Feeds:
المقالات
تعليقات

الخميس 2 /8/ 1441 ، الموافق لـ 26 مارس من عام 2020

مدونتي الحبيبة

اليوم انتبهت أني لم أعد أسمع هدير الطائرات وهي تمر قريبا من بيتي. عجيب أني لم أفتقدها. الهدوء يعم المكان، ولولا بعض العصافير في أشجار الأفنية المجاورة، وأصوات الطرق والنشر التي يحملها الهواء إلى مسامعي من البيوت التي تبنى في الحي لكان الصمت قاتلا.

ومع ذلك فليس الأمر بالسوء الذي تتصورينه. صرنا نفرح بصوت جرس الباب إذا رن، ويهرع الجميع ليرى من الطارق (ألا يذكرك هذا بنا ونحن صغار؟). صار عبد الله مضطرا لتناول طعام العشاء من البيت بعدما كان يأكل يوميا من الطعام السوقي، وذاك أمر كان يزعجني جدا. صرت أشعر بالمزيد من الأمان ليلا لأني أعرف أن كل جيراني في منازلهم، والسيارات تملأ الشارع، فمن المجنون الذي سيفكر في تسلق جدار ما ليسرق؟

وبالرغم من جميع الفرص لشقلبة أوقات النوم إلا أني مازلت على نفس نظامي ولله الحمد، إذ أنني امرأة صباحية ولا أستطيع العمل بكفاءة مساء. لذا فلا زلت أنام في الواحدة (متأخر أعترف)، واستيقظ في التاسعة. أتمنى بشدة أن أظل مستيقظة بعد صلاة الفجر لأستمع إلى محاضرة أو أؤدي عملا مفيدا ولكن هذا النوم المتأخر لا يساعدني في ذلك أبدا.

تعرفين؟ لعلي أنشئ لنفسي تحديا في سماع درس الشيخ عبد الرزاق البدر بعد الفجر ثم النوم بعده . نعم. أعتقد أني سأفعل هذا ، فرمضان على الأبواب ولابد من تهيئة القلب لاستقباله خاصة في هذه الظروف العجيبة.

شكرا لك مدونتي، لقد ألهمتني بعمل شيء جيد وسأبدأ به إن شاء الله من الغد 🙂

 

الأربعاء 1 /8/ 1441 ، الموافق لـ 25 مارس من عام 2020

مدونتي الحبيبة

أنا اليوم أفضل ولله الحمد. كل يوم تطلع فيه الشمس تتغير نفوس بني آدم عن اليوم الذي قبله. بل لعلها تتغير في نفس اليوم. بقي على رمضان شهر واحد. رباه كم أشتاق له. متفائلة جدا برمضان هذه السنة، فقط أدعو الله ألا يحرمنا سماع صلوات التراويح وحضورها بذنوبنا.

اشتريت أمس علبة ألوان كبيرة وأوراق الكوتشينة (لأملأ بها الفراغ الحادث هذه الأيام). مضحك .. هل بالفعل أمتلك وقت فراغ كبير -أنا هناء الحكيم- لأملأ بعضه بالتلوين ولعب الورق مع البنات؟ الكل يفعل ذلك على العموم، ولكن هل أحتاجه بالفعل للحفاظ على رباطة جأشي، أم أن هذا الأمر غدا من أدبيات المرحلة: أنا في عزلة إجبارية، أنا مع الأهل، لا أذهب للدوام، لابد أن أفرغ طاقتي السلبية في التلوين أو الأعمال اليدوية وأعطي الأهل (كواليتي تايم) باللعب معهم!!

عموما، لا أعدك بأني سألون كثيرا، فعلى الرغم من حبي لاقتناء الأدوات المكتبية إلا أني قلما أستعمل منها غير الدفاتر الكبيرة وأقلام الجامعة متعددة الألوان غالية الثمن والتي لا تنفك تضيع وكأنما هناك جني يسرقها على الدوام. سأحاول تخصيص خمس دقائق لفعل ذلك.. سأحاول فقط لمجاراة الجميع.

لا زال حالات جديدة من الكورونا تكتشف وبعضها لمشاهير في السناب ، وهذا يعني انتشار المزيد من القلق والخوف. وقبل قليل صدرت الأوامر الملكية بتقديم موعد الحظر إلى الثالثة بدلا من السابعة في كل من الرياض ومكة والمدينة، ومن الوارد جدا تعميم هذا الأمر على باقي مناطق المملكة. ومع أني لست متضررة من هذا التقديم لمكوثي في البيت في جميع الأحوال، إلا أني لا أخفيك أن الأمر يزداد صعوبة وتوترا. حسنا، لننظر إلى ذلك بشيء من الإيجابية والتفاؤل. ألم يقل الأول:

اشتدي أزمة تنفرجي   قد آذن ليلك بالبَلَج

ليس لي من الأمر شيء إلا أن أتطير وأقلق (وهذا لن يغير من الأمر شيئا) ولا أحب النكد، أو أن أتفاءل بانجلاء الغم قريبا مع الصبر والاستعانة بالله. أعتقد أن الخبار الثاني أعقل وأحكم، وما خاب من قصد الله.

الثلاثاء 29 /7/ 1441، الموافق لـ 24 مارس من عام 2020

مدونتي الحبيبة

اليوم بالذات آمل أن تلتزمي الصمت ولا تردي علي بحرف. مهمتك اليوم الاستماع فقط. اليوم أشعر برغبة عارمة في البكاء. لا تسأليني لم. أنا نفسي لا أعرف.

اشتقت لأمي وحضنها وريحها. اشتقت ليدها تمسح رأسي وشعري، اشتقت لوجهها الحبيب وهي تنظر إلي بجذل وتقول: (إيش المفاجأة الحلوة دي) إذا دخلت عليها دون سابق موعد، اشتقت لأن أطوق عنقها بعقد الفل الذي تحبه فتدعو لي بسعة الرزق، فقط ليزقني الله في الأسابيع التالية رزقا وفيرا.. اشتقت لجَمعة إخواني، اشتقت لمزاحهم و (حشهم) في بعضهم البعض. اشتقت لأن أشعر بأني الفتاة الصغرى، المدللة، التي تستقي من كبارها الأمان.

للأمانة ، تعبت من كوني مصدر الأمان لمن حولي. في بيتي أمام أطفالي عليّ أن أشعرهم ان كل شيء سيكون على مايرام، عليّ أن أستمع بصبر لحلطماتهم، ولنحيبهم عند الملل ورغبتهم في الخروج والزيارات. عليّ أن أكلمهم بحكمة وصبر عن خطورة هذا الموقف وحرج هذا الوقت. وفي تويتر وسناب شات عليّ أن أظهر بمظهر الحكيمة العاقلة الصبورة التي لا تنفك تذكر الناس بأن هذا الوقت سيمضي وعليهم الصبر وملء الفراغ بأمور مفيدة ووو. لماذا؟ لأني قدوة !!

تعبت .. لا أريد أن أكون قدوة !! ألا يدرك الناس أنه حتى القدوات بشر؟ يألمون ويملون ، وتؤثر فيهم عوامل التعرية ( وهي هنا نحيب الأطفال المترفين الملولين). اشتقت (للفلفة ) في الشوارع بسيارتي، والتسكع في الأسواق (و ليس طبعي)، وللذهاب للنادي. عليّ الآن (الانثبار) في البيت، والتمرن في البيت، بل وتناول كل الوجبات من البيت (فهذه قوانين تحدي العيد)، إذن لا مجال لتفريغ الانفعالات في الطعام المشتهى! هذا الأمر يمتص مني طاقة إيجابية كبيرة.

تعرفين؟ عندي شعور أنه ستأتيني بالغد تعليقات تستنكر مني ما يبدو لهم جزعا. ولكن لا، هذا ليس جزعا. لن أستطيع أن أخفي حزني أو أن أظهر ما ليس في داخلي من بعض الألم فقط لكي يقال عني ما أجلدها، ما أحلمها. لن أغير الحقيقة فهذه التدوينة تقرأ تاريخي الآن . تاريخي الآن يقول أني حزينة بعض الشيء وأن بي شوق عظيم .. أعلم أني سأكون أفضل في الغد إن شاء الله . ولكني الآن لست كذلك ..

اتركيني الآن.

الاثنين 28 /7/ 1441، الموافق لـ 23 مارس من عام 2020

مدونتي الحبيبة

استيقظت اليوم على أمر ملكي بحظر التجول من السابعة مساء إلى السادسة صباحا لثلاثة أسابيع.  حظر تجول … شعور غريب أن لا يمكنك الخروج من بيتك في بلدك الآمنة بعد السابعة مساء وإلا.. ولكن هل أترك لنفسي العنان في الاسترسال في القلق والخوف والتوجس؟ النفس -كماتعلمين- تحب الدراما ومستعدة فورا لنسج الخيالات والسيناريوهات السوداء لمستقبل بئيس، متغافلة عن كل النعم التي نرفل فيها بالرغم من الكآبة التي تعم  المكان.

اليوم أشعر بالفخر بدولتي العظيمة التي أمسكت زمام الأمور بيد صارمة، لأن كثيرا من الناس (ما يقوش إلا بالشخيط). أمرتنا بالتزام البيوت، وأجرت علينا المرتبات، وتكفلت بتوفير كل الأطعمة والأشربة و الكماليات والتحسينيات والترفيهات بأسعارها المعتادة، فقط عليكم أن تجلسوا في البيت وتستمتعوا. ياسلااام . ألم يكن هذا عز الطلب لأكثرنا؟

اليوم أشعر بالامتنان لهذا الحجز الإجباري: يمكنني الآن فعل الكثير مما كنت لا أفعله سابقا تحججا بضياع الوقت في الخروج المتكرر لزيارة أمي أو توصيل البنات للمدارس أو التسوق للبيت، (المرأة التي بيدها مفتاح سيارة كيف يمكنك أن تقنعها بالجلوس؟). اليوم سيتضح لي هل كنت مشغولة فعلا عن دراستي وعملي بالواجبات “الخروجية” أو أنني أفتقر لمهارات ترتيب الأولويات.

اليوم أشعر بأني آوي إلى ركن شديد. ربي ربي الله ولا أشرك به شيئا. رزقنا ورعانا ومن كل ما سألناه أعطانا. أجرى علينا الأرزاق الوافرة، وعلمنا الأذكار والأوراد التي تجيرنا مما نخاف، ومع ذلك ننسى ونجزع ونتسخط، كذلك الذي عنده الكامري يتسخط أن ليس عنده لكزس، وصاحب اللكزس يريد المرسيدس، أما ذاك الأخير فطموحه (في العلالي). كلهم لم ينظروا إلى صاحب الدراجة الذي يقود دراجته تحت لهيب الشمس تلفحه رياح السموم في قيظ الظهيرة، أما هو فيحمد الله ليل نهار على دراجته لأن صديقه يمشي برجليه إلى عمله. حين يعطينا الله تعالى ألفا من النعم ويمنعنا خمسا، لماذا يصر البعض على مد عينيه إلى تلك الخمس ويتحسر على فواتها ويفشل في رؤية الألف؟

هناء .. ثقي بربك اللطيف الخبير.

الأحد 27 /7/ 1441، الموافق لـ 22 مارس من عام 2020

مدونتي الحبيبة :

اليوم هو الثاني لي من العزلة المنزلية التي فرضتها على عائلتي الصغيرة بناء على توجيهات الدولة للتحرز من وباء كورونا. ومع أن خروجي قليل بطبيعة الحال إلا أن هذا الحجز المنزلي وكونه مفروضا يترك في نفسي شيئا من عدم القلق وعدم الارتياح.

الوضع الآن كالتالي: البنات إما في في الصالة أو في حجورهن مع أجهزتهن، عبد الله يصرخ مع أصدقائه القيمرز ويضحك، وأنا أتنقل في كل مكان ولكني غالبا في حجرتي وعلى كمبيوتري، إما أتابع أخبار التحدي، أو أكتب تدوينة صحية أو بوستا لانستغرام، أو أدرس الكورس الجديد (الذي اشتريته من 4 أشهر عن الشبخوخة). لا أزور أمي، لا أطلب من المطاعم ( بسبب التحدي)، لا نمشي في الشارع.

وقتي مليء بلا شك، ولكن (ترى في الجو غيم). تشعرين يا مدونتي بالقلق في الجو . تكادين تشمّين التوجس والترقب ينتقل في الهواء بين البشر، ومع ذلك فعليك المحافظة على رباطة جأشك، لأن الواقع أن الله تعالى منعم كريم. نحادث أحبابنا بالفيس تايم، ومخازننا ملأى بما لذ وطاب، والتقنية المرفِّهة ترفه عنا، وعيالنا معنا في بيوتنا. أولم يكن هذا جل ما نطلبه؟ فلماذا ضاقت الأنفس بالحجز المنزلي؟

اليوم أشعر بالبرد ، وحلقي يؤلمني من عدة أيام ، وحساسيتي من جو جدة عاودتني وأنهكني العطاس. نعم هي الحساسية وتغير الجو إن شاء الله وليس شيئا آخر. سأحاول في هذه الفترة أن أزورك يا مدونتي يوميا لأكتب ما يدور بخلدي، لي وللتاريخ، و لكل من يحب أن يعرف ما يفكر به الآخرون في الأزمات.  وحتى ذلك الحين سأكون على ما يرام إن شاء الله .

عندما أصبحت مدربة شخصية

في العام الماضي وقريباً من هذا الوقت ألمت بي ظروف صعبة أنهكت تفكيري وامتصت الكثير من طاقتي، فلما انفرجت بعض الشيء في نهاية رمضان اتخذت قراراً يشكل لي تحدياً كبيراً . حكيت لكم في تدوينة لماذا الوسوسة من مدونتي الثانية “بعد الأربعين” عن مشكلة أمي مع فخذها المكسور وكيف أنني قررت بعد حادثتها أن ألتزم النمط الصحي للمعيشة وأدعو إليه. كنت أرى أمي تتعب كثيراً في القيام بمهمات الحياة اليومية ولا تكاد تمشي. لا تنسوا أن أمي مصابة بهشاشة قوية .

كنت أعلم من خلال قراءاتي الكثيرة في التغذية واللياقة أن أمي ستستعيد بعض قواها عن طريق الرياضة. لكن كيف؟ أي رياضة وهي مصابة بالهشاشة. وحتى عندما حاولت معها أن تمارس تمارينها البسيطة حاملة ثقلاً يبلغ ربع كيلو رفضت أخصائية العلاج الطبيعي التي كانت تزورها في البيت بحجة الهشاشة .  كدت أجن! لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا. أنا أعلم أن الرياضة ستحسن الوضع وبالذات الأثقال الخفيفة ، والذي تطلبه مني هذه المرأة أن أرى تدهور حال أمي حيث أن الهشاشة لن تقف عند حدها وإنما ستزيد .

كلام الأخصائية كان يوافق هوى أمي إذ أن عضلاتها أصبحت ضعيفة جداً بسبب السن وقلة الحركة وأي جهد زائد كان يتعبها، ولكن الحمد لله أن أمي كانت تثق بي في الوقت ذاته فكانت تطيعني في بعض الأحايين. أحسست أني لا بد أن يكون عندي شيء من المصداقية، ففي النهاية أنا مجرد مثقفة أغرف من محيط الآراء الطبية والرياضية وفيها الغث و السمين وأخبط خبط عشواء .. لا بد أن ـكون لي صفة تصدقني أمي بسببها. هنا لجأت إلى حيلتي القديمة: الدراسة عن بعد! وأخذت أبحث عن دورات أون لاين قوية لآخذ العلم الصحيح بأصوله كما فعلت قبل أن أبدأ بتدريس اللغة الانجليزية كلغة أجنبية. وجدت عدة مؤسسات أمريكية تقدم هذه الخدمة بمبالغ مالية محترمة. قارنت كثيراً بين المواقع حتى اعتمدت أحدها واستخرت الله واشتركت في دورة إعداد مدرب رياضي شخصي ، وكان هذا القرار تحدياً كبيراً.

 في البداية كان الأمر مسلياً ومثيراً ، فهذا تخصص جديد للغاية لم أعتده، وكانت الفصول الأربعة الأولى الرقمية ممتعة وسهلة ، وعندما وصلتني الكتب بعد 3 أسابيع علمت أن الأمر ليس مزحة! الكتاب الأول كان ضخمًا من 800 صفحة تقريبًا من الحجم الكبير والخطوط صغيرة ومتقاربة مع الكثير من الجداول والصور . أما الثاني فكان أصغر قليلاً ويكفي أن أقول أن الفصل الأول كان عن تشريح الجسم!

عندما أمسكت الكتابين بيدي أدركت أن مهمتي لن تكون سهلة كسابقاتها ولكني كنت أستحضر دائماً الهدف أمامي فأتشجع .

ما الهدف ؟

أولاً: أن يكون عندي شيء من المصداقية عندما أطلب من أمي أن تقوم ببعض التمارين الرياضية التي قد تتعبها في البداية والتي أعلم أنها لن تضرها بسبب الهشاشة وإنما ستفيدها، فأنا الآن أتكلم عن علم ولست مجرد قارئة .

ثانياً : نيتي في التوسع بدراسة تدريب كبار السن لمساعدة أمي أولاً، ثم لأستفيد أنا شخصياً لنفسي ولمساعدة صديقاتي  إذ كلنا في طريق الكبر ذاته.

وثالثا : صرف تفكيري عن الظروف التي ألمت بي والتي لم تنته بعد .. لم أحتمل فكرة أن أبقى أسيرة القلق أو الهم بسبب “الفضاوة” .كان لابد لي من إشغال نفسي بالمفيد قبل أن تشغلني بالسيء .

أمضيت قرابة الثمانية أشهر في هذه الدراسة وأؤكد لكم أنها كنت شديدة الصعوبة إذ هي باللغة الانجليزية وأنا أفقد التركيز إذا درست بغير العربية لأكثر من ساعتين، كما أنها تخصص علمي بحت، و مزاجي أدبي بحت. المعلومات جديدة جدًا، ونسبة ما أعرفه مسبقا لا تبلغ 10% إذ أن ما يتداول في مواقع التواصل الاجتماعي وما يكتب في  المدونات إنما هي القشور، وكتبي كانت تحوي ” العلم المؤصل” .

وحينما اخترت أن يكون اختباري في الأول من إبريل بدأ العد التنازلي في المذاكرة الجدية. قمت بترجمة كامل الكتابين مختصرة في 300 صفحة (لأني لا أحب المذاكرة بغير العربية) ثم أعدت اختصارها من جديد. وكعادة من عندهم اختبار، كنت أهرب! أبحث عن اجتماعات مع صديقاتي، أُكثر من تصفح تويتر بعد أن هجرته لفترة ، وحملت لعبة مطعم في الآيباد أجني من ورائها أموالًا طائلة (افتراضية)، وأفعل كل شيء ممكن إلا المذاكرة الجادة .

كنت مرعوبة بمعنى الكلمة. أهلي وصديقاتي ووضعوا كامل ثقتهم فيّ. وفي داخلي كان يهتف صوت ما: لن تنجحي! هذه الدورة ليست كدورة إعداد مدرب اللغة الانجليزية، هذه دورة صعبة للغاية بدليل أن اختبارها لن يكون في بيتك وإنما في مركز اختبارات.

قبل أسبوعين من الاختبار عادت تلك الظروف الصعبة من جديد وبذات الضراوة، وتعجبت من قدر الله كيف أني اشتركت في هذه الدورة لأهرب من التفكير فيها فجاء التفكير الحقيقي قبل الاختبار بأسبوعين. في المرة الأولى تعلمت أنه ما من بلاء إلا وينزل معه لطف لأن الله هو” اللطيف” وعلينا أن نبحث عن لطفه في بلائه. وتعلمت أن الله عليم حكيم فإذا تيقنت من ذلك فاطمئن لأقدار الله مهما كانت و ثق به وأحسن ظنك. وتعلمت أن الشيطان يريد أن يظفر منك بأي شيئ وهو يجري منك مجرى الدم، ولعله يخطر في بالك خواطر ملحة (كتلك الأغنية التي تتردد في ذهنك طوال الوقت حتى تكاد تجن) تحسبها من تفكيرك فإذا بها تكون من الشيطان فاحذر وانفضها عنك كما لو كانت أفعى تدب على يدك.

عندما عاودت التفكير في هذه الظروف المشكلة وبدأت ثانية في امتصاص طاقتي وفقني الله تعالى للتفكير السليم المتروي، وعلمت أن اغتمامي لن يحل المشكلة ولن يغير من الأمر شيئاً، ولكن الدعاء والصبر و إحسان الظن بالله سيفعل، فرميت كل شيء وراء ظهري وانتبهت لدراستي مطمئنة بأن الله سيدبر أمري جيداً، فهو الرب وهذا عمله.

قبل أن أغادر إلى مقر الاختبار سلمت على أمي التي قالت في ثقة: لا تخافي! ستنجحي لأني أدعو لك. ( فاصل : يا رب لا تحرمني من أمي) .

دخلت المركز الذي لم يكن فيه غيري واتخذت مقعدي أمام جهاز الكمبيوتر وبدأ الاختبار المكون من 150 سؤالاً عليّ حلها في 3 ساعات.

السؤال الأول كان مصيبة! لم أفهم جميع الخيارات لأنها كانت أسماء تمارين رياضية وأتحداكم لو مرت علي في الكتابين.

السؤال الثاني كان كارثة لأن هناك خيارين من أربعة كليهما صحيح، والسؤال يطلب الأصح؟ أحسست بالبرودة تجتاحني، وتصلبت أطرافي .. البداية لا تنبئ بخير. بدأت عيناي تقرآن الأسئلة المتتالية وتداعت أثناء ذلك على ذهني صور متناقضة :

“هذا الاختبار نجح فيه عام 2015 : 65% من المتقدمين “الأمريكان” (وأنا أيش أكو؟ )”.

 “أمي تقول : ستنجحين لأني أدعو لك “.

“اختاري الأصح من الإجابات ( المتشابهة )”.

“ابني سهل يقول: كل سؤال له دقيقة وثلث تقريباً، حاولي ألا تضيعي دقائقك بالتوقف عند الأسئلة لفترة أطول من دقيقة. الاختيارات من متعدد قائمة على الخدعة و اختبار سرعة التفكير. اختاري ما تعتقدين أنه صحيح ثم عودي إليه لو تبقى وقت”.

“لن تنجحي !! أنتِ أدبي وهذا علمي وباللغة الانجليزية أيضاً”.

“صديقاتي يكتبن لي: يا هناء، الأمريكان الذين رسبوا لم يكن عندهم من يدعو لهم ! كلنا معك في الدعاء و” أنت قدها” .

“لماذا أتى هذا السؤال بصيغ مختلفة 4 مرات؟ هل في الأمر خدعة”.

“ما الفرق بين عضلة بايسب فيموريس، وريكتُس فيموريس، وكوادراتوس فيموريس”؟

“لا تتعبي نفسك. لن تنجحي! ألا تلاحظين سرعة تنفسك؟ همممم أليس هذا هو هرومون إبانفراين الذي يُفرز عند التحفز؟ لا عليكِ، انظري إلى سرعة التنفس وتوترك من قراءة الانجليزية لساعتين حتى الآن، وبقي لك 30 سؤالاً”.

“تبًا لهم من أين يأتون بكل هذه الأسئلة”؟

” تمرين البوش أب تقوم به عضلة الترايسبس وبيكتورالس ميجر، وما الثالثة؟ رومبويد أم لاتيسيمس دورساي أم ترابيزيوس؟ ( هذه أسماء عضلات في الظهر وليست أسماء آلهة اغريقية)”!

“هناء .. اضغطي على زر التسليم و انسحبي من الاختبار! ضغطك يرتفع ولا فائدة. لن تنجحي!

 “ولكن إذا فعلت فكيف سأواجه أمي وأولادي وصديقاتي؟ أقول لهم أني لم أجرؤ على إكمال الاختبار بسبب التوتر؟ أقول أني لم أحارب كما ينبغي لأن “أعصابي باظت”.. وكيف سيمكنني أن أكون قدوة لأولادي إذا تخاذلت”؟

“هناء سترسبين “!

“ولو ! لو رسبت فحسبي أني بذلت كل ما في وسعي في دراسة تخصص جديد جداً علي . يكفيني شرف المحاولة”.

“هناء لن …”
“صه ! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”!

اعتدلت في جلستي “الانبطاحية ” واقتطعت دقيقتين للاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جامعة شتات نفسي و عدت . أنهيت الإجابة عن الأسئلة قبل انتهاء الوقت بحمس وأربعين دقيقة وراجعت الإجابات التي شككت فيها ثم ضغطت على زر التسليم submit قبل انتهاء الوقت بنصف دقيقة .

أغمضت عيناي وأخذ قلبي يدق بجنون .. لحظة إعلان النتائج دائما تهيّج مستوى الأدرينالين في دمي حتى لو لم أكن صاحبة النتيجة .

ظهرت نافذة أخرى تؤكد عليّ : هل أنت متأكد من التسليم ؟ لا زال أمامك وقت ..

Submit!

نافذة ثالثة : الآن ستظهر لك النتيجة ( حسبي الله عليكم يا كفار، لعبتوا بأعصابي)!

Ok!

نافذة رابعة في وسط خامسة : اطلب من المشرف طباعة النتيجة .

حسناً لكن أين النتيجة؟ عادة في مثل هذه الاختبارات تكون النتيجة المباشرة كلمة تهنئة congratulations أو اعتذار Sorry  مكتوبة بخط بارز أو ملون . هذه المرة صفحة فيها عدة أسطر وجدول وأرقام . ذهني توقف عن العمل .. مرت عيناي سريعًا على الكلام وفجأة لم أعد أفقه شيئاً .. أين النتيجة ؟ وأخيراً قرأت في السطر الثاني : Congratulations! You passed the test

لن أخبركم عن الشمس التي سطعت بعد احتجاب، ولا عن العصافير التي زقزقت بفرح ولا عن الألعاب النارية التي أضاءت سماء عقلي الذي أظلم لوهلة،  ولاعن فخري بأني لم أخيب ثقة أمي وأولادي وصديقاتي فيّ.. ولكني سأخبركم أني حالما غادرت مركز الاختبار وأُغلق الباب خلفي وتأكدت أن لا أحد في الطريق أخذت أتقافز وأضحك وأصرخ وأحمد الله وسط دهشة ابني سهل وقهقهته .

وأخيراً ، لست متأكدة من إمكانية مزاولتي لمهنة التدريب الشخصي إذ يظل عشقي الأبدي هو تعليم الفقه و اللغة الانجليزية، إلا أني فخورة جداً بإنجازي و بالمعلومات التي استفدتها والتي يمكن تطبيقها في حياتي ومع معارفي. تأكدت من نظريتي أن الإنسان سيظل قادراً بتوفيق الله على العطاء والنجاح مهما بلغ من العمر، ولكن عليه أن يتخيّر ما يناسبه. والأعظم من ذلك فرحي الغامر بأن الله حبيبي أسعدني بنجاحي في وقت لم أنفك فيه عن تخذيل الشيطان، وكأنه يؤكد لي: الصبر مفتاح الفرج، وظروفك الصعبة ستنجلي بإبهار كهذا الاختبار .. فقط اصبري وثابري بالدعاء وإحسان الظن .

شكرا لقراءتكم ومساؤكم سعيد!

حين كنتُ “أبلة”

عندما أصبت بالسرطان قبل سبع سنوات، وفقني الله تعالى إلى البحث عن مشبثات للحياة . كنت أحتاج إلى هذه المشبثات التي تذكرني أن الحياة جميلة وتستحق أن أقاوم المرض لأجلها وأن لا أستسلم للتيار كي يجرفني بعيداً. إحدى هذه المشبثات كانت استنئناف دراستي الجامعية والتي شرعت فيها بعد انتهاء علاجاتي مباشرة.. (راجع تدوينتي خريجة أخيراً ) .

الخطوة المنطقية التي تلي التخرج عادة هو العمل، فكان اختياري لمدرسة بنياتي الخاصة لأعمل كمعلمة للمواد الدينية للمرحلة الابتدائية ومدرّسة تقوية اللغة الانجليزية للصفوف الثانوية ( تناقض، صح؟) .

بدأت يومي الأول في الدوام بحماس منقطع النظير. استيقظت قبل الجميع ورتبت أوراقي وحقيبتي، وكنت كطالبة الروضة المتحمسة لروضتها .. للأسف ، تهاوى هذا الحماس في نهاية الأسبوع الأول ، بعدما أدركت أن الجد قد جَدّ، وأن عليّ أن أودع فعليا نوم الضحيات .

كنت أستيقظ يومياً متثاقلة أجرجر قدمي وأغمغم بسخط على “المشورة المهببة” التي جعلتني أترك حياة الدعة وألجأ إلى “البهدلة” اليومية . أحسست أن بعض متابعي تويتر صار يشمت بي لكثرة ما كنت أداعبهم صباحا بتغريدتي :”عودة للنوم مجددًا، ولا عزاء للمداومين والطلبة”! ولكني شيئاً فشيئاً بدأت أتأقلم على هذا الروتين الذي نظم لي حياتي، وبعد أسبوعين من المعاناة والصراع مع الدوام الجديد ، تصالحت معه وبدأت أعشق العمل.

أنا بطبيعتي أحب التدريس.. وأي عمل يتيح لي الثرثرة على رؤوس الخلائق والقيام بمهمتي كأم تعشق إسداء النصائح بذات الطريقة التي تجيدها مع أولادها المساكين سيكون مرحّباً به ولا شك، لذا فقد شققت طريقي في هذا الأمر بجدراة وذلك بفضل الله وحده.

كل يوم يمر كنت أكتشف بعض الثغرات في نظام التعليم .. خذ مثلاً:

  • الحصص الدراسية قصيرة جدًا مقارنة بالمناهج المزدحمة.. فإذا كانت الحصة 45 دقيقة تضيع منها عشر دقائق على الأقل في دخول المعلمة وانتزام الطالبات وأخذ الغياب والسؤال عن الكتب ومراجعة الواجب، فكم يتبقى من الحصة ؟ كنت أعجب ممن يقول أن هناك معلمات ينهين الدرس قبل انتهاء الحصة .. أيعقل هذا؟ لم أنهِ درسي أبداً قبل انتهاء الحصة، بل كنت أضطر دائماً إلى أخذ حصص الفراغ لإكمال دروسي ..

كيف تريدونني أن أطبق استراتيجيات التعلم التعاوني وأعطيهم أوراق عمل وأشرح لهم بعض الغوامض، وأجيب عن أسئلتهم الفضولية في 30 دقيقة فقط؟ أنا يا جماعة معلمة دين وطالبة علم، وهؤلاء ناشئة يتعرضون لشبهات يومية وعندهم أسئلة، أفيعقل أن أترك الإجابة عن أسئلتهم التي قد تتوسع لمجرد أن عليّ إنهاء الدرس؟

  • منهج الفقه للصف السادس الابتدائي فيه معلومات عن الركنين المعقدين علمياً على الكبار: الزكاة والحج ، فكيف بالصغار؟ ألم يكن من الأجدر تأخير تدريس هذين الركنين حتى تتسع مدارك الصغيرات لتفريعات الزكاة ويؤدين فعليا فريضة العمرة على الأقل ليسهل عليهن شيء من التخيل والفهم وزيادة حصة لمادة التوحيد خاصة وأننا نشتكي من ضعف العلم بالله وهو أصل العلوم وأشرفها؟
  • مستوى القراءة والكتابة لدى الطالبات منخفض، وهذا كان هذا في مدرسة خاصة أعلم حرصها على تعليم طالباتها ، فكيف بالمدارس التي يتكدس فيها الطلبة في الفصل ولا يلقون فيها العناية الوافية؟ ما سبب ذلك يا ترى؟
  • أما اللغة الانجليزية فلعلي أكتب فيها دواوين، ولا أريد الإثقال عليكم هنا بهذا الموضع ، لأني فيما يتعلق بتعليم الانجليزية بالذات ( لما أفك ما أصك )!!

 

في الحقيقة قضيت فصلا دراسيا ممتعا، ونشأت بيني وبين المعلمات علاقة قوية بفضل الله تعالى، ولكن لعل الله تعالى له اختيار أفضل يخصني. لم تقبل الوزارة شهادتي مع أنني خريجة جامعة حكومية معترف بها وهي جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض، وحصلت على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ولكني – وهذه كلمة السر – : طالبة عن بعد !!! لم أكن منتظمة ، فلم أحصل على تطبيق عملي استمر فصلاً أو سنة .. وبالتالي لم أكن “تربوية ” جديرة بـ”تربية وتعليم” الطالبات بشكل صحيح .. أنا أم السبعة أولاد .. لم تفكر الوزارة بأن من الحاصلات على البكالريوس عن بعد من تكون أكثر جدارة بالتدريس ممن حصلن على “شهادة ” التطبيق العملي .. وبالتالي كان لزاما عليها أن تضع آلية مدروسة لاختبار مثيلاتي لمعرفة جدارتهن للحصول على الوظيفة التعليمية.

ومع حزني العميق على عدم قبولي واضطراري للتخلي عن مهنة أحببتها وأعطيتها جهدي كله، إلا أني –ولعلمي اليقين بحكمة الله تعالى – رحت أفتش عن الإيجابيات، وسرعان ما وجدتها .. وجدت أن التدريس مع مافيه من متعة فائقة، إلا أنه حرمني من هواياتي، خاصة وأني كنت أدرّس مساء في حصصي الخاصة لتعليم الانجليزية كلغة أجنبية. لم أعد أجد الوقت لأكتب، والكتابة رئتي الثالثة .. أحسست أني عشت فصلاً دراسيًا بضيق شديد في التنفس .. لم أعد أجد الوقت لأقرأ، فوقتي كله ضائع بين دوام صباحي، ودوام مسائي وبينهما تحضيرات. لم أعد أجد الوقت لأدرس، فأنا شغوفة دائماً بالانخراط في منصات التعليم عن بعد لأدرس شيئاً ما. حُرمت من زيارات الحرم النبوي الصباحية مع صديقاتي.. حُرمت من المحاضرات التي كنت ألقيها صباحا أو مساء في أحد المساجد أو بعض البيوت. حُرمت من مراجعة القرآن وطلب العلم. حُرمت من جلسة بنياتي، ومتابعة دروسهن ومراجعتهن للقرآن، بل وحتى الاستماع إلى حكاياهن .. كنت كما يقولون (أجري ما أدري)، وأنا بت في سن لم يعد هذا الجري فيه سهلاً .. وهنا، وبعد الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات التي تخص حالتي وحدها، وبعد الاستخارة والاستشارة، رفضت الوظيفة الإدراية، وقررت العودة إلى نظام ربة المنزل ..

لم أندم على أيٍ من قراراتي، فكلها كانت باستخارة واستشارة .. يكفيني أني قد حصلت على مسمى معلمة واكتسبت شيئاً من خبرة، يكفيني تعرفي على ثلة من صديقات طيبات، يكفيني أني عرفت أن لي قبولاً في وسط الطالبات حديثات السن مع أني في عمر أمهاتهن،  يكفيني أني سبرت أغوار نفسي وعرفت ما ينفعني وما لا ينفعني ..

الآن وقد مضى على ذلك الزمان أكثر من سنة فإنني قد أديت من الإنجازات ما عوضني الله به عن تركي للمهنة التي أحببتها. انتظمت في نظام صحي جيد وخسرت وزنا لطالما تقت لخسارته، واشتركت في نظام رياضي أون لاين حتى غدت الرياضة جزءًا مهمًا من يومي (ولا أعرف متى كنت لأتمرن لو لم أترك التعليم)، درست كورساً جديداً في تعليم اللغة الانجليزية ليتحسن أدائي في دروسي الخاصة، أنشأت مدونة بعد الأربعين والتي يغني عنوانها عن وصفها، وعدت من جديد للثرثرة على رؤوس الخلق في المحاضرات والدروس الشرعية التي أعشقها.

لا تحزن أبداً على مافاتك، فالله تعالى له اختيارات أفضل لك.. فقط ثق بالله وتحرك واسع وابحث وستجد ما يناسبك.

%d مدونون معجبون بهذه: