Feeds:
المقالات
تعليقات

حفلات العزاء

       عنوان مزعج ، أليس كذلك ؟ الحقيقة أن الواقع أكثر إزعاجًا ، على الأقل في الحجاز ، ولا أعلم عن باقي المناطق .

عادتي في العزاء أن أسلم على أهل الميت وأواسيهم بكلمات وأدعو لميتهم بالرحمة ثم أنصرف دون أن أتناول شيئاً ولو جرعة ماء ، ولكن في الشهور الماضية حضرت اثنتين من حفلات العزاء بسبب صداقتي القوية لأهل الميت ، وجلست على غير عادتي فترات طويلة ، كنت أرقب فيها باهتمام مع كم هائل من الغضب والاستياء ما يجري .

ما أعرفه أنه لازال الناس يقولون إذا جلسوا مجلساً يسوده الهدوء المطبق :”مالكم كأنكم في عزاء” .. للأسف ، تغير الوضع الآن ، فبقي المثل وتحول الواقع .

غالبية النساء “المعزيات” “اللواتي يفترض أن يكون سبب وجودهن في هذا المكان هو مواساة أهل الميت يحضرن من أذان المغرب أو قبيله بقليل “ويتكئن”! وهذا لفظ حجازي “مفصحن” للتعبير عن إطالة المكوث بشكل مبالغ فيه . لا مشكلة لدي شخصيا في الإطالة ، ولكن مشكلتي فيما يفعلنه أثناء ذلك . مفهوم التعزية والمواساة اندرس تماما أو كاد.

التنافس على “إكرام الميت”بأنواع الضيافة و”المباشرة” ، العشاء ، الضحك الصاخب ، اللباس ، كل ما حولك يوحي إليك أنك في حفل بالفعل . تكاد تظن أن الناس ينتظرون أمثال هذه الحفلات للاجتماع وتناول الطعام وكل شيء قد تفكر فيه .. كل شيء إلا التعزية والمواساة.. وما بين هذا اللباس ، وتلك الضحكات ، فإن قلوب أهل الميت المكلومة تكاد تتفطر حزنًا على ميتهم ، وغيظاً من أولئك المعزين باردي الوجوه ، متحجري القلوب ، ولولا خشية العيب لنهروهم أو طردوهم .

خذ مثلاً اللباس .. من شاءت ألا تخلع عباءتها ، فالعباءة نفسه فتنة وزينة (ولا تنس أن هذه العباءة خاصة بالعزاء) ، ومن خلعتها فإنك إذا رأيتها تخطئ الظن وتحسب أنها في حفل .. أوه .. لقد ذكرت أن هذا حفل عزاء بالفعل .. إذن المعذرة ، هي لم تخطئ التصرف ! أنا من أخطأت الفهم .

وبعض النساء ، من باب إتحاف أهل الميت وتقديراً للميت نفسه يتنافسن في إحضار ما لذ وطاب لتقديمه على العشاء .. العشاء الذي يفترض به أن يكون معداً لأهل الميت .. البعض يحضر أنواع “التعتيمة”، وهي لمن لم يكن خبيراً بعمل أهل الحجاز حلويات شعبية كانت تقدم في “ليالي الزفاف والأعراس”!! تتكون من الهريسة واللبنية واللدو والحلاوة الطحينية وغيرها، وأنواع الأجبان .. والبعض يحضر “المعمول” أو غيره من المأكولات التي –بالتأكيد- ليس هذا محلها. ناهيك عن التمور المزينة ، ولم ينقص إلا الشوكولاتة الفاخرة .

ماذا عن المكياج ؟ بالمناسبة ، هناك مكياج خاص بالعزاء !

ماذا عن الضحك والسلامات وتبادل الأشواق والحكايا ، وآخر أخبار السفر ، وكل ذلك أمام أهل الميت مباشرة  وكأن من مات عندهم قطتهم الأليفة أو سائقهم المخلص ، لا زوج أو أب أو حبيب..

كل ذلك قد يكون محتملاً ، ويمكن ابتلاعه بصعوبة مع احتمالية الغص به ، ولكن ما سمعته قريباً عما حدث في إحدى هذه الحفلات جعل فكي يتدلى ببلاهة من سوء أدب وأخلاق بعض القوم ، و الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهم به .

حدثتني إحداهن أن بعض “المعزومات” .. أقصد المعزيات” طلبت شاياً أخضر بعد العشاء ، مع العلم أن الشاي لم يكن أحد الفقرات أصلاً ! وأخرى طلبت ماء في كأس زجاجي لا في قارورة بلاستك !! وثالثة سألت عن نوع اللحم الذي يُقدم لأن اللحم الفلاني لا يناسب معدتها ، ورابعة طلبت “طرشي” مع الرز !!!!

لعل المشاركة في بعض أحرف “عزاء” و”عزومة” أورثت هذه المشاركة في بعض الطقوس . ولكن الذي أتيقنه أنك إذا لم تستح فافصنع ما شئت ! والذي أتيقنه أن من جاءت للعزاء بهذه الرقاعة “ووساعة الوجه ” ، ستأتيها يوما رقيعة أخرى وسيعة الوجه “تعزيها” وتطلب ماء “بيريه” مع العشاء .

عندما قال النبي ﷺ : ” اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم “، كان يقصد أن يأتي الناس بالطعام لآل جعفر ويخدموهم ليكفوهم هَمّ الطعام في هذه الفترة الحرجة ، والآن صار آل جعفر هم من يصنع الطعام ويقوم بخدمة “المعازيم” ، أقصد “المعزين” ، لئلا يوصموا بالبخل وعدم إحترام الميت وتقديره .

أعتقد أن كل هذه التجاوزات المرفوضة جملة وتفصيلاً ترجع إلى تجاهلنا هدي الصحابة في عدم الاجتماع وصنع الطعام، وقد قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة ، ومعلوم حكم النياحة في الشرع .

ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها . وأقول – وأنا مسؤولة عن قولي- امنعوا تقديم العشاء في حفلات العزاء حتى تصبح عادة معروفة ، ثم انظروا كيف ستختفي كثير من هذه المناظر المؤذية . اقبلوا التعزية بالهاتف أو باللقاء العابر أو حتى برسالة الجوال لو تعذر المجيء ، ثم انظروا كيف ستختفي باقي المناظر المؤذية .

نحتاج لتصحيح المسار في أمور كثيرة من حياتنا .. فلنبدأ جميعنا بالتغيير ، ومن سنة سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بعده إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء.

الفارس !

مكتوب على جبيني : احكِ لي !

قابلت “سيناً ” من النساء ذات صباح وتشعبت بنا الأحاديث ، حتى فوجئت بها تفضفض لي فضفضة من النوع الحميم ، برأيي على الأقل .. ما كنت لأخبر بمثل كلامها أحداً .. وكم راعني الصدق الهائل في حديثها ..

تساءلَتْ “سين “: “لم يسود الاعتقاد بأن المرأة إذا كبرت وبلغت الخمسين أصبحت “من القواعد” ، وعليها أن  تتخلى عن عواطفها كذلك ؟ أعني تلك العواطف المتعلقة بالأنوثة .. بالرغبة في الغزل . بالرغبة في الجنس ربما !! من قال أن هذه المشاعر خاصة بالشابات ؟ ألا يفكرون أن مثل هذا الظن هو بمثابة الحكم بالإعدام العاطفي علينا ؟ كان زوجي يملأ عليّ حياتي ويشبع رغباتي في سماع الغزل وكلمات الحب والعشق .. فلما طُلقت ، كان ألمي وجراحي التي تسبب بها أكبر من أن أفتقد سماع ما اعتدت على سماعه في ربع قرن .. كنت أرفض تماما فكرة إعادة التجربة معه أو مع غيره ، أيا كان .. فلما تجاوزت القنطرة ، وبدأت أستعيد ثقتي بنفسي بفضل الله تعالى  ، عاد إليّ الحنين الفطري إلى سماع الغزل .. لعله الحنين إلى إعادة التجربة ، ولكن هذه المرة ليس مع نفس الشخص ، وإنما مع فارس ..

أتذكر حلما جميلاً حلمت به منذ سنين طويلة .. على الرغم من كوني متزوجة في تلك الفترة .. حلمت أني متزوجة من رجل كالرجل الوطواط .. أتذكرينه يا هناء ؟ لا تراوغي  ! فكلانا من جيل مجلات سوبرمان والوطواط .. ولكن ذاك كان “صبحي” ، وهذا كان ” محفوظ ” .. لا تضحكي !! أنا نفسي متعجبة من هذا الاسم ، من أين أتى ؟ كان رجل أعمال ثرياُ جدًا جدًا ، ولكن شخصيته الحقيقية تظهر في الإجازات : بدوي يعشق الصحراء ويركب الخيول .. له وسامة البدو الوسيمين ، و الطول الفارع والسمار الجذاب ، واللحية المخنجرة ، وقوة البدو التي نقرأ عنها في الروايات ، القوة الجسدية والشخصية ، والشهامة العربية ، يلقي قصائده الرومانسية بصوت عميق كأسد الصحراء .. ويكبرني بسبع سنوات .. باختصار .. كان فارساً من الجنة .. ظل محفوظ هذا يداعب خيالي كالحلم الجميل ، وكنت أحاول تنزيله على الواقع بأن أفكر أنه يمثل زوجي -آنذاك- في الجنة أو أي شيء ، ولكن (ما كان يضبط) .. فلما طُلقت ، والتقطت أنفاسي ، عاد لي الحلم مجددًا ، بعد سنوات ..

كل من يسألني : ألن تتزوجي مرة ثانية ، كنت أجيبه أولاً بضحكة ساخرة من سذاجته ، وكأن الخطاب ينظمون أنفسهم في طوابير عند باب بيتي .. وثانياً ، لأني إذا أردت أن أعيد الكرة فلن أقبل بأقل من ” محفوظ “..

سألتها متعجبة  : “وهل هناك مثل “محفوظ ” أو أكثر ؟”

ضحكَتْ بعذوبة مدهشة وقالت : “نعم .. رجل كمحفوظ في صفاته ولكن باسم أجمل !!”

بادلت ضحكتها الحالمة بضحكة متعجبة من هذه الرقة المفاجئة التي تغشتها ، وقلت : “طيب، ما ذلك على الله بعزيز ، فاستعيني عليه بالدعاء “.

تبسمَتْ في حزن خفي ، وقالت : “نعم صحيح ، ولكني أعتقد أني لو دعوت به في الدنيا فسيكون اعتداء في الدعاء . مَن الفارس الذي سيرضى بامرأة خمسينية في حين تتمناه كل حوريات الدنيا ؟ لِم يتزوج مَن رق عظمها ، ووهن جسدها، ولم تظفر بنصيب واف من الجمال في شبابها لتظفر به الآن ، وفوق كل ذلك شعيرات بيضاء متناثرة ، وبطن مترهلة تحكي خمساً من الولد “.

قلت بإصرار : “ولِم جلد الذات ؟ ماذا عن جميع صفاتك الرائعة ؟ ذكائك ومرحك .. روحك الإيجابية المدهشة وإصرارك .. تفاؤلك وحبك للخير .. تفانيك في سبيل من تحبين وكل الصفات الجميلة الأخرى .. كم من النساء من تغيب شموس جمالهن خلف غيوم التفاهة وقبح النفس .”

هزت رأسها وقالت : “مثل هذه المرأة ، لا يصلح لها إلا من كانت له عشرة معها جعلته يعرفها جيداً ويعرف أي كنز هي .. المشكلة أن هذه المرأة  لا تريد ذلك الرجل .. لأنه لم يكن أبداً فارسها .. كانت تحبه نعم .. ولكن لأنه كان الحب الأول .. لم يكن لا شكلا ولا أخلاقاً ولا مادة مثل فارسها ولا نصيفه .. كانت تعطي ويأخذ ، ولا يعطيها مقابلا إلا اللمم ، فترضى به لأنها تحبه .. ضحت من أجله ، أهملت أهلها ، قطعت أجزاء من جسدها ، أهانت كرامتها كالغبية لترضيه ، ولكنه لم يكن ليرضى .. لم يكن فارساً .. ألهذا جاء حلم محفوظ ، ليحكي رغبة قديمة لم تتحقق ؟؟ أترينه كان حديث نفس ؟ ماذا أفعل الآن بهذه المشاعر المتضاربة في صدري ياهناء ؟ أخاف منها جداً.. أخذت تلح علي بشدة ، وتظهر آثارها على السطح ببطء .. لا أحب أن يستعبد فكري مخلوق .. لا أحب أن يستعبد قلبي مخلوق .. بدأ ذلك الفارس يحتل جزءا من قلبي .. وأقاوم .. أحاول أن أصوره في ذهني وهو يصرخ على امرأته : يا حيوانة .. يا غبية .. أحاول أن أتخيله يرفض ذهابها إلى وليمة أهلها بحجة أن أهله عندهم وليمة ولابد أن تكون معهم .. أحاول أن أتخيله يسخر من تفاهاتها ويعظّم تفاهاته . أحاول أن أكرهه .. لا أريد أن أحيا في نكد وضيق لعدم تحقق حلمي ، فأنا لا أريد فارساً خيالياً ، افتراضيا ، لا يمكنني الوصول إليه .. أريده فارساً حقيقيًا ، يعلمني ركوب الخيل ويأخذني في رحلة خاصة لأطراف مزرعته ، وحدنا مع بندقيته ليحميني .. أريده أن يغني لي بصوته الشجي ويثني على صوتي بنظرة عشق يذوب لها قلبي .. أريده أن يأخذني في رحلة حول العالم ، ليؤمني في صلاة العصر في حديقة عامة تحت أنظار الفضوليين الذين يسألوننا فيما بعد عن الدين الذي نتبعه .. أريده أن يأخذني في أحضانه يهدهدني  بصوته العميق كالطفلة المدللة كلما آذاني أحد أولادي ، ويذكرني برفق أنهم سيكبرون ويغمرونني ببرهم ، وأن مهمتي الآن أن أسامحهم وأعطيهم ما يريدون .. لا أريد حبه جنسيًا مجرداً.. أريده حبا عقليًا , جنسياً ، ثقافيًا .. أريده إعجابًا وعشقًا واحترامًا .. أريده أن يكون لي كأبي زرع لأم زرع !”

سألتُها بحذر : “أترين محفوظا هذا سيأتيك في الدنيا ؟ برأيي يا “سين”  أن الأفضل أن يأتيك في الجنة ، لو كان لنا أن نختار .. الدنيا عَرَض زائل ، وحلمك هذا جميل لا تودين أن ينقطع بموتك أو موته .. تريدينه حقيقة ، وليس في الدنيا حقيقة أقوى من الموت .. ارضي به في الجنة ، واعملي على أن تظفري به هناك ، فإن الغبن كل الغبن ، أن تضيعيه هنا وهناك “.

نظرت “سين ” إليّ طويلاً ، ثم رفعت رأسها إلى السماء ، وأطلقت زفرة حرى ، وقالت : “رباه .. إنك على كل شي قدير “.

خريجة أخيراً :”)

ها أنذا .. خريجة أخيراً ، و الحمد لله أولاً وآخراً ، و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

ما أقرب ذلك اليوم وكأنه البارحة حينما كنت أتلقى جرعات الكيماوي حين لمع في خاطري بصيص ضياء أنار عقلي وقلبي : أكملي الجامعة .. حققي حلمك وتشبثي بالحياة ..

كنت أنتظر انتهاء الكيماوي وموعد التسجيل للتعلم عن بعد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بفارغ الصبر لأحقق حلماً تأخر تحققه أكثر من ربع قرن .

وحينما كنت أقطع خمساً وأربعين دقيقة في المشوار الطويل اليومي لمستشفى الحرس لتلقي العلاج الإشعاعي كانت مذكرات الدورة التأهيلية رفيقتي في الذهاب والإياب .

وحينما كنت أحاول تثبيت المعلومات الجديدة القديمة في ذاكرتي المهترئة بفعل الكيماوي كنت أشعر بأعصابي تحترق وأنا أخفق في حفظ ما كنت أريد حفظه بالسرعة التي كنت أرجوها ، وأتحسر في سري على تلك الأيام التي كانت ذاكرتي فيها كالماسح الضوئي ( السكانر ) .

دخلت في أول اختبار لي مقر الاختبار بالمعهد العلمي في المدينة النبوية حيث درس ابنيّ خالد وسهل المتوسطة والثانوية . وربما أكون جلست على مقاعدهم أيضاً ..

دخلت وعلى فمي ابتسامة حيرى ، تائهة بين الشعور بالامتنان لله اللطيف الخبير ، والفخر بالله الكريم والحب لله الودود .

كان كل فصل دراسي يمضي يحقق في نفسي إحساساً بالإنجاز ؛ مفرحاً ، مدهشاً ، مثيراً ..

كانت كل نتيجة متفوقة تسكب في قلبي فرحاً و اغتباطاً ، ومزيداً من الامتنان والفخر و الحب .

لن أدّعي أني سهرت الليالي  الطوال في المذاكرة ، فالدراسة عن بعد ليست شديدة الصعوبة خاصة وأن خلفيتي العملية الشرعية ساعدتني جداً بفضل الله تعالى ، لكن الالتزام بالوقت والمنهج ، إضافة إلى القلق من عدم احترافية بعض الأساتذة في وضع الأسئلة كان لأعصابي بالمرصاد في كل فصل دراسي.

وفي اليوم الأخير من الاختبارات ، وفي الساعة الأخيرة قبل دخول القاعة ، تركت المراجعة والأوراق وبدأت أستمتع بهذه الدقائق التي لن تلبث أن تذهب ولا تعود ، تماماً كمن يستحلب قطعة شوكولاتة فاخرة ولذيذة ، يلصقها في سقف حلقه ، محاولاً الاحتفاظ بنشوة طعمها لأطول فترة ممكنة .

وهاهي الآن الطالبة في سن جدتي تحصل على شهادة البكالريوس في الشريعة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى بفضل الله تعالى. 

صحيح أن التخرج من البكالريوس ليس إنجازاً هائلاً بحد ذاته يستحق كل تلك الضجة والاحتفال  ، ولكن التخرج عندي يعني لي الكثير ..

يعني لي النجاة والأمل و الحياة ..

يعني لي سعة لطف الله تعالى وعونه  وحبه ..

حينما تحصل لنا الأحداث الجميلة ننسى أحياناً أن نستشعر كونها هدية من الله أعطاناها ليفرحنا ، ونذهل عن أن نحمده بقلوبنا قبل ألسنتنا وأن نقدح في قلوبنا زناد الحب والتعظيم له ، فتمر مواقفنا الجميلة سُدى ثم تنسى .

ارجع واجتر ذكرياتك واستخرج من أركانها تلك اللحظات السعيدة ، وعش ثانية ذلك الشعور الجميل .. هذه المرة استشعر فضل الله عليك وعونه وتسديده لك ..

صدقني ، الحياة بهذه النظرة أجمل من أن تضيعها في التحسر على ما لم يكن من نصيبك وتمني ما عند غيرك .

صدقني .. لا يعدل شيئ ذلك الشعور بأن لك رباً كريماً لطيفاً ودوداً يكلؤك بحفظه ويفرحك بنعمه .

حالياً ، سأسترخي في مقعدي ، وأزفر براحة وأقول : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله .

منذ أن افتتحت متجري الالكتروني في انستغرام وبدأت في التعامل مع أسواق (الآخر) ، انفتحت عليّ سيول المقارنات .. لا أميل إلى عقد المقارنات بالعادة ، لأن كفة (الآخر) ترجح دائماً ، وأعزو ذلك إلى سبقهم لنا في تطورهم الحضاري بعقود طويلة ، وللقوانين الصارمة التي تحكمهم ، بخلاف الفساد الذي يستشري في بلادنا ، فلا يزع قومنا لا القرآن ولا السلطان . ولكن الأحداث تتالت بشكل استوقفني ..

لا أذكر متى بدأت الحالة بالتفاقم في ذهني .. ولكن لي بعض الذكريات شبه الضبابية عن مطعم يفترض به أن يكون فاخراً ، يهمل في طلبات زبائنه ( نعم أسميه إهمالا ولا أقبل حجة ضغط الزبائن )، فيحضر السلطة (المدفوع ثمنها) بعد الانتهاء من الطبق الرئيسي ، فتقع في حيرة : هل تأكلها وقد امتلأ بطنك ، أم تأخذها معك للمنزل لتتعشى بها ؟ تتعشى بالخس الذي ذبل والتتبيلة التي امتصها الخبز !! ثم تدفع ثمنها تأدباً ( أو غباء لا أدري أيهما ) ، وذهنك يستحضر ذكاء بعض المطاعم في كسب زبائنها عن طريق إلغاء هذا الطبق المتأخر من الفاتورة ، بل وأحياناً ، إلغاء الفاتورة بأكملها .

وهناك مطعم فاخر آخر تطلب منه أسياخ الدجاج المشوية فيأتيك في طبق خمسة أسياخ ، أحدها كالمطاط تماما . تطلب من النادل أن يستبدل هذا السيخ بآخر ، فيضطر لمراجعة المدير ( السعودي) الذي لا يزال يسألك ببرود : هل تريد أن آتيك بغيره ؟ وبالفعل يأتيك بسيخ واحد فقط ، يلقيه أمامك متجهما ، ليعتذر النادل بدلاً منه ؟

وتتالى الأحداث التي تدفعك دفعاً إلى المقارنة .. كتلك الموظفة في مبنى الجوازات والتي كانت تتحدث مع المراجعات ( وبعضهن مسنات ) من خلف ظهرها ( حرفيا) لانشغالها بكتابة بعض الأوراق ، مروراً بالخدمة التي يقدمها البعض لشراء بطاقات الآيتيونز عبر الواتس اب فتفاجأ بطلبك الذي يبلغ خمسين دولاراً وقد تم استعماله .. وعند مراجعتهم يكتفي بإرسال بطاقة جديدة دون تعويض لكسب رضاك ، وصولاً إلى بعض المنشآت التعليمية التي تستقبل أبناء منسوباتها بنفس الرسوم الباهظة التي تستقبل بها غيرهم من العملاء ودون أدنى تمييز لكونها موظفة عندهم ..

أفهم أن غالب مقارناتي لا يحكمها قانون ملزم ، وإنما لا يكاد الأمر يتعدى الذكاء التجاري ( في غير مسألة موظفة الجوازات) ، وليس الناس مطالبين بأن يكونوا أذكياء .. ولكن سؤالي هو : لماذا لا يكون الناس أذكياء بالفعل؟

اشتريت مرة شحنة من أحد المواقع التجارية تبلغ 180 دولاراً أمريكيا ( 675 ريالاً تقريباً) .. بعد قرابة أسبوعين من وصولها عندي اكتشفت نقصان قطعة واحدة يبلغ ثمنها 65 ريالا فأرسلت للموقع بذلك ، فاعتذر مني بحرارة وعوضني مباشرة ثمن الطلب كاملاً ..

حسناً ، لا أريد أن أحدث بلبلة في الصفوف .. لقد كان ذلك نتيجة سوء فهم من الموقع ، فأرسلت إليه ثانية أخبره أن الطلب وصلني كاملاً إلا من هذه القطعة وبعد مداولات وعدة إيميلات طلب مني الموقع (السماح له) بسحب المبلغ الذي حوله لي ناقصاً الـ 65 ريالاً .. ولم أسمح له بفعل ذلك إلا بعد أن تأكدت من وجودها أصلاً ..

لسبب أجهله تذكرت موضوع السلطة في ذلك المطعم ..

وبعدها بأيام ومن موقع آخر اكتشفت نقصان قطعة يبلغ ثمنها خمساً وأربعين دولاراً ووجود قطعة أخرى لم أطلبها ، ولكنها تبدو فاخرة .. أرسلت لهم بالتفاصيل وأخبرتهم أني مستعدة بأن أدفع لهم فرق الثمن بين القطعتين مقابل الاحتفاظ بهذه .. المفاجأة أنهم أخبروني بأنه لا حاجة لي بدفع الفرق ، وأنهم سيحولون لي ثمن القطعة الناقصة !! أهدوني قطعة يبلغ ثمنها خمساً وثمانين دولاراً !! ( اضربوا المبلغ في 3,75 لتعرفوا القيمة بالريال السعودي ) ..

لسبب آخر أجهله أحسست بطعم سيخ دجاج مشوي في فمي !!

وأخيراً ، كانت ثالثة الأثافي ، حينما اشتركت في بريد واصل العالمي التايع للبريد السعودي ..

 وصلت شحنتي لمكتب البريد بأمريكا يوم 7 ذي القعدة ، ولم يتم إصدار فاتورتي إلا يوم 15 ذي القعدة !! ولأقطع أي سبب للتأخير حولت لهم قيمة الشحن مباشرة .. اليوم 1 من ذي الحجة ولن تصل شحنتي إلا يوم الأحد 4 من ذي الحجة ، واعتذرت لي الموظفة بأن هذا التأخير بسبب اليوم الوطني ..

أعتقد أني لو سافرت بالإبل من المدينة إلى جدة واستلمتها ورجعت لوسعني أن أعود قبل 4 ذي الحجة . ما زاد الطين بلة أنها حذرتني أنني إن تأخرت في استلام الشحنة فستعود بعد أربعة أيام إلى مصدرها ( أمريكا يعني) .. بعد تواصل طال قليلاً في تويتر قررت أن أذهب بنفسي إلى مكتب البريد لاستلامها ، ففوجئت أنها لم تصلهم بعد .. ضحكت غيظاً عندما قلت له : أخبروني في تويتر أنها عندكم ، إذ أنها كانت في جدة يوم 21 ، فقال : يبدو أنها لم تصل !!

لم تصل ؟ شكرا لك يا وطني ، فبسببك توقفت “دواب ” البريد في الطريق لترقص فرحاً بيومك ! لم يكظم غيظي إلا الموظف المحترم الخلوق الذي تعهد أن يحفظ شحنتي لحين رجوعي من السفر ، وأرجو أن يكون صادقاً وعلى قدر المسؤولية .

خسارة ، لقد كنت أؤمل خيراً في البريد السعودي منذ فترة ، ولكن خابت آمالي للأسف .

لِم لا يؤدي الناس مهامهم بكفاءة ؟ استلمت في جدة شحنة مرسلة بالبريد الأمريكي في خلال أسبوع وبسعر مقارب للبريد السعودي ، واستلمت في المدينة شحنة مرسلة من أمريكا عن طريق إحدى شركات الشحن الخاصة في أربعة أيام فقط .. لماذا يحتاج البريد السعودي شهراً كاملاً ليوصل لي شحنتي ؟ فهمنا أن السعوديين يغرقون في شبر ماء و (حواسين) لذا تستغرق شحنتي أسبوعين للوصول لبيتي . فماذا عن العاملين الأمريكان في مكتب واصل العالمي بأمريكا ؟ هل هي عدوى تنتشر في المنشأة السعودية بجميع مرافقها وفروعها ؟

لماذا لا يفكر الناس قليلاً ويطورون من أنفسهم ليؤدوا عملاً أفضل ؟

لماذا – إذ لم يزعهم القرآن ولا السلطان – لم يدفعهم الذكاء التجاري للربح عن طريق كسب الزبون وإرضائه ؟ أن أنهم يعملون على مبدأ : خلا لك الجو فبيضي واصفري ، ونقري ما شئتِ أن تنقري ..

مستوى الخدمات في بلادنا يئن من أناس لم يعملوا عقولهم ولا رغبتهم في الإتقان الذي يحبه الله ..

المقارنات تنعقد تلقائياً ، وفي أمور تكون أحياناً أخلاقية أو ضرورية .. ( لن أتحدث أبداً عن خدمات الصحة والتعليم والاتصالات .. أبداً أبداً )

بلادنا تغرق ببطء ..

طلاق العجائز

لا أزال أسمع وأرى من قصص طلاق العجائز ما يثير في نفسي عجباً واهتماماً.

ما الذي يدفع زوجين عجوزين ، قضيا زهرة شبابهما معاً إلى الطلاق بعد عشرة امتدت ربع قرن أو أكثر أحياناً ، حين تشتد حاجة كل منهما للآخر، خاصة لو كبر العيال وتزوجوا وغادروا البيت ، أو امتلأ البيت بالأحفاد وقلّت المسؤوليات وطاب جني الثمار ، أو مرِض أحدهما أو كلاهما واحتاج لمزيد من العناية والاهتمام .. كيف يمكن لأحدهما أن يفكر بالطلاق ؟ لن تعود أحاديث منتصف الليل التي لا تحلو إلا بانتظار النوم على الفراش في الحجرة المظلمة ، ولا التمشيات الفجرية في الطرقات الفارغة عقيب هطول الأمطار ، ولا المناكفات الدورية بينهما : هو يناكفها أثناء إعدادها لعشاء ضيوفه ، وهي تناكفه أثناء قيادته للسيارة .. ستتلاشى الأحضان الدافئة التي تملأ القلب سكناً وأمناً وعطفاً ، وكلمات الحب والحنان .. لن يعود للأحفاد جدان يسكنان معاً في بيت واحد ، وسيتهاوى بيت ظلا يبنيانه سنين طويلة بصبر وجلَد ..

ما السبب وإنه لخطب جلل .. فإن كنا نعذر الصغار في طلاقهم لرعونتهم أو قلة تحملهم للمسؤولية أو لعدم توافق الشخصيات والطباع ، أو لخصال سيئة في الطرف الآخر ، فبم عسانا نبرر للكبار ؟

سأذكر هنا أسباباً رأيتها في القصص التي مرت علي ، ولعل من يقرأ يتفطن لنفسه ويحذر .. لن أدعي أنه سبب وحيد، ولكن في كل الحالات التي رأيتها كان مزيج من كل هذه الأسباب أطرافاً في القضية ..

  1. أنانية الرجل المفرطة ، والتي ترجع إلى التربية العجيبة التي نربي فيها أطفالنا في مجتمعنا العربي ، حيث أن حاجة النساء للذكور تبقيه مهيمناً ، ولو كان طفلاً لتوه قد تعدى الثالثة عشر وأمكنه قيادة السيارة. نربي ابننا لا شعورياً على أنه مهم جداً ، إذ أن أمورنا لا “تسير” بدونه، فيقوم هو بكافة أمورنا مقابل الكثير من الاحترام والطاعة والخدمة من قبل بناتنا ، وننسى أن نعلمه مبادلة أخته نفس الاحترام والطاعة على الرغم من تبادل المصالح إذ هي من تقوم على إعداد طعامه وملابسه و تنظيف حجرته ، فيترسخ في أذهان الكل أن خدمتها له فرض وواجب ، وخدمته لها فضل ومنة .. فإذا كبرا وتزوجا انتقلت هذه النظرة إلى الأزواج ، فهي من تخدم ، وهو من له القوامة ( ذات المعنى الخديج ) وعليه فقط تأمين مستلزمات الحياة، وقد يكون سخياً في ذلك ( كمحاولة لتعويض ما يشعر به من نقص في عطائه المعنوي) وعلى المرأة أن تحصر حياتها في تنفيذ طلباته من العناية به وبالبيت والرعية ، متجاهلاً حاجاتها النفسية من تحقيق إنجازات خاصة بها ( وفق مرادها هي) و إشعارها بكيانها و احترامها وأنه يضحي من أجلها براحته لإسعادها كما تفعل هي كل يوم .. وتستمر الحياة ، وتمضي الأيام ويكبر الزوجان ، وينفد صبر المرأة دون أن يتغير الرجل الذي لا يزال يعتقد أنها ستفعل أي شيء كما رُبيت من أجله .. فتكون الصدمة غير المتوقعة وتنكسر القارورة ..

  2. قد تكون عند أحد الطرفين طباع سيئة وخصال مزعجة حاول الآخر معالجتها ومدافعتها دون جدوى ، قد يكون بخلاً أو شراسة في الأخلاق أو ببساطة : شكلا غير مقبول .. يصبر ، أو تصبر حتى يمل الصبر بعد سنوات عديدة ويطفح الكيل ويبلغ الحد ما لا قبل لهما باحتماله فيحدث الطلاق . قد يرجع السبب في ذلك إلى المبالغة في الرغبة في “إعفاف” أحد الزوجين ، أو المبالغة في تحقيق (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) ، وتحقيق ( فاظفر بذات الدين، تربت يداك) ولو كانت ذات الدين لا تلبي “شكلاً” رغبات الزوج ( والعكس صحيح بالتأكيد).. ولو كان ذا الدين بخيلاً قتوراً والمرأة تحب من يكرمها ويهديها ويدللها .. عجباً لكم أيها الأولياء .. ألم تطلب امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنها الخلع من زوجها الفارس الذي لا تعيب عليه خلقا ولا ديناً إلا أنها كرهت منظره وكان دميماً ؟ ألم يحذر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس من الزواج بمعاوية لأنه كان صعلوكاً لا مال له ،  ومن أبي جهم لأنه كان لا يضع العصا عن عاتقه ( كناية عن كثرة أسفاره أو ضربه للنساء)، وهما صحابيان جليلان لا يُشك في دينهما وأمانتهما .. فلماذا الاستماتة على تزويج “الكفء” دينياً دون تحقيق الكفاءة والرضا التامين عن باقي الصفات ، ثم تكون العاقبة ما نرى ونسمع بعد عقود؟

  3. المراهقة المتأخرة : هاهما يرتبطان وينشغلان في مسؤوليات الحياة.. لعلها الوظيفة ، أو الأهل أو الدراسة ، ثم يجيء الأطفال ، وتزيد المسؤوليات ، فيهدران طاقتهما الشبابية في القيام بمتطلبات الحياة ، ولا يعطيان نفسيهما حقها في تحقيق الرغبات والتدليل والإنجازات الخاصة .. ثم يكبر الأطفال ، ويهن الجسم ، ويتزايد الإحساس بقرب انقضاء الحياة دون تحقيق الأشياء المفرحة .. لم يكن الزوج يجد عند زوجته إلا حديثاً عن الأطفال والمسؤوليات ، وهاقد ذهب الأطفال وقلّت المسؤوليات ، فعن أي شيء يتحدثان ، وفيم يتناجيان ؟ عندها تظهر العيوب وتنكشف العورات ويتفاقم الملل وتتزايد الرغبة بالتجديد مع شريك آخر أكثر حيوية ، أكثر شباباً ، أكثر جمالاً .. فكر جديد ، شكل جديد ، حياة جديدة ، فيكون الطلاق هو الحل عند ذلك البائس ..

  4. ملء القلب والعين بالصور المحرمة المنتشرة في التلفاز والنت .. روي في السبب الذي دعا إلى طلب امرأة ثابت بن قيس الصحابي الفارس الخلع من زوجها أنها رفعت طرف الخباء يوماً فرأت زوجها مقبلاً في جماعة ، كان هو أشدهم قبحاً وأقصرهم قامة ، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير ، وسارعت للنبي صلى الله عليه وسلم تطلب الخلع إذ أنها لم تعد تطيقه .. هذا وهي نظرة مشروعة لأنها لم تكن مقصودة ، فكيف بما يحدث الآن حين يجتمع الزوجان على مشاهدة البرامج التي تعرض صور النساء الفاتنات والرجال الوسيمين .. وتتتابع الصور على القلب فيتعلق بأهلها ، ويظلم بهذه المعصية وينعكس أثر هذا الإظلام على حياتهما ، إذ مهما بلغت عناية المرأة بنفسها واهتمام الرجل بمنظره فلن يبلغا حد أهل الصور المزينة في الجمال والتنوع وإخفاء العيوب ، ولكن حبك الشيء يعمي ويصم .

  5. الزواج الثاني : كفكرة أو كتطبيق .. إصرار بعض الرجال على الزواج الثاني تحقيقاً وإكمالاً للرجولة المزعومة يدفع بهم إلى تكرار الحديث عن هذا الموضوع مع الزوجة. بل إن بعضهم قد وطّن زوجته على هذا الأمر من أيام “المِلكة”!! أي سخافة تلك ؟ لا يقيم أي وزن لمشاعرها ، ويظل يلقم غيرتها الأحجار تلو الأحجار ، فتضطرم النيران في صدرها ، وقد تسيء معاملته بالفعل ، وتبدأ حنظلة البغض تنمو في قلبها ، فإذا أتم زواجه بالفعل خاصة لو تم ذلك بعد سنوات طوال ، فإنه يتصرف معها بعنجهية وصلف، ويذبح “البس في ليلة العرس ” ، ولكن المشكلة أنه يخطئ في البَسّ ! وتكون القاضية .. لعل الرجوع إلى تدوينتيّ رسالتي إلى الزوجة الأولى ، و رسالتي إلى الزوج المعدد  تفيد كثيراً هنا ..

  6. يبوسة الدماغ : هو : سي السيد ، الحاكم بأمره ، الطاغية الجبار ، وهي المرأة المغلوب على أمرها ( مع تفاوت النساء في درجة “الغلبنة”) .. عوّدها منذ بداية زواجهما على قوانينه الحمورابية : لا خروج في الأوقات الفلانية ، لا تأخر عن الأوقات الفلانية ، لا استقبال مكالمات أو ضيوف في الأوقات الفلانية، ممنوع تناول أطعمة معينة حفاظاً على رشاقة جسمها ، زيارة الأهل في أوقات معينة ، ممنوع هذا ، وممنوع ذاك .. وهي صغيرة في السن ، وهو أول زوج في حياتها وتعلق قلبها به .. وتمضي السنون ويكبران ، وتصير جدة، وتهفو نفسها المثقلة بالسنين إلى الحصول على بعض المساحة الواسعة لتتحرك فيها وتنال من بعض المتع ما حُرمت منه في شبابها ، وقد تتمتع بناتها وحفيداتها بكمية كبيرة من الحرية لا تكاد تحلم بها .. تحادثه مراراً ولكنه يرفض بعناد وطفولية .. ليس للمرونة مكاناً في قاموس حياته إلا لماماً .. يحسب أنه اشتراها بمهره ، أو ملك رقبتها بحديث (فإنه جنتك ونارك) ، ونسي أن ( خيركم خيركم لأهله) .. وبعد سنين .. تنتهي الحياة .. وهنا أجزم أنه غالبا ما يكون هو الخاسر الأكبر ..

 ولئلا أُتهم بالانحياز إلى جنس النساء ( وإن كنت لا أنفيه بإطلاق ) ، فأرجو مراجعة تدوينتّي لماذا تتطلق الفتيات ، و لماذا يطلق الشباب ، إذ فيهما إكمال لكثير من جوانب النقص في هذه التدوينة ..

الحياة الزوجية سكن ورحمة وآية من آيات الله .. لا تضيعوها بخراقتكم .. أرجوكم ..

بدأت الإجازة الصيفية عند الغالبية ، وبدأ معها مسلسل ضياع الوقت والفراغ المقيت الذي يصاحب كل إجازة .

لا أخفيكم أني لست بأفضل حال منكم ، ولكن استوقفتني قبل أيام فكرة new year resolution والتي تعتمد على معاهدة النفس بالقيام بتغييرات معينة ابتداء من عيد رأس السنة .. فكرت : لم لا يكون عندنا summer resolution ، ننوط به عمل بعض التغيرات التي نرغب فيها و أداء مهامنا التي أهملناها خلال السنة فتراكمت حتى علاها الغبار والصدأ .. فكرة جيدة ، أليست كذلك ؟

إلا أنّا لو فعلنا ذلك فإن هناك أخطاء مجهضة لتلكم الأهداف قد نقع فيها وتهدد بالفشل الذريع ، وإليكم ثمانية من هذه الأخطاء :

1-              رصد قائمة طويلة : ليس الهدف من كتابة الأهداف هو “الهياط “وإنما تدوين نوايا جادة لفعل أشياء مهمة .. إذا كانت مهامك تستغرق وقتاً طويلاً لتحقيقها ، مثل تعلم لغة أو مهارة جديدة ، أو تحقيق إنجازات صحية أو الإقلاع عن عادة سيئة كالتدخين مثلاً ، فيكفيك أن تركز على ثلاث أو أربع مهام كبرى، خاصة وأن الوقت إجازة صيف، وقد يعتريك سفر أو استقبال ضيوف من خارج المدينة ، وعدم تحقيقك لكل هذه الأهداف الطويلة سيصيبك بالإحباط والشعور بالإخفاق ، أما لو كانت المهام من النوع السريع الذي لا يستغرق وقتاً طويلاً كترتيب مكتبتك ، أو فرز ما تحتاجه من ملابس العائلة والتخلص مما لا تحتاجه، أو القيام ببعض الإصلاحات المنزلية فارصد منها ما تشاء ودوّنه .. ستجد متعة فائقة في شطب المهمة تلو المهمة بعد إنجازه.

 

2-              عدم مراعاة الظروف : ماذا تعني لك الإجازة الصيفية ؟ نوم وانقلاب الليل والنهار ، وخمول، سفر ، ثم ها أنت تضع للإجازة أهدافاً جادة تود تحقيقها ؟ راع ظروفك “الإجازية” ، لئلا تتعرض للفشل. قد لا يكون من المناسب البدء بحمية التمر واللبن مثلاً (مع تحفظي على هذا النوع من الحميات ) وأنت تستضيفين أهل زوجك لأسبوعين. قد لا يكون من المناسب أن تكون أحد أهدافك إتمام قراءة عشر كتب في شهر واحد وأنت تعزم على السفر .. كن منطقياً !

Photo: ‎شمستي‎

3-              غير قابلة للقياس : من الخطأ مثلاً أن تكتب : ” أتمرن بشكل أكثر أو أكبر”، أو أحسّن علاقتي بوالدتي ، أو أكون زوجاً طيباً لئلا تتركني زوجتي. ما مقياس التمرين الأكثر ، أو تحسين العلاقة أو تطوير النفس ؟ هذا كلام عام جداً ، ولا يصلح لأن يكون هدفاً . كتبتُ في لائحتي أولاً: نزول 3 كيلو ، ثم مسحته بعد قليل لأن فقدان الوزن ليس بيدي ، إذ تتحكم فيه الضغوطات النفسية وقلة النوم والهرمونات وملايين الأسباب الخفية والظاهرة، وكتبت بدلاً عن ذلك : تحقيق مشي ما مجموعه 80 كيلو متر في الشهر على الأقل مشياً سريعاً صحياً ، ولو تحقق لي ذلك لأنهيت الإجازة الصيفية بمشي 240 كيلو تقريباً . هذا الآن هدف معقول وقابل للقياس ، بل ويمكنني أن أزيد عليه لأحقق درجة أعلى من الرضى.

4-              أهداف مثالية : كلنا نحب أن نفعل أشياء خارقة تدير الرؤوس . عن نفسي أتمنى لو أكتب روايات تحقق عدد مبيعات هائل أو تفوز بجوائز عالمية ، أو أتمكن من المشي 10 كيلو في أقل من ساعة .. لو حددت مثل هذا هدفاً صيفياً فأنا أخطط لإخفاقي . كن واقعياً ، واكتف مثلاً بالتخطيط لروايتك الجديدة أو كتابة تدوينة أسبوعياً.. خطط للمواظبة على تمرين معين إذا كنت مبتدئاً ، أو الانتقال إلى مرحلة متقدمة إذا كنت محترفاً، ولاحظ أنك تتكلم عن خطط صيفية محدودة بثلاثة أشهر فقط ، حيث السهر والاجتماعات على الطعام، وحتى التمشيات تصير (تحشيات) ، وحين يسود الجميع فكرة أن الصيف للنوم وتضييع الأوقات .

5-              التخطيط العشوائي : عندك أفكار جبارة تنوي تحقيقها في الصيف ، ولا تعرف كيف لأنك تتركها “بالبركة” ، ويمضي الشهر الأول ثم الثاني والثالث وأنت لم تحقق شيئاً يذكر . وزع أهدافك إلى نطاقات : النطاق الصحي ، الثقافي ، الروحي ، الاجتماعي ، ثم قسّم أهداف كل نطاق إلى أهداف فرعية تكون بمثابة محطات الطرق السريعة التي تعرف عن طريقها كم قطعت وكم بقي لك فتكون لك خير حافز . حدد متى ستبدأ كل هدف على وجه التقريب ، وبعد انقضاء نصف المدة توقف مع لائحتك مرة ثانية وراجع مكانك ، وأعد تقييم أداءك ، وعدل ما يحتاج إلى تعديل ثم واصل الانطلاق.

6-              لا تعرف دوافعك : لماذا أريد أن أفعل كذا وكذا ؟ خسارة الوزن مثلاً ، أو كتابة رواية جديدة أو صلة الرحم البعيد الخ .. لو لم تكن دوافعك قوية بما فيه الكفاية فستنقطع قريباً. قد يكون هدفك لنقصان الوزن رغبتك في ارتداء فستان السهرة الجديد لحضور حفل زفاف قريبتك . هذا هدف جيد ومقبول ، ولكن ماذا باعتقادك سيكون أول ما تفعلينه صباح اليوم التالي لحفل الزفاف ؟ سنبحث عنك في المطبخ لا شك .

7-              أنت وحيد : ابحث عن فرق الدعم التي تؤمن بقضيتك .. أي إنجاز تود فعله ستحتاج فيه إلى فريق دعم يؤمن بقدراتك ويضخ في عروقك التشجيع والحماس كلما فترت .. لا أسأم من ترداد كيف منّ الله علي بفِرق تشجيع أثناء مرضي .. كانوا يحيطونني بالكثير من الحب والتشجيع ، يبكون إذا بكيت ، ثم لا يلبثون أن يضحكوا إذا ضحكت .. يذكرونني إذا ما ضعفت برحمة الله ، وبتكفير السيئات ورفع الدرجات ، حتى منّ الله علي بالشفاء ، بفضله ورحمته أولاً ، ثم بسبب الروح المعنوية المرتفعة ، وإن نصف العلاج يرجع إلى الحالة النفسية للمريض. إلا أنه يجب عليك أن تعطيهم الضوء الأخضر لتشجيعك بالقوة المناسبة لأن الأصدقاء قد يكونون لطفاء بزيادة فيخجلون من إغضابك أو إحراجك.. أخبرهم أنك تعطيهم كافة الصلاحيات لتشجيعك وأنك لن تغضب منهم لو كانوا خشنين معك إذا اقتضى الأمر .. تأكد أنك لن تغضب منهم بالفعل ، فلن تصيح على من يخطف الشوكولاتة من يدك بعد الغداء الدسم ، ولا أنك ستشتم في سرك من يمنعك من تناول الغداء الدسم أصلاً ( سيبدو على وجهك) ، ولا أنك ستستشيط غضباً حينما ينتقدك أحد أفراد فرق الدعم لتخاذلك عن التمرين / الكتابة / العمل الفني ، الخ …

8- اجتماعي بزيادة : قد يعتريك نوع من الإدمان ( إن لم تكن مصاباً به بالفعل ) على الشبكات الاجتماعية المختلفة  ، وهذا بالتأكيد من عوائق النجاح الكبرى .. كلما هممت بإمساك المصحف أو البدء بعمل كتابي أو فني ، أو أي عمل في قائمتك فكرت : لم لا أتصفح تويتر لدقائق ، فما تنتبه لنفسك إلا بعد ساعة يكون وقتها قد حان دور عمل آخر .. وتمضي إجازتك ولَم تحقق نصف ما كنت تنوي فعله .. كن حازماً مع نفسك وقرر أنك لن تفتح تويتر حتى تنتهي من مراجعة وردك اليوم ، أو لن تتصفح انستغرام حتى تنهي تمرينك ، وهكذا .. أما لو كنت مدمن يوتيوب ، فكبر على إجازتك أربعاً وصل عليها صلاة الميت !

 

سؤال سيلفيا المحير

سيلفيا امرأة في الثلاثينيات من عمرها ، من بلاد التشيك .. تعرفون ما التشيك ؟ إنها بلد في وسط أوروبا تمتاز بالمناخ البارد المعتدل والطبيعة الخضراء والمياه الوفيرة ، وعامة سكانها لا دينيون .

نشأت سيلفيا بين أبوين ملحدين ، مشغولين على الدوام ، ومع أخت تكبرها بأربع سنوات ، مختلفة الطباع والتفكير عنها تماماً ، لذا فقد أحبت ملازمة جدتها المتدينة اللطيفة التي بثت في نفسها الكثير من المعرفة بالرب وعلمتها كيف تؤمن وتثق به ، كما اتخذت من الكتب صديقة صدوقة تنسى نفسها بين صفحاتها وهي تقلبها الواحدة تلو الأخرى تبحث فيها عن ما يشبع نهمة الطبيعة التشيكية الشغوفة بالتعلم والمعرفة .. كانت تنشد في قراءاتها القدوات التي تقتبس منها الصواب والنبل والتواضع ، ولكنها كلما وجدت من اعتقدت فيه السلامة ، كانت تكتشف فيه عيوباً أخرى ، لذا فقد كانت دائماً تشعر بالقلق : هل ما أفعله صواب ؟ هل ما يفعله الناس في بلادي صحيح ؟ الكذب ، الخيانة ، كل العيوب البشرية ؟ لا يمكن أن يكون صحيحاً وإن فعله كل الناس .. تلك أمور مقيتة ، بغيضة ، وسيئة ..

حينما كانت في الثامنة سألت أمها الملحدة سؤالاً ملحاً كان يقض مضجعها : ماذا بعد الموت ؟ فقالت ببساطة : لا شيء .. ظلام فقط . زلزلت هذه الإجابة البسيطة كيان الطفلة .. ظلام ؟ ولكني أخاف من الظلام !

حاولت أن تكون متدينة كجدتها اللطيفة ، لكنها في المدرسة الثانوية لم تستطع أبداً أن تفهم عقيدة التثليث. سألت قسيساً كان يعلمهم فكان يجيبها إجابات هشة ضعيفة لم تلق في نفسها أي قبول فكرهت العقيدة ورفضتها فقال لها القسيس : ” سيكون عندك أسئلة كثيرة ، ولكن اعلمي أنها من الشيطان ، فآمني و كفي عن السؤال” ، فما زادها ذلك إلا إصراراً على البحث عن الحقيقة . الحقيقة التي لم تدر ما هي . أصبحت – من حيث لا تدري – حنيفية ، تؤمن بالله وإن لم تعرف كيف تعبده .

كم هو صعب أن يبحث المرء عما لا يعرفه .. أملاً في أن يجده .. يبحث عن شعور ملح في داخله ، كقطعة الأحجية الناقصة التي إن وجدتها وركبتها اكتملت عندك الصورة البديعة ، ولكن كيف شكل هذه القطعة ، ما لونها ، ما حجمها ، بل ما هي ؟ أسئلة بلا إجابات .

في الجامعة قابلت “ميلان” الذي كان يبحث كذلك عن تلك القطعة الناقصة من الأحجية. كان شغوفاً بالفلك وكان يقضي أوقاتاً كثيرة في التأمل في السموات ، متينة البنيان ، ذات النجوم الزاهرات والأفلاك المحكمات ، ويتسائل دائماً: لماذا نحن وجميع هذه المخلوقات هنا ؟ ما الهدف من وجودنا ؟ ماذا بعد الموت ؟

لحظة لحظة .. ماذا بعد الموت ؟ هذا نفس سؤالها .. لابد أن يكون هناك شيء آخر غير الظلام يلي الموت .. لابد أن يكون هناك شيء منطقي يلي نهاية هذا الخلق المحكم المتقن الذي لا يمكن أن يكون قد وُجد عبثاً .. لابد أن تكون هناك إجابة معقولة تجيب به أولادها إذا ما سألوها عما بعد الموت .

تزوجا ، وعمل هو في منصب جيد بشركة السيارات المشهورة مرسيدس بنز ، فكان عمله يدر عليهما دخلاً جيداً ، فلم تكن بحاجة إلى أن تعمل ، وكانت فرصة ذهبية لتتفرغ للقراءة والاطلاع .كان مما قرأته مرة قصة امرأة رحالة تحكي مشاهداتها في البلاد الإسلامية ، فوجدت – ولأول مرة – معلومات مدهشة وجميلة عن الإسلام ، وهو الذي كان يحظى بسمعة سيئة في إعلام بلدها وتعليمه. فذهبت في اليوم التالي إلى المكتبة العامة تبحث عن المزيد عن هذا الدين الجذاب ، فلم تجد – للأسف- إلا كتيباً صغيراً من صفحات فيه المعلومات الأساسية عن الدين الإسلامي.. وكانت البداية .

شعرت أنها –لعلها- وضعت قدمها على أول طريق الحقيقة المنشودة .. الحقيقة المجهولة ..

كانت تريد أن تفهم .. أن تفك الرموز التي عبثت بقلبها بشدة ، فقلبته ولم تعد ترتيبه .

تذكرت مشهداً من فيلم – لعله أمريكياً- ومترجم للتشيكية، رأته في صباها ، لم تذكر اسمه ولا موضوعه، فقط تذكر جماعة من العرب الهمج المزعجين ، وبينهم كان يقف ذلك الأنيق ، في ثياب جميلة نظيفة ، ويتحدث بكلام بليغ ورصين شد انتباهها ، وتمنت بعمق لو أنها كانت تملك جمال منطقه وحسن أسلوبه.. نُقشت تلك اللقطة في ذاكرتها نقشاً .. وبعد سنوات ، عندما طرأ ذكر الإسلام في ذهنها تذكرت أن من جذب انتباهها بشدة كان -في الفيلم- مسلماً بين كفار ، وخفق قلبها !

سافرت مع زوجها إلى العاصمة حيث دلهما زوج صديقتها على رجل تونسي بارع ، يتحدث العديد من اللغات ، وعنده علم طيب عن الإسلام ، وبدآ يسألانه عن الكثير مما أشكل عليهم من مسائل الدين كالعقيدة والحجاب وغيرها ، فكان ذكياً في إجاباته ، لماحاً ولطيفاً .. يجبيهم فقط ، دون أي إيحاء أو ضغط ، فشعرا بالراحة العظيمة معه ، وأخيراً قال لهم : ” الله تعالى أعطاكما العقل ، فاستعملاه وسيقودكما للحقيقة ” .

بعد سنة من البحث المتعب المضني اعتنقت سيلفيا وميلان الإسلام ، وكانت سعادتها غامرة أنها وجدت – أخيراً – إجابة لسؤالها المحير : ماذا بعد الموت .

وجدت القدوة التي لا عيب فيها ..

وجدت الحقيقة .. ووجدت نفسها.

لم يكن الاكتفاء بما عثرا عليه من كنوز وارداً لأن همتهما كانت أعلى من ذلك ، فبدأ زوجها يراسل الجامعات في البلاد العربية ، والمراكز الإسلامية يخبرهم عن رغبته في التعرف على الدين الإسلامي إلى أن وصلهما بعد زمن طويل خطاب من شيخٍ ما من السعودية يخبرهما أنه رتب لهما مكاناً في معهد في القاهرة لتعلم اللغة العربية ، فكان السفر ، وكانت الانتقالة الهائلة ، من بلد مرتب ، نظيف كالتشيك إلى بلد نخرها الفساد كسائر البلاد العربية . كانت دهشتهما عارمة لأنهما تعلما أن الإسلام دين نظافة وترتيب وحسن خلق ، وسبب هذا التناقض لهما الكثير من التشويش ، فلم يسكّن فؤادهما إلا حين أخبرهما أحد الدعاة : لا تنظرا إلى الناس ، وانظرا إلى الكتب .

وتتالت الأحداث ، وبعد 8 سنوات من سكنى القاهرة وتعلم القرآن الكريم حصل ميلان على منحة لدراسة الدعوة وأصول الدين في الجماعة الإسلامية في المدينة ، إلا أن الإقامة كانت له وحده، فمكثت سيلفيا في القاهرة وحيدة مع ابنتها ، فارة بدينها من بلدها ، وعاجزة عن الالتحاق بزوجها الذي لا تسمح له تأشيرته بضم زوجته معه .

كل يوم يمر كان الزوج فيه يتعذب إذ كان يخشى على زوجته وابنته الصغيرة ذات الخمس سنوات في بلاد الغربة .. حاول بشتى الطرق ضمها إليه في إقامته ولكنه عجز .. لم تكن هناك استثناءات لزوجات طلبة الجامعة الإسلامية القادمين من بلاد كافرة (غالباً) .. عجيب جداً أنهم لم يفكروا في أن وضع أولئك مع بلدانهم وأهاليهم يختلف عن وضع الموظفين والطلبة الاعتياديين .. عجيب أنهم لم يفكروا في إيواء من هاجر بدينه من بلده لطلب العلم الشرعي ، وما كان ذلك ليكلف الشي الكثير.. وبعد أربعة سنوات من التعب النفسي واليأس من تغير الأوضاع ، قرر ميلان قراراً جازماً أن يتوقف عن الدراسة ويلتحق بزوجته في القاهرة ، وعندئذ لم يرعه إلا أمر من مدير الجامعة الإسلامية باستخراج إقامة استثنائية لسيلفيا.. والتم الشمل أخيراً ..

حضرت سيلفيا للسعودية ، وعندما ارتدت العباءة تذكرت حلماً قديماً قديماً ، في خبايا الذاكرة حين كانت في الثامنة ، حيث رأت نفسها في قارب ، متشحة بالسواد ، وتتحدث بلغة لا تفهمها .. تذكر جيداً أنها أفاقت من نومها متعجبة من تلكم اللغة .. في بلادها تستطيع أن تفرق بين معظم اللغات الأوروبية ، ولكن هذه اللغة كانت عجيبة ، ولها إيقاع غريب عن أسماعها .

عجيب هو تقدير الله لعباده ، حيث يهيؤهم لخيرهم من أول حياتهم ، فمنهم من يكون ذكياً فطناً يلمح تهيئة الله له فيمسك بحبل نجاته بيديه وأسنانه ، ومنهم من تمر به التلميحة تلو التلميحة فلا يكاد يفطن لشيء ..

أخبرتني وعيناها تترقرق بدمع حبيس : أتعلمين كيف هو شعوري بعد الإسلام ؟ كأنني كنت في بيت ضيق مظلم ، ثم انتقلت إلى قصر واسع بهيّ يغمره ضياء الشمس البهيج ..

غمغمت : ليت قومي يعلمون .. فقالت بابتسامة شفيقة : لا تحزني .. هم فقط تعودوا على سكنى القصر ، فلم يعودوا يرون ما فيه من جمال وماهم فيه من نعيم .. ولكن نحن .. حالنا مختلف !

والآن ، بدأت رحلة بحث الزوجين عن أماكن يبدآن فيها الدعوة إلى الإسلام .. سألتها : ولم لا تعودان إلى التشيك لتدعوا قومكما إلى الدين ؟ فأجابتني بأسى واضح : نحن هناك أمة فقيرة وصغيرة ، فالمواطنون المسلمون يبلغون قرابة الخمسمئة مسلم فقط ، وهم مضطهدون ومحارَبون من قبل الحكومة ، والمركز الإسلامي الوحيد أخبرنا أنهم يحتاجون إلينا للدعوة ولكن بلا مرتبات شهرية لعجزهم المادي . ولو عدنا، بعد غياب قرابة 13 سنة لم تستفد فيها بلادنا من خدمتنا ومن ضريبة دخلنا ، فلن يشملنا الضمان الاجتماعي ولا التأمينات الصحية ولا التقاعد ، فكيف لنا أن نعيش ؟ خسرنا أعمالنا وبيوتنا وممتلكاتنا حينما هاجرنا لطلب العلم الشرعي، وأهالينا يقفون ضدنا ، بل إن بعضهم قد يؤذينا .. الدعوة تحتاج إلى أموال للإعاشة على الأقل ، لإيجار المنزل ، السيارة ، العلاج، ونحن نفتقر إلى ذلك والتشيك غالية.. ولو عدنا وعملنا لنحصل على قوتنا اليومي فإن طاقتنا ستستنفذ لآخرها في العمل ولن يبقى منها شيء للدعوة .. نحن نبحث الآن عن مراكز اسلامية في أي بلد أوروبي يمكنه أن يوظفنا وصدقيني أن هدفنا الأبعد العودة إلى بلادنا لندعو الناس إلى عبادة الله ، فخير الدعاة من يدعو في قومه وبلسانهم على علم وبصيرة ..

نريد أن نعلم ما تعلمناه ..

نريد أن نرشد قومنا إلى الحقيقة ..

إلى القدوات الصالحة الحقيقية ..

إلى الإجابة الصحيحة إذا ما سألهم أولادهم : ماذا بعد الموت ؟

%d مدونون معجبون بهذه: