولا أعرف متى كنت لأتمرن لو لم أترك التعليم)، درست كورساً جديداً في تعليم اللغة الانجليزية ليتحسن أدائي في دروسي الخاصة، أنشأت مدونة بعد الأربعين والتي يغني عنوانها عن وصفها، وعدت من جديد للثرثرة على رؤوس الخلق في المحاضرات والدروس الشرعية التي أعشقها.

لا تحزن أبداً على مافاتك، فالله تعالى له اختيارات أفضل لك.. فقط ثق بالله وتحرك واسع وابحث وستجد ما يناسبك.

Read Full Post »

حفلات العزاء

       عنوان مزعج ، أليس كذلك ؟ الحقيقة أن الواقع أكثر إزعاجًا ، على الأقل في الحجاز ، ولا أعلم عن باقي المناطق .

عادتي في العزاء أن أسلم على أهل الميت وأواسيهم بكلمات وأدعو لميتهم بالرحمة ثم أنصرف دون أن أتناول شيئاً ولو جرعة ماء ، ولكن في الشهور الماضية حضرت اثنتين من حفلات العزاء بسبب صداقتي القوية لأهل الميت ، وجلست على غير عادتي فترات طويلة ، كنت أرقب فيها باهتمام مع كم هائل من الغضب والاستياء ما يجري .

ما أعرفه أنه لازال الناس يقولون إذا جلسوا مجلساً يسوده الهدوء المطبق :”مالكم كأنكم في عزاء” .. للأسف ، تغير الوضع الآن ، فبقي المثل وتحول الواقع .

غالبية النساء “المعزيات” “اللواتي يفترض أن يكون سبب وجودهن في هذا المكان هو مواساة أهل الميت يحضرن من أذان المغرب أو قبيله بقليل “ويتكئن”! وهذا لفظ حجازي “مفصحن” للتعبير عن إطالة المكوث بشكل مبالغ فيه . لا مشكلة لدي شخصيا في الإطالة ، ولكن مشكلتي فيما يفعلنه أثناء ذلك . مفهوم التعزية والمواساة اندرس تماما أو كاد.

التنافس على “إكرام الميت”بأنواع الضيافة و”المباشرة” ، العشاء ، الضحك الصاخب ، اللباس ، كل ما حولك يوحي إليك أنك في حفل بالفعل . تكاد تظن أن الناس ينتظرون أمثال هذه الحفلات للاجتماع وتناول الطعام وكل شيء قد تفكر فيه .. كل شيء إلا التعزية والمواساة.. وما بين هذا اللباس ، وتلك الضحكات ، فإن قلوب أهل الميت المكلومة تكاد تتفطر حزنًا على ميتهم ، وغيظاً من أولئك المعزين باردي الوجوه ، متحجري القلوب ، ولولا خشية العيب لنهروهم أو طردوهم .

خذ مثلاً اللباس .. من شاءت ألا تخلع عباءتها ، فالعباءة نفسه فتنة وزينة (ولا تنس أن هذه العباءة خاصة بالعزاء) ، ومن خلعتها فإنك إذا رأيتها تخطئ الظن وتحسب أنها في حفل .. أوه .. لقد ذكرت أن هذا حفل عزاء بالفعل .. إذن المعذرة ، هي لم تخطئ التصرف ! أنا من أخطأت الفهم .

وبعض النساء ، من باب إتحاف أهل الميت وتقديراً للميت نفسه يتنافسن في إحضار ما لذ وطاب لتقديمه على العشاء .. العشاء الذي يفترض به أن يكون معداً لأهل الميت .. البعض يحضر أنواع “التعتيمة”، وهي لمن لم يكن خبيراً بعمل أهل الحجاز حلويات شعبية كانت تقدم في “ليالي الزفاف والأعراس”!! تتكون من الهريسة واللبنية واللدو والحلاوة الطحينية وغيرها، وأنواع الأجبان .. والبعض يحضر “المعمول” أو غيره من المأكولات التي –بالتأكيد- ليس هذا محلها. ناهيك عن التمور المزينة ، ولم ينقص إلا الشوكولاتة الفاخرة .

ماذا عن المكياج ؟ بالمناسبة ، هناك مكياج خاص بالعزاء !

ماذا عن الضحك والسلامات وتبادل الأشواق والحكايا ، وآخر أخبار السفر ، وكل ذلك أمام أهل الميت مباشرة  وكأن من مات عندهم قطتهم الأليفة أو سائقهم المخلص ، لا زوج أو أب أو حبيب..

كل ذلك قد يكون محتملاً ، ويمكن ابتلاعه بصعوبة مع احتمالية الغص به ، ولكن ما سمعته قريباً عما حدث في إحدى هذه الحفلات جعل فكي يتدلى ببلاهة من سوء أدب وأخلاق بعض القوم ، و الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهم به .

حدثتني إحداهن أن بعض “المعزومات” .. أقصد المعزيات” طلبت شاياً أخضر بعد العشاء ، مع العلم أن الشاي لم يكن أحد الفقرات أصلاً ! وأخرى طلبت ماء في كأس زجاجي لا في قارورة بلاستك !! وثالثة سألت عن نوع اللحم الذي يُقدم لأن اللحم الفلاني لا يناسب معدتها ، ورابعة طلبت “طرشي” مع الرز !!!!

لعل المشاركة في بعض أحرف “عزاء” و”عزومة” أورثت هذه المشاركة في بعض الطقوس . ولكن الذي أتيقنه أنك إذا لم تستح فافصنع ما شئت ! والذي أتيقنه أن من جاءت للعزاء بهذه الرقاعة “ووساعة الوجه ” ، ستأتيها يوما رقيعة أخرى وسيعة الوجه “تعزيها” وتطلب ماء “بيريه” مع العشاء .

عندما قال النبي ﷺ : ” اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم “، كان يقصد أن يأتي الناس بالطعام لآل جعفر ويخدموهم ليكفوهم هَمّ الطعام في هذه الفترة الحرجة ، والآن صار آل جعفر هم من يصنع الطعام ويقوم بخدمة “المعازيم” ، أقصد “المعزين” ، لئلا يوصموا بالبخل وعدم إحترام الميت وتقديره .

أعتقد أن كل هذه التجاوزات المرفوضة جملة وتفصيلاً ترجع إلى تجاهلنا هدي الصحابة في عدم الاجتماع وصنع الطعام، وقد قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة ، ومعلوم حكم النياحة في الشرع .

ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها . وأقول – وأنا مسؤولة عن قولي- امنعوا تقديم العشاء في حفلات العزاء حتى تصبح عادة معروفة ، ثم انظروا كيف ستختفي كثير من هذه المناظر المؤذية . اقبلوا التعزية بالهاتف أو باللقاء العابر أو حتى برسالة الجوال لو تعذر المجيء ، ثم انظروا كيف ستختفي باقي المناظر المؤذية .

نحتاج لتصحيح المسار في أمور كثيرة من حياتنا .. فلنبدأ جميعنا بالتغيير ، ومن سنة سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بعده إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء.

Read Full Post »

الفارس !

مكتوب على جبيني : احكِ لي !

قابلت “سيناً ” من النساء ذات صباح وتشعبت بنا الأحاديث ، حتى فوجئت بها تفضفض لي فضفضة من النوع الحميم ، برأيي على الأقل .. ما كنت لأخبر بمثل كلامها أحداً .. وكم راعني الصدق الهائل في حديثها ..

تساءلَتْ “سين “: “لم يسود الاعتقاد بأن المرأة إذا كبرت وبلغت الخمسين أصبحت “من القواعد” ، وعليها أن  تتخلى عن عواطفها كذلك ؟ أعني تلك العواطف المتعلقة بالأنوثة .. بالرغبة في الغزل . بالرغبة في الجنس ربما !! من قال أن هذه المشاعر خاصة بالشابات ؟ ألا يفكرون أن مثل هذا الظن هو بمثابة الحكم بالإعدام العاطفي علينا ؟ كان زوجي يملأ عليّ حياتي ويشبع رغباتي في سماع الغزل وكلمات الحب والعشق .. فلما طُلقت ، كان ألمي وجراحي التي تسبب بها أكبر من أن أفتقد سماع ما اعتدت على سماعه في ربع قرن .. كنت أرفض تماما فكرة إعادة التجربة معه أو مع غيره ، أيا كان .. فلما تجاوزت القنطرة ، وبدأت أستعيد ثقتي بنفسي بفضل الله تعالى  ، عاد إليّ الحنين الفطري إلى سماع الغزل .. لعله الحنين إلى إعادة التجربة ، ولكن هذه المرة ليس مع نفس الشخص ، وإنما مع فارس ..

أتذكر حلما جميلاً حلمت به منذ سنين طويلة .. على الرغم من كوني متزوجة في تلك الفترة .. حلمت أني متزوجة من رجل كالرجل الوطواط .. أتذكرينه يا هناء ؟ لا تراوغي  ! فكلانا من جيل مجلات سوبرمان والوطواط .. ولكن ذاك كان “صبحي” ، وهذا كان ” محفوظ ” .. لا تضحكي !! أنا نفسي متعجبة من هذا الاسم ، من أين أتى ؟ كان رجل أعمال ثرياُ جدًا جدًا ، ولكن شخصيته الحقيقية تظهر في الإجازات : بدوي يعشق الصحراء ويركب الخيول .. له وسامة البدو الوسيمين ، و الطول الفارع والسمار الجذاب ، واللحية المخنجرة ، وقوة البدو التي نقرأ عنها في الروايات ، القوة الجسدية والشخصية ، والشهامة العربية ، يلقي قصائده الرومانسية بصوت عميق كأسد الصحراء .. ويكبرني بسبع سنوات .. باختصار .. كان فارساً من الجنة .. ظل محفوظ هذا يداعب خيالي كالحلم الجميل ، وكنت أحاول تنزيله على الواقع بأن أفكر أنه يمثل زوجي -آنذاك- في الجنة أو أي شيء ، ولكن (ما كان يضبط) .. فلما طُلقت ، والتقطت أنفاسي ، عاد لي الحلم مجددًا ، بعد سنوات ..

كل من يسألني : ألن تتزوجي مرة ثانية ، كنت أجيبه أولاً بضحكة ساخرة من سذاجته ، وكأن الخطاب ينظمون أنفسهم في طوابير عند باب بيتي .. وثانياً ، لأني إذا أردت أن أعيد الكرة فلن أقبل بأقل من ” محفوظ “..

سألتها متعجبة  : “وهل هناك مثل “محفوظ ” أو أكثر ؟”

ضحكَتْ بعذوبة مدهشة وقالت : “نعم .. رجل كمحفوظ في صفاته ولكن باسم أجمل !!”

بادلت ضحكتها الحالمة بضحكة متعجبة من هذه الرقة المفاجئة التي تغشتها ، وقلت : “طيب، ما ذلك على الله بعزيز ، فاستعيني عليه بالدعاء “.

تبسمَتْ في حزن خفي ، وقالت : “نعم صحيح ، ولكني أعتقد أني لو دعوت به في الدنيا فسيكون اعتداء في الدعاء . مَن الفارس الذي سيرضى بامرأة خمسينية في حين تتمناه كل حوريات الدنيا ؟ لِم يتزوج مَن رق عظمها ، ووهن جسدها، ولم تظفر بنصيب واف من الجمال في شبابها لتظفر به الآن ، وفوق كل ذلك شعيرات بيضاء متناثرة ، وبطن مترهلة تحكي خمساً من الولد “.

قلت بإصرار : “ولِم جلد الذات ؟ ماذا عن جميع صفاتك الرائعة ؟ ذكائك ومرحك .. روحك الإيجابية المدهشة وإصرارك .. تفاؤلك وحبك للخير .. تفانيك في سبيل من تحبين وكل الصفات الجميلة الأخرى .. كم من النساء من تغيب شموس جمالهن خلف غيوم التفاهة وقبح النفس .”

هزت رأسها وقالت : “مثل هذه المرأة ، لا يصلح لها إلا من كانت له عشرة معها جعلته يعرفها جيداً ويعرف أي كنز هي .. المشكلة أن هذه المرأة  لا تريد ذلك الرجل .. لأنه لم يكن أبداً فارسها .. كانت تحبه نعم .. ولكن لأنه كان الحب الأول .. لم يكن لا شكلا ولا أخلاقاً ولا مادة مثل فارسها ولا نصيفه .. كانت تعطي ويأخذ ، ولا يعطيها مقابلا إلا اللمم ، فترضى به لأنها تحبه .. ضحت من أجله ، أهملت أهلها ، قطعت أجزاء من جسدها ، أهانت كرامتها كالغبية لترضيه ، ولكنه لم يكن ليرضى .. لم يكن فارساً .. ألهذا جاء حلم محفوظ ، ليحكي رغبة قديمة لم تتحقق ؟؟ أترينه كان حديث نفس ؟ ماذا أفعل الآن بهذه المشاعر المتضاربة في صدري ياهناء ؟ أخاف منها جداً.. أخذت تلح علي بشدة ، وتظهر آثارها على السطح ببطء .. لا أحب أن يستعبد فكري مخلوق .. لا أحب أن يستعبد قلبي مخلوق .. بدأ ذلك الفارس يحتل جزءا من قلبي .. وأقاوم .. أحاول أن أصوره في ذهني وهو يصرخ على امرأته : يا حيوانة .. يا غبية .. أحاول أن أتخيله يرفض ذهابها إلى وليمة أهلها بحجة أن أهله عندهم وليمة ولابد أن تكون معهم .. أحاول أن أتخيله يسخر من تفاهاتها ويعظّم تفاهاته . أحاول أن أكرهه .. لا أريد أن أحيا في نكد وضيق لعدم تحقق حلمي ، فأنا لا أريد فارساً خيالياً ، افتراضيا ، لا يمكنني الوصول إليه .. أريده فارساً حقيقيًا ، يعلمني ركوب الخيل ويأخذني في رحلة خاصة لأطراف مزرعته ، وحدنا مع بندقيته ليحميني .. أريده أن يغني لي بصوته الشجي ويثني على صوتي بنظرة عشق يذوب لها قلبي .. أريده أن يأخذني في رحلة حول العالم ، ليؤمني في صلاة العصر في حديقة عامة تحت أنظار الفضوليين الذين يسألوننا فيما بعد عن الدين الذي نتبعه .. أريده أن يأخذني في أحضانه يهدهدني  بصوته العميق كالطفلة المدللة كلما آذاني أحد أولادي ، ويذكرني برفق أنهم سيكبرون ويغمرونني ببرهم ، وأن مهمتي الآن أن أسامحهم وأعطيهم ما يريدون .. لا أريد حبه جنسيًا مجرداً.. أريده حبا عقليًا , جنسياً ، ثقافيًا .. أريده إعجابًا وعشقًا واحترامًا .. أريده أن يكون لي كأبي زرع لأم زرع !”

سألتُها بحذر : “أترين محفوظا هذا سيأتيك في الدنيا ؟ برأيي يا “سين”  أن الأفضل أن يأتيك في الجنة ، لو كان لنا أن نختار .. الدنيا عَرَض زائل ، وحلمك هذا جميل لا تودين أن ينقطع بموتك أو موته .. تريدينه حقيقة ، وليس في الدنيا حقيقة أقوى من الموت .. ارضي به في الجنة ، واعملي على أن تظفري به هناك ، فإن الغبن كل الغبن ، أن تضيعيه هنا وهناك “.

نظرت “سين ” إليّ طويلاً ، ثم رفعت رأسها إلى السماء ، وأطلقت زفرة حرى ، وقالت : “رباه .. إنك على كل شي قدير “.

Read Full Post »

خريجة أخيراً :”)

ها أنذا .. خريجة أخيراً ، و الحمد لله أولاً وآخراً ، و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

ما أقرب ذلك اليوم وكأنه البارحة حينما كنت أتلقى جرعات الكيماوي حين لمع في خاطري بصيص ضياء أنار عقلي وقلبي : أكملي الجامعة .. حققي حلمك وتشبثي بالحياة ..

كنت أنتظر انتهاء الكيماوي وموعد التسجيل للتعلم عن بعد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بفارغ الصبر لأحقق حلماً تأخر تحققه أكثر من ربع قرن .

وحينما كنت أقطع خمساً وأربعين دقيقة في المشوار الطويل اليومي لمستشفى الحرس لتلقي العلاج الإشعاعي كانت مذكرات الدورة التأهيلية رفيقتي في الذهاب والإياب .

وحينما كنت أحاول تثبيت المعلومات الجديدة القديمة في ذاكرتي المهترئة بفعل الكيماوي كنت أشعر بأعصابي تحترق وأنا أخفق في حفظ ما كنت أريد حفظه بالسرعة التي كنت أرجوها ، وأتحسر في سري على تلك الأيام التي كانت ذاكرتي فيها كالماسح الضوئي ( السكانر ) .

دخلت في أول اختبار لي مقر الاختبار بالمعهد العلمي في المدينة النبوية حيث درس ابنيّ خالد وسهل المتوسطة والثانوية . وربما أكون جلست على مقاعدهم أيضاً ..

دخلت وعلى فمي ابتسامة حيرى ، تائهة بين الشعور بالامتنان لله اللطيف الخبير ، والفخر بالله الكريم والحب لله الودود .

كان كل فصل دراسي يمضي يحقق في نفسي إحساساً بالإنجاز ؛ مفرحاً ، مدهشاً ، مثيراً ..

كانت كل نتيجة متفوقة تسكب في قلبي فرحاً و اغتباطاً ، ومزيداً من الامتنان والفخر و الحب .

لن أدّعي أني سهرت الليالي  الطوال في المذاكرة ، فالدراسة عن بعد ليست شديدة الصعوبة خاصة وأن خلفيتي العملية الشرعية ساعدتني جداً بفضل الله تعالى ، لكن الالتزام بالوقت والمنهج ، إضافة إلى القلق من عدم احترافية بعض الأساتذة في وضع الأسئلة كان لأعصابي بالمرصاد في كل فصل دراسي.

وفي اليوم الأخير من الاختبارات ، وفي الساعة الأخيرة قبل دخول القاعة ، تركت المراجعة والأوراق وبدأت أستمتع بهذه الدقائق التي لن تلبث أن تذهب ولا تعود ، تماماً كمن يستحلب قطعة شوكولاتة فاخرة ولذيذة ، يلصقها في سقف حلقه ، محاولاً الاحتفاظ بنشوة طعمها لأطول فترة ممكنة .

وهاهي الآن الطالبة في سن جدتي تحصل على شهادة البكالريوس في الشريعة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى بفضل الله تعالى. 

صحيح أن التخرج من البكالريوس ليس إنجازاً هائلاً بحد ذاته يستحق كل تلك الضجة والاحتفال  ، ولكن التخرج عندي يعني لي الكثير ..

يعني لي النجاة والأمل و الحياة ..

يعني لي سعة لطف الله تعالى وعونه  وحبه ..

حينما تحصل لنا الأحداث الجميلة ننسى أحياناً أن نستشعر كونها هدية من الله أعطاناها ليفرحنا ، ونذهل عن أن نحمده بقلوبنا قبل ألسنتنا وأن نقدح في قلوبنا زناد الحب والتعظيم له ، فتمر مواقفنا الجميلة سُدى ثم تنسى .

ارجع واجتر ذكرياتك واستخرج من أركانها تلك اللحظات السعيدة ، وعش ثانية ذلك الشعور الجميل .. هذه المرة استشعر فضل الله عليك وعونه وتسديده لك ..

صدقني ، الحياة بهذه النظرة أجمل من أن تضيعها في التحسر على ما لم يكن من نصيبك وتمني ما عند غيرك .

صدقني .. لا يعدل شيئ ذلك الشعور بأن لك رباً كريماً لطيفاً ودوداً يكلؤك بحفظه ويفرحك بنعمه .

حالياً ، سأسترخي في مقعدي ، وأزفر براحة وأقول : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله .

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: