Feeds:
المقالات
تعليقات

بدأت الإجازة الصيفية عند الغالبية ، وبدأ معها مسلسل ضياع الوقت والفراغ المقيت الذي يصاحب كل إجازة .

لا أخفيكم أني لست بأفضل حال منكم ، ولكن استوقفتني قبل أيام فكرة new year resolution والتي تعتمد على معاهدة النفس بالقيام بتغييرات معينة ابتداء من عيد رأس السنة .. فكرت : لم لا يكون عندنا summer resolution ، ننوط به عمل بعض التغيرات التي نرغب فيها و أداء مهامنا التي أهملناها خلال السنة فتراكمت حتى علاها الغبار والصدأ .. فكرة جيدة ، أليست كذلك ؟

إلا أنّا لو فعلنا ذلك فإن هناك أخطاء مجهضة لتلكم الأهداف قد نقع فيها وتهدد بالفشل الذريع ، وإليكم ثمانية من هذه الأخطاء :

1-              رصد قائمة طويلة : ليس الهدف من كتابة الأهداف هو “الهياط “وإنما تدوين نوايا جادة لفعل أشياء مهمة .. إذا كانت مهامك تستغرق وقتاً طويلاً لتحقيقها ، مثل تعلم لغة أو مهارة جديدة ، أو تحقيق إنجازات صحية أو الإقلاع عن عادة سيئة كالتدخين مثلاً ، فيكفيك أن تركز على ثلاث أو أربع مهام كبرى، خاصة وأن الوقت إجازة صيف، وقد يعتريك سفر أو استقبال ضيوف من خارج المدينة ، وعدم تحقيقك لكل هذه الأهداف الطويلة سيصيبك بالإحباط والشعور بالإخفاق ، أما لو كانت المهام من النوع السريع الذي لا يستغرق وقتاً طويلاً كترتيب مكتبتك ، أو فرز ما تحتاجه من ملابس العائلة والتخلص مما لا تحتاجه، أو القيام ببعض الإصلاحات المنزلية فارصد منها ما تشاء ودوّنه .. ستجد متعة فائقة في شطب المهمة تلو المهمة بعد إنجازه.

 

2-              عدم مراعاة الظروف : ماذا تعني لك الإجازة الصيفية ؟ نوم وانقلاب الليل والنهار ، وخمول، سفر ، ثم ها أنت تضع للإجازة أهدافاً جادة تود تحقيقها ؟ راع ظروفك “الإجازية” ، لئلا تتعرض للفشل. قد لا يكون من المناسب البدء بحمية التمر واللبن مثلاً (مع تحفظي على هذا النوع من الحميات ) وأنت تستضيفين أهل زوجك لأسبوعين. قد لا يكون من المناسب أن تكون أحد أهدافك إتمام قراءة عشر كتب في شهر واحد وأنت تعزم على السفر .. كن منطقياً !

Photo: ‎شمستي‎

3-              غير قابلة للقياس : من الخطأ مثلاً أن تكتب : ” أتمرن بشكل أكثر أو أكبر”، أو أحسّن علاقتي بوالدتي ، أو أكون زوجاً طيباً لئلا تتركني زوجتي. ما مقياس التمرين الأكثر ، أو تحسين العلاقة أو تطوير النفس ؟ هذا كلام عام جداً ، ولا يصلح لأن يكون هدفاً . كتبتُ في لائحتي أولاً: نزول 3 كيلو ، ثم مسحته بعد قليل لأن فقدان الوزن ليس بيدي ، إذ تتحكم فيه الضغوطات النفسية وقلة النوم والهرمونات وملايين الأسباب الخفية والظاهرة، وكتبت بدلاً عن ذلك : تحقيق مشي ما مجموعه 80 كيلو متر في الشهر على الأقل مشياً سريعاً صحياً ، ولو تحقق لي ذلك لأنهيت الإجازة الصيفية بمشي 240 كيلو تقريباً . هذا الآن هدف معقول وقابل للقياس ، بل ويمكنني أن أزيد عليه لأحقق درجة أعلى من الرضى.

4-              أهداف مثالية : كلنا نحب أن نفعل أشياء خارقة تدير الرؤوس . عن نفسي أتمنى لو أكتب روايات تحقق عدد مبيعات هائل أو تفوز بجوائز عالمية ، أو أتمكن من المشي 10 كيلو في أقل من ساعة .. لو حددت مثل هذا هدفاً صيفياً فأنا أخطط لإخفاقي . كن واقعياً ، واكتف مثلاً بالتخطيط لروايتك الجديدة أو كتابة تدوينة أسبوعياً.. خطط للمواظبة على تمرين معين إذا كنت مبتدئاً ، أو الانتقال إلى مرحلة متقدمة إذا كنت محترفاً، ولاحظ أنك تتكلم عن خطط صيفية محدودة بثلاثة أشهر فقط ، حيث السهر والاجتماعات على الطعام، وحتى التمشيات تصير (تحشيات) ، وحين يسود الجميع فكرة أن الصيف للنوم وتضييع الأوقات .

5-              التخطيط العشوائي : عندك أفكار جبارة تنوي تحقيقها في الصيف ، ولا تعرف كيف لأنك تتركها “بالبركة” ، ويمضي الشهر الأول ثم الثاني والثالث وأنت لم تحقق شيئاً يذكر . وزع أهدافك إلى نطاقات : النطاق الصحي ، الثقافي ، الروحي ، الاجتماعي ، ثم قسّم أهداف كل نطاق إلى أهداف فرعية تكون بمثابة محطات الطرق السريعة التي تعرف عن طريقها كم قطعت وكم بقي لك فتكون لك خير حافز . حدد متى ستبدأ كل هدف على وجه التقريب ، وبعد انقضاء نصف المدة توقف مع لائحتك مرة ثانية وراجع مكانك ، وأعد تقييم أداءك ، وعدل ما يحتاج إلى تعديل ثم واصل الانطلاق.

6-              لا تعرف دوافعك : لماذا أريد أن أفعل كذا وكذا ؟ خسارة الوزن مثلاً ، أو كتابة رواية جديدة أو صلة الرحم البعيد الخ .. لو لم تكن دوافعك قوية بما فيه الكفاية فستنقطع قريباً. قد يكون هدفك لنقصان الوزن رغبتك في ارتداء فستان السهرة الجديد لحضور حفل زفاف قريبتك . هذا هدف جيد ومقبول ، ولكن ماذا باعتقادك سيكون أول ما تفعلينه صباح اليوم التالي لحفل الزفاف ؟ سنبحث عنك في المطبخ لا شك .

7-              أنت وحيد : ابحث عن فرق الدعم التي تؤمن بقضيتك .. أي إنجاز تود فعله ستحتاج فيه إلى فريق دعم يؤمن بقدراتك ويضخ في عروقك التشجيع والحماس كلما فترت .. لا أسأم من ترداد كيف منّ الله علي بفِرق تشجيع أثناء مرضي .. كانوا يحيطونني بالكثير من الحب والتشجيع ، يبكون إذا بكيت ، ثم لا يلبثون أن يضحكوا إذا ضحكت .. يذكرونني إذا ما ضعفت برحمة الله ، وبتكفير السيئات ورفع الدرجات ، حتى منّ الله علي بالشفاء ، بفضله ورحمته أولاً ، ثم بسبب الروح المعنوية المرتفعة ، وإن نصف العلاج يرجع إلى الحالة النفسية للمريض. إلا أنه يجب عليك أن تعطيهم الضوء الأخضر لتشجيعك بالقوة المناسبة لأن الأصدقاء قد يكونون لطفاء بزيادة فيخجلون من إغضابك أو إحراجك.. أخبرهم أنك تعطيهم كافة الصلاحيات لتشجيعك وأنك لن تغضب منهم لو كانوا خشنين معك إذا اقتضى الأمر .. تأكد أنك لن تغضب منهم بالفعل ، فلن تصيح على من يخطف الشوكولاتة من يدك بعد الغداء الدسم ، ولا أنك ستشتم في سرك من يمنعك من تناول الغداء الدسم أصلاً ( سيبدو على وجهك) ، ولا أنك ستستشيط غضباً حينما ينتقدك أحد أفراد فرق الدعم لتخاذلك عن التمرين / الكتابة / العمل الفني ، الخ …

8- اجتماعي بزيادة : قد يعتريك نوع من الإدمان ( إن لم تكن مصاباً به بالفعل ) على الشبكات الاجتماعية المختلفة  ، وهذا بالتأكيد من عوائق النجاح الكبرى .. كلما هممت بإمساك المصحف أو البدء بعمل كتابي أو فني ، أو أي عمل في قائمتك فكرت : لم لا أتصفح تويتر لدقائق ، فما تنتبه لنفسك إلا بعد ساعة يكون وقتها قد حان دور عمل آخر .. وتمضي إجازتك ولَم تحقق نصف ما كنت تنوي فعله .. كن حازماً مع نفسك وقرر أنك لن تفتح تويتر حتى تنتهي من مراجعة وردك اليوم ، أو لن تتصفح انستغرام حتى تنهي تمرينك ، وهكذا .. أما لو كنت مدمن يوتيوب ، فكبر على إجازتك أربعاً وصل عليها صلاة الميت !

 

سؤال سيلفيا المحير

سيلفيا امرأة في الثلاثينيات من عمرها ، من بلاد التشيك .. تعرفون ما التشيك ؟ إنها بلد في وسط أوروبا تمتاز بالمناخ البارد المعتدل والطبيعة الخضراء والمياه الوفيرة ، وعامة سكانها لا دينيون .

نشأت سيلفيا بين أبوين ملحدين ، مشغولين على الدوام ، ومع أخت تكبرها بأربع سنوات ، مختلفة الطباع والتفكير عنها تماماً ، لذا فقد أحبت ملازمة جدتها المتدينة اللطيفة التي بثت في نفسها الكثير من المعرفة بالرب وعلمتها كيف تؤمن وتثق به ، كما اتخذت من الكتب صديقة صدوقة تنسى نفسها بين صفحاتها وهي تقلبها الواحدة تلو الأخرى تبحث فيها عن ما يشبع نهمة الطبيعة التشيكية الشغوفة بالتعلم والمعرفة .. كانت تنشد في قراءاتها القدوات التي تقتبس منها الصواب والنبل والتواضع ، ولكنها كلما وجدت من اعتقدت فيه السلامة ، كانت تكتشف فيه عيوباً أخرى ، لذا فقد كانت دائماً تشعر بالقلق : هل ما أفعله صواب ؟ هل ما يفعله الناس في بلادي صحيح ؟ الكذب ، الخيانة ، كل العيوب البشرية ؟ لا يمكن أن يكون صحيحاً وإن فعله كل الناس .. تلك أمور مقيتة ، بغيضة ، وسيئة ..

حينما كانت في الثامنة سألت أمها الملحدة سؤالاً ملحاً كان يقض مضجعها : ماذا بعد الموت ؟ فقالت ببساطة : لا شيء .. ظلام فقط . زلزلت هذه الإجابة البسيطة كيان الطفلة .. ظلام ؟ ولكني أخاف من الظلام !

حاولت أن تكون متدينة كجدتها اللطيفة ، لكنها في المدرسة الثانوية لم تستطع أبداً أن تفهم عقيدة التثليث. سألت قسيساً كان يعلمهم فكان يجيبها إجابات هشة ضعيفة لم تلق في نفسها أي قبول فكرهت العقيدة ورفضتها فقال لها القسيس : ” سيكون عندك أسئلة كثيرة ، ولكن اعلمي أنها من الشيطان ، فآمني و كفي عن السؤال” ، فما زادها ذلك إلا إصراراً على البحث عن الحقيقة . الحقيقة التي لم تدر ما هي . أصبحت – من حيث لا تدري – حنيفية ، تؤمن بالله وإن لم تعرف كيف تعبده .

كم هو صعب أن يبحث المرء عما لا يعرفه .. أملاً في أن يجده .. يبحث عن شعور ملح في داخله ، كقطعة الأحجية الناقصة التي إن وجدتها وركبتها اكتملت عندك الصورة البديعة ، ولكن كيف شكل هذه القطعة ، ما لونها ، ما حجمها ، بل ما هي ؟ أسئلة بلا إجابات .

في الجامعة قابلت “ميلان” الذي كان يبحث كذلك عن تلك القطعة الناقصة من الأحجية. كان شغوفاً بالفلك وكان يقضي أوقاتاً كثيرة في التأمل في السموات ، متينة البنيان ، ذات النجوم الزاهرات والأفلاك المحكمات ، ويتسائل دائماً: لماذا نحن وجميع هذه المخلوقات هنا ؟ ما الهدف من وجودنا ؟ ماذا بعد الموت ؟

لحظة لحظة .. ماذا بعد الموت ؟ هذا نفس سؤالها .. لابد أن يكون هناك شيء آخر غير الظلام يلي الموت .. لابد أن يكون هناك شيء منطقي يلي نهاية هذا الخلق المحكم المتقن الذي لا يمكن أن يكون قد وُجد عبثاً .. لابد أن تكون هناك إجابة معقولة تجيب به أولادها إذا ما سألوها عما بعد الموت .

تزوجا ، وعمل هو في منصب جيد بشركة السيارات المشهورة مرسيدس بنز ، فكان عمله يدر عليهما دخلاً جيداً ، فلم تكن بحاجة إلى أن تعمل ، وكانت فرصة ذهبية لتتفرغ للقراءة والاطلاع .كان مما قرأته مرة قصة امرأة رحالة تحكي مشاهداتها في البلاد الإسلامية ، فوجدت – ولأول مرة – معلومات مدهشة وجميلة عن الإسلام ، وهو الذي كان يحظى بسمعة سيئة في إعلام بلدها وتعليمه. فذهبت في اليوم التالي إلى المكتبة العامة تبحث عن المزيد عن هذا الدين الجذاب ، فلم تجد – للأسف- إلا كتيباً صغيراً من صفحات فيه المعلومات الأساسية عن الدين الإسلامي.. وكانت البداية .

شعرت أنها –لعلها- وضعت قدمها على أول طريق الحقيقة المنشودة .. الحقيقة المجهولة ..

كانت تريد أن تفهم .. أن تفك الرموز التي عبثت بقلبها بشدة ، فقلبته ولم تعد ترتيبه .

تذكرت مشهداً من فيلم – لعله أمريكياً- ومترجم للتشيكية، رأته في صباها ، لم تذكر اسمه ولا موضوعه، فقط تذكر جماعة من العرب الهمج المزعجين ، وبينهم كان يقف ذلك الأنيق ، في ثياب جميلة نظيفة ، ويتحدث بكلام بليغ ورصين شد انتباهها ، وتمنت بعمق لو أنها كانت تملك جمال منطقه وحسن أسلوبه.. نُقشت تلك اللقطة في ذاكرتها نقشاً .. وبعد سنوات ، عندما طرأ ذكر الإسلام في ذهنها تذكرت أن من جذب انتباهها بشدة كان -في الفيلم- مسلماً بين كفار ، وخفق قلبها !

سافرت مع زوجها إلى العاصمة حيث دلهما زوج صديقتها على رجل تونسي بارع ، يتحدث العديد من اللغات ، وعنده علم طيب عن الإسلام ، وبدآ يسألانه عن الكثير مما أشكل عليهم من مسائل الدين كالعقيدة والحجاب وغيرها ، فكان ذكياً في إجاباته ، لماحاً ولطيفاً .. يجبيهم فقط ، دون أي إيحاء أو ضغط ، فشعرا بالراحة العظيمة معه ، وأخيراً قال لهم : ” الله تعالى أعطاكما العقل ، فاستعملاه وسيقودكما للحقيقة ” .

بعد سنة من البحث المتعب المضني اعتنقت سيلفيا وميلان الإسلام ، وكانت سعادتها غامرة أنها وجدت – أخيراً – إجابة لسؤالها المحير : ماذا بعد الموت .

وجدت القدوة التي لا عيب فيها ..

وجدت الحقيقة .. ووجدت نفسها.

لم يكن الاكتفاء بما عثرا عليه من كنوز وارداً لأن همتهما كانت أعلى من ذلك ، فبدأ زوجها يراسل الجامعات في البلاد العربية ، والمراكز الإسلامية يخبرهم عن رغبته في التعرف على الدين الإسلامي إلى أن وصلهما بعد زمن طويل خطاب من شيخٍ ما من السعودية يخبرهما أنه رتب لهما مكاناً في معهد في القاهرة لتعلم اللغة العربية ، فكان السفر ، وكانت الانتقالة الهائلة ، من بلد مرتب ، نظيف كالتشيك إلى بلد نخرها الفساد كسائر البلاد العربية . كانت دهشتهما عارمة لأنهما تعلما أن الإسلام دين نظافة وترتيب وحسن خلق ، وسبب هذا التناقض لهما الكثير من التشويش ، فلم يسكّن فؤادهما إلا حين أخبرهما أحد الدعاة : لا تنظرا إلى الناس ، وانظرا إلى الكتب .

وتتالت الأحداث ، وبعد 8 سنوات من سكنى القاهرة وتعلم القرآن الكريم حصل ميلان على منحة لدراسة الدعوة وأصول الدين في الجماعة الإسلامية في المدينة ، إلا أن الإقامة كانت له وحده، فمكثت سيلفيا في القاهرة وحيدة مع ابنتها ، فارة بدينها من بلدها ، وعاجزة عن الالتحاق بزوجها الذي لا تسمح له تأشيرته بضم زوجته معه .

كل يوم يمر كان الزوج فيه يتعذب إذ كان يخشى على زوجته وابنته الصغيرة ذات الخمس سنوات في بلاد الغربة .. حاول بشتى الطرق ضمها إليه في إقامته ولكنه عجز .. لم تكن هناك استثناءات لزوجات طلبة الجامعة الإسلامية القادمين من بلاد كافرة (غالباً) .. عجيب جداً أنهم لم يفكروا في أن وضع أولئك مع بلدانهم وأهاليهم يختلف عن وضع الموظفين والطلبة الاعتياديين .. عجيب أنهم لم يفكروا في إيواء من هاجر بدينه من بلده لطلب العلم الشرعي ، وما كان ذلك ليكلف الشي الكثير.. وبعد أربعة سنوات من التعب النفسي واليأس من تغير الأوضاع ، قرر ميلان قراراً جازماً أن يتوقف عن الدراسة ويلتحق بزوجته في القاهرة ، وعندئذ لم يرعه إلا أمر من مدير الجامعة الإسلامية باستخراج إقامة استثنائية لسيلفيا.. والتم الشمل أخيراً ..

حضرت سيلفيا للسعودية ، وعندما ارتدت العباءة تذكرت حلماً قديماً قديماً ، في خبايا الذاكرة حين كانت في الثامنة ، حيث رأت نفسها في قارب ، متشحة بالسواد ، وتتحدث بلغة لا تفهمها .. تذكر جيداً أنها أفاقت من نومها متعجبة من تلكم اللغة .. في بلادها تستطيع أن تفرق بين معظم اللغات الأوروبية ، ولكن هذه اللغة كانت عجيبة ، ولها إيقاع غريب عن أسماعها .

عجيب هو تقدير الله لعباده ، حيث يهيؤهم لخيرهم من أول حياتهم ، فمنهم من يكون ذكياً فطناً يلمح تهيئة الله له فيمسك بحبل نجاته بيديه وأسنانه ، ومنهم من تمر به التلميحة تلو التلميحة فلا يكاد يفطن لشيء ..

أخبرتني وعيناها تترقرق بدمع حبيس : أتعلمين كيف هو شعوري بعد الإسلام ؟ كأنني كنت في بيت ضيق مظلم ، ثم انتقلت إلى قصر واسع بهيّ يغمره ضياء الشمس البهيج ..

غمغمت : ليت قومي يعلمون .. فقالت بابتسامة شفيقة : لا تحزني .. هم فقط تعودوا على سكنى القصر ، فلم يعودوا يرون ما فيه من جمال وماهم فيه من نعيم .. ولكن نحن .. حالنا مختلف !

والآن ، بدأت رحلة بحث الزوجين عن أماكن يبدآن فيها الدعوة إلى الإسلام .. سألتها : ولم لا تعودان إلى التشيك لتدعوا قومكما إلى الدين ؟ فأجابتني بأسى واضح : نحن هناك أمة فقيرة وصغيرة ، فالمواطنون المسلمون يبلغون قرابة الخمسمئة مسلم فقط ، وهم مضطهدون ومحارَبون من قبل الحكومة ، والمركز الإسلامي الوحيد أخبرنا أنهم يحتاجون إلينا للدعوة ولكن بلا مرتبات شهرية لعجزهم المادي . ولو عدنا، بعد غياب قرابة 13 سنة لم تستفد فيها بلادنا من خدمتنا ومن ضريبة دخلنا ، فلن يشملنا الضمان الاجتماعي ولا التأمينات الصحية ولا التقاعد ، فكيف لنا أن نعيش ؟ خسرنا أعمالنا وبيوتنا وممتلكاتنا حينما هاجرنا لطلب العلم الشرعي، وأهالينا يقفون ضدنا ، بل إن بعضهم قد يؤذينا .. الدعوة تحتاج إلى أموال للإعاشة على الأقل ، لإيجار المنزل ، السيارة ، العلاج، ونحن نفتقر إلى ذلك والتشيك غالية.. ولو عدنا وعملنا لنحصل على قوتنا اليومي فإن طاقتنا ستستنفذ لآخرها في العمل ولن يبقى منها شيء للدعوة .. نحن نبحث الآن عن مراكز اسلامية في أي بلد أوروبي يمكنه أن يوظفنا وصدقيني أن هدفنا الأبعد العودة إلى بلادنا لندعو الناس إلى عبادة الله ، فخير الدعاة من يدعو في قومه وبلسانهم على علم وبصيرة ..

نريد أن نعلم ما تعلمناه ..

نريد أن نرشد قومنا إلى الحقيقة ..

إلى القدوات الصالحة الحقيقية ..

إلى الإجابة الصحيحة إذا ما سألهم أولادهم : ماذا بعد الموت ؟

حكاية صبي2

-” احم .. كلمتني أم سعيد اليوم “.

قالتها “جمال” وأخفضت عينيها وهي تلف ورق العنب بسرعة ماهرة ، ثم  رفعتهما لترى ابنتها تحشي المعجنات بلا أدنى انفعالات ..

ضحكت “جمال” في سرها وهي تتخيل ردة فعل ابنتها المعتادة حينما تخبرها بالخبر ، ثم قالت متظاهرة بعدم الاكتراث :

-” أخبرتني أن أخاها علياً يريد أن يتزوج .. لم يكن يريد أن يتزوج بعد آمنة رحمها الله ، ولكن الدار باتت موحشة ، خاصة بعد أن تزوجت ابنته وسافر ولديه للبعثة ” ..

سكتت “جمال” برهة ، وقبل أن تعاود الكلام ، باغتتها ليلى فقالت :

-“لا!”

-” إيش هو الي لأ؟” ، ومنعت نفسها بقوة من إفلات ضحكة على ثورة ابنتها المتوقعة .

– ” أمي ، خلاص .. ألم أخبرك من قبل أني لن أتزوج “؟

سكتت الأم ، ولم ترغب في إكمال الحديث .. تفهم جيداً مشاعرها ، ولكن القوانين والأعراف جرت أن الأم لابد أن تزعج بناتها بطلبات الزواج ، والإلحاح عليهن ، وإخبارهن بالرغبة في الاطمئنان عليهن ورؤية الأحفاد قبل الموت .. هذه المرة شعرت فجأة بالملل .. باليأس .. بالاقتناع !! كلاهما في نفس المعسكر .. معسكر النساء اللواتي فقدن  أزواجهن العطوفين في سن مبكرة نسبياً ، إما بموت أو طلاق ..

ابتسمت ليلى هذه المرة وقالت :

–       ” ليست عادتك .. مابالك اليوم ؟ تبدين محبطة ” ..

–       ” لست محبطة .. فقط وضعت نفسي مكانك هذه المرة .. مع أني في مكانك منذ أن توفي أبوك ، إلا أن الشعور الدائم بالحاجة إلى الزوج أمر ملح ومزعج .. أنا – على الأقل- أعاني منه .. لايبدو لي أني تمكنت من اجتياز هذا الأمر على الرغم من كل هذه السنين “.

–       ” لماذا لا تتزوجين إذن ؟ كم من الخطاب طرق بابك ؟ لستِ عجوزاً بعد .. لماذا لا تتزوجين أخا أم سعيد ؟”

رمقتها جمال باندهاش ، ثم رمت عليها ورقة عنب متقطعة وقالت باستنكار :

– “أبلهاء أنت؟ أخوها أصغر مني بعدة سنوات .. ثم من قال أني أكره ذلك لو أنه كان مناسباً .. “

– ” يوجد مناسبون كُثُر غيره .. أمي .. إحدى وخمسون سنة ليست سناً كبيرة .. بل إنه لازال بإمكانك أن تنجبي”..

– ” تخيلي !! من سيتزوجني وأنا في هذه السن ، ولماذا ؟ صحيح أني دائماً أشتاق لدفء الزوج وحنانه، حدبه وصبره، الأمان الذي يشعرني به ، الثناء ، الاهتمام ومراعاة الخاطر … “

– ” الأمان ؟ وهل مع الرجال أمان ؟”

لم تخفَ على جمال نبرة ابنتها الساخطة ، وآلمها قلبها .. لا تعرف متى ستتجاوز ليلى محنتها .. منذ أن تركها أحمد وغادر تلبستها المرارة تلبساً ، في قلبها ولسانها ومشاعرها .. وكأن العالم كله قد اختُصر في شخص أحمد الذي راح .. ذاك الرجل الوسيم الذي كان يكبرها بخمس عشرة سنة .. وكأنه أحد أبطال الروايات الرومانسية التي كانت تقرؤها في مراهقتها بعيداً عن عيني أمها .. السمار الأخاذ ، الطول الجذاب ، الصوت العميق، وكل الحب و الحنان .. يشبههم في كل شيء ، حتى في تلك السيجارة التي أولع بها منذ صغره .. كل شيء تقريباً ، إلا أنه لم يكن يملك عضلاتهم المفتولة ، ولا قساوتهم التي كانت تجعل القارئات يزفرن بحرارة كلما التفت أصابع أحدهم حول شعر محبوبته التي خانته ليجذبه بقسوة الأسد جريح الكرامة وليقول الخ الخ الخ ..

كثيراً ما كانت تفض نزاعاتهم والتي ما كانت لتثور إلا بسبب ولعه بالتدخين، ورفضه الإقلاع عنه ، فقد تزوج ليلى صغيرة ، وفتنها بشخصيته الآسرة فكانت طوع أمره لا تكاد تخالفه في شيء .. لذا فقد كانت صدمتها العظمى حين لملم أحمد أغراضه ذات يوم وطلقها وخرج .. هكذا بكل بساطة ..

لا يمكنها أن تنسى كيف أصاب ليلى ذهول عظيم استمر لأيام وليالٍ ، لا تتكلم ولا تأكل ولا تفتأ تردد كلما حادثتها أمها ” لم يكن الأمر يستحق “.. كم تكره أن تتذكر كل تلك التفاصيل .. تعبت معها كثيراً حتى تمكنت من معاونتها على الخروج من تلك الدوامة ، ومنذ ذلك اليوم جعلت ليلى تفرغ كل مشاعر الدنيا الجميلة في أولادها ، وفي حسن بالذات ..

–       ” ألم تقولي من قبل أنه ربما يكون قد سُحر ؟ لماذا لا زلت ناقمة عليه ؟ ما ذنبه إن كان سُحر بالفعل؟”

–       أحاول يا أمي أن أجد مبرراً مقنعاً لنفسي وللناس .. ولكني لا أكاد أقتنع به .. أقول لك ؟ لقد مللت من هذا الموضوع .. أظننا تكلمنا فيه ملايين المرات حتى الآن .. ألم تذهب إيناس وأفنان إلى المشغل بعد ؟ “

وقامت دون أن تنتظر جواباً ، وبقيت الأم تزفر بضيق .. هاهو يوم آخر يخرب مزاجها ، ذُكر فيه أحمد ، ومرارة ليلى.. والزوج .. الزوج الذي تعلم أنه لن يأتي في هذه الدنيا ..

دخلت ليلى حجرتها وأوصدت الباب ثم غرقت في بكاء مرير .. كلما فاتحتها أمها بموضوع الزواج هاجت مشاعر الغضب والألم .. لم يكن الأمر يستحق .. لماذا تركها ؟ تباً لهذه المشاعر .. مابالها لا تخمد ؟ هل حقاً سُحر ؟ سحقاً لمن سَحر .. شعرت ليلى أن حلقة الحصار تضيق حولها ، فانطلق لسانها بالاستغفار ، وهي استراتيجية جديدة تعلمتها من أبلة نوال معلمة العلوم وصديقة أمها الصدوقة ، وكانت هذه الاستراتيجية تؤتي أكلها دائماً ، وتفلح في إيقاف نوبة البكاء الضارية بأدنى حد ممكن من الخسائر . وسرعان ما انصرف ذهنها إلى أولادها .. لابد أن تنسى مجددًا .. لابد أن تتجلد لتربيهم .. صدقت أمها حينما أخبرتها أن رؤيتهم لها حزينة وباكية دائماً سيضرهم.. كما أن عليها أن تتوقف عن العادة السيئة في التجسس على أوراق حسن التي يخبؤها أسفل درجه .. قراءتها لتلك الأوراق تهيج مشاعرها دائماً .. لم تدرِ من أين أتى ذاك الفتى بكل تلك الدقة في وصف المشاعر .. كانت القصة التي يخبؤها أسفل الدرج تصور جميل وخياليّ لقصتها هي .. كل التفاصيل التي يُجري بها حسن قصته تنبئ عن نهاية سعيدة : الأب سيعود في يوم ما .. هذه النهاية كانت تتمناها ليلى سراً وتتخيلها حال قراءتها وكأنها حقيقة واقعة .. كانت تدفع ثمن هذا الخيال غالياً ..

 

 وبعد يا رفاق .. أنا في انتظار تعليقاتكم ومقترحاتكم بشأن خط سير القصة .. هل يفلح أحدكم في تحويلها إلى قصة بوليسية مثلا ؟؟

وصلني برودكاست مضحك عبر الواتس أب يتكلم فيه عن بعض قفشات الماضي ، ومقارنات بين قطط الماضي وقطط اليوم ، وعرائس الماضي وعرائس اليوم ( جمع عروس وهي الفتاة حديثة الزواج لا الدمية ) ، وبنات الماضي وبنات اليوم .. كل ذلك مضحك ولكنه مكرر وقرأنا أمثاله الكثير، إلى أن نحا البرودكاست منحى أكثر جدية بنفس القالب المضحك ، حين تعرض لذكريات سببت لي – لسبب أجهله- شيئاً من الغصة والضيق ..

اقرؤوا معي ، وليخبرني قرائي – من زمن الطيبين أمثالي – هل شعروا بنفس غصتي ، أم أنني فقط من تتوهم ؟

” أيام زمان : تلفزيون والعشاء نواشف ، والمروحة على 5 ، وجالس تحل واجب الخط ، كانت حياة جميلة .

كل ما تعدي طيارة  نقعد نصرخ ونعمل لهم باي باي .

كنا نستنى سنة رابعة ابتدائي عشان نكتب بالقلم الحبر.

نستنى الامتحانات عشان ما ناخذ شنطة، ونستنى وقت الشهادة  عشان نلبس حلو ونتشيك .

لما أحد من أهلك يطلب منك كاسة موية  لازم تشرب شوية وقبل ما تدخل تمسح فمك عشان ماحد يعرف أنك شربت .. أكيد أنت تبتسم الآن على الأيام الجميلة .. حاول ترسلها لأصحابك ، حتلاقي نفسك بترسم بسمة على وجوه ناس كثير .. مجرد ابتسامة وقلب نظيف ، ونفس سموحة : هكذا تعيش جمال الحياة ” .

بالفعل ، ابتسمت وأرسلتها لصديقاتي ، ولكني شعرت بالضيق فجأة .. شعرت بشوق لسماع صوت المروحة الرتيب ، لهواء الحجرة الدافئ يداعب وجهي ( عبال ما يرتاح المكيف شوية يابنتي ) ، للفرحة المعلنة التي يطلقها إعلان أمي أننا سنتعشى اليوم بروست بدلاً من البيض والجبن المعتادين ، لجلساتي المسائية مع ابنة خالتي على أرضية البلكونة ، نأكل الفصفص ونشرب البيبسي المثلج ونتفرج على السيارات المارة ، وكأن أنوار السيارات عقود الضوء معلقة على عمارة عتيقة تعلن عن مِلكة أو عرس في السطح .. هل حضرت قط عرساً في سطح ؟

اشتقت لزياراتنا لجيراننا : ألعابهم غير ، وطعامهم غير ، ورائحة بيتهم غير .. كل شيء غير ، طالما أنه مختلف عما كان عندي في البيت .. ولزيارات بيت خالي الدورية في عطلة نهاية الأسبوع : عندنا أسبوع ، وعندهم أسبوع : نفرش “الطراريح” ، ونعد أفلام السهرة ليتفرج عليها الكبار ، في حين نغرق نحن الصغار في ألعاب ممتعة : مسرح عرائس ، شركات ومدراء ، برامج تلفزيونية ، وكل ذلك تكون فيه طاولة الكوي العنصر الأساسي المهم في الديكورات ، فهي تارة خشبة المسرح ، وتارة مكتب المدير ، وثالثة طاولة مقدم البرامج .

اشتقت لذلك الفرح الأصيل بلقاء عائلة خالتي كلما قضينا العيد عندهم في الخبر – مسقط رأسي- حيث تجتمع العوائل وتوصل حبال المودة  ، نصنع الزينة بأيدينا من ورق الكريشة ، ونفتح الهدايا يوم العيد ، بتؤدة ورصانة في البداية ثم لا نملك أنفسنا من تمزيق كل شيء كالمجانين وسط ضحكات الكبار واستحسانهم ..

بعض الروائح والمذاقات لا تزال في حلقي .. هل سمعتم برائحة تجد أثرها في الحلق ؟ الحقيقة – رغم غرابتها – أني

أجد هذه الروائح العتيقة في حلقي . سرني أن  أجد أن هذا البرودكاست قد أحدث نفس الأثر في نفوس صديقاتي .. فعلمت أني لست وحدي (غاوية النكد ) ..

شاركتني صديقتي الفاتنة سارة ( هل تذكرونها ) بعضاً من ماضيها الجميل ، ووهبتني شيئاً من شذاها العبِق ، ووجدت نقاط مشتركة كثيرة ، رغم أن ماضيها في المدينة ، وماضيّ في جدة ، ولكن الزمن واحد والطفولة واحدة ، وإن اختلفت البلدان .

تساءلتُ : لماذا نجد الماضي سعيداً ، رغم أن الحاضر أيسر وأسهل ؟ فأجابتني سارة بإجابة رغم بساطتها وبدهيتها ، إلا أنها غابت عني حيناً من الدهر : الحياة البسيطة تثير المشاعر وتقويها ، وتحسسك أيام الطفولة بالدفء الاجتماعي. ثم سردت لي بعضاً من طفولتها : تنزلي عند الجيران = تسكني عند الجيران ! تنامي عند قرايبك على مراتب يفرشونها في الصالون ، تلتم الأسرة في  الشتاء على المنقل “وبكرج” الحليب ( هل ثمة من يذكر هذه الكلمة ؟) وفناجيل باعشن. الصدور كانت واسعة ولا تشعرين بالحرج لو نقصك شيء واستعرت من الناس ، والعائلة وضيوفها كلها- وأنتم بكرامة – في دورة مياة واحدة ، ولا يصيبهم الضيق لذلك ، إذ الضيق في الصدور .

ذكرت لي الذهاب للبساتين صباحاً مع العائلة ( البساتين التي كادت أن تندثر مع توسع المدينة العمراني ، والله العليم ماذا سيحل بها بعد نزع الملكيات ) والاجتماع على الفطور : جبنة ، زيتون ، شريك ، شاهي منعنش ، وأحياناً حلاوة طحينية وفول وبيض حسب التيسير . نسيم البستان المحمل برائحة الزرع ، وصوت ” ماطور” الماء لازال في أذني حتى الآن ، كما هو صوت المروحة ، وكأنه يقول : استمتعوا بلحظات عذبة قد لا تعود إليكم متعها أبداً.

أتذكر تسليتنا بالدمى على مختلف الأنواع ، وإلا فلعب بالطين في الحوش وبعلب الجبن والصلصة نصنع قوالب “الكيك” ، ونلعب الزقيطة أو أم الخمسة ونط الحبل واللب ( التيلة أو البلي ، تعددت التسميات ) ، وحينما نغافل أهالينا أحياناً لننفلت في الشارع، نشتري البليلة و “تماتيك” ، وأحياناً أيسكريم التركي أو شراب الخربز المثلج (سلاش) أو المنتو من اليمني أو المنفوش فذلك النصر المظفر .

كثير من ذكريات سارة تشابه ذكرياتي : أنا أيضاً كانت أحلى أوقاتي حين أذهب للدكان مع أخواني وأتطلع إلى الحلويات وكأنها مجوهرات بولغاري أو ساعات رولكس ، وأشتري بنصف ريال ما أعجز عن حمله ، ثم نعرج على مخبز “الهولي” لنشتري منه خبزاً لابد أن يهش له الوجه النكد ! وأتوقع أن أهل نجد يجدون في رائحة الشجر المحترق وثغاء الماشية وخوار الأبقار سيمفونية عذبة مع “ماطور” الماء نفسه الذي يمد قنوات المزرعة بالحياة .

كانت الحياة بسيطة غير معقدة .. متعبة أحياناً .. يفوتك بعض من طيباتها أحياناً لقلة ذات اليد ، أو لصرامة الأهل، ولكن كانت الألفة والاجتماع والمشاعر الطيبة هي السائدة ( غالباً) . أخبروني .. هل لا زال أحد من الأطفال في هذا الزمن يرضى أن يحمل كوباً ويذهب به إلى الجيران ويقول لهم : أمي تسلم عليكم وتقول لكم أعطوني سكراً ؟ هل  لازال أحد يرسل لقيمات وسمبوسك وبريك في رمضان طعمة للجار غير الحميم ؟ هل يستطيع أطفالنا أن يقضوا سحابة أيامهم بلا أيبادات أو أجهزة (غبية) سلبت منهم بهجة المشاعر البشرية مع أشخاص حقيقيين ، وليسوا افتراضيين يوالونهم على حساب والديهم وإخوانهم ؟ هل لا زال مسمى “العائلة” و “الجيران” بمعناها الحقيقي موجوداً ؟

أرثي لحال أطفالي وأحفادي ، حين يكبرون ويحتاجون لتحديث ذاكرتهم أحياناً ، ماذا سيسترجعون ؟ إما شاشة أيباد أو شاشة أيبود أو شاشة كمبيوتر .. فأين الحب والذكريات السعيدة والعلاقات الاجتماعية البشرية ؟ أين اللعب مع الأقران ومحبة الوالدين والإخوان ؟ بل وفي كثير من الأحيان يمتد هذا السخط لينال من الدين والأعراف النبيلة ومكارم الأخلاق بعدما انتهت السخرية من الأمور العادية ..

يضحكونني حين يسمعوننا نسترجع القديم فيقولون بنرة سخط واضحة : أيامكم كانت “بيض” !!

وددت لو أني عرفت ما المسلي في أيامكم أي بَنيّ وأنتم لا تفتؤون تشتكون : طفش ، ملل .. حتى إذا ما هممت بإلقاء محاضرة تربوية قيمة، لم ألبث أن أُذكر نفسي أن هذه حياتهم ، وأن كلامي لن يزيدهم إلا سخطاً ونفوراً .. فأخرس على مضض وأحاول أن أُغرق نفسي في بعض الذكريات ترطب شيئاً من جفاف الحياة وتهبني قبساً من دفء الماضي ..

خاطرة كتابية

كتابة الروايات في هذه البلاد محبطة .. لن تستطيع أن تخترع مدينة تجري فيها أحداثك إلا وينصرف ذهن القارئ إلى مدينة بعينها ، ثم يبدأ بتخيل الأحداث فيها . تصور مثلاً أن تدور روايتك في المدينة الساحلية ذات الكورنيش المرتب ، فتفكر تلقائياً أنها لابد أن تكون الخبر أو ينبع أو جدة  حتى لو ذكرت أن المدينة اسمها “خنفشار” .. ثم تقرأ أن أحد أفراد الرواية يتكلم باللهجة الحجازية ، فتتأكد أنها جدة أو ينبع .. فإذا علمت أن فيها مستشفى كبيرة وراقية ، تأكدت أنها جدة  إذاً..

أما إذا نصصت على أنها جدة مثلاً ، وذكرت أن المرأة ركبت القطار لتزور صديقتها في الطرف الآخر من المدينة ، لفقدت مصداقيتك .. جدة ؟ هذه الرواية ليست في السعودية أصلاً ..

إحباط :/

لا عليكم .. مجرد خاطرة O_O

#أقصرِ_تدوينة_لي_في_التاريخ

حكاية صبي 1

كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ليلاً حينما دخل حسن سريعاً إلى منزله. كان المنزل غارقاً في الظلام إلا من لمبة الدهليز النيون “تغمز” بصفاقة. نظر إليها بغلّ و همس في نفسه: “يا الله، متى سأغيرك؟ وجع! “.

فتح باب حجرة أمه برفق فوجد جدته نائمة، أما فراش أمه فكان فارغاً. أغلق الباب بهدوء واتجه إلى حجرة الاستقبال والتي تسميها أخته إيناس مجازاً “صالون”! نور الحجرة يتسرب من أسفل الباب، لابد أن أمه تنتظره هناك بجانب ستارتها المفضلة. دخل ليجدها غافية، متكئة على خدها بجانب نافذة الصالون المشرعة وستارتها البيضاء ذات القماش الأمريكي المزركش تتحرك بخفة ودلال مع هبات النسيم الرطبة. تأملها، كما يفعل في كل مرة تكون نائمة أو متعبة. يحبها جداً ويحب أن يتأملها دائماً. امرأة في أوسط الثلاثينيات، معتدلة القوام، حنطية تميل إلى البياض، ذات شعر بني ناعم وصوت به بحة خفيفة، وهالات سوداء تحت عينيها تميز وجهها الهادئ. هالات تحكي قصصاً وقصصاً، يستمع إليها بقلبه، ويضيف إليها خياله الشيء الكثير، ثم تنطلق أصابعه لتكتب. تكتب عن ذلك الرجل الذي وهب زوجته ثلاثة أولاد ثم اختفى إلى حيث لا يدري. هذه القصة الوحيدة التي لم ولن يجرؤ على أن يُقرِئها أحداً. هذه القصة التي تفضح حياته، فكان يخبؤها على الدوام تحت درجه: يخرج الدرج ويضع الأوراق على الأرض بالأسفل ثم يعيد الدرج مكانه. حتى إبليس نفسه لن يعرف أين وضعها.. هكذا ظن!

-ماما!

انتبهت الأم من نومها وقامت فزعة لتعاتبه وهي تحضنه: ” لماذا تأخرت؟ أشغلتني عليك “.

استرخى قليلاً بين ذراعي أمه، وتسللت رائحة عطر الليمون المفضلة إلى أنفه قبل أن تتخلل أصابعها الطويلة شعره تداعبه لينعما معاً بدقائق استرخاء كانت بمثابة وردهما اليومي ..

–       لماذا تأخرت ؟ هل تعشيت ؟

–       نعم .. تناولت باقي ورق العنب والفرموزا .

طبعت قبلة طويلة على جبينه المغبر ثم قامت متناسية تجاهله الإجابة عن سؤالها الأول وقالت :

–       اغتسل ولا تنس الوتر ، و نم فوراً .. ستتعبني في الاستيقاظ للفجر غداً .

–       طيب. لا تنسي أن غداً الخميس، والمباريات ستكون كثيرة في عطلة الأسبوع .. نامي أنت أيضاً فسينتظرك عمل شاق .. خذي الغلة !

ضحكت ليلى مثل كل مرة يستخدم فيها حسن هذه الكلمة التي تشعرها أنها رئيسة عصابة ، ثم تناولت النقود وخرجت .

قام حسن ليغتسل ويصلي الوتر ثم فرد فراشه الذي يحتفظ به عادة في غرفة البنات وأغلق النور ، وقبل أن يفكر في أي شيء غرق في سبات عميق ..

كل الأولاد في سن الخامسة عشر عندهم ما يلهيهم من مشاغل المراهقة؛ لعب الكرة، مشادات الحواري، مغازلة الفتيات في الأسواق، مباريات البلي ستيشن، لكن حسناً كان مشغولاً بنفسه. كان يستهويه أن يجلس لساعات طوال يحلم ويحلم ، فإذا ما انتقدت أخته أفنان صمته الطويل وانطواءه بادرها بابتسامة مستفزة وقال: “وما يضيرك؟ أنا كل يوم في حال. يوماً أكون ملكاً، ويوماً أكون ممثلاً مشهوراً ، ويوماً أكون لاعباً محترفاً، وفي كل آن أعيش الدور كاملاً، بالثياب والقصور والاهتمام والطعام، أشم الروائح الجميلة ، وأنام على الأسرة الوثيرة، وأنعم بالنعيم وأتذوق اللذيذ من المآكل “. فتضحك أفنان ساخرة وتقول: “أكاد أقسم أنك تفعل كل ذلك لأجل الطعام”. فيهز رأسه بضيق عندما يسمع نبرة الاستهزاء بسمنته ، ثم يغادر البيت ويمتطي دراجته ويدور بها في الأحياء المجاورة لينسى كلام أخته المؤذي، يسمع ويرى ويشم وسرعان ما تتراكم في ذهنه الخيالات تنتظر خلو يده لتجري بالقلم على صفحات فارغة تخط قصصاً بديعة ..

كان هذا الغرق في الخيال كثيراً ما يسبب له المشاكل أثناء جولته بدراجته مساء ليبيع ورق العنب والمعجنات اللذيذة التي تصنعها أمه و جدته عند تجمعات الشباب. يقف أمام نافذة تسترعي انتباهه بستائرها المسدلة فيسافر بخياله إلى ما ورائها لينسج قصة فيحسبه رب البيت متحرشاً، أو يتطلع بفضول إلى مجموعة من “أولاد الشوارع” محاولاً تخمين شخصياتهم الحقيقة التي تختفي وراء وقاحتهم البالغة لينال لكمة أو استهزاء بسمنته على أقل تقدير جزاء فضوله.

لكن أجمل ما كان يشغل خياله هو التفكير بأبيه. أبيه القوي الوسيم، الطويل ممشوق القوام.

لا، ليست هذه الأوصاف من بنات أفكاره هذه المرة. كانت حقيقة، ولعلها الحقيقة الوحيدة التي تتعلق بأبيه الذي اختفى من حياته في ظروف يجهلها هو على الأقل.

لا يزال يذكر أيامه الجميلة معه ، حين كان في التاسعة كانوا كشأن كثير من عوائل جدة تتمشى أسرته المتحابة على الكورنيش عصر كل جمعة ؛ والداه الجميلان -بنظره- وأختاه إيناس وأفنان وجدته لأمه التي انتقلت للعيش مع ابنتها الوحيدة بعد وفاة زوجها في سن مبكرة نسبياً .

كان يعجبه أن يقف إلى جوار أبيه ،ممسكاً بيده في مواجهة البحر يرقبان الموج يتكسر على صخور الشاطئ المكسوة بالطحالب الخضراء. ينظر أبوه إلى الأفق البعيد وينظر هو إلى أبيه منبهراً فيتصوره وكأنه أحد أبطال المسلسلات الكرتونية اليابانية المفضلة لديه.. كم يشبههم بطوله الفارع وبنيته القوية وشعره الداكن ولونه الأسمر الأخاذ ، حتى صوته العميق .. يشبههم تماماً .. تماماً تقريباً لولا هذه السيجارة التي لا تكاد تفارق يده.. 

لا يزال يذكر أحاديث أبيه الممتعة عن شاطئ جدة القديم، حين كان يزوره صغيراً مع أسرته. كان النزول إليه متاحاً للجميع ، ولم يكن فيه كل تلك  الحواجز التي تحول بين المرتادين والخوض في مياه الشاطئ المنعشة. لا تزال الصور التي رسمها حسن في مخيلته عن حياة أبيه في جدة القديمة تداعب خياله ، بل وجعل كثيراً منها مشاهد في قصصه التي كان يكتبها. صيد سرطان البحر الذي كان يكثر في شواطئ جدة بطعنة سكين  واحدة في منتصف ظهره ثم الاستمتاع بشيّه على الحطب والتلذذ بـ”فصفصته”. بائعو الخضار والفواكه يدفعون عرباتهم في شوارع جدة ظهراً ينادون على بضائعهم بصوت مرتفع فتسمعهم ربة المنزل وتطل عليهم من “البلكونة” تنادي لهم باحتياجاتها وتضع النقود في “زنببيل” من الخوص وتدليه من الأعلى بحبل. يزن البائع “مقاضيها” بميزان صدئ ذي كفتين مستعملاً الأوزان الحديدية التقليدية، ثم يضع مشترواتها في الزنبيل وترفعه إليها. وقد تفعل الشيء ذاته مع باعة السمك الذين يأتون بالأسماك المختلفة طازجة من البحر فتشتريه ربة المنزل لتفاجئ زوجها بوليمة محترمة من “السمك الفرني” أو”الحوت بالحمر” وكباب السمك والناجل المقلي وربما بعض الربيان الضخم. أخبره والده كيف أن والدته كانت تطلب منه أحياناً أن ينشر الغسيل على الحبل في “البلكونة” لأن نظرات سائقي السيارات تضايقها إذا مروا أسفل شرفتها، وأكّد له كم كان ذلك الأمر مملاً ومتعباً:

–       ولكن ما من طاعة أمر الوالدة بد ! لم أكن أستطيع أن أرد طلباً لأمي. كان نفوذها في نفسي عظيماً!

أما “فرّقنا” فكان عالماً آخر من السعادة.. كان “فَرّقْنا” رجلاً عجوزاً، يَمَنيّاً في الغالب من أهل جدة يحمل على رأسه بقجة ضخمة .. ضخمة جداً، كان يتعجب صغيراً كيف يمكن لهذا الكهل أن يحملها على رأسه. ولم يكن اسمه “فرقنا” ، ولكنه كان يدور على المنازل والدور في الصباحات، يدق الباب ويقول: “فرقنا” ، يعني بذلك “متفرقات”، فعُرفت الوظيفة بهذا الاسم. وكان إذا ما دق باب أحدهم تعالت أصوات الصغار بهجة وجذلاً ، وفتحت له ربة البيت الباب لتتفقد بضائعه المختلفة فيفرش “جراب الحاوي” ويخرج منه العجائب: قطع قماش مختلفة، ألعاب، أدوات مدرسية، عطور.

-“باختصار، كان “فرقنا” بمثابة محل أبو ريالين متنقل، وكانت أمي كثيراً ما تتحاشى أن تفتح له الباب ليقينها أنها لو فعلت فستنفق ما يزيد عن الخمسين ريالاً ذلك اليوم .. ما كانت أمي تستطيع أن ترد لي أو لأختيّ طلباً تقريباً”.

كان الأب يحكي ويحكي، وكان حسن ينصت وينصت. كلاهما كان يجد في هذه الحكايات بهجة وسروراً؛ الأب يستعيد طعوم الذكريات وروائحها وسعادتها، والابن يغمض عينيه ويتخيل ويشعر بمشاعر أبيه ثم ينتهي الأمر بامتلاء جعبته بالكثير من المعلومات الفريدة التي يطعم بها قصصه.

كل الذكريات عن أبيه كانت جميلة.. كلها لولا تلك السيجارة المقيتة ذات الرائحة العجيبة.

أحياناً كان الأب يتكلم مع ابنه وهو ينفث دخان السيجارة فيتخيله حسن تنيناً أسطورياً ينفث من أنفه ناراً. ضبطه أبوه مرة يحاول أن يشعل إحداها ليجرب “المتعة” التي كان يجدها أبوه في التدخين، وكانت المرة الأولى -والأخيرة- التي يضربه فيها ضرباً مبرحاً. بكى على حضن أمه وبكى حتى نام.

كان يسمع أحياناً صوت أمه يرتفع في حجرتهما وهي تجادل أباه في هذه اللعينة! لم ترتفع أصواتهما أبداً إلا عند الحديث عن التدخين ، وكان يتعجب، أي سحر وراء هذا الاختراع العجيب في نفس أبيه ؟

كان أبوه كالطيف الجميل، كالحلم العذب، كنسمة هواء جميلة في يوم صيف قائظ، ولابد للطيف من الاختفاء، ولابد من أن نصحو من أحلامنا لنجد الواقع ولابد لقيظ الصيف أن يهيمن.

استيقظ يوماً ليجد أباه قد غادر، وليجد أمه تبكي .

مات؟ لا .. غادر فقط .. بلا أي تفاصيل ..

حسن أيها الأصدقاء ، هذا هو الفصل الأول من روايتي .. سأحتاج إلى الكثير من المساعدة ، حتى أني لم أضع عنواناً للفصل .. أجد كثيراً من الصعوبة في اختيار العناوين الملائمة ..  اكتبوا لي في التعليقات عن آرائكم ومرئياتكم ، ماذا تعتقدون ، ماذا تقترحون أن يحدث ، وسأختار ما أجده مناسباً ولاشك ، وفي كل مرة أستنير برأي صديق فسأذكره في نهاية التدوينة .. أنوه أيضاً إلى أن التغيير في الفصول التي أنشرها أمر وارد حسب المستجدات ..

أتمنى لكم قراءة ممتعة 🙂

ما رأيكم ؟

تراودني كثيراً فكرة كتابة رواية ، وتهبني الروايات الاجتماعية خاصة متعة فائقة  (قراءة  وكتابة ) ، وأعتقد أني أجيد كتابتها نوعاً ما . مؤخراً ، تجمعت في ذهني  خيوط قصة اجتماعية كنت قد عزمت  على نشرها  في وقت ما بعد الفراغ منها . قمت بالفعل بكتابة  الفصل الأول ، ثم توقفت .. كانت أشغالي وعدم مهارتي في تنظيم وقتي بشكل مُرضي مانعاً لإكمالي الرواية  ، على الرغم من حماسي  ورغبتي القوية في أن أكتب شيئاً جميلاً ..

قبل يومين خطرت في بالي فكرة .. بما أني أريد أن أكتب ولكني لا أجد محفزات قوية لفعل ذلك ، وبما أن صناعة الكتاب للمغمورين أمثالي أمر محبط  ( وأنا في غنى عن  جميع أنواع الإحباطات ) ، وبما أني ناقهة من مرض السرطان ، والناقه  يحتاج إلى الكثير من المحفزات ليعيش ، فقد ارتأيت أن أنشر قصتي هنا ، في مدونتي ، كلما أنهيت فصلاً .. ثم فكرت أنه لعل من الجديد والجميل أن تشاركوني أنتم صناعة هذه القصة . لعلكم تقررون معي ما الخطوة التي سيجريها الأبطال ، ماذا سيحدث معهم ، ماذا سيقولون .. لعلكم تفلحون في تحويلها من قصة اجتماعية إلى قصة بوليسية ، ولعلها تروق لكم كما هي .. كل ما أطلبه منكم أن تتركوا أفكاركم ، آراءكم ، توقعاتكم في التعليقات ، بل وقد يكون من الظريف أن تتركوا لي جملاً من ابتكاراتكم لطالما تمنيتم إدراجها في مقالة أو رواية ، لعلي أجد لها موضعاً.. وإن لم أجد أي تعليقات ، أو لم أجد ما يثير اهتمامي وفضولي في تغيير مسار القصة فسأكمل ما في ذهني ..

ليس عندي ما أخسره ، ولا أنتم كذلك ، وأعدكم أن كثيراً منكم سيجد أشياء جميلة يقرأها بين الحين والآخر  ..

دعونا نجرب ، ما رأيكم ؟

%d مدونون معجبون بهذه: