Feeds:
المقالات
تعليقات

دعوة إلى وجبة فاخرة

حينما كنت أتعالج بالعلاج الكيماوي ، كان يصيبني إرهاق شديد ، وتحولات عجيبة في براعم التذوق في لساني ، فكنت لا أجد للطعام طعماً أحياناً ، وأحياناً أخرى أجده متنكراً ، فالحلو يضحى مالحاً ، والمالح يصبح مراً ، وأنا بين هذا وذاك أبحث عن الحل الصحيح .

غني عن الذكر أن ذاكرتي وذهني كانا يعملان بفوضى بسبب وطأة الكيماوي ، فإما بطئاً ، أو تشويشاً أو أي شيء لا يمت بصلة إلى الذهن الذي كنت أعهده فيّ قبل المرض ..

كل الملابسات كانت محبطة ، ولكني وجدت لذلك مخرجاً .

أدمنت في تلك الفترة لعبة كمبيوترية اسمها Cooking Dash ، وهي عن فتاة تبني مطعمها الخاص بالتدريج ، تبدأ بكراسي بسيطة وأثاث متواضع ، بل ووجبات محدودة .. تدور لتخدم زبائنها المتطلبين وتحاول ألا تخلط بين الطلبات وإلا فستتعرض لغضبهم وخروجهم من المطعم وبالتالي خسارتها .

كان عليها أن تحقق هدفاً يومياً لتحرز المزيد من النقود التي تمكنها من شراء أفران جديدة أسرع ، وتقديم وجبات أكثر تنوعاً ، وتغيير الأثاث بآخر أكثر فخامة ليجتذب الزبائن .

كنت أبدأ اللعبة حالما أتمكن من الجلوس في سريري بعد جلسة الكيماوي ، وقد أستغرق في اللعب بها لمدة ساعتين متواصلتين دون أن أشعر بنفسي ، ثم أختم المرحلة الخمسين في خلال الخمسة أيام الصعبة بعد تناولي للكيماوي .

كنت لا أتمكن من فعل أي شيء مفيد في تلك الأيام شديدة الوطأة ، أتكلم قليلاً وآكل قليلاً وأتحرك قليلاً . حاولت أن أراجع محفوظاتي من القرآن فكان ذهني لا يستقيم لي ، وكانت ذاكرتي تضحك من سذاجتي . فلما اكتشفت اللعبة ، أحسست أن هناك آفاقاً واسعة لا تزال متاحة .

كنت ألعب بتركيز ، أخسر أحياناً فأعيد المرحلة ، وأفوز أحياناً فأقوم بترقية مطعمي . كنت أفرح بكل قطعة جديدة أشتريها وكأني حزتها بالفعل . كنت أنتشي بسماع صوت البطاطس وهو يُقلى ، والستيك وهو يُشوى وأنا المحرومة من مذاق الطعام اللذيذ .

 أصوات ارتطام الملاعق بالصحون والكؤوس بعضها ببعض كان يأسرني وينقلني إلى جو حميمي ساحر ، أتناول فيه طعاماً واضح طعمه ، غير متنكر ، مع رفقة حبيبة في مطعم خافت الأضواء ، لا تسمع فيه إلا همسات المرتادين ، وأصوات ارتطام ملاعقهم بصحونهم وكؤوسهم .. نفس الجو الذي ألعب فيه .

ختمت اللعبة ثمان مرات ، بعدد جلسات الكيماوي ، وكلما وجدت جزءاً جديداً للعبة سارعت بشرائه وتحميله . كنت ألعب وأنا أشعر بنوع من السخافة ، ولكني لم أكن أستطيع أن أقاوم .

وبعد تفكير عميق عرفت سبب هذا الانجذاب للعبة . كانت اللعبة الإنجاز الوحيد الذي كنت أستطيع تأديته في تلك الفترة . كانت تطلق خيالي لبناء مطعمي الشخصي .. كانت تربطني بأمل .. كانت تربطني بالحياة في وقت كنت أشعر فيه أن جميع السبل مسدودة أمامي ..

كل فرد منا – ليس مريض السرطان فقط – بحاجة إلى إنجاز يشعره بأهميته ووجوده ، ولتحلو حياته ويصبح لها معنى .

 لا يشترط أن تكون الإنجازات كبيرة وعظيمة .. قد  تكون مراجعة جزء من القرآن ، أو حياكة قميص جديد ، أو الانتهاء من رسم لوحة فنية أو كتابة شطر من كتاب لطيف..

 يكفي أنه يشعر بالسعادة بعد تحقيقها ..  يكفي أنه يشعر بالإنجاز ..

كنت أنتظر انتهاء علاجي الإشعاعي بفارغ الصبر لأتوجه إلى مقاعد الدراسة الجامعية التي تركتها منذ 27 سنة . فلما فعلت صرت أرتشف لذة التعلم ، واسترجاع المعلومات ، وتلخيص المسائل المهمة ، ثم أستمتع بطعم التفوق في نهاية الفصل الدراسي .

والآن ، يمكنني القول بأنني أنهيت – رسمياً – ثلاث سنوات من الدراسة الجامعية في كلية الشريعة ، وصرت في السنة الرابعة والأخيرة .. أشعرت كيف مرت السنون ، وصار الماضي الأليم ذكريات سعيدة ؟ 

بهذه المناسبة يسرني أن أدعوك إلى مطعمي الافتراضي لتناول وجبة مجانية فاخرة مكونة من البطاطس المقلية والستيك المشوي .. تفضله مشوياً جداً أو متوسطاً ؟

رسالتي إلى الزوج المعدّد

     تداعب خيالك فكرة الزواج الثاني (أو الثالث أو الرابع)؟ تراود ذهنك فرحة العرس وما يتبع ذلك من متع غامضة؟ أستطيع أن أفهم بعض مشاعرك وإن لم أكن ذكراً ..

لن أسألك لماذا تعدد في الحقيقة .. لن أسألك  هل أنت تعدد ترفاً، أو لحاجتك الفعلية للزواج. ربما لا تكفيك زوجة واحدة مثلاً إما بسبب طاقتك الجنسية القوية، أو لأنها ضعيفة البنية، أو لأن أعمالك كثيرة وسكرتيرة واحدة لا تكفي إضافة إلى كونها زوجة ومربية أطفال وطاهية وعشيقة وقد تكون موظفة أيضًا .. لن أسألك عن أسباب زواجك فليس من الحكمة السؤال عن كل شيء ، ومادمت قد حصلت على هذا الحق بموجب الشرع ابتلاءً لك ولزوجتك فلن نقول إلا ما يرضي الرب.

تعلم أنك بإقدامك على هذه الخطوة -التي أسأل الله أن يبارك لك فيها ويهبك خيرها ويكفيك شرها- ستفتح على نفسك أبواباً من النكد كنتَ غنياً عنه، ولكن الفكرة مسيطرة، و “أولاد الحلال” مشجعون، والنفس تواقة، ولابد من الإقدام، متمثلاً بقول الأول : “إذا هممت فبادر وإذا عزمت فثابر ، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر”، والكل لا يزال يتقدم للصفوف الأولى بتعدده، فلماذا ترضى أنت بالصف الآخر، فصبراً في مجال النكد صبراً, فما نيل كامل السعادة بمستطاع.

ولما كان العيش في نكد قطعة من عذاب كانت هذه الرسالة في نقاط، من أخت شفيقة، ولا يبعد أن تكون مجربة، تريد بها لك حياة أفضل وسعادة أقرب.. ليس هدفي إقناعك بصرف النظر عن التعدد فهذا أمر لا يخصني وقد يكون عندك هدف حقيقي ومقبول، وقد تكون ممن يحب تطبيق “السنّة”.. أقصد “بعض” أنواع السنة، ولكن هدفي – مادام أن هذا الأمر الجلل سيقع- أن أساعدك في تخطي هذه المرحلة بسلام ، فالسلام النفسي والحياة الطيبة هي ما ننشد .

 

1-              رسالتي موجهة إلى نوع معين من الأزواج ، وهو الذي أحب زوجته الأولى بصدق، أو على الأقل يكنّ لها وداداً فلا يريد أن يكسر لها خاطراً أو يجرح لها شعوراً .. أما ذاك الجلف القاسي، الذي يعتبر المرأة خادماً أو رقيقاً أو دابة يقضي بها حوائجه فليس هنا مكانه ولا كرامة.

2-              استصحب في رحلتك مع الزوجات فكرة أن الرجل والمرأة جنسان مختلفان، كالبر والشعير، كالتفاح والبرتقال.. هل ترى أن التفاح والبرتقال متماثلين؟ لن تستطيع أن تحكم على تفكير المرأة بنفس تفكيرك. فما تراه أنت منطقياً تراه هي سفهاً وغباء، وكلاكما محق. هذه القاعدة أساسية جداً في تبرير بعض رود أفعالها تجاه أفعالك، واستيعاب هذه القاعدة تجعلك أكثر تفهماً وبالتالي أكثر صبراً واحتواء، إذ من الأمور المهمة التي يجب أن تعرفها عن المرأة أنها إنسانة رقيقة ومحبة ومخلصة في العاطفة، وإذا آذاها من تحب فإنها تصفح وتغفر مراراً وتكراراً أملاً في صلاحه، حتى تصل إلى نقطة لا يمكنها بعد ذلك أن تصفح، وعندها يمكنها أن تنقلب تماماً لتكره وتحقد وتكيد، لو لم يردعها دين.

3-              قبل أن تقدم على هذه الخطوة الفاصلة في حياتكما فإنه من  الوجوب العيني عليك أن تتعلم أحكام التعدد لئلا تقع في أخطاء فادحة. وأعجب جداً من البعض الذين لا يرون في الزواج الثاني فرقاً عن الزواج الأول إلا في التسبيع للأبكار والتثليث للثيبات، فيقدمون عليه كالأغرار ليفاجؤوا بعد فترة أن الأمر أكبر من ذلك، ولو فقهوا حدث الرسول ﷺ “من كان له امرأتان فما إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل” لعلموا أن الأمر جلل ..

4-              إياك أن تطلب من زوجتك أن تبحث لك عن زوجة ثانية أو تخطبها لك .. أفهم أنك تحب زوجتك حباً قوياً وأنكما متفاهمان ومتوادان لدرجة قد تنسيك أنها زوجتك. ربما شعرتَ للحظات أنها أمك أو أختك الكبرى، أو صديقك النصوح ففضفضت وطلبت منها أن تساعدك في مساعيك.. المشكلة أنها ليست أمك ولا أختك لا صديقك المخلص بالفعل ، وطلبك يطعنها في مشاعرها بشدة، في أنوثتها، في حبها وإخلاصها. قد لا تُظهر لك انزعاجها، قد لا تظهر لك إحساسها بالإهانة والاحتقار.. كونها من جنس مختلف لن يجعلها تشعر بحسن نواياك أبداً. قد تسكت، وتستمع لفضفضتك، بل وتساعدك في بحثك، ولكنها ستختزن ذلك للمستقبل وتذلك بهذه الورقة أبد الدهر!

5-              ستمر زوجتك الأولى بآلام نفسية عظيمة منذ أن تعلم بخبر زواجك وسيؤدي ذلك إلى تغيرات كبيرة لم تكن تتخيلها. ستشعر بأنك طعنتها من الخلف، وهي التي لطالما أحسنت إليك. هل يحتاج أن أخبرك عن فضلها وإن قصّرَت؟ صبرت على ضيق أخلاقك وعلى قلة ذات اليد. لعلك كنت لازلت طالباً, لعلك كنت ذا مرتب ضعيف, لعلك كنت تسكن وإياها في حجرة عند أهلك، لطالما امتنعت عن أشياء كثيرة بسببك أو بسبب أولادك (هذا شيء لن يفهمه كثير من الأزواج الذين لا يثنيهم مرض أحد الأولاد أو الزوجة عن الخروج مع “العيال” للاستراحات أو حضور المباريات)، كفتك مؤنة النظر لأطفالك؛ تدريسهم والعناية بمتطلباتهم اليومية، و البحث عن تبريرات مقنعة تواجه بها اتهاماتهم لك بالتقصير، دافعت عن تقصيرك أمام أهلها – بل وربما أهلك أيضاً – وكافحت لتفي بجميع متطلباتك ، فلا يكوننّ حظها منك إذ ألحقتَ بها الأخرى الجحود والنكران. ستشعر بالخيانة والغدر وستنهار الدنيا أمامها. قد تغشاها سحابة كثيفة من الهم، قد تكثر من  البكاء، قد تفضل العزلة والإنطواء، وكيف لا وقد أصيبت في مقتل في حبيبها وعشيقها، ويتأكد هذا الأمر لو كانت الأولى ذات عشرة طويلة.. كن رجلاً وتحمل؛ ضاعف لها جرعة الحنان، خذها في إجازة خاصة قبل زواجك -أو بعده- لتشعرها أنها لازالت عروساً بنظرك، أفِض عليها بعضاً مما رزقك الله واختزنته لزواجك الثاني، اترك لها مزيداً من الحرية في الخروج والدخول مادمت تثق بعقلها وأخلاقها، أشعِرها أنها الأولى والأخيرة وأن زواجك الثاني لن يغيرك عليها، وكن عند قولك! اصبر واغمرها بالحنان، ثم اصبر واغمرها بالحنان ثم اصبر واغمرها بالحنان حتى تتمكن من التكيف مع الأمر، ولتعلمَ أنك أيضاً تحاول التوازن مع الوضع الجديد، وستجدها –إن كنت حكيماً- قد رجعت زوجتك الحبيبة التي كنت تعرفها، إلا من شطحة هنا وهناك بين الحين والآخر.

بعض الأزواج تلتبس عليه الأمور ويعتقد أنه لابد أن “يذبح بِسَّهُ” في البيتين سواء، والذي يحصل أنه يلين الطرف “للجديدة” ليكسب ودها ويغلظ “للقديمة” لتقف عند حدها، وبذلك يكون هدم بخراقته وسوء تقديره صرحاً كبيراً شيدته هي بعرق جبينها ودموع لياليها. وكان الأجدر والأولى به أن يزيد من إكرام الأولى التي لطالما أكرمته ورعت وداده، فليست الثانية التي لم يَخبِرها بعد بأوْلى من الأولى بالهدايا والنزول في الفنادق الفاخرة وتناول العشاء في المطاعم الراقية، ولا يتحجج بأولادها الذين ترعاهم ويعيقونه عن “الاستمتاع” بها، فهم أولاده ويحملون اسمه، ولا يدري لعل مرده إليها في يوم من الأيام، وإليها فقط!

6-              إياك والمقارنة بين الزوجتين سراً أو جهراً، فهذا ظلم للاثنين معاً. فإذا نقمت على الأولى قلة عنايتها بنفسها وانشغالها بأطفالك عن القيام بحقوقك فظلم وما على المحسنين من سبيل، وإذا نقمت على الثانية بطء فهمها وعدم معرفتها بما تحبه وتكرهه فظلم إذ لا زالت “جديدة” تجهلك، وصدقني أنهما تنقمان عليك طواماً ولكنهما ترعيان مشاعرك وتحترمان مقامك فلا يكوننّ هذا جزاءهما منك . انصح وذكّر باللطف وتحمل واصبر واعلم أن هذا من أمور القوامة، فالقائد الذي له النصيب الأكبر من الكعكة والذِكر الحسن عليه أن يتحمل أيضاً النصيب الأكبر من العمل وحمل الأعباء والسياسة الصائبة.

7-              قدّر للغيرة قدرها عند الزوجتين. بعض الرجال يطلب من الزوجتين الالتقاء ببعضهما والمخالطة، بل والسكن في بيت واحد أحياناً. أعجز أن أفهم مايدور في ذهن الرجل وهو يطلب من زوجتيه هذا الطلب. هل يقصد أنهما سيتحابان بذلك ويعتادان على بعضيهما؟ هل يريد أن يريح نفسه من تغيير مكان مبيته وحمامه يومياً؟ أين تطبيق السنّة الذي رفع رايته عندما أظهر نيته في التعدد؟ هل أسكن النبي ﷺ  زوجاته في بيت واحد وهم الذين كانوا في مجتمعٍ أَكَل وشرب وهضم فكرة التعدد؟ حينما تطلب من زوجتيك المخالطة فأنت تعيش في عالم من الأحلام السعيدة نسجته القصص التي انتشرت عن الزوجة الصالحة التي كانت تؤوي إليها أطفالها وأطفال “جارتها” لينعم “شهريارها” بالراحة في يومه عند الثانية، ثم تفعل الثانية الصالحة الشيء ذاته في يوم الأولى. ماذا عن الغيرة ؟ هل حسبت لها حساباً في أحلامك؟ الأولى تغار من الثانية و”تفترض” أن فيها كل المواصفات التي تفتقدها في نفسها : القد الحسن، خلوها من الأطفال المزعجين، الوقت الكافي لتتزين وتتثقف وتمارس هواياتها الشخصية، بل وربما تسافر مع الزوج لأنها “خالية”، والثانية تغار من الأولى التي تحفظ زوجها عن ظهر قلب، وتكفيها الإشارة لتفهم ما يريد. التي لا يزال زوجها يحبها ويقدمها علي الجميع، بل وربما أخطأ ونادى الثانية باسم الأولى، والأدهى أن يناديها باسم الأولى مرخمًا (اسم الدلع).

8-              لا تحكِ لزوجتك عما يحدث بينك وبين الأخرى. أكرر، هي ليست أمك ولا أختك ولا صديقك الصدوق، وقد تصدر منك كلمة تجرحها أو تضايقها دون أن تلقي لذلك كبير بال. فضلاً تذكر النقطة الثانية عن اختلاف الجنسين. قد تظن أنك تريد مشورتها، لكن دعني أخبرك، مهما بلغت ديانة المرأة فإنه ليس من الحكمة أن تستشيرها في أمر الزوجة الأخرى، إذ هي خصم، والغيرة جبلّة قتّالة، والموفق من يعصمه الله، وأنت لا تعلم هل ستكون زوجتك من أولئك الموفقين أو لا.. أنصحك ألا تقامر!

9-              لا تستمع إلى الكلام السيء الذي قد تصدره إحداهما عن الأخرى فهذا كلام أقران وكلام الأقران لا يُلتفت إليه ، والشيطان ينفث والغيرة تعصف .. كن رجلاً، واترك عنك ما تتكلمان به عن بعضهما البعض، بل كن رجلاً وتصدَّ بحزم لفعلهما وفي الوقت ذاته انظر في نفسك ما الذي دعاهما لهذا الكلام، لعلها كلمة ألقيتَها أشعلتَ بها نار الغيرة، ربما هدية خصصتَ بها إحداهما وعلمت بها الأخرى، ربما قرينات سوء، ربما ضعف تدين .. المهم ألا يترتب على هذا الكلام السيء تبعات في نفسك إلا البحث و التقصي عن السبب، ثم اتخاذ العلاج اللازم الحاسم .

10-         أخيراً، لا تحمل في نفسك عليّ إن كنت أغلظت لك القول، ولكنك الطرف الأقوى في هذه المعادلة، وما خصك الله به من فضل لابد أن يُحمل على محمل التكليف لا التشريف، فالشريف شريف بفعله لا بمنصبه.

تلقيت دعوة كريمة لحضور ملتقى: بناء المرأة في المؤسسات الخيرية 27/10/1434هـ ضمن فعاليات مهرجان المدينة عاصمة الثقافة الإسلامية، والذي يعد الملتقى النسائي الأول من نوعه في المدينة النبوية ، بل وربما في المملكة العربية السعودية، وبدعم سخي من مؤسسة السبيعي الخيرية، حيث يجمع عدداً كبيراً من مديرات المؤسسات الخيرية في المدينة النبوية تحت سقف واحد.

كان من المفترض أن يبدأ اللقاء على شرف أميرة المدينة لولوة بنت أحمد السديري في السابعة مساء، ولما كانت منظمة الملتقى الأستاذة لينا السيف مديرة معهد الإتقان صديقة شخصية لي فقد حضرت مبكراً لإسداء يد المساعدة لو احتيج إليها، فانتهى الأمر بي لتصوير بعض اللقطات من هنا وهناك قبل ازدحام الموقع بالنساء.

في الخلف اصطفت طاولات بعض الجمعيات تعرض منتجاتها ونشراتها التعريفية، وكان في استقبال الضيفات فتاتان باللبس المديني الزاهي، وأؤكد لكما أنهما عانتا من الحر الشديد.

بدأت الضيفات بالتوافد، وأشارت الساعة للسابعة مساء وأخذنا أماكننا ترقباً لبدء الحفلة، إلا أن الحفل لم يبدأ فعلياً إلا في السابعة والنصف بتلاوة أخذت بمجامع الألباب من شيختي الأستاذة أمال إبراهيم كمال، تلتها كلمة ترحيبية للأستاذة لينا السيف والتي أشادت بمكانة المرأة في الإسلام والمجتمع، حيث أن من أوائل مظاهر الاهتمام ببناء شخصية المرأة كان تخصيص النبي ﷺ يوماً للنساء يعلمهن فيه أمور دينهن لما للمرأة من أحكام تختص بها عن الرجل، وذكرت أن المؤسسات الخيرية  نشأت لتكمل لبنات بناء شخصية المرأة المسلمة، فمن فاتها شيء من التعليم النظامي أو رغبت في الاستزادة من الثقافة والخبرات فإن عند المؤسسات الخيرية الكثير مما يمكن تقديمه لأفراد المجتمع. وبينت الأستاذة لينا أن الهدف من إقامة هذا الملتقى لم شمل الجهات الخيرية وإبراز انجازاتها وفتح لباب التنسيق والتكامل بينها، ولتعريف نساء مجتمع المدينة على المناشط التي يمكنهن عن طريقها  المساهمة في العمل التطوعي المنظم.

 وبعد ذلك بدأت العروض الوثائقية لبعض الجمعيات مثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي ومن نشاطاتها الواحات القرآنية-توعية الجاليات-نادي الرياحين للأطفال-نادي اشراقة-نادي القراءة- مشروع قيادات المستقبل . .  

 كما قُدم عرض للمكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات ومن نشاطاته دورات إعداد داعية، توعية الجاليات،الداعية الصغيرة، مع العديد من البرامج الموسمية  زر صفحتهم في فيس بوك، وعروض أخرى لجمعية واعي ومركز التأهيل النسوي وغيرها .

 واختتمت العروض بمعرض معهد الإتقان العلمي؛ منظم الملتقى ، والذي يقدم دورات شرعية تأصيلية في التفسير والفقه والعقيدة ودبلوم الدراسات الشرعية ومدته سنتان ودورات تصحيح التلاوة ودورات الحوار الأسري المعتمدة من مركز الحوار الوطني.

 وبعد ذلك أتيحت الفرصة لبعض المؤسسات للتعريف بنفسها ونشاطاتها في خمس دقائق، ولفت نظري كلمة الدكتورة بدرية الميمان من جمعية طيبة، ومن النقاط التي ذكرتها:

 –       جمعية طيبة ارتفع أداؤها وانخفض، ومرت عليها أوقات تذبذبت فيها كأي جهد انساني، لكن تبقى سامية في أهدافها وهي خدمة بنت المدينة النبوية .

 قلتُ: وهذا كلام منصف من الدكتورة حين اعترفت أنه قد يطرأ أحياناً الخلل والنقص على العمل لأنه جهد بشري، المهم أن يُتغلب على هذا القصور ولا يجابه بالكبر والصلف والتبرير غير المقنع. وهكذا فقط تتلافى الأخطاء المميتة: بالاعتراف بها أولاً ثم السعي إلى تصحيحها ثانياً.

–        لابد أن تتحد الجهود للارتقاء بمجتمع المدينة ولن يكون ذلك بمجرد جهدي وجهدك فقط، وهنا تكمن أهمية هذا الملتقى الذي يجمع كل الجهات للنظر في صالح المجتمع المديني.

اختتمت الدكتورة بدرية الميمان بالإشادة القوية بالفريق التنظيمي للملتقى والذي كان مجموعة من قائدات المستقبل التابعة للندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهذا بحد ذاته يعطي نموذجاً ناجحاً للتناغم المراد تحقيقه بين المؤسسات الخيرية.

 

وبعد ختام كلمات الجهات الخيرية، ألقت ضيفة الملتقى الدكتورة أسماء بنت راشد الرويشد كلمتها، ومن أبرز النقاط التي ذُكرت:

–       أن الملحوظ على الساحة تفوق العمل النسائي والذي نشط في العقود الثلاثة الماضية، لذا كان لابد من توسيع دائرته وتعزيزه وتجويده.

–       لما كان الاجتماع والائتلاف من مقاصد الشريعة العظيمة فكان من الأهمية بمكان اجتماع المؤسسات الخيرية في هذا البلد على قلب واحد لتكوين كتلة مؤسسية متلاحمة ومنظمة، لا تستبد إحداها بالأمر دون الأخريات، ومبنية على بدأ التعاون والتكامل النوعي.

–       ما المانع من أن تتواصل جهتان أو أكثر في عمل مؤسسي مشترك يقوم على التكامل لإقامة أعمال مميزة عدة مرات في السنة؟

–       هذه الشراكة النوعية ستنقل المؤسسات الخيرية من المحدودية للانتشار، ومن التداخل والعشوائية إلى التنظيم والتنسيق.

–       مثال: لو أقامت مؤسسة كالندوة العالمية للشباب الإسلامي ورشة عمل تصب فيها كافة خبراتها في إنشاء مشاريع ناجحة للبنات، ويستفيد من هذه الورشة مؤسسات أخرى عندها برامج للفتيات، في الآليات والوسائل وطرق التفكير، فإنه بهذا يتم اختصار المسافات ويتحقق النجاح دون أن تتشتت الجهود وتضيع الأوقات.

–       من الخطأ أن تستأثر المؤسسات وتضن بما عندها من خبرات ومعلومات على الغير. المؤسسة الناجحة التي تفيد غيرها ستكون سباقة إلى الخير وستكون صاحبة فضل.

–       اقتراح جدير بالتنفيذ: تجهيز موقع الكتروني بسيط تصب فيه المؤسسات الخيرية برامجهم وجداول فعالياتهم على مدار السنة: البرنامج والموعد والموقع بحيث يكون خدمة لنساء المدينة في معرفة الفعاليات المقامة قريباً منهن، ولا مانع من أن تستفيد المؤسسات من بعضها البعض في خطط بعض البرامج مع مراعاة إضافة التعديلات المناسبة لكل مؤسسة في البرنامج المقتبس.

–       وأخيرا اختتمت الدكتورة أسماء الرويشد كلمتها بالدعوة للاجتماع على قلب عبد واحد بنظرة لهدف واحد وهو خدمة المجتمع، إذ ليس الهدف تحقيق المصالح الشخصية والصيت والظهور، وإنما الهدف تحقيق النفع للناس.

 

وقبل تكريم المشاركات قامت الدكتورة أسماء بتدشين مشروع تأهيل مديرات المشاريع الخيرية بدعم مؤسسة السبيعي الخيرية ، والتي تهدف إلى تأهيل مديرات المشاريع الخيرية وفق معايير الجودة والتطوير، إذ الهدف تطوير إمكانيات المؤسسة الخيرية من خلال تطوير الكادر البشري للحصول على ثمار أجود وأفضل.

ثم وُزعت بطاقات التوصيات على الحاضرات للاطلاع على توصياتهن وآرائهن.

انتهى اللقاء الجميل، وأزهرت الآمال في القلوب بتحقيق التناغم المنشود قريباً وباجتماع منظم ومجدول لمديرات المؤسسات الخيرية لتنفيذ الوصايا التي جاءت في كلمة الدكتورة أسماء.

 

انطباعات شخصية :

–       على الرغم من نص بطاقة الدعوة المرسلة لكل الجهات المشاركة على أن الملتقى سيبدأ في تمام السابعة مساء، إلا أن كثيراً من المشارِكات لم يصلن إلا بعد ذلك لانشغال بعضهن بأعمال أخرى قبل الملتقى أو لأسباب أخرى. ما أفهمه أن هذا الملتقى أقيم من أجلهن وحُدد لذلك وقتاً معيناً، فكان من الأجدر الالتزام بالحضور في هذا الوقت، أو إرسال من ينوب للحضور فيه. كيف يمكن لأي عمل أن ينجح إذا كان المسؤولون عنه لا يقيمون لمثل هذه التفاصيل المهمة وزناً ؟

–       لفت نظري الترتيب والتنظيم الفائق للملتقى خاصة إذا علمنا أن من قام به كاملاً مجموعة من قائدات المستقبل وهن فتيات في سن الجامعة، وكم يثلج الصدر رؤية صغيراتنا (سناً، كبيراتنا قدراً) يعملن بجد واهتمام وتخطيط (يفتقده الكثير من الكبار والمخضرمين) لإنجاح ملتقى كبير على مستوى المدينة المنورة، ورؤية التناغم الجميل بين أعضاء الفريق ولا شك أن لذلك دور كبير في إنجاح أي مشروع بإذن الله.

–       خيمة العقيق التي أقيم فيها الملتقى خيمة كبيرة ونظيفة إلا أني عبت عليها الإضاءة البيضاء الرخيصة، و التكييف الرديء في هذا الجو الحار،كما لاحظت خلوها من دورات المياه في محيط الخيمة، وهذا عجيب حقاً. كيف سيتسنى لمنظمي الملتقيات الذين يحضرون عادة في أول النهار لإتمام ترتيباتهم البقاء دون دورات مياه أو مواضئ وحتى نهاية الملتقى ليلاً؟  أعتقد أن على الجهات التي توفر هذه المواقع لإقامة الملتقيات بذل جهود أكبر للارتقاء بخدماتها، وكونها مجانية لا يعني إهمال الخدمة أو التقصير.

–       الضيافة كانت جيدة ومنوعة وعلى مدار الساعة .

–       كانت هناك بعض الجهات المدعوة والتي لم يُتح لها فرصة التعريف عن نفسها لا بعرض وثائقي ولا بكلمة تعريفية، تمنيت على الأقل لو عُرضت أسماء الجهات المشاركة ونشاطاتها باختصار ليمكن للضيفات حصر هذه الجهات ولو جزئياً والإفادة من نشاطاتها. مثلاً لم أعرف بوجود جمعية طيبة للكشف المبكر عن السرطان في الملتقى إلا من ابنتي فاطمة من الفريق المنظم.

–       أسجل إعجابي وتقديري البالغيْن لمؤسسة السبيعي الخيرية التي رعت هذا الملتقى، بل وتبنت مشروع تأهيل مديرات المشاريع الخيرية تبنياً كاملاً هدية لأهل المدينة ، وهذا يطمئن القلب -إلى حد كبير- بوعي المؤسسات الكبرى في بلادنا للسعي لصالح أفراد المجتمع بكافة إمكانياتهم .. و لا ، لم ولن أتقاضى أي مقابل للإشادة بمؤسسة السبيعي ولكن من حق المسلم على المسلم أن يقال له –إذا أحسن- أحسنت!

–       أخيراً أسجل شكري للأستاذة لينا السيف على سعيها الحثيث لإقامة هذا “الحدث” كما أسمته الدكتورة أسماء الرويشد، والذي – لو تم كما هو مخطط له- لعاد بنفع عظيم لهذه المدينة المسكينة التي -على جلالة قدرها وعظم مكانتها- تفتقر للكثير مما ينبغي أن يكون فيها أولاً. وأسأل الله أن يجعل كل ما تم وسيتم في موازين حسناتها..

 

الدنيا تدور بك، يلفك الشعور بالغدر والخيانة, تتهاوى أمام عينيك سنين حياتك وشبابك الضائع وعافيتك المهدرة، اغبرت أحلامك الوردية بحياة هانئة مع فارس الأحلام الذي – غالبا- ما ترجل عن فرسه ويكاد يمشي متكئاً على عكازه.. كل ذلك حين عرفتِ أو أخبرك هو أو وشى واشٍ – لا يهم- بأن زوجك تزوج ..

قد ينزل عليك برود ثلجي وقد تنهارين باكية، وقد يُغشى عليك.. تتفاوت ردود الأفعال، ولكنك بالتأكيد ستشعرين – ولو لوهلة- بأنك طُعنت من الخلف.. بأنك حائرة, خائفة, بأنك في صحراء وحيدة فريدة بعدما خذلك أقرب الناس إليك. عندها تتجلى أعراض الصدمة العاطفية، كلها أو بعضها: الإنكار و عدم التصديق في البداية، ثم الغضب والتهيج، ثم الشعور بالذنب وإلقاء اللائمة على النفس ثم الغرق في الحزن العميق واليأس، وقد يصل الأمر إلى القلق والخوف والرغبة في اعتزال الآخرين والاكتئاب.. ثم تأتي ثالثة الأثافي حين يبدأ “المخلصون والمخلصات” بإسداء “النصائح” المهلكة من ترك المنزل وطلب الطلاق و رمي الأولاد ومحاولة تذكر سيئاته لتكرهيه والتنكيد عليه بل وربما اللجوء للسحر … الخ

ولما كان العيش في نكد قطعة من عذاب كانت هذه الرسالة في نقاط، من أخت شفيقة، ولا يبعد أن تكون مجربة، تريد بها لك حياة أفضل وسعادة أقرب.. ليس هدفي إقناعك بأهمية زواج زوجك فهذا أمر لا يخصني وقد لا يكون زواجه لسبب مهم أصلاً، ولكن هدفي – مادام أن هذا الأمر المؤلم قد وقع- أن أساعدك في تخطي هذه المرحلة بسلام ، فالسلام النفسي والحياة الطيبة هي ما ننشد.

1-      ضعي في اعتبارك أن رسالتي هذه لا تشمل كل من تزوج عليها زوجها ، وإنما تختص بمن تزوج عليها زوجها وهو يحبها وهي لا تريد أن تفارقه ، فلا يدخل فيها من أراد التزوج هروباً من زوجته أو كرهاً لها أو تخلصاً منها ، أو من عافته نفسها فلا تريد معه بقاء .

2-       ما تشعرين به من مشاعر سلبية كلها حق ، ويحق لك ، فليس من السهل أن تعيشي مع شخص قد تكونين وهبت له كل حياتك ، وأخلصتِ له في العطاء “فيكافئك” بضرة “تضرك” في سعادتك وتقاسمك أيام زوجك وأمواله واهتماماته .. لك كل الحق في مشاعرك ، ولكن نصيحة مني ، لا تتمادي في هذه المشاعر .. أعط نفسك حقها في الغضب والاستياء والحزن دون أن تتلفظي بما يغضب الرب، لشهرين أو ثلاثة ثم حاولي أن تتوازني من جديد .. إذا أردتِ أن لا تعيشي في نكد ، فلابد أن ينبع ذلك من أعماقك وتكونين أنت طبيبة نفسك ، فتنتشلينها من أحزانها في الوقت المناسب وتضعينها على المسار الصحيح .. استعيني بالله، وتذكري حقيقة الحياة الدنيا وما جُبلت عليه من أكدار، واتخذي صديقة عاقلة لتنير لك الدرب إذا أظلم.. بعض الناس يهوون العيش في جو النكد والحزن ، ويعتبرون ذلك رومانسية ، يذكون أوارها بالتفرج على الصور القديمة والاستماع إلى الأغاني العاطفية ، وتذكر الذكريات السعيدة ، فتعلو التنهدات وتنسكب العبرات و… مهلاً مهلاً.. (ترى الرجّال تزوج بس ما مات).. وأكاد أسمع إحداكن تهتف من الخلف: ليته مات ولا تزوج!

3-   لماذا تزوج ؟  أنت – تقريبا- ممن قيل فيهم: كامل الأوصاف فتنّي! جميلة ولبقة، وطباخة ماهرة، ولماحة، وأنجبتِ له البنين والبنات، ولم تنقصي في حقه شيئاً، فلماذا تزوج؟ “فراغة” عين؟ غدر وخيانة؟ ينقصه شيء؟ ربما، وربما لا.. أياً كان السبب، فليس في الشرع ما ينص على وجوب وجود سبب قوي لإباحة تعدد الزواج للرجل، فهو مباح على الإطلاق مادام قادراً وعادلاً في النفقة والمبيت .. ولكن دعيني أسألك سؤالاً مماثلاً : لماذا أنجبتِ طفلك الثاني، والثالث والرابع ؟ لِم لم تكتفي بالأول ؟ هل إنجابك للبقية غدر وخيانة له؟ هل ضَعُف حبك للأول أم هو باقٍ على حاله؟ ألا تسمعين أن حب الأم الأعظم -غالباً- لبِكرها، وأن هذا الحب يصمد على مدى السنين مالم يحوّل بكرها مساره فيصبح عنيداً، سيء الطباع، متوحشاً.. واللبيب بالإشارة يفهم !

4-   ينبغي التنبه إلى حقيقة تغيب كثيراً عن أذهان الناس حين يتعامل الجنسان معاً، وهي اختلاف طبيعة الرجل عن طبيعة المرأة، فيظل كل جنس يعامل الجنس الآخر كما لو كان مثله في تفكيره وردود أفعاله وتفضيلاته، والحقيقة أن كل جنس يختلف في كثير من الأمور عن الجنس الآخر، ويجب أن يعي الطرفان هذا الأمر لتجنب المشاكل ، سواء كانت العلاقة علاقة زواج أو أخوة أو عمل.. لماذا تزوج؟ تزوج لحاجة في نفس الرجل من حب النساء وفرض السيطرة والهيمنة وحمل المسؤولية والقيادة .. أشياء لا تكاد تستوعبها النساء جيداً، لأن الطبائع تختلف.. المهم أن تحذفي عن رأسك فكرة الخيانة.. لا تنسي أن ثقافة المجتمع على تخوين من يفعل ذلك، مع اعتقاد حلّه له بموجب الشرع.. حلال ولكنه خائن.. تناقض، أليس كذلك؟

5-  تذكري أن الشيطان للإنسان بالمرصاد، وأن أحب ما يكون للشيطان افتراق الزوجين، فيحاول أن يوقع بينك وبين زوجك بالوسوسة لكليكما . أنظري معي لهذا السيناريو المحتمل: قد تلحظين أن الزوج يسيء التصرف أحياناً، فيتكلم بفظاظة أو يتصرف بجفاء أو يسيء التعامل فيبخل أو يقصر في واجباته وذلك منذ الأسابيع الأولى لزواجه، فيقع في نفسك أنه زهد فيك، أو أن الأخرى قد غيرته وسلبت لبه وأنسته إياك، فهنا يتحرك الشيطان ويوسوس لك ليحدث أحد أمرين: إما أن تسوء طباعك كنتيجة تلقائية للدفاع عن “ممتلكاتك”، أو يغشاك حزن قوي و همّ ثقيل فتكاد عيناك أن تفقد بريق الحياة.. لا أريد لأي من الأمرين أن يحدث.. لنغير بعض الشيء من طريقة تفكيرك في السيناريو السابق.. ماذا لو فكرتِ أن زوجك –وأكرر ، الزوج الذي تزوج وهو يحبك- ارتبك في هذا الوضع الجديد: امرأة جديدة يراها حين يستيقظ، رائحتها مختلفة، ضحكتها مختلفة، طبخها مختلف، غنجها وغضبها مختلف، عليه أن يعتاد الآن هذه الحياة الجديدة جداً بعدما اعتاد على حياته الأولى معك، ولاشك أن سيقع في خراقات كثيرة حتى يتوازن، كوني صبورة ولا تجعلي للشيطان عليك سبيلاً. سيحتاج إلى بعض من الوقت ليتوازن بينك والثانية، كما تحتاجين أنت للكثير من الوقت حتى تتوازني بين الطفل الأول والتالي!

6-   شبه قاعدة: الزوجة الأولى تحظى بميزات لا تكاد توجد في غيرها، فهي حبه الأول، أول من قبّل، وأول من جامع، صاحبها في شبابه، في صبوته، صفا لها وداده وهشت لها نفسه.. وكان قلبه خالياً من غيرها فتمكنت، ولو أتت له بعيال فقد حازت المكان الرفيع والحظوة العالية .. أين للثانية كل ذاك المجد؟ تزوجته الثانية وقلبه مشغول بحب الأولى التي تعرف ما يحب فتفعله وما يكره فتتجنبه، وعلى الثانية طريق طويل مليء بالصعاب لتستكشف مجاهيل هذا الزوج الجديد، وللأسف لن يتسنى لها ذلك كل يوم ، وإنما كل يومين!! هل علمتِ مقدار ما تتقدمينه عن الثانية المسكينة؟ ولكن احذري.. لاتغتري بهذا المجد إذ أنه سرعان ما يتهاوى أمام سوء أخلاقك وشراستك التي قد تلجئين إليها دفاعاً عن “ممتلكاتك”.. الحقيقة أنه ليس ملكاً لك ولا لها.. هو مِلك نفسه، وسوف يعذرك في البداية ولكن لا أعدك أن يستمر ذلك إن طال عليه الأمر، وسيبدأ بالانتباه إلى أن هناك أخرى تحاول جاهدة الوصول إلى المكانة الأولى في الحين الذي تتراجع فيه صاحب المكانة الأولى بسوء أخلاقها.

7-   لا  تجعلي زوجك محور حياتك التي عليه تدور.. نعم، هو جنتك ونارك في وجوب طاعته بالمعروف، ولكن من قال أنه يجب أن يكون مصدر سعادتك وتعاستك؟ هناك أمور أخرى غيره يجب أن تشغل بالك، وأولها وأحقها: نفسك.. لا تجعلي زواجه بالثانية يطفئ عليك سعادتك وثقتك بنفسك.. ابحثي عما يسعد خاطرك.. قد تجعلك هذه المحنة تكتشفين مواهب وقدرات ما عهدِتها في نفسك من قبل فالمحن تولّد المنح.. ابحثي عن المنحة في زواج زوجك: ستجدين وقتاً لممارسة هواياتك التي كادت أن تندثر، ستجدين وقتاً لمزيد من البر للوالدين، لمزيد من التثقف والاطلاع، لأعمال تطوعية تزيدك سعادة بمذاق الإنجاز الرائع.. بل ولو لم يكن في زواجه بأخرى إلا الفوز ببعض الراحة من الارتباطات الزوجية (التي تشتكين من كثرتها في العادة) لكفى( وأنت عارفة وأنا عارفة!!).. أقول: قد تكونين ممن يهوى مزاج الحزن والنكد فتصر على التذكير بأنها لا تريد هوايات ولا إنجازات، وإنما تريد زوجها لها فقط، عندها لا أملك إلا أن أقول لك: الله يعينك..

8-  مالم يشتكِ منك زوجك تقصيراً معيناً فكوني كما أنت.. لا تحاولي أن تلعبي دوراً ليس دورك أو تعيشي شخصية ليست لك معتقدة أن هذا التغيير سيجعله يزيد في حبك.. هو يحبك كما أنت فلا تغيري قفل الباب.. المفتاح الذي معه لبيتك يفتح القفل القديم لا الجديد..

9-  ارفضي مقابلة الزوجة الثانية على الأقل في السنة الأولى مهما حاول الزوج أن يقنعك.. هذه من خراقات بعض الأزواج، يجسبون أنهم بذلك يؤلفون بين قلبي الزوجتين وإنما هم يضرمون نار الغيرة ويفتحون لأنفسهم أبواب المشاكل. أذكرك ثانية بوسوسات الشيطان الذي سيجعلك ترين كل ما هو جميل فيها ويغض طرفك عن كل قبيح، في حين يفعل العكس معك .. ستنتبهين فجأة إلى كبر سنك(ولو كنتِ أصغر من زوجك بعشر سنوات) وإلى شعيراتك البيضاء و(كرشك) الصغيرة وربما ستنقمين على اسمك الذي لا يحوي نفس (الدلع) الذي يحويه اسمها.. سأفشي لك سراً.. سنك الكبيرة تمثل له العشرة الطويلة بينكما، وشعيراتك يراها صبراً على نزواته شاباً و نزقه كهلاً، وكرشك فمصدر أبنائه الذي يفخر بهم، أما اسمك فستضحكين لو علمتِ أنه سيظل يناديها باسمك أنت لفترة لا بأس بها من الزمن. المهم أن ترفضي مقابلتها مهما تعذر لك حتى تستردي ثقتك بنفسك وبمكانتك عنده، والأهم من ذلك أن تمتنعي عن اللقافة والتجسس على جواله لقراءة الرسائل بينهما أو الاطلاع على أوراقه الخاصة، فمن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه، وقد تطلعين على ما يسوؤك فتظلين في نكد أنتِ في غنى عنه .

10-                     وأخيراً، إياك والنظر إليها على أنها عدوة.. لا أدعوك لاتخاذها صديقة ولكن لا تعاديها، فليس هناك ما يدعو إلى ذلك.. هي امرأة تبحث عن مصلحتها كما تبحثين أنت عن مصلحتك.. تريد أن يضمها زوج ويحنو عليها ابن.. ضعي نفسك مكانها ولا تخبريني أنك لو كنت مكانها لما قمت بهدم بيت من أجل سعادتك.. أرجوك دعينا من هذه المثاليات فأنا منذ البداية كنت صريحة معك ولم أ غشك! لا تعرفين لو كنت مكانها ماكنت ستفعلين!! أحسني إليها إن كانت تستحق الإحسان أما اللئام فليس لهم إلا التجاهل.. أحسني إليها وليكن تعاملك لها تعاملاً مع الله .. أحسني فلعل الله ينفعك بها أو بولدها يوماً من الدهر..

أما أنت أيها الزوج الذي تقرأ فرحاً بما خطه كيبوردي، لك تدوينة خاصة بك، فانتظرها !!

العب بذكاء!

في الماضي القريب كان آباؤنا يعملون جاهدين الساعات الطوال لتوفير لقمة العيش في ظروف صعبة ؛ يضطر بعضهم للعمل تحت الشمس من قبيل الفجر وحتى الغروب ، يتسلق النخل ويتعرض لخطر السقوط. أو يعملون في البحار لصيد السمك أو جنى اللؤلؤ ويغيبون عن بيوتهم وأهاليهم أياماً، وقد لا يعودون . أو يسافرون بحثاً عن الرزق في بلاد بعيدة، يقطعون المفاوز ويواجهون قطاع الطرق ثم قد لا تتجاوز غلة أحدهم بعد كل هذه المتاعب العشرة ريالات، أو ما يساوي في زمننا الحاضر ألف ريال.

كانت المراكب الفارهة والبيوت متعددة الحجرات والأثاث المريح يكاد يكون محصوراً على الأثرياء والتجار فقط، وكان كثير من الناس لا يذوقون اللحم إلا في عيد الأضحى وينعدم عندهم التوسع في المآكل والملابس إلا في الأعياد. أما حيازة الخدم فكانت ترفاً بالغاً لا تكاد تجده إلا في بيوتات محدودة.

وانظر إلى أحوالنا الآن. يمكننا أن نقول أن الحال قد انعكست تماماً. الأغلبية تمتلك سيارة أو أكثر، انتشار المطاعم السريعة والبطيئة دليل على كمية وافرة من الرفاهية، شراء الثياب الجديدة لا موسم له، والسفر مقارنة بالأسفار القديمة صار أشبه ما يكون بسرعة انتقال عرش بلقيس للنبي سليمان عليه السلام . الكثير جداً من الناس عندهم خادمات، والأغلب يمتلك جوالات ذكية (وإن اضطر لشرائها مستعملة) .

ومع كل ذلك، لا زال كثير من الناس لا يرى إلا نصف الكوب الفارغ .

لماذا نرفض الاعتراف بأن الحياة جميلة؟

لماذا نصر على أننا (مساكين) و(حالنا تحزّن) ونظل في بؤس، فقط لأننا لم نحقق الكمال في جميع أمورنا. صاحب المازدا يريد ليكزساً فيسخط على (مازدته)، وصاحب الليكزس يريد بِنتلياً فيسخط على ( لِكزسه)،  الطويل يتمنى لو كان قصيراً لأنه أجمل، والقصير يعجبه الطول لأنه (أكشخ) ..الفتاة تتمنى لو كانت ذكراً لتنعم بالحرية، والذكر يتمنى لو كان أنثى ليرتاح (لأن الأنثى عندنا ملكة!)، وبين هذا وذاك تكمن (الحلطمة) والتوجع والشعور بالفقد واليتم والمرارة والنقص..

مشكلتنا أننا لا ننظر إلى التفاصيل الدقيقة التي تجعل الحياة أجمل.

تلفت أنظارنا أحياناً بعض الدور في أناقتها وفخامتها، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن ذلك يعود لتفوقها على غيرها بالاهتمام بالتفاصيل: اللوحات، التحف الصغيرة على الطاولات الجانبية, مفارش الطاولات، زينة الستائر، البسط المتفرقة، الوسائد المتناثرة وغيرها. كلما أمعن المصمم في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة كانت الدار أرقى وأجمل.

ماذا عن حياتك؟ أليس فيها من الدقائق ما يحيل حياتك نعيماً ، لو تفكرت ؟

ألم تلحظ مشاعر الراحة تغمرك حين تدخل بيتك المكيف هرباً من أشعة الشمس ( الشاوية) ظهراً، فتعانق خياشيمك رائحة الطعام الزكية تدغدغ بطنك الخاوية؟

ألم يلفت نظرك قراءة ابنتك الصغيرة للقرآن ، أو لثغة آخر العنقود وهو ويتكلم فلا تتمالك نفسك من أن تلثم فاه كلما لثغ؟

ألم تشعر بالأمان كلما ضمتك ذراعي والدك المحب إلى صدره، أو شيعتك دعوات أمك بالتوفيق والصلاح ورعاية المولى وحفظه؟

ألم يمتلئ قلبك حباً كلما التقت عينك بعيني زوجتك في ساعة ود، أو همس زوجكِ في أذنكِ بكلمة عشق ووله؟

ماذا عن حدب أخوتك وقت الشدائد، وجمَعة الأهل المتآلفين في الأعياد والأفراح، وتفاني زملاء العمل في أعمالهم، وجمال الصداقة الصدوقة في كل وقت؟

بل ماذا عن براعم التذوق (الصاحية) التي تصف الطعوم بدقة، والجسد القوي الذي يحملك ويخدمك دون مساعدة خارجية.. ماذا عن حواجبك ؟

حينما أُصبت بالسرطان وتناولت العلاج الكيماوي صار رأسي لوناً واحداً شاحباً ، لا لون مميز فيه إلا حدقتاي. كنت أرسم حواجبي بالقلم وأضع الكحل لأذكر نفسي بوجود هذين العضوين في وجهي . كنت أنظر إلى وجهي المعدّل بعد ذلك في المرآة وأقول : يا الله ! الحمد لك على نعمة الحواجب .. ماذا عنك أنت ؟ هل شكرت الله قط على نعمة الحواجب؟

هناك الكثير من الجمال في حياتنا ، ولكن مصدر القوة أو الضعف، الإيجابية أو السلبية، العزم أو الإعاقة ، كلها في قلوبنا وعقولنا، وليست في الحياة من حولنا.

أحب أن أجرب الحياة بكافة أشكالها لأستمتع، والقاعدة عندي تقتضي أن ( النكد مش حلو).

أحب أن آكل البيتزا الطازجة حارة جداً فأستمتع بالجبن ( المطاطي) ومذاق صلصة الطماطم الغنية بنكهة الريحان والزعتر البري ، فإذا باتت فضلتها باردة من الثلاجة لأستمتع بالطعم الحقيقي للعجين والجبن الذي حجبه عني حرارة الطعام، ولكليهما طعم خاص.

وكلما لبست الكم الضاغط الذي يغطي جميع ذراعي اليسرى بسبب الليمفاديما (الوذمة) الناتجة عن استئصال الغدد الليمفاوية في الإبط بسبب السرطان ، وضاقت به نفسي ذكرتها بأن وجودها في يدي خير من وجودها في ساقي مثلاً حين تنتفخ فتكبر قدمي مقاساً أو مقاسين فأضطر لشراء زوجين من نفس الحذاء بمقاسين مختلفين !

وعندما فقدت شعري بعد الكيماوي اعتبرت ذلك (نيولوك) جديداً، تحديت قريباتي وصديقاتي –مازحة- أن يأتين به، وأنى لهن .

أحب – كلما واجهتني أيام عصيبة _ أن أمني نفسي وأهدئها : هناك حكمة، هناك لطف، هناك رحمة ولابد ، فهذا القدر المؤلم هو من الحكيم اللطيف الرحيم.. ابحثي عن الجمال.. ارفعي بساط الألم وفتشي عن النعم الباهرة أسفله.

كم كان جميلاً لو اجتمعت كل المتع بكمالها لدى المرء ، ولكن هذا أمر غير واقعي ، فكان لابد أن نتعلم كيف نثمّن كل ما لدينا ونستمتع بجمال الحياة كما هي – إذا أخفقنا في تعديلها- وهكذا فقط سندرك أن الحياة جميلة، وأنها مثل لعبة الكمبيوتر : كلما سبرت أغوار المرحلة واستكشفت خباياها، وجدت هدايا صغيرة وستُفتح لك مراحل جديدة و (عوالم) مثيرة بعد قضائك على ( الوحش الأخير) : السلبية ..

العب بذكاء !

بعض من الفضول لا يضر

الحياةُ لوحاتٌ زيتية رُسمت على قماش فاخر ، أم أن اللوحات هي التي تحكي الحياة ؟ من هواياتي الأثيرة أن أفتح عينيّ جيداً ، وأتجول في معرض لوحات الحياة مع جزءٍ فضوليٍ من نفسي ، وأستمتع بشيء من التطفل و التخيل لأسبر أغوار النفوس البشرية . كم نرى من مشاهد ظاهرها يخفي كثيراً من حقيقتها .. بعض المظاهر خداعة ، وتحتاج منا لكثير من البصيرة لنقرأ ما بين ضربات الفرش ، فإذا فعلنا انقشعت عنا حُجبٌ ، وتكشفت لنا حقائق بإمكانها -إذا تدبرناها- أن تجعل حياتنا أكثر جمالاً .. يكفي بذلك أننا ننسى كثيراً من واقعنا المؤلم ، يكفي أننا نغرق في دقائق ممتعة من خيال لذيذ ، يكفي أننا قد نفلح في تلمّس بعض النعم التي غفلنا عنها .

بعد فضولي الذي طال النوافذ والستور المرخاة في تدوينتي الأولى ومن الفضول ما يُحمد والتي لاقت نجاحاً كبيراً بفضل الله ، فسيسعدني أن أطرح عليكم المزيد بطريقة مختلفة قليلاً ، فهلا مشيتم معي في هذا الممر من معرض لوحات “الحياة”، لأريكم بعض النماذج؟ ستحتاجون أولاً لإعمال شيء من فضولكم ، ولا تخافوا ، فإن بعضاً من الفضول لن يضر !

هذه لوحة تصور لي رجلاً ، يقود سيارة مهترئة وسط شارع مليء بالسيارات الفاخرة . ينظر إليها جزئي الفضولي فيقول : انظري إلى هذه السيارة “المقربعة” ، والمشكلة أن صاحبها يضحك .. كيف يمكن له أن يضحك وهو يقود شيئاً كهذا؟ لو كنت مكانه لأرخيت رأسي خجلاً وأنا أمر إلى جانب كل هذه المراكب النظيفة .. أتطلع إليه متفحصة.  بالفعل ، باب سيارته ساقط ، فهو يمسكه بيد ويقود سيارته باليد الأخرى، باب الراكب المجاور منبعج انبعاجاً قوياً ، وفي الخلف تراصّ خمسة أولاد بطريقة فنية ما ، ومع ذلك فصوت المذياع يصدح ، وضحكات الأطفال تغطي صوت المذياع ، وأكاد أسمع صوته يرد ساخراً : “لو رأيتِ الحادث الشنيع الذي بسببه اهترأت هذه السيارة وخرجتُ منه وأولادي سالمين بلا خدش واحد لعلمتِ أنه يحق لي أن أضحك وألا أتحسر بعد ذلك اليوم على ضياع أي شيء دنيوي. لقد عاينت الموت لثوانٍ ونجاني الله ، فعلى أي شيء آسف ، ومن أي شيء أخجل ؟ ولكن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

وهنا لوحة تحكي طالباً في كلية الطب الخاصة ، يلبس ثياباً جيدة ويضع عطراً فاخراً ، يحضر محاضراته بكل جدية واجتهاد ، ويتكلم برقي وأدب .. أنظر إليه فيتساءل جزئي الفضولي: محترم جداً! وددت لو رأيت بيته! فأتخيل داراً فارهة ، كثيرة الحجرات ، عالية الأسقف ، تحيط بأسوارها أشجار جوز الهند، وتصطف في مرآبها بضع سيارات ثمينة ، وإلى جوار مسبحها الكبير يتمشى الجنائني وهو يرمق المياه الزرقاء ويتلمظ محدّثاً نفسه أن يرمي بنفسه في المياه الباردة لتنقذه من لهيب الصيف الرهيب ، وليطردوه بعد ذلك . يلتفت إليّ الفتى في الصورة فيبتسم ويقول : أخطأتِ في خيالك .. وأراني في مخيلتي بيته ؛ الحي بائس, شوارعه مليئة بالحفر الرطبة .. الجرذان تمشي إلى جانبك لتدلك إلى أي دار تريدها، وصناديق القمامة الكبيرة تؤوي عشرات القطط الضالة ذات الأعين العوراء أو الذيول المقطوعة . وقبل أن يعترض جزئي الفضولي، يرفع الفتى أصبعه ويقول : “لحظة ! أنا في هذه الكلية في منحة لتفوقي ، فلم أدفع ريالًا واحداً، أما هذه الثياب فقطع نظيفة تبرع لنا بها بعض المحسنين ، ومالي في كل هذا البذخ الذي تراه إلا العطر الذي وضعته .. وللمعلومية ، فإنه مقلد! هل تستكثر عليّ عطراً مقلداً لا أعرف متى سيصيبني بالأكزيما ؟ أما عن الأدب ، فمن قال أن الأدب ملازم للغنى ؟ ظننت الأمر واضحاً ، ولكن يبدو أن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

انظروا إلى هذه اللوحة ، تصور مهرجان الزهور الذي يقام في مدينتي كل سنة . تدغدغ الألوان الجياشة مشاعري ، وأشعر بها تكسر برفق أشعة الشمس الصارمة المسلطة على رؤوسنا كالحراب. ألمح زوجين مسنين بعض الشيء من دولة آسيوية يتمشيان معاً. يقفان أمام كل مجموعة ليتحدثا برهة قبل أن يخرج الزوج آلة التصوير ليصور امرأته ؛ ارفعي يدك إلى خصرك ، أميلي برأسك ، تلثمي بالطرحة في غنج ، وهي تمتثل وتضحك في دلال ، ثم يمشيان معاً ليتوقفا ثانية فيصورها بكاميرا الآيباد هذه المرة متبعاً نفس الخطوات السابقة ، افعلي كذا وكذا .. وتساءل جزئي الفضولي : انظري إليه ، يصورها بكل آلة تصوير متاحة ، ولو أتيح له أن يحضر مثّالاً لأحضره وصنع لها تمثالاً .. هل يحبها بالفعل ، أم أنه يفعل ذلك لأنه لا خيار له غير ذلك ؟ التفت إليّ الزوج على وجهه مسحة غضب وخوف معاً ، وقبل أن يتكلم بكلمة لذت بالفرار ، وأنا أعنّف فضولي وأطالبه بالتفرج في صمت .

توقفت طويلاً أمام لوحة جُدل إطارها بألياف الصبر والحب. هاهو رجل في الخمسينيات ، يرتدي ثوبه الرمادي الرث، يمشي مثقلاً بأكياس متخمة بأطايب اشتراها للتو من البقالة ، وعائدٌ إلى داره القريبة . أتفرس في الأكياس بفضول فأرى عصائر وحلويات ، وفواكه الموسم وحليبَ الصغير . يدخل على أسرته مستجيراً بالله من حرارة الجو وينادي في تعب على أطفاله الذين يهرعون ليتلقفوا ما أتاهم به والفرحة تشع من وجوههم الصغيرة التي لم تتغضن بعد، تستنشق ابنته أحد الأكياس بنهم لتملأ رئتيها من رائحة الفاكهة الطازجة ويرتفع صوت أحدهم بلثغته المحببة : بابا ، زا اللاتِب ؟ فيومئ إليه بحب ويحضنه ويلثم فاه ثم يدس في فمه قطعة شوكولاتة صغيرة . أمشي في سعادة وأمان الدنيا يغمرني ، وحنان الأب يفيض عليّ من تلكم اللوحة ، وطعم الشوكولاتة لا يزال في فمي .

ماذا عن اللوحة المشرقة  في الركن؟ اقترب  لتراها! هاهي امرأة في أواسط الستينيات ، مات عنها زوجها منذ أمد ، وتزوج آخر أولادها قبل خمس سنوات وعاشت في وحدة مع خادمتها تنتظر إطلالة أولادها عليها يومياً حسب جدول مرتب. منذ أن غادر آخر أولادها المنزل كان أمامها أحد اختيارين : أن تؤمن بانتهاء مهمتها في الحياة وتستسلم لفكرة الموت والتلاشي ، أو أن تبدأ حياة جديدة . لحسن الحظ أنها اختارت الثاني . بدأت في ممارسة الرياضة  ، إذ الرياضة من أفضل الوسائل التي ترفع هرمون السعادة (دون أن ترفع الوزن كالشوكولاتة) وتحافظ -في الوقت ذاته- على قوة البدن ، وبالتالي على صفاء الذهن ، فكانت تمشي مع خادمتها يومياً في الشارع العام حيث تشعر بأمان أكثر من الأحياء المجاورة الممتلئة حُفراً وسوائل لا تعرف مصدرها ثم تعود إلى بيتها وتفتح النافذة وتمد ساقيها في أشعة الشمس التي تنتشر سريعاً على أرض الحجرة . تسلي نفسها بقراءة كتاب ، أو تفتح المذياع على برنامج الأسرة الصباحي وتقوم بتمارين التمدد التي رأتها في يوتيوب، وبعد أن تنهي وردها اليومي من القرآن تشرع في “ساعة التعلم” كما تحب أن تسميها حيث حمّلت لها ابنتها عدة تطبيقات تعليمية تحرك بها ذهنها وتقوي ذاكرتها ، وكان آخرها تعلم اللغة الإسبانية . تذكر عندما هتفت بها ابنتها : لماذا الإسبانية ؟ فقالت ضاحكة : لأن اليابانية صعبة . والحقيقة أنها تتقن الكلمات الأساسية من الانجليزية والتي لن تحتاج إلى غيرها ، ولكنها أرادت أن تثبت لنفسها بتعلمها الإسبانية أنها لا تزال تتمتع بذهن قوي متفتح .. المسألة كلها تدور حول إثبات النفس ، حول الشعور بالقوة والقدرة على البذل ، حول عدم اليأس والإحساس بالوهن الذي يميت قبل الموت ، لهذا قبلت التحدي غير المنطوق من قِبل أولادها وطالبت بالآيفون والآيباد وشاركت في تويتر وفيس بوك وانستغرام وهي تقول : من قال أن مثل هذه الأمور حكر على الشباب ؟  أعطونا فرصة أو اثنتين لنثبت لكم أننا نستطيع .. وفازت بالتحدي .. انصرفتُ عن هذه اللوحة وقد خُيل إليّ أن المرأة تبتسم لي وترفع إبهامها مشجعة وهي ترتدي حذاء الرياضة .

طيب ، هذه اللوحة .. هذان زوجان يستعدان للسفر إلى البعثة ويودعان أهليهما .. الزوج يسمع للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف التوصيات على زوجته ، من أمها وجدتها ، وخالتها وعمتها وامرأة أبيها وخالة عم جارتها ، فيبتسم بتصنع ويقول للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف : أكيد ، “سما” في عيوني ، لا توصي حريص الخ الخ الخ . ترفع “سما” بصرها إليه فتكاد تتلقف الضجر والملل بيدها وهما يتقافزان في عينيه، وتتعجب ، ما كانت تعهد في نفسها القدرة على قراءة لغة الأعين ، أم أن لغة الأعين سهلة وواضحة لكل ذي لب . وفي ذهنه يتعالى السخط .. كلهم يوصيني على “سما” ، حتى أمي وأخواتي ، لكن من يوصي “سما” عليّ ؟ أم أن الرجال لا بواكي لهم؟

ما رأيكم بهذه اللوحة الملونة بألوان الباستيل الجميلة ؟ هذا خالٌ شاب ، أو ربما يكون كبيراً بعض الشيء. تأتي أخته  من بلد زوجها بأبنائها لتقضي مع أهلها شهراً من عطلة الصيف . لم يسمح زوجها لها بالذهاب إلا شريطة أن تصطحب أبناءها معها ، حيث لا شيء إلا الملل .. ينبري هذا الخال فيحمل على عاتقه إسعاد أبناء أخته ، يلعب معهم ألعاب الكمبيوتر ، ويصيح معهم في حماس كلما أحرز أحدهم هدفاً ، يمشّيهم، يشتري لهم الحلوى ، يأخذهم معه إلى المسجد، يصطحبهم إلى محل الألعاب ليشتري لهم هدايا النجاح، أو إلى المكتبة ليبتاع لهم قصصاً جديدة ، حتى صار هذا الخال من أحب ما يكون في حياتهم . وتمر الأيام ويكبر الأطفال ليصيروا شباباً أو مراهقين ويكبر الخال، فلا تعود ألعاب الكمبيوتر تسليهم، ولا يعودون يهتمون بالمكتبات ولا دكاكين الألعاب، يقدمون مع والدتهم إلى بلدها وقد لا يقدمون ، يسلمون على الخال تسليم الغريب ويمضون ، قد يتذكرونه باتصال بين الحين والآخر وغالباً ما ينسون. فجأة صار هذا الخال مملاً، و”قديماً”. ما هذه المرارة في فم الخال ؟ ماهذه الصور الباهتة التي يراها في خياله لأطفال صغار نسوه وما نسيهم؟ ولا زال في العيد بالهدايا يذكرهم ؟ قد يكون خالاً أو عماً ، قد يكون جداً أو مثل ذلك من الإناث.. أغادر ، ويهتف فضولي رغماً عني وعنه:  “ما يستحوا”!

هذه اللوحة الأخيرة، تبدو وكأنها لوحة إعلانية لقرطاسية .. الله .. أحب القرطاسيات .. أتمشى فيها بشغف كما تتمشى إحداكن في محلات العطور والمكياج . رائحة الأوراق تسحرني كما تفعل بكم رائحة القهوة الغنية ، أحب الأقلام الخشبية الملونة ، أحب أشكال الصلصال والأعمال الفنية المزركشة ، أحب الدفاتر السلكية الكبيرة ذات الأغلفة الكرتونية المبهجة ، أحب هذا العالم باختصار . ومن  منا لا يحبه ؟ أقصد ، هناك البعض ممن لا يحبه . أقف عند المحاسب ويقف أمامي رجلٌ في الخمسينيات يرتدي ثوباً رمادياً رثاً، وثلاث بنات في الابتدائية يقفن إلى جواره في صمت ويتطلعن إليه في رجاء ، وتمسك إحداهن صغيراً فضولياً يمد يده القصيرة للأرفف العالية محاولاً اصطياد أي شيء .. يخيل إليّ أني رأيت هذا الرجل من قبل، ولكن أين؟  اصطفت أمامه كومة من طلبات المدارس : أستطيع أن أميّز الصلصال ، ومسدس الغراء ، وألواح الخشب الخفيفة ، ومريلة المطبخ ، ونوعين من الألوان ، وأشياء أخرى خفيت عليّ . رأيته يخرج محفظته ويعدّ “أمواله” ثم ينقد المحاسب الثمن : فكة رهيبة من عشرات وريالات ، ليس فيها ورقة واحدة لمئة كاملة .. أكاد أسمع تأوه قلبه المنفطر من هذا الغلاء وكثرة الطلبات . ويعلو صوت الصغير : بابا ، خلّث اللاتِب ؟ فيبتسم الأب في وهن ويحمله بيده ، ويناول بيده الأخرى الأكياس لبناته فيتلقفنها في سرور وحماس.. لعل هذا السرور هو ما يطفئ لهيب قلبه .. أخرج جوالي في عجلة وأنظر إلى التاريخ الهجري وأنا أبتعد عن اللوحة فأجده الخامس من الشهر!

والآن ، ماذا عنك ؟ هلا أخبرتني عن لوحات أعجبتك ؟

سأقوم بإهداء ثلاث نسخ موقعة من كتابي ” الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ” لأفضل ثلاث تعليقات عشوائية تردني هنا في المدونة ، أو تويتر @hannooti   خلال الأسبوع الأول من إطلاق هذه التدوينة .. تابع التعليقات بين الحين والآخر ، قد يحالفك الحظ .

 إليكم هذه الترجمة الثانية لكتيب صغير قمت بتحميله من موقع Writers’ Digest والمهتم بتعليم الصناعة الكتابية وخباياها ، الترجمة الأولى كانت بعنوان : خمسة عشر حلاً لأخطاء كتابية شائعة ، من نفس الموقع ، وأقدمهما وأي ترجمة تالية للمهتمين بتأليف المقالات والقصص القصيرة .

 هذا الكتيب – ولعله فصل من كتاب ما –  اسمه ( الفصل لا الكتاب ) الخطيئات الخمس لحكاية القصة  ، من تأليف لوري ألبيرتس .

الخطيئة الأولى : “التقليد السيء” للكتاب الآخرين :  بعض المؤلفين ينزعون إلى تقليد حرفي لبعض الكتاب العظماء الذين يكونون مفتونين بهم ومتيّمين في أول بداياتهم الكتابية ( والقرائية ) ، ولكن ما أن تمر الأيام  حتى تجدهم يقلدون آخرين لهم خصائصهم الكتابية المختلفة ، وهكذا يتنقلون من تقليد كاتب لآخر .. الهدف : اكتب قصتك الشخصية . لا شك في أن محاكاة الكتّاب الكبار أمر مهم لتعلم الصنعة الكتابية . يمكنك أن تحلل كيف بُنيت مشاهدهم ، وأن تكتشف كيف يقومون “بعرض” -لا “الإخبار” عن – مشاهدهم ، ولكن في نهاية المطاف على الكاتب أن يجد صوته “الشخصي” وأسلوبه “الشخصي” اللذين سيروي بهما عمله “الشخصي” . بعض الكتاب عندهم رؤاهم الفريدة وأساليبهم المتميزة التي تحكي عن نفسها من أول كلمة يكتبونها ، وهؤلاء لا يواجهون أي مشاكل فيما يتعلق بهذا الموضوع ، ولكن لو كنتَ مثل أغلبية الكتاب حيث عليك أن تكافح وتناضل من أجل أن توجد لنفسك صوتاً وأسلوباً خاصين بك ، فإن عليك أن تنتبه كثيراً من أن تنحو منحى كتابك المفضلين وتقليدهم في كل شيء حتى لا يبقى لك طابع خاص بك يميزك عن غيرك.

فكما أنك لن تريد  أن تسرق أعمال غيرك الأدبية ، فكذلك لن تريد أن “تسرق” أساليبهم أو قصصهم ، فأولاً سيلحظ القارئ تقليدك لهم ولن يعجبه ذلك حتماً ، وثانياً فإنك ستقوم بخداعك لنفسك وستحرمها من أجمل متع الكتابة : أن تكتشف ما تريد أن تقوله بطريقتك الخاصة .

الخطيئة الثانية : خطيئة الحوار المصطنع :

يبدو الحوار مصطنعاً كلما حوى معلومات تعرفها الشخصيات من قبل ولكن يذكرها المؤلف ليعرضها على القارئ ، فالحوار الذي يكون فيه : ” أمي – ليلى- ستكون سعيدة جداً لتلبي دعوتك على العشاء يا خالي سعيد” ، يكون بشكل أفضل لو كان : ” أمي ستكون سعيدة بتلبية دعوتك على العشاء ، شكراً ” . سنفترض أن الخال يعرف اسم الأم فلا داع لذكره ، أو حين تقول الأخت لأخيها : ” سأسافر إلى الخُبر ، مسقط رأسي ” ، مرة أخرى سنفترض أن الأخ هو أخوها الحقيقي لا أخوها بالرضاع الذي لا يعرف الكثير عن أخته ولا أين وُلدت .

كذلك سيبدو الحوار مصطنعاً حينما تتكلم الشخصية بلهجة غير لهجتها في الأمثال الشعبية مثلاً ، كما لو قال أحدهم ” من ذا الذي يراك يا من تغمز بعينيك في الظلام ” بدلاً من أن يقول ” مين شايفك يالي في الضلام تغمز”! الشخصية استخدمت مثلاً شعبياً ، فلابد أن تذكره بلهجته الشعبية كذلك وإلا بدا الحوار متكلفاً .

أيضاً ، حينما يكون الحوار رسمياً جداً فإنه يكون متكلفاً ، فحينما يتكلم أستاذ الأدب بالاستعارات والتشبيهات البلاغية وبلغة أدبية رفيعة مع طلابه في التخصص فإنه يكون مقبولاً إلى حد كبير ، ولكنه إذا استخدم ذات اللغة مع السباك أو عامل البنزين فإنه إما أن يعرض نفسه للضحك أو للشفقة . طالما لم يفعل الكاتب ذلك بغرض الإضحاك والسخرية المتعمدتين فإن ذلك سيُعد حواراً سيئاً  .

الخطيئة الثالثة : خطيئة ألا يحدث شيئ :

إذا كان على بطل القصة ( أو أي شخصية أخرى ) أن يملأ البنزين ثم ينزل إلى المحطة ليشتري شطيرة ويجري محادثة تلفونية ضاحكة دون أن يكون وراء كل ذلك حدث مهم فلعل من الحكمة أن يختصر المؤلف كل ذلك بجملة ( عبأت البنزين قبل أن آتيك ولذلك تأخرت ) مثلاً ، أو أن يترك سرد الحدث بالمرة . لا يحتاج القارئ أن تسرد له كل التفاصيل الدقيقة للشخصية لتثبت له أنه كان مشغولاً جداً ( أو أنه شخصية حقيقية جداً ) إلا لو كان وراء ذلك حدث مهم كمشادة أو حوار سيغير مجرى القصة ، وإلا فالأفضل اختصار الموقف بأكمله ، ولا تنس أن الاختصار  والإيجاز من سمات اللغة العربية . تذكر ، أنت لا تكتب سيناريو لمشهد تمثيلي حيث يكون عليك أن تكتب كل إيماءة وإلتفاتة ، أنت تكتب مشهداً روائياً ، وبينهما فرق ، فتنبه .

الخطيئة الرابعة : خطيئة مشاكل المصداقية :

يقع الكثير من الكتاب في هذه الخطيئة التي تنتج عن قلة الانتباه والسرعة في الكتابة وعدم التروي . من مشاكل المصداقية وقوع التناقض والتضارب في المعلومات المقدمة ، فقد يكون فرق العمر بين الابن وأمه قليلاً جداً بشكل ملفت للنظر ، أو يذكر في الفصل الأول أن له أختين وبعد عدة فصول يذكر أن له خمس أخوات وفي فترة زمنية لا تكفي لأمه أن تنجب الباقي ( إلا لو قامت بتبنيهم مثلاً ) . من مشاكل المصداقية أيضاً حينما يكون الأطفال أذكى وأعقل من والديهم بشكل ملفت ودائم . المصداقية مشكلة متكررة في المذكرات الشخصية والسير الذاتية إذا أخفق الراوي ( والذي يمثل المؤلف) في إقناع القارئ بأن يثق أو يصدق بالعواطف والحقائق وذلك حينما ينزع إلى المبالغة في إظهار نفسه بمظهر الضحية ، أو العكس : يظهر بأنه الفائز الغالب دائماً ، فعندها سيشعر القارئ بالاستياء والإحباط. قد تجد في بعض الكتب هذه المبالغة وتكون مقبولة في الوقت ذاته ، ولكن هذا يكون بسبب تعمد المؤلف إلى سلوك هذا الطريق ، ويبين نيته في ذلك من أول فرصة لأن القصة تدور على هذه المفارقة ، وليس هذا ما نتحدث عنه بالتأكيد . في أغلب الروايات والسير الذاتية تكون الثقة بين القارئ والمؤلف مهمة جداً ، لا تغامر بخسران هذه الثقة بأن تجعل راوي قصتك مبالغاً في وصف الشخصيات .

الخطئية الخامسة : خطيئة المشاهد العاطفية :

هناك فرق بين العاطفة والمشاهد العاطفية ، الفرق بينهما تماماً مثل السكر ، وبديل السكر. المشاهد العاطفية صناعية كالسكر الصناعي . تحاول المشاهد العاطفية التلاعب بعواطف القارئ ، فتعتصر منه عادة الشفقة أو الحنين أو المشاعر الغامضة . طبعاً أنت تريد لقرائك أن يتأثروا ويتفاعلوا مع أحداث قصتك ، ولكنك لا تريد أن تطفئ حماس قارئك بمشاهد مغرقة في العاطفة المبالغة . غالبية القراء في العصر الحديث لم يعد لديهم القدرة على تحمل الكتابة العاطفية التي كانت منتشرة بين كتّاب العقود الماضية . إلى الآن لا نزال نجد من يمارس مهمة انتزاع الدموع عندما ينفصل الزوجان/ العاشقان بالكثير من النحيب و الدموع ، أو عندما يموت شخص ما . كثيراً ما نجد المفارقات العاطفية المضحكة في مشاهد الموت ، كما لو تاب الشخص في مرض موته وتحول – بقدرة قادر – إلى شخص طيب نادم على ما سبق ليديه أن اقترفتا ، أو كانت هناك لحظة مسامحة ومغفرة للذنب قبل الغرغرة ، أو النكتة الشهيرة قبل الموت : ( أنا مش أبوك يا بني ) . لا تفهمني خطأ أرجوك ، لست أبداً ضد مشهد يثير المشاعر أو العواطف لدى القارئ ، وإنما أنا ضد المشاعر الكاذبة المزيفة التي تُنتزع انتراعاً من القارئ .. كيف لنا أن نعرف الفرق؟ حينما يحركك شيء أثناء القراءة فاسأل نفسك : هل مستوى شدة العاطفة في المشهد تماثل مستوى شدة العاطفة التي ثارت فيك أثناء القراءة ؟ لو شعرت الشخصية بمستوى عالٍ من الانفعالات لم تتمكن أنت من الحصول عليها فهذا يعني أن الكاتب قد أخفق في إقناعك .. كذلك عليك أن تنتبه أثناء كتابتك : فإذا استعملت الكتابة العاطفية أكثر من العاطفة نفسها فحتى لو كنت تكتب مشهداً فإن الأمر سينتهي بك بأن “تخبر” به بدلاً من أن “تعرضه” .. ستخبر قارئك أن عليه أن يشعر بشيء أخفقت أنت في إظهاره بشكل مقنع ، وهذا  سيهدم الهدف من المشاهد بأكملها .

%d مدونون معجبون بهذه: