Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الأبناء’

لا أزال أسمع وأرى من قصص طلاق العجائز ما يثير في نفسي عجباً واهتماماً.

ما الذي يدفع زوجين عجوزين ، قضيا زهرة شبابهما معاً إلى الطلاق بعد عشرة امتدت ربع قرن أو أكثر أحياناً ، حين تشتد حاجة كل منهما للآخر، خاصة لو كبر العيال وتزوجوا وغادروا البيت ، أو امتلأ البيت بالأحفاد وقلّت المسؤوليات وطاب جني الثمار ، أو مرِض أحدهما أو كلاهما واحتاج لمزيد من العناية والاهتمام .. كيف يمكن لأحدهما أن يفكر بالطلاق ؟ لن تعود أحاديث منتصف الليل التي لا تحلو إلا بانتظار النوم على الفراش في الحجرة المظلمة ، ولا التمشيات الفجرية في الطرقات الفارغة عقيب هطول الأمطار ، ولا المناكفات الدورية بينهما : هو يناكفها أثناء إعدادها لعشاء ضيوفه ، وهي تناكفه أثناء قيادته للسيارة .. ستتلاشى الأحضان الدافئة التي تملأ القلب سكناً وأمناً وعطفاً ، وكلمات الحب والحنان .. لن يعود للأحفاد جدان يسكنان معاً في بيت واحد ، وسيتهاوى بيت ظلا يبنيانه سنين طويلة بصبر وجلَد ..

ما السبب وإنه لخطب جلل .. فإن كنا نعذر الصغار في طلاقهم لرعونتهم أو قلة تحملهم للمسؤولية أو لعدم توافق الشخصيات والطباع ، أو لخصال سيئة في الطرف الآخر ، فبم عسانا نبرر للكبار ؟

سأذكر هنا أسباباً رأيتها في القصص التي مرت علي ، ولعل من يقرأ يتفطن لنفسه ويحذر .. لن أدعي أنه سبب وحيد، ولكن في كل الحالات التي رأيتها كان مزيج من كل هذه الأسباب أطرافاً في القضية ..

  1. أنانية الرجل المفرطة ، والتي ترجع إلى التربية العجيبة التي نربي فيها أطفالنا في مجتمعنا العربي ، حيث أن حاجة النساء للذكور تبقيه مهيمناً ، ولو كان طفلاً لتوه قد تعدى الثالثة عشر وأمكنه قيادة السيارة. نربي ابننا لا شعورياً على أنه مهم جداً ، إذ أن أمورنا لا “تسير” بدونه، فيقوم هو بكافة أمورنا مقابل الكثير من الاحترام والطاعة والخدمة من قبل بناتنا ، وننسى أن نعلمه مبادلة أخته نفس الاحترام والطاعة على الرغم من تبادل المصالح إذ هي من تقوم على إعداد طعامه وملابسه و تنظيف حجرته ، فيترسخ في أذهان الكل أن خدمتها له فرض وواجب ، وخدمته لها فضل ومنة .. فإذا كبرا وتزوجا انتقلت هذه النظرة إلى الأزواج ، فهي من تخدم ، وهو من له القوامة ( ذات المعنى الخديج ) وعليه فقط تأمين مستلزمات الحياة، وقد يكون سخياً في ذلك ( كمحاولة لتعويض ما يشعر به من نقص في عطائه المعنوي) وعلى المرأة أن تحصر حياتها في تنفيذ طلباته من العناية به وبالبيت والرعية ، متجاهلاً حاجاتها النفسية من تحقيق إنجازات خاصة بها ( وفق مرادها هي) و إشعارها بكيانها و احترامها وأنه يضحي من أجلها براحته لإسعادها كما تفعل هي كل يوم .. وتستمر الحياة ، وتمضي الأيام ويكبر الزوجان ، وينفد صبر المرأة دون أن يتغير الرجل الذي لا يزال يعتقد أنها ستفعل أي شيء كما رُبيت من أجله .. فتكون الصدمة غير المتوقعة وتنكسر القارورة ..

  2. قد تكون عند أحد الطرفين طباع سيئة وخصال مزعجة حاول الآخر معالجتها ومدافعتها دون جدوى ، قد يكون بخلاً أو شراسة في الأخلاق أو ببساطة : شكلا غير مقبول .. يصبر ، أو تصبر حتى يمل الصبر بعد سنوات عديدة ويطفح الكيل ويبلغ الحد ما لا قبل لهما باحتماله فيحدث الطلاق . قد يرجع السبب في ذلك إلى المبالغة في الرغبة في “إعفاف” أحد الزوجين ، أو المبالغة في تحقيق (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) ، وتحقيق ( فاظفر بذات الدين، تربت يداك) ولو كانت ذات الدين لا تلبي “شكلاً” رغبات الزوج ( والعكس صحيح بالتأكيد).. ولو كان ذا الدين بخيلاً قتوراً والمرأة تحب من يكرمها ويهديها ويدللها .. عجباً لكم أيها الأولياء .. ألم تطلب امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنها الخلع من زوجها الفارس الذي لا تعيب عليه خلقا ولا ديناً إلا أنها كرهت منظره وكان دميماً ؟ ألم يحذر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس من الزواج بمعاوية لأنه كان صعلوكاً لا مال له ،  ومن أبي جهم لأنه كان لا يضع العصا عن عاتقه ( كناية عن كثرة أسفاره أو ضربه للنساء)، وهما صحابيان جليلان لا يُشك في دينهما وأمانتهما .. فلماذا الاستماتة على تزويج “الكفء” دينياً دون تحقيق الكفاءة والرضا التامين عن باقي الصفات ، ثم تكون العاقبة ما نرى ونسمع بعد عقود؟

  3. المراهقة المتأخرة : هاهما يرتبطان وينشغلان في مسؤوليات الحياة.. لعلها الوظيفة ، أو الأهل أو الدراسة ، ثم يجيء الأطفال ، وتزيد المسؤوليات ، فيهدران طاقتهما الشبابية في القيام بمتطلبات الحياة ، ولا يعطيان نفسيهما حقها في تحقيق الرغبات والتدليل والإنجازات الخاصة .. ثم يكبر الأطفال ، ويهن الجسم ، ويتزايد الإحساس بقرب انقضاء الحياة دون تحقيق الأشياء المفرحة .. لم يكن الزوج يجد عند زوجته إلا حديثاً عن الأطفال والمسؤوليات ، وهاقد ذهب الأطفال وقلّت المسؤوليات ، فعن أي شيء يتحدثان ، وفيم يتناجيان ؟ عندها تظهر العيوب وتنكشف العورات ويتفاقم الملل وتتزايد الرغبة بالتجديد مع شريك آخر أكثر حيوية ، أكثر شباباً ، أكثر جمالاً .. فكر جديد ، شكل جديد ، حياة جديدة ، فيكون الطلاق هو الحل عند ذلك البائس ..

  4. ملء القلب والعين بالصور المحرمة المنتشرة في التلفاز والنت .. روي في السبب الذي دعا إلى طلب امرأة ثابت بن قيس الصحابي الفارس الخلع من زوجها أنها رفعت طرف الخباء يوماً فرأت زوجها مقبلاً في جماعة ، كان هو أشدهم قبحاً وأقصرهم قامة ، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير ، وسارعت للنبي صلى الله عليه وسلم تطلب الخلع إذ أنها لم تعد تطيقه .. هذا وهي نظرة مشروعة لأنها لم تكن مقصودة ، فكيف بما يحدث الآن حين يجتمع الزوجان على مشاهدة البرامج التي تعرض صور النساء الفاتنات والرجال الوسيمين .. وتتتابع الصور على القلب فيتعلق بأهلها ، ويظلم بهذه المعصية وينعكس أثر هذا الإظلام على حياتهما ، إذ مهما بلغت عناية المرأة بنفسها واهتمام الرجل بمنظره فلن يبلغا حد أهل الصور المزينة في الجمال والتنوع وإخفاء العيوب ، ولكن حبك الشيء يعمي ويصم .

  5. الزواج الثاني : كفكرة أو كتطبيق .. إصرار بعض الرجال على الزواج الثاني تحقيقاً وإكمالاً للرجولة المزعومة يدفع بهم إلى تكرار الحديث عن هذا الموضوع مع الزوجة. بل إن بعضهم قد وطّن زوجته على هذا الأمر من أيام “المِلكة”!! أي سخافة تلك ؟ لا يقيم أي وزن لمشاعرها ، ويظل يلقم غيرتها الأحجار تلو الأحجار ، فتضطرم النيران في صدرها ، وقد تسيء معاملته بالفعل ، وتبدأ حنظلة البغض تنمو في قلبها ، فإذا أتم زواجه بالفعل خاصة لو تم ذلك بعد سنوات طوال ، فإنه يتصرف معها بعنجهية وصلف، ويذبح “البس في ليلة العرس ” ، ولكن المشكلة أنه يخطئ في البَسّ ! وتكون القاضية .. لعل الرجوع إلى تدوينتيّ رسالتي إلى الزوجة الأولى ، و رسالتي إلى الزوج المعدد  تفيد كثيراً هنا ..

  6. يبوسة الدماغ : هو : سي السيد ، الحاكم بأمره ، الطاغية الجبار ، وهي المرأة المغلوب على أمرها ( مع تفاوت النساء في درجة “الغلبنة”) .. عوّدها منذ بداية زواجهما على قوانينه الحمورابية : لا خروج في الأوقات الفلانية ، لا تأخر عن الأوقات الفلانية ، لا استقبال مكالمات أو ضيوف في الأوقات الفلانية، ممنوع تناول أطعمة معينة حفاظاً على رشاقة جسمها ، زيارة الأهل في أوقات معينة ، ممنوع هذا ، وممنوع ذاك .. وهي صغيرة في السن ، وهو أول زوج في حياتها وتعلق قلبها به .. وتمضي السنون ويكبران ، وتصير جدة، وتهفو نفسها المثقلة بالسنين إلى الحصول على بعض المساحة الواسعة لتتحرك فيها وتنال من بعض المتع ما حُرمت منه في شبابها ، وقد تتمتع بناتها وحفيداتها بكمية كبيرة من الحرية لا تكاد تحلم بها .. تحادثه مراراً ولكنه يرفض بعناد وطفولية .. ليس للمرونة مكاناً في قاموس حياته إلا لماماً .. يحسب أنه اشتراها بمهره ، أو ملك رقبتها بحديث (فإنه جنتك ونارك) ، ونسي أن ( خيركم خيركم لأهله) .. وبعد سنين .. تنتهي الحياة .. وهنا أجزم أنه غالبا ما يكون هو الخاسر الأكبر ..

 ولئلا أُتهم بالانحياز إلى جنس النساء ( وإن كنت لا أنفيه بإطلاق ) ، فأرجو مراجعة تدوينتّي لماذا تتطلق الفتيات ، و لماذا يطلق الشباب ، إذ فيهما إكمال لكثير من جوانب النقص في هذه التدوينة ..

الحياة الزوجية سكن ورحمة وآية من آيات الله .. لا تضيعوها بخراقتكم .. أرجوكم ..

Read Full Post »

الحياةُ لوحاتٌ زيتية رُسمت على قماش فاخر ، أم أن اللوحات هي التي تحكي الحياة ؟ من هواياتي الأثيرة أن أفتح عينيّ جيداً ، وأتجول في معرض لوحات الحياة مع جزءٍ فضوليٍ من نفسي ، وأستمتع بشيء من التطفل و التخيل لأسبر أغوار النفوس البشرية . كم نرى من مشاهد ظاهرها يخفي كثيراً من حقيقتها .. بعض المظاهر خداعة ، وتحتاج منا لكثير من البصيرة لنقرأ ما بين ضربات الفرش ، فإذا فعلنا انقشعت عنا حُجبٌ ، وتكشفت لنا حقائق بإمكانها -إذا تدبرناها- أن تجعل حياتنا أكثر جمالاً .. يكفي بذلك أننا ننسى كثيراً من واقعنا المؤلم ، يكفي أننا نغرق في دقائق ممتعة من خيال لذيذ ، يكفي أننا قد نفلح في تلمّس بعض النعم التي غفلنا عنها .

بعد فضولي الذي طال النوافذ والستور المرخاة في تدوينتي الأولى ومن الفضول ما يُحمد والتي لاقت نجاحاً كبيراً بفضل الله ، فسيسعدني أن أطرح عليكم المزيد بطريقة مختلفة قليلاً ، فهلا مشيتم معي في هذا الممر من معرض لوحات “الحياة”، لأريكم بعض النماذج؟ ستحتاجون أولاً لإعمال شيء من فضولكم ، ولا تخافوا ، فإن بعضاً من الفضول لن يضر !

هذه لوحة تصور لي رجلاً ، يقود سيارة مهترئة وسط شارع مليء بالسيارات الفاخرة . ينظر إليها جزئي الفضولي فيقول : انظري إلى هذه السيارة “المقربعة” ، والمشكلة أن صاحبها يضحك .. كيف يمكن له أن يضحك وهو يقود شيئاً كهذا؟ لو كنت مكانه لأرخيت رأسي خجلاً وأنا أمر إلى جانب كل هذه المراكب النظيفة .. أتطلع إليه متفحصة.  بالفعل ، باب سيارته ساقط ، فهو يمسكه بيد ويقود سيارته باليد الأخرى، باب الراكب المجاور منبعج انبعاجاً قوياً ، وفي الخلف تراصّ خمسة أولاد بطريقة فنية ما ، ومع ذلك فصوت المذياع يصدح ، وضحكات الأطفال تغطي صوت المذياع ، وأكاد أسمع صوته يرد ساخراً : “لو رأيتِ الحادث الشنيع الذي بسببه اهترأت هذه السيارة وخرجتُ منه وأولادي سالمين بلا خدش واحد لعلمتِ أنه يحق لي أن أضحك وألا أتحسر بعد ذلك اليوم على ضياع أي شيء دنيوي. لقد عاينت الموت لثوانٍ ونجاني الله ، فعلى أي شيء آسف ، ومن أي شيء أخجل ؟ ولكن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

وهنا لوحة تحكي طالباً في كلية الطب الخاصة ، يلبس ثياباً جيدة ويضع عطراً فاخراً ، يحضر محاضراته بكل جدية واجتهاد ، ويتكلم برقي وأدب .. أنظر إليه فيتساءل جزئي الفضولي: محترم جداً! وددت لو رأيت بيته! فأتخيل داراً فارهة ، كثيرة الحجرات ، عالية الأسقف ، تحيط بأسوارها أشجار جوز الهند، وتصطف في مرآبها بضع سيارات ثمينة ، وإلى جوار مسبحها الكبير يتمشى الجنائني وهو يرمق المياه الزرقاء ويتلمظ محدّثاً نفسه أن يرمي بنفسه في المياه الباردة لتنقذه من لهيب الصيف الرهيب ، وليطردوه بعد ذلك . يلتفت إليّ الفتى في الصورة فيبتسم ويقول : أخطأتِ في خيالك .. وأراني في مخيلتي بيته ؛ الحي بائس, شوارعه مليئة بالحفر الرطبة .. الجرذان تمشي إلى جانبك لتدلك إلى أي دار تريدها، وصناديق القمامة الكبيرة تؤوي عشرات القطط الضالة ذات الأعين العوراء أو الذيول المقطوعة . وقبل أن يعترض جزئي الفضولي، يرفع الفتى أصبعه ويقول : “لحظة ! أنا في هذه الكلية في منحة لتفوقي ، فلم أدفع ريالًا واحداً، أما هذه الثياب فقطع نظيفة تبرع لنا بها بعض المحسنين ، ومالي في كل هذا البذخ الذي تراه إلا العطر الذي وضعته .. وللمعلومية ، فإنه مقلد! هل تستكثر عليّ عطراً مقلداً لا أعرف متى سيصيبني بالأكزيما ؟ أما عن الأدب ، فمن قال أن الأدب ملازم للغنى ؟ ظننت الأمر واضحاً ، ولكن يبدو أن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

انظروا إلى هذه اللوحة ، تصور مهرجان الزهور الذي يقام في مدينتي كل سنة . تدغدغ الألوان الجياشة مشاعري ، وأشعر بها تكسر برفق أشعة الشمس الصارمة المسلطة على رؤوسنا كالحراب. ألمح زوجين مسنين بعض الشيء من دولة آسيوية يتمشيان معاً. يقفان أمام كل مجموعة ليتحدثا برهة قبل أن يخرج الزوج آلة التصوير ليصور امرأته ؛ ارفعي يدك إلى خصرك ، أميلي برأسك ، تلثمي بالطرحة في غنج ، وهي تمتثل وتضحك في دلال ، ثم يمشيان معاً ليتوقفا ثانية فيصورها بكاميرا الآيباد هذه المرة متبعاً نفس الخطوات السابقة ، افعلي كذا وكذا .. وتساءل جزئي الفضولي : انظري إليه ، يصورها بكل آلة تصوير متاحة ، ولو أتيح له أن يحضر مثّالاً لأحضره وصنع لها تمثالاً .. هل يحبها بالفعل ، أم أنه يفعل ذلك لأنه لا خيار له غير ذلك ؟ التفت إليّ الزوج على وجهه مسحة غضب وخوف معاً ، وقبل أن يتكلم بكلمة لذت بالفرار ، وأنا أعنّف فضولي وأطالبه بالتفرج في صمت .

توقفت طويلاً أمام لوحة جُدل إطارها بألياف الصبر والحب. هاهو رجل في الخمسينيات ، يرتدي ثوبه الرمادي الرث، يمشي مثقلاً بأكياس متخمة بأطايب اشتراها للتو من البقالة ، وعائدٌ إلى داره القريبة . أتفرس في الأكياس بفضول فأرى عصائر وحلويات ، وفواكه الموسم وحليبَ الصغير . يدخل على أسرته مستجيراً بالله من حرارة الجو وينادي في تعب على أطفاله الذين يهرعون ليتلقفوا ما أتاهم به والفرحة تشع من وجوههم الصغيرة التي لم تتغضن بعد، تستنشق ابنته أحد الأكياس بنهم لتملأ رئتيها من رائحة الفاكهة الطازجة ويرتفع صوت أحدهم بلثغته المحببة : بابا ، زا اللاتِب ؟ فيومئ إليه بحب ويحضنه ويلثم فاه ثم يدس في فمه قطعة شوكولاتة صغيرة . أمشي في سعادة وأمان الدنيا يغمرني ، وحنان الأب يفيض عليّ من تلكم اللوحة ، وطعم الشوكولاتة لا يزال في فمي .

ماذا عن اللوحة المشرقة  في الركن؟ اقترب  لتراها! هاهي امرأة في أواسط الستينيات ، مات عنها زوجها منذ أمد ، وتزوج آخر أولادها قبل خمس سنوات وعاشت في وحدة مع خادمتها تنتظر إطلالة أولادها عليها يومياً حسب جدول مرتب. منذ أن غادر آخر أولادها المنزل كان أمامها أحد اختيارين : أن تؤمن بانتهاء مهمتها في الحياة وتستسلم لفكرة الموت والتلاشي ، أو أن تبدأ حياة جديدة . لحسن الحظ أنها اختارت الثاني . بدأت في ممارسة الرياضة  ، إذ الرياضة من أفضل الوسائل التي ترفع هرمون السعادة (دون أن ترفع الوزن كالشوكولاتة) وتحافظ -في الوقت ذاته- على قوة البدن ، وبالتالي على صفاء الذهن ، فكانت تمشي مع خادمتها يومياً في الشارع العام حيث تشعر بأمان أكثر من الأحياء المجاورة الممتلئة حُفراً وسوائل لا تعرف مصدرها ثم تعود إلى بيتها وتفتح النافذة وتمد ساقيها في أشعة الشمس التي تنتشر سريعاً على أرض الحجرة . تسلي نفسها بقراءة كتاب ، أو تفتح المذياع على برنامج الأسرة الصباحي وتقوم بتمارين التمدد التي رأتها في يوتيوب، وبعد أن تنهي وردها اليومي من القرآن تشرع في “ساعة التعلم” كما تحب أن تسميها حيث حمّلت لها ابنتها عدة تطبيقات تعليمية تحرك بها ذهنها وتقوي ذاكرتها ، وكان آخرها تعلم اللغة الإسبانية . تذكر عندما هتفت بها ابنتها : لماذا الإسبانية ؟ فقالت ضاحكة : لأن اليابانية صعبة . والحقيقة أنها تتقن الكلمات الأساسية من الانجليزية والتي لن تحتاج إلى غيرها ، ولكنها أرادت أن تثبت لنفسها بتعلمها الإسبانية أنها لا تزال تتمتع بذهن قوي متفتح .. المسألة كلها تدور حول إثبات النفس ، حول الشعور بالقوة والقدرة على البذل ، حول عدم اليأس والإحساس بالوهن الذي يميت قبل الموت ، لهذا قبلت التحدي غير المنطوق من قِبل أولادها وطالبت بالآيفون والآيباد وشاركت في تويتر وفيس بوك وانستغرام وهي تقول : من قال أن مثل هذه الأمور حكر على الشباب ؟  أعطونا فرصة أو اثنتين لنثبت لكم أننا نستطيع .. وفازت بالتحدي .. انصرفتُ عن هذه اللوحة وقد خُيل إليّ أن المرأة تبتسم لي وترفع إبهامها مشجعة وهي ترتدي حذاء الرياضة .

طيب ، هذه اللوحة .. هذان زوجان يستعدان للسفر إلى البعثة ويودعان أهليهما .. الزوج يسمع للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف التوصيات على زوجته ، من أمها وجدتها ، وخالتها وعمتها وامرأة أبيها وخالة عم جارتها ، فيبتسم بتصنع ويقول للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف : أكيد ، “سما” في عيوني ، لا توصي حريص الخ الخ الخ . ترفع “سما” بصرها إليه فتكاد تتلقف الضجر والملل بيدها وهما يتقافزان في عينيه، وتتعجب ، ما كانت تعهد في نفسها القدرة على قراءة لغة الأعين ، أم أن لغة الأعين سهلة وواضحة لكل ذي لب . وفي ذهنه يتعالى السخط .. كلهم يوصيني على “سما” ، حتى أمي وأخواتي ، لكن من يوصي “سما” عليّ ؟ أم أن الرجال لا بواكي لهم؟

ما رأيكم بهذه اللوحة الملونة بألوان الباستيل الجميلة ؟ هذا خالٌ شاب ، أو ربما يكون كبيراً بعض الشيء. تأتي أخته  من بلد زوجها بأبنائها لتقضي مع أهلها شهراً من عطلة الصيف . لم يسمح زوجها لها بالذهاب إلا شريطة أن تصطحب أبناءها معها ، حيث لا شيء إلا الملل .. ينبري هذا الخال فيحمل على عاتقه إسعاد أبناء أخته ، يلعب معهم ألعاب الكمبيوتر ، ويصيح معهم في حماس كلما أحرز أحدهم هدفاً ، يمشّيهم، يشتري لهم الحلوى ، يأخذهم معه إلى المسجد، يصطحبهم إلى محل الألعاب ليشتري لهم هدايا النجاح، أو إلى المكتبة ليبتاع لهم قصصاً جديدة ، حتى صار هذا الخال من أحب ما يكون في حياتهم . وتمر الأيام ويكبر الأطفال ليصيروا شباباً أو مراهقين ويكبر الخال، فلا تعود ألعاب الكمبيوتر تسليهم، ولا يعودون يهتمون بالمكتبات ولا دكاكين الألعاب، يقدمون مع والدتهم إلى بلدها وقد لا يقدمون ، يسلمون على الخال تسليم الغريب ويمضون ، قد يتذكرونه باتصال بين الحين والآخر وغالباً ما ينسون. فجأة صار هذا الخال مملاً، و”قديماً”. ما هذه المرارة في فم الخال ؟ ماهذه الصور الباهتة التي يراها في خياله لأطفال صغار نسوه وما نسيهم؟ ولا زال في العيد بالهدايا يذكرهم ؟ قد يكون خالاً أو عماً ، قد يكون جداً أو مثل ذلك من الإناث.. أغادر ، ويهتف فضولي رغماً عني وعنه:  “ما يستحوا”!

هذه اللوحة الأخيرة، تبدو وكأنها لوحة إعلانية لقرطاسية .. الله .. أحب القرطاسيات .. أتمشى فيها بشغف كما تتمشى إحداكن في محلات العطور والمكياج . رائحة الأوراق تسحرني كما تفعل بكم رائحة القهوة الغنية ، أحب الأقلام الخشبية الملونة ، أحب أشكال الصلصال والأعمال الفنية المزركشة ، أحب الدفاتر السلكية الكبيرة ذات الأغلفة الكرتونية المبهجة ، أحب هذا العالم باختصار . ومن  منا لا يحبه ؟ أقصد ، هناك البعض ممن لا يحبه . أقف عند المحاسب ويقف أمامي رجلٌ في الخمسينيات يرتدي ثوباً رمادياً رثاً، وثلاث بنات في الابتدائية يقفن إلى جواره في صمت ويتطلعن إليه في رجاء ، وتمسك إحداهن صغيراً فضولياً يمد يده القصيرة للأرفف العالية محاولاً اصطياد أي شيء .. يخيل إليّ أني رأيت هذا الرجل من قبل، ولكن أين؟  اصطفت أمامه كومة من طلبات المدارس : أستطيع أن أميّز الصلصال ، ومسدس الغراء ، وألواح الخشب الخفيفة ، ومريلة المطبخ ، ونوعين من الألوان ، وأشياء أخرى خفيت عليّ . رأيته يخرج محفظته ويعدّ “أمواله” ثم ينقد المحاسب الثمن : فكة رهيبة من عشرات وريالات ، ليس فيها ورقة واحدة لمئة كاملة .. أكاد أسمع تأوه قلبه المنفطر من هذا الغلاء وكثرة الطلبات . ويعلو صوت الصغير : بابا ، خلّث اللاتِب ؟ فيبتسم الأب في وهن ويحمله بيده ، ويناول بيده الأخرى الأكياس لبناته فيتلقفنها في سرور وحماس.. لعل هذا السرور هو ما يطفئ لهيب قلبه .. أخرج جوالي في عجلة وأنظر إلى التاريخ الهجري وأنا أبتعد عن اللوحة فأجده الخامس من الشهر!

والآن ، ماذا عنك ؟ هلا أخبرتني عن لوحات أعجبتك ؟

سأقوم بإهداء ثلاث نسخ موقعة من كتابي ” الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ” لأفضل ثلاث تعليقات عشوائية تردني هنا في المدونة ، أو تويتر @hannooti   خلال الأسبوع الأول من إطلاق هذه التدوينة .. تابع التعليقات بين الحين والآخر ، قد يحالفك الحظ .

Read Full Post »

حضرت محاضرة للأستاذة أناهيد السميري في المدينة بتاريخ 4/5/1434 هـ ، بالعنوان أعلاه . حضرت وكلي شغف لأتعلم عن أفضل الوسائل لهذا الفعل ، ليقين اعتقادي بأن كل ما يجري في الساحة من انتهاك الحرمات و التطاول على المقدسات إنما نشأ من قلة أو انعدام تعظيم وتوقير الله تعالى في قلوب الفاعلين ، فإن المرء إذا خلا قلبه عن معبوده الذي فُطر على تعظيمه ومحبته كان بدناً بلا قلب ، ومن ثم أتى بالعجائب و الطوام .

كانت المرة الأولى التي أحضر فيها للأستاذة أناهيد أي درس . إذا رأيتَها لم تعنَ بها أو تبالِ : فهي امرأة بسيطة الهندام للغاية ، وأبعد ما تكون عن البهرجة  ، ولكنها إذا تكلمت علمت أنها جبل حوى علماً.

بدأت الأستاذة كلامها بالناشئة ، وقالت أن أعظم ما يمتلكه هذا النشء هو الفطرة السوية التي خلقه الله عليها ،  ومن مزايا هذه الفطرة :

–        لها استعداد تام لقبول التعاليم الإلهية والأخبار عن الله تعالى .

–       فيها نداءات أساسية تحتاج إلى تلبية : أنا ضعيف يحتاج إلى قوي ، أنا عاجز يحتاج إلى قادر ، أنا فقير يحتاج لغني ، أنا جاهل يحتاج إلى عالم ، وهذه النداءات جوابها في قصار السور بشكل عام حيث يلفت القرآن النظر إلى الإله القوي ، العليم ، الحكيم ، القدير ، الغني ، وهذه من فضائل تلك السور حيث أنها هي التي يُبدأ بتحفيظها للناشئة ويُقرأ بها في الصلوات فتنغرس تلك القيم في وجدانه غرساً  .. ولعل أعظم هذه السور: سورة الإخلاص التي فيها : ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ) فمن هو الصمد ؟ هو الذي تصمدُ إليه الخلائق ، ترجوه وتسأله وتضرع إليه حاجاتها سبحانه، وهو الصمد لا جوف له (فلا يحتاج لشيء) ، وهو الصمد ترفع إليه الحاجات : السيد الذي كَمُل في سؤدده وقدرته وعلمه . ( قلت : أرأيت لو غرسنا في نفوس أطفالنا هذه المعاني في كل مناسبة ، أكان يصدر منهم سوء أدب أو شك أو كفر بالله ؟ )

–       تحب الكمال والإحسان ، لذا نجد الله تعالى يصف نفسه دائماً بالإحسان : ( هو الذي خلق لكم ما في الأض جميعاً منه ) ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ) (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل و النهار ) .. وإن شئت فضع في محرك البحث في تطبيق القرآن الكريم كلمة ( لكم ) وتأمل في إحسان الله .

ومع هذه الفطرة السوية التي تستوي لدى النشء ( قبل أن يطرأ عليها تدخّل البيئة كما في حديث فأبواه يهودانه وينصرانه ) فعندهم أيضاً جانب الطباع ، الطيبة منها والسيئة ، وكثيراً ما تغشي الطباع أعين الوالدين والمربين عن الفطر السوية ، ويتم التعامل مع النشء على أساس الطباع فيقع الظلم عليهم .

فإذا أدركنا هذه الأمور علمنا أي بيئة خصبة ومواتية نملكها ، وسلاحنا الوحيد الذي نحمله هو : الكلام . لكن المشكلة تكمن في أن الكلام إذا خرج بلا مشاعر حقيقية فإنه يصل إلى الطرف الآخر ميتاً مهما كانت حياة الجهة المستقبلة ، فإذا كنا نشتكي أن الناشئ لا يتقبل ( وهو مَن عَلِمنا أن فطرته السوية المتقبلة للتعاليم الإلهية ) لعلمنا أن الخلل من كلامنا نحن الذي يخرج ميتاً بلا مشاعر لأننا لا نستشعر أنفسنا عظمة الله فلن نستطيع أن نوصلها إلى أصحاب الفطر النقية  ، ومعلوم أن تصرفاتنا تعكس تصوراتنا وعقائدنا.

فإذن وصلت بنا الأستاذة أناهيد السميري أن الخلل فينا نحن المربين والآباء ، فكان لزاماً علينا أن نربي أنفسنا على تعظيم الله أولاً لنتمكن من إيصال هذه المفاهيم للناشئة ، وعلى قدر علمنا بالله تكون قدرتنا على غرس تعظيم الله في قلوبهم ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في سورة الرعد ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ) فهذا الزبد ، الغثاء ، الذي لا نفع فيه بل قد يكون مضراً ، لا سبيل لدفعه إلا بسيل من العلم ، أما القطرة والقطرتان ( الكلمة و الكلمتان في تعظيم الله ) فلن تصنع شيئاً ، إذ الانشغال بتفاصيل المعرفة بالله هي التي تؤثر على المشاعر وبالتالي العمل .. واقرأ آيات القرآن تجد تفاصيل المعرفة في كل مكان : أسماء الله وصفاته وأفعاله تفصيلاً دقيقاً عجيباً ، والملائكة وتفاصيل اليوم الآخر .. ما أتى الله تعالى به عبثاً وإنما لتقر هذه المعاني في القلوب إذا تدبرتها .

ثم ضربت مثلاً جميلاً كلنا نعرفه في سورة النور ( الله نور السموات والأرض ، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة ، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور يهدي لنوره من يشاء ) .

فالمشكاة ، التي هي الكوة في الجدار ، فيها مصباح (فتيل) ، والفتيل في زجاجة ( السراج) وهذه الزجاجة كأنها كوكب دري من شدة صفائها ( فالزجاجة وحدها تلمع لمعاناً شديداً إذا سقط عليها النور ) . هذا الفتيل يوقد من زيت شجرة مباركة زيتونة ، هو في غاية اللمعان والصفاء حتى إنه يكاد أن يضيء ولو لم تمسسه نار . فقلب الناشئ هو الزجاجة اللامعة بفطرته السوية ، والعلم عن الله الذي يجب أن يتلقاه هو الزيت الذي يمد الفتيل ، والذي يكاد أن يضيء وحده ، فإذا اجتمعت مع الفطرة السوية والزيت المضيء وجودها في محضن طيب (المشكاة ) لكان هذا المصباح من أقوى ما يكون إضاءة وإنارة ، لهذا لما تلقى الصحابة سيول العلم عن الله ، صادفت فطراً ناصعة ومشاعر قوية من المتكلم فكانوا مَن نعرف ؛ ترسخت المعلومات عن الله في القلوب فأصبحت عقائد ، ثم تفاعلت هذه العقائد مع الطباع فأخرجت شخصيات مختلفة كلها تسد ثغرات لتخدم هذا الدين.

عودة مرة ثانية وثالثة وعاشرة إلى من سيلقي بسيول العلم على أسماع الناشئة ..

عودة إليك أنت أيها الأم أو الأب أو المعلم .. تعاهد نفسك أولاً بالتربية والتعلم عن الله تعالى لتستطيع أن توصل هذه السيول من المعلومات التي تدفع الزبد عن القلب ، وهذا لن تتوصل إليه مالم تقرأ القرآن قراءة تدبر تنتبه فيها إلى خمسة أمور مهمة :

1-              ملاحظة أسمائه تعالى وصفاته وأفعاله .

2-              صفات أولياء الله .

3-              صفات أعداء الله .

4-              معاملته تعالى لأوليائه .

5-              معاملته تعالى لأعدائه .

انتهى اللقاء مع الأستاذة ، وكأنما هبطنا من حالق .. ساعة ونصف قضيتها في رحاب غير الرحاب ، وفي عالم غير العالم .. فتحت لنا فيه آفاق جديدة في إصلاح أنفسنا أولاً ثم تمهيد الطريق لإصلاح النشء .

للحديث بقية ، ولعلي أكمله في تدوينة أخرى يوماً ما .

Read Full Post »

 لازالت بعض بقاياه هنا ..

قشور الفصفص ، أثر من عطر بولغاري ، صدى صوته وهو يصرخ ” ناندا” ، صور  التقطتها بآلة التصوير التي يمتلكها .

ولكنه ليس هنا ..

خرج بعدما جاءني إلى حجرتي ليودعني ..

ضممته إلى صدري ..

استنشقت عطره ومسحت على ظهره ..

غالبت دموعي ولكنها أبت إلا أن تنهمر .

كتمت شهقتي ولكنها أبت إلا أن تنفلت ..

بكيت ..وبكيت .. وبكيت ..

همس في أذني بصوت واجف : ادعي لي ..

وتملص من بين يديّ وأسرع يحمل حقيبته وغادر ..

غادر يسابق أحزاني أن تدركه ، ومخاوفه أن تتلبس به .

جريت إلى المطبخ لا أكاد أرى من بين دموعي المنهمرة ..

فتحت الثلاجة وأخرجت المهدئ : خبزاً وجبناً ..

خشيت أن أجرح نفسي بالسكين ..

قلبي أصابه خفقان قوي ، وعلى عينيّ غشاوة .

صوت باب حجرتهم يغلق بعنف .. هاهو عبد الله يعبر عن حزنه بطريقته الخاصة ..

في حين أطفئ أنا حزني بتناول سندوتش سريع ، يطفئ هو أساه بمغادرة شريكه في الحجرة لمدة 15 سنة باللعب بالكمبيوتر هرباً من البكاء والمشاعر السلبية الأليمة ..

هذا هو عبد الله كما عرفته منذ أيام مرضي .. يكره الوداع ويكره مشاعر الحزن .. أما ما في القلب فلا يعلمه إلا الله .

عدت إلى حجرتي ألوك شطيرة جبن بطعم الدموع والأسى ..

الخفقان يزداد قوة ، وقلبي لا يزال يعتصر ..

ندت مني آهة حرى وثالث أولادي يغادر عشي ..

هو الثاني خلال سنة واحدة ..

كم هو مقدار الألم أن تصطبح الأم برؤية أولادها السنين الطوال ، ولا تنام إلا بوجودهم ، صراخهم موسيقاها ، وعراكهم تسليتها .. ثم تفاجأ بأن عليهم أن يغادروا ..

قبل قليل أرسلت تغريدة في هاشتاق يوسفيات : ” ( وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ) .. ثلاث كلمات فقط ، وفي القلب تناثرت مئات السطور تحكي لوعة وفقداً وألماً وأملاً .. لله در قلب الأب ” .

ولم أشأ أن أكتب ( والأم ) فدون أساها تتهاوى أعتى القلاع .

كم هائل من الأناشيد ستحمل لي رائحته كلما سمعتها .. الممشى الذي واظب على اصطحابي إليه ، سريره الفارغ ، وشمس التي ستأتيني غداً لتسألني عنه بلهجة باكية كما فعلت من قبل مع سهل .

الأغنية البغيضة لا تزال تحوم في ذهني كالذبابة اللزجة ..

أغنية البيتلز العتيقة عن الفتاة التي غادرت بيت أبويها .. ذلك البيت الذي عاشت فيه سنين طويلة ..

أغنية تراجيدية  تأبى إلا أن تزورني كلما غادر أحد أولادي البيت .

في البدء كان خالد ، ثم سهل مرتين ، والآن عبد الرحمن ..

في انستغرام وضعت هذه الصورة

وكتبت تحتها ذلك المقطع الملحاح :

He’s leaving home after living along for so many years ..

He’s leaving home .. Bye bye ..

تنهدت وهتف قلبي : يارب .. فرجك قريب وقاصدك ما يخيب ..

اللهم إني استودعتك ابني عبد الرحمن ، ومن قبله ابني سهل : دينهما وأمانتهما وخواتيم أعمالهما ..

اللهم احفظ أولادي من بين أيديهم ومن خلفهم ،  وعن ايمانهم وعن شمائلهم ، ومن فوقهم وأعوذ بعظمتك  اللهم أن يغتالوا من تحتهم ..

Read Full Post »

اليوم فقط شعرت أن إحدى أكبر أمنياتي قد تحققت .

عندما صورت هذه الصورة كنت أشعر فعلاً بالفخر..

أنا أنتسب لهذا الرجل العظيم .. قد لا يعرفه الكثير الآن ، ولكن حسبي أني أعرفه .. أعرفه جيداً .

عندما كتبت كتابي ” الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ” كنت قد عزمت على أن يكون اسمي فيه : هناء بنت لقمان يونس ، وليس هناء الحكيم كما يعرفني أكثر الناس .. لهذه اللحظة فقط ..

ابنة لقمان يونس ، الأديب الساخر ، تحذو حذوه ، وتكون أديبة ساخرة كذلك .

كنت أتمنى لو أني أرى وجهه وهو يستلم مني نسخة موقعة من كتابي ..

أعتقد أنه كان سيفرح للغاية ، وربما شعر بالفخر .

دائماً يحب الآباء أن يحذو أبناءهم حذوهم في ميولهم وهواياتهم ، فكيف لو اكتسبوا بعضاً من إبداعاتهم ؟

بدأت حكايتي مع الورق منذ الصغر . كانت مكتبة والدي الكبيرة تستهويني .

تحوي الكثير من الكتب العربية والانجليزية بشتى الأشكال والأحجام .

وكثيراً ما التقطت لي صور وأنا في الثالثة ، أرتدي نظارة أبي وأقلب في إحدى كتبه وقد ارتسمت على وجهي تعابير الخطورة .

لا أنسى مجلدات قافلة الزيت الرائعة التي كانت تصدرها شركة أرامكو ، وموسوعة المعرفة ، حمراء الغلاف والتي كان يستهويني فيها صور لعملية استئصال الزائدة الدودية ، ومعجم تاج العروس الذي أعجبني اسمه ولكني لم أكن أفهم أين التاج ( في الموضوع ) فأنا لا أرى إلا مجلدات ، لا تيجان ولا عرائس !

لا أذكر أشياء كثيرة عن أبي ، فقد توفي وأنا في العاشرة تقريباً ، ولكني أذكر حبه لثلاث أشياء : الشطرنج ، وتدخين الغليون والقراءة .

أما القراءة ، فهذا شأن الأدباء ، وهو رحمه الله كان مديراً لفرع وزارة الإعلام في الدمام ، وكاتباً في جريدة اليوم ، ولعله كتب أيضاً في البلاد وعكاظ .

وأما الشطرنج فقد كان – غفر الله له – ينصب رقعته أمام فراشه ، ويلعب مع نفسه إن لم يجد رفيقاً مواتياً ، ويدوّن بخطه الأنيق خطوات كل لعبة برموز تبدو لمن لا يعرفها كاللغة الفينيقية.
ولعله رأى عزوف أخواني عن اتخاذ هذه اللعبة هواية كما فعل ، ورأى مني حباً في التقرب إليه والتأسي بما يفعل ابتغاء مرضاته ، فأخذ يعلمني هذه اللغة حتى صرت أتمكن من اللعب ( مع نفسي ) بمساعدة هذه الخطوات .

وأما الغليون فكنت أراقبه وهو يحشوه على مهل ، وقد يقطع ذلك ليقوم بخطوة في لعبة الشطرنج ، ثم يكمل حشوه وقد ارتسمت على وجهه علامات التفكير العميق .

هل أفشي سراً إذا ما قلت أن ( نزعة اللقافة ) تحركت فيّ و حدتني إلى تجريب تدخين الغليون  ؟

انتهزت فرصة غيابه في العمل وانشغال أمي في أمور البيت ، واعتيادهم على جلوسي في غرفته لألعب الشطرنج ، وتناولت الغليون ..

 لكني بمجرد أن وضعته في فمي ، وقبل أن أشعله ، شعرت بقرف شديد من طعم التبغ الذي سرى للساني من مبسم الغليون ، فتركته وعدلت عن فكرتي وأنا أتعجب كيف يدخن الناس ؟

وعندما بلغت التاسعة قررت أن أقرض الشعر ، وأبلغته – رحمه الله – بذلك ، فشجعني ووهبني إحدى دفاتره الفاخرة التي كان يدون فيها خطوات لعبة الشطرنج .

كان دفتراً مستطيلاً ( إلى أعلى ) ، ذا غلاف جلدي فخم .

كتبت فيه بعض قصائد أشبه ما تكون بأناشيد أطفال .

لا أذكرها ، ولم أحتفظ بها للأسف .. ربما رغبة مني في نسيان تلك الحقبة (الي تفشّل).

ولكن هذا  ” البيت ” أذكره جيداً ، ربما لأنه أول بيت من أول قصيدة في الدفتر :

أتمنى أني لا أتمنى           فوق الجبل أحياناً أتثنى

يا سلام !

كتبت عن الدجاجة الحمراء المغرورة والدودة الصغيرة ، وكتبت عن كوكب الشرق أم كلثوم التي يحبها كل من يحب الزبيب، في محاولة خرقاء لإرضاء أبي الذي كان يحتفظ بكل أغانيها في اسطوانات عتيقة ، وربما كتبت أيضاً عن البيتلز وتفاحتهم الخضراء المرسومة على اسطواناتهم ..

 طبعاً لم يكن معروفاً في تلك الفترة حكم الموسيقى ، ولم أكتب تلك القصائد العصماء حباً في الموسيقى ، وإنما كان يهمني أن أكتب عن أي شيء يمكنني رسمه ، واسطوانات أم كلثوم والبيتلز المتوفرة بسخاء كانت من تلك الأمور .

كنت أكتب “القصيدة” وأذيل الصفحة برسمة تعبر عنها ، والمضحك في الأمر أني لم أحب يوماً الشعر ولا الرسم .

فإذا فرغت من قطعتي الفنية أهرع لأبي وأقرؤه إياها ، فيهز رأسه بإعجاب ويشجعني كثيراً ..

أزعم أنه كان يبذل جهداً كبيراً في تشجيعي لأن تلك القصائد بلغت حداً لا يطاق في السذاجة .

وكان دائماً يقول : كويسة ، لكن تحتاج إلى وزن ..

يا حبيبي يا بابا .. أذكر كلامه الآن وأقول : والله كانت تحتاج لنسف لا لوزن .

ولكن في تلك الفترة لم أكن أفهم من كلامه إلا أن آتي بميزان الخضرجي ، العتيق ، ذي الكفتين فأضع دفتري على إحدى كفتيه ولا أعرف ما المفروض أن يكون في الكفة الثانية ، ولكن أبي رحمه الله قال أنه يحتاج لوزن ، وأبي لا يكذب.

أجلس الآن وأفكر في تشجيع والدي لي على الكتابة ..

أكاد أقسم أن كتاباتي كانت سخيفة للغاية ، ولكنه لم يحبطني يوماً من الدهر ، وإنما كان ديدنه التشجيع والتوجيه .. أليس من العجيب أن النفس البشرية تهوى الانتقاد والسخرية وجلد الذات في الغالب ؟

من السهل جداً أن تسخر وتثبّط وتقتل روح الإبداع في قلب ابنك أو زوجك أو صديقك أو من لا تعرف ، فقط إشباعاً لنزعة سادية أو إرضاء لروح السخرية التي تغلي في قلبك  ، أما التشجيع فعسير عسير إلا على من يسره الله له .

كم منا يفكر في ما قد تودي إليه هذه السخرية من نتائج وخيمة قبل أن يصرف كلمته التي قد تكون قاتلة ؟

 شجعني أبي في الشعر ، ولكني لم أستسغه قط ، لا كتابة ولا قراءة .

فاتجهت إلى النثر .. الأسلوب الروائي بالذات .

كنت ماهرة في تحويل مواضيع التعبير المملة إلى قصص مكونة من ثلاث صفحات أو أكثر .. وكان اختبار التعبير هو الاختبار الوحيد الذي أكون فيه آخر من يخرج لانهماكي في صنع أقصوصة لموضوع عن الأمل ، أو الصدق أو الأم .

وحين بلغت سن المراهقة كان البروتوكول يقضي بأن ترتبط مراهقتي بكتابة القصص الرومانسية .

كل المراهقين عندهم رومانسياتٍ ما .. هذه طقوس المراهقين المعروفة ، وأنا لم أبرع في الشعر ، فلا بأس إذاً ببعض من الروايات الرومانسية على غرار روايات عبير ، ولكنها أحشم قليلاً .

أذكر جيداً أني في السادسة عشر عرضت إحدى رواياتي على الأديب عبد الله الجفري رحمه الله تعالى ، والذي كان صديقاً للوالد .

هؤلاء الأدباء يتميزون حقاً بسعة الصدر ، إذ لا أعرف كيف تمكن من قراءة أكثر من سبعين صفحة من الهراءات المستمرة ، والتعليق عليها بخطه ..

مرة أخرى .. التشجيع والثناء مع بعض التوجيهات اللازمة لكتابة أفضل .

وفي الجامعة اشتركت في مسابقة أدبية شملت القصة القصيرة والمقال والشعر ، فحُجب المركز الأول ، وحصلت على المركز الثاني ، وكانت فرحة غامرة ، إذ بدأت أشعر أخيراً بأني ( يجي مني ) .

ثم تركت الكتابة لفترة طويلة ، أو بالأحرى تغيرت النوعية إلى الأبحاث والكتابة الشرعية الجادة ، وحسبت أني قد فقدت الموهبة ، إلا من بعض الخواطر كنت أسطرها في وريقات بين الفينة والأخرى كلما عبثت بقلبي ” ثورة عاطفية ” ( كما كنت أسميها ) من فرح أو حزن أو غضب ..

أخبئها ( الوريقات لا الثورة بالطبع ) في قاع درجي لئلا يطلع عليها أحد .. أخرجها أحياناً ، وأقرؤها ، وأطمئن أني لا زال عندي بقايا من إبداع ، ثم أعيدها بحرص .

فلما أصبت بالسرطان ، كانت هذه الثورة العاطفية الكبرى التي اندلع بعدها سيل الكتابات المكبوتة في السنين الخالية .

ألا ترون أني لهذا أغثكم بتدويناتي الكثيرة ؟ لأني كنت محرومة كتابياً ، والآن قد نشطت من عقال .

وكلما قرأت تدوينة قديمة لي وأُعجبت ببعض التعبيرات أو التراكيب يستنير وجهي وأشعر بالدهشة أني من كتب هذه الكلمات الجميلة ، والتصاوير البديعة .

أكاد أقرأ ما يدور في نفوسكم ..

تقولون أن مادح نفسه كذاب ، أليس كذلك ؟

حسناً ، لا أظن أن هذا أمر مطرد ..

أحياناً يوقن المرء بنجابته في بعض المواطن وبراعته ، فلا أرى بأساً أن يدلل نفسه بثناء عابر يتشجع به ويستمر في العطاء.

صدقوني ، جميل هو الشعور بالإنجاز ، أو الإبداع أو الإحسان والإتقان ..

وجميل أكثر الشعور بجينات أبي الأدبية تجري في عروقي ، فتستخرج من قرائي كلمات الإعجاب والمدح التي تملأ قلبي حبوراً وسعادة.

أبي .. كم تمنيتك لو كنت معي وأنا أشهد ميلاد مستقبلي الأدبي ، تنظر إليّ بفخر ، فأبادل فخرك بفخر .. أني ابنتك أيها العظيم .

اللهم اغفر لأبي لقمان يونس وارحمه وارفع درجته مع المهديين ، آمين .

Read Full Post »

 

أسئلة شائعة :

س1- ماذا إذا رفض الطفل الذهاب للوقت المستقطع ؟

ج/ إذا رفض الطفل الذهاب إلى حجرته حين تصل للرقم 3 في أسلوب العد فتذكر أنه غير مسموح لك أن تتبع افتراضية الأطفال البالغين في الإقناع ، فلا تقل : هيا ، اذهب إلى غرفتك ، إنها خمس دقائق فقط وستخرج ، أسرع وإلا سيعاقبك والدك بمدة أطول .. الخ ، الذي يفترض أن تفعله يعتمد على حجمك وحجم الطفل .

إذا رفض طفلك الصغير ، البالغ خمس سنوات مثلاً الذهاب لحجرته فما عليك إلا أن تتجه نحوه ، بعض الأطفال سيسبقك ببضع خطوات ، لا بأس في ذلك ، سيتعلم قريباً الذهاب بنفسه ، والبعض الآخر ستضطر إلى أن تجره جراً . تذكر أن تبقي فمك مغلقاً أثناء ذلك سواء أمسكته بلطف وقدته إلى الحجرة أو اضطررت إلى جره في وسط صراخه وبكائه الهستيري .

بالنسبة للأطفال الأكبر سناً ( وحجماً ) فلن تكون في الوضع الذي يسمح لك بالتدخل الجسدي مع الطفل وليس من الحكمة أن تصارعه لتبدو أبلهاً بذلك ، لذا فإن ما سينقذك عندئذ هو بديل الوقت المستقطع ، فتقول :إما أن تذهب إلى حجرتك أو بإمكانك أن تختار إحدى البدائل التالية : الإيواء إلى الفراش نصف ساعة مبكراً ، أو خصم ريال من المصروف اليومي ، أو الحرمان من اللعب بأي جهاز اليكتروني باقي اليوم . الخدمة الاجتماعية بديل ممتاز أيضاً : غسل بعض الأطباق أو ترتيب الصالة أو تنظيف الحمام .

كثير من الآباء يتركون الخيار للطفل ، ولكن إذا رفض أن يختار فعليهم أن يختاروا له . المهم : تذكر أن لا تتكلم ! فإذا صعب عليك ذلك ، فبإمكانك أن تخرج أنت من الحجرة وتتركه وحده .

س2/ هل بإمكانك تجاهل أي سلوك ؟

ج/ كيف تعرف متى الوقت المناسب للعد ؟ ليس الأمر بهذه الصعوبة .. غالباً إذا ما كنت منزعجاً من سلوك ما وكان من الأشياء التي ينبغي توقفها ، فعليك عندئذ استعمال العد . إلا أنه قد يحدث أحياناً أن تضايقك بعض التصرفات التي لا يمكن عدها سوء أدب من الطفل ، مثل الترنم أو إعادة غناء الأغنية مراراً وتكراراً ، قلب أجفان العينين أو ( حَوَلَهما ) ، أو التهادي ببطء إلى الوقت المستقطع ، التهام كل الكريمة على قطعة الكعك أو الدونات الخ . إذا لم يكن الطفل يسيء الأدب بالفعل وأنت في مزاج سيء ، فأفضل ما يمكنك فعله هو أن تجز على أسنانك وتبقى صامتاً . لكن عليك أن تحدد لنفسك ما نوع السلوك ( السيء جداً ، أو الخطير جداً  ، أو المقلق جداً ) الذي ستعاقب طفلك عليه ، وصمم على أن هذه السلوكيات فقط هي التي ستعد عليها وفي كل مرة . لكن في بداية اتباعك للتربية السحرية لا تتجاهل أي سلوك مستهجن ، وإذا شككت : فعدّ ، وبعد فترة حين تتلقى استجابات جيدة عند بلوغك لرقم 1 أو 2 فبإمكانك أن ترخي الزمام بعض الشيء . لنفترض أن بعد استعمالك لأسلوب العد لعدة أسابيع بطريقة صحيحة قام طفلك بتصرف تستقبله عادة بالعد .. بدلاً من أن تعد مباشرة ، راقب طفلك . يكاد طفلك يشعر بالعد . وأحياناً إذا لم تعد فإن الطفل سيصحح خطأه تلقائياً ويتوقف عن السلوك غير المرغوب .

س3/ كم الفترة بين كل رقم في العد ؟

ج/ تقريباً خمس ثوان ، وهي فترة كافية للسماح للطفل بتعديل سلوكه .تذكر أن أسلوب العد يستخدم لإيقاف السلوكيات الذميمة كالجدال والنواح و( الزن ) ، ولا يحتاج الطفل للتوقف عن هذه السلوكيات لأكثر من ثانية واحدة ، ولا نرغب بالتأكيد في إعطاء الطفل نصف ساعة في إكمال نوبة غضبه قبل أن تنتقل إلى رقم (2) في أسلوب العد .

خمس ثوان كافية لأن يعيد الطفل التفكير في وضعه وتعديل سلوكه ، وفي هذه الثواني الخمسة – إذا ما التزم الوالد الصمت – سيتعلم الطفل تحمل مسؤولية تصرفاته .

س4/ إذا وصل الطفل لرقم (2) في العد فهل يبقى عليها باقي اليوم ؟

ج/ كلا . مفهوم الوقت عند الطفل قصير . لا ينبغي أن تعد (1) في العاشرة صباحاً ، و(2) في الثانية ظهراً و(3، اذهب إلى حجرتك ) في الرابعة عصراً .الذي ينبغي أن يحدث أن طفل السادسة مثلاً لو أساء التصرف 3 مرات في خلال ثلاثين دقيقة ، فإن لكل تصرف فرصة حتى تصل إلى (3) ، ويذهب بعدها إلى الوقت المستقطع . أما لو أخطأ خطأً واحداً في خلال ساعة ، ثم أخطأ بعدها خطأً آخر ، فبإمكانك أن تعيد العد من رقم (1) . لكن إذا شعرت ( وهذا يحدث بندرة ) أن طفلك يتحايل عليك لتمضي نصف ساعة ثم يقوم بخطأ لتعيد العد ، فعندها اقلب عليه الطاولة وأكمل العد بدلاً من إعادته .

س5/ هل يمكن استخدام الكرسي للوقت المستقطع بدلاً من الحبس في الحجرة ؟

ج/ بإمكانك استخدام الدرج أو الكرسي للوقت المستقطع ( لا تستخدم ركن الحجرة ) إذا ضمنت أن لا يتخذها الطفل لعبة .بعض الأطفال يجلسون على الكرسي ، ثم يبدؤون تدريجياً بالتملص والابتعاد عنه . إذا كنت متسامحاً مع الطفل وتشترط فقط اتصال الطفل بالكرسي فلا مشكلة ، إلا أن بعض الأطفال قد يقوم ويبتعد عن الكرسي فيظل الوالد حائراً ماذا يفعل .. هذه اللعبة ستخرب عملية التربية . لذا كان الأفضل أن يقضي الطفل الوقت المستقطع في حجرته بعيداً عن أي اتصال بصري بينه وبين الوالد مما قد يؤدي إلى الاستفزاز .

س6/ ماذا لو رفض الطفل البقاء في غرفته أثناء الوقت المستقطع ؟

ج/ العديد من الأطفال يبقون في حجراتهم أثناء الوقت المستقطع ولو لم يكن الباب مغلقاً ، إلا أن بعض الأطفال يخرجون ويدخلون . مع الأطفال الصغار جداً فالحل الوحيد أن تسد الباب  بجسمك فتمنعه من الخروج أو أن تمسك بالباب مغلقاً ، وبعد عدة عقوبات من هذه النوعية سيفهم الطفل أنه لا ينبغي له أن يخرج أثناء العقوبة ، إلا أن هذه الاستراتيجية لن تكون مجدية إذا ما دخلت حرباً مع الطفل بسبب الباب .

هناك خيار آخر وهو أن تعيد الوقت المستقطع من جديد في كل مرة يخرج فيها الطفل من حجرته قبل انتهاء الوقت ، وبعض الآباء قد يضاعفون الوقت المستقطع في المرة الثانية ، وهذه الطريقة لن تجدي بالطبع مع أطفال السنتين والثلاث لعدم قوة فهمهم وإدراكهم ، ولكنه قد تجدي مع الكبار نسبياً .. أشرح لهم مرة ثم ابدأ .

ومع ذلك فإن بعض الأطفال يكونون ثائرين جداً ومهتاجين فيظلون يخرجون ويدخلون بشكل يوحي بحاجتهم لإعطائهم وقتاً مستقطعاً مكوناً من آلاف الدقائق ، فماذا عليك أن تفعل ؟

هناك عدة خيارات : بعض الآباء يقصون الباب إلى قسمين : علوي وسفلي ، فيغلقون الجزء السفلي ويبقون الجزء العلوي مفتوحاً أثناء الوقت المستقطع . قد تظن أن هذا فعل متطرف بعض الشيء ، ولكن بعض الأطفال يحتاجون إلى تعامل متطرف ، ورفيق في الوقت ذاته .

يمكنك كذلك وضع غطاء بلاستيكي على مقبض الباب لئلا يتمكن  الطفل من فتحه أثناء الوقت المستقطع .

قد يكون إيصاد الباب بالمفتاح فكرة طيبة خاصة لمن كان يعاني من تلك النوعية من الأطفال إلا أن بعض الآباء قد يقلقون من ذلك ويخشون أن يسبب ذلك للطفل فوبيا من الأماكن المغلقة . فكر إذن في أن تخبر طفلك بأنك ستبقي الباب مفتوحاً طالما مكث في غرفته أو موارباً بعض الشيء ، ولكنه حالما يخرج من حجرته فستغلق الباب حتى انتهاء المدة .

الفكرة الرئيسية هي أن بعض الأطفال بما فيهم أولئك المصابين بمتلازمة فرط الحركة وتشتت الانتباه سيحاولون الخروج من الحجرة مراراً وتكراراً  ، وإغلاق الباب بطريقة أو بأخرى يغدو مهماً جداً ، ولن تؤتي التربية السحرية ثمارها إذا كنت ستطارد الطفل لتعيده إلى الحجرة في كل مرة يخرج فيها ، لذا كان يجب على الطفل أن يدرك أن الباب عبارة عن حاجز يمنعه من الخروج لوقت قصير . حالما يدرك الطفل أنه ممنوع من  الخروج فإنه سيتوقف عن غضبه ويقبل باستسلام الخلود إلى فترة قصيرة من الهدوء .

لا تنس أن مدة الوقت المستقطع هي دقيقة لكل سنة عمرية  ، وتذكر أن لا تطيل مدة الوقت المستقطع فقط لأنك في مزاج سيء وتريد أن تنعم ببعض الهدوء ، لكن يمكنك فعل ذلك إذا قام الطفل بتصرف سيء فعلاً وذلك بشكل استثنائي .

س7/ ماذا لو قابل طفلك عدك بعد مماثل ؟

ج/ طفل الخامسة ينوح لأنك رفضت أن تعطيه بعض المثلجات في يوم صيفي قائظ فتنظر إليه وتقول : (1) ، فينظر إليك الطفل ويقول : (1) لك أنت أيضاً . ماذا عليك أن تفعل تجاه هذه الثورة المفاجئة . لا يملك الطفل الحق أن يعد لأي أحد إلا إذا أعطيته الصلاحية لذلك . فإذا فعل ابنك ذلك معك فعليك أن تنظر : إن كان فعل ذلك من باب المزاح أو المداعبة فبإمكانك تجاهله . وإن كنت ترى أنه فعل ذلك لقلة أدب أو احترام فببساطة أكمل العدة دون أن تتفوه بكلمة ، فقط ارفع أصبعين . إذا أكمل طفلك الاستهزاء وقلدك ، عندها يكون وصل إلى (3) وبدأ الوقت المستقطع . كرر ذلك كلما احتجت إليه .

التدوينة القادمة : تتمة الأسئلة الشائعة .

Read Full Post »

حين كان كباري الثلاثة صغاراً كنت دائما أتلقى الأسئلة والاستشارات في كيفية جعلهم مثقفين !

ترددت كثيراً في كتابة هذه التدوينة إذ أن للدكتور عبد الكريم بكار كتاباً في كيف يصبح ابنك قارئاً ، ثم فكرت أنه لو اقتصر كل فرد على الكتابة فيما لم يكتب غيره لانتهت المواضيع منذ قرون ، ولم يكتب أحد شيئاً .

لذا فقد تشجعت من جديد في تدوين ما يخطر ببالي وبناء على تجاربي الشخصية في كيفية تعديل سلوك الطفل الثقافي خاصة وأن بعض المحبين ممن يحسن الظن بي في تويتر طلب مني ذكر تجاربي مع أولادي في هذا الشأن بالذات .

فإذا أردت تعزيز سلوك القراءة عند طفلك فالنقاط التالية قد تساعدك :

1-              معرفة أهمية القراءة ، فمن لا يعرف هذه الأهمية فلن يكون حريصاً على تنشئة أطفاله عليها . القراءة تنمي الفكر وتصقل مهارة التعبير ، وتحسن الإملاء وتقوم اللسان وتشغل الوقت بما هو مفيد وبذلك تكون ضربت صفاً كاملاً من العصافير بكتاب واحد ، فينشأ الطفل في الغالب متقناً لمادة القراءة والإملاء والقواعد والعلوم والتاريخ والجغرافيا والدين ( حسب نوعية القراءة ) .

2-              إبعاد المُشغِلات عن البيت ، وأعني بها كل ما قد يشغل الطفل عن القراءة لشدة إمتاعه كالتلفزيون والكمبيوتر . كثيراً ما كانت تسألني الأمهات كيف أفلحت في تحبيب القراءة لأولادي ، فكنت أجيبهم دائماً : لم يكن عندهم حل آخر . حين كان خالد وسهل وفاطم صغاراً لم نكن نملك تلفزيوناً ، وكان أبوهم يسميه : مفسديون . كان الصغار يلعبون بكمبيوتر صخر في البداية ثم سوبر نينتندو، ولم نزل نتدرج في هذه المجموعة دون أن نخرق القاعدة التي وضعتها لهم : اللعب في عطلة الأسبوع فقط . وباقي الوقت كان لفعل أي شيء آخر بعيداً عن الشاشات .كانت هذه قاعدة لا تقبل النقاش ، والطفل إذا ما اعتاد على روتين معين لأي شيء فإن هذا من أعظم ما يمكن أن يريح الأم . ولهذا فقد نشأ أولادي بفضل الله تعالى متفوقين في دراستهم ، متفوقين في التحفيظ وقارئين جيدين ، ببساطة لأنه لم يكن عندهم اختيارآخر ، خاصة وأن اللعب في الشارع كان ممنوعاً ، وكنا نعيش في غربة بعيداً عن الأهل .

3-              شراء مكتبة خاصة بهم ووضعها في حجرتهم أو قريباً منها ، وإمداد هذه المكتبة بين الحين والآخر بقصص مختلفة . كنت لا أتأخر عن شراء أي قصة مناسبة لهم ، وكنت أدفع مبالغ كبيرة لكتبهم قد تصل أحياناً إلى 800 ريال في معارض الكتاب أو المكتبات الكبيرة ، وأذكر أني اشتريت موسوعة ” الباب المفتوح ” المكونة من 13 مجلد بألف ريال مرتين  ، مرة للثلاثي الأول ( خالد وسهل وفاطمة ) ومرة أخرى للثلاثي الثاني (عبد الرحمن وعبد الله ولطيفة ) . إلى الآن بإمكان خالد وفاطم تسميع بعض المقاطع في هذه الموسوعة الرائعة والتي لا أدري لم لا نجدها في الأسواق والمكتبات السعودية . في مكتبة أولادي كنت تجد القصص الإسلامية والألغاز المصرية ومجلات ميكي وماجد وباسم وسنان ، والموسوعات المختلفة بكميات كبيرة ، فإذا رجعنا إلى النقطة السابقة وهي عدم السماح لهم باللعب بالكمبيوتر عرفت متى كان يقرأ أولادي كل هذه الكتب .

4-              التحدث مع الأطفال بلغة الكبار : لم أكن أحب أبداً أن أخاطب الطفل منذ أن يعقل الخطاب بكلمات الأطفال :  تأكل أم ( بتفخيم الميم ) ، اجلس تتّو ، اوقف هوبّا .. كنت أشعر أن هذا قتل للغتهم ، فكنت أحادث طفل الرابعة كما أحادث طفل العاشرة ، واقرأ لهم القصص بلغة فصحى مبسطة  ، فنشأت لغة أولادي ( الكبار على الأقل) بفضل الله سليمة وسلسة ، وأذكر أن أحد أخواني سمعني وأنا أشرح لخالد عن شيء سألني عن معناه وكان في الرابعة الابتدائية ، فقلت ضمن ما قلت : حين يتغلغل الشيء في نفسك . فضحك أخي وقال : ( مرة حيفهم يتغلغل ) ، فقلت له : يفهمها ، واستدرت لخالد وقلت له : اشرحها . فشرحها لأخي وكأني أرى الآن دهشة أخي أمام ناظري .

5-              لا تساعد طفلك في شرح كل كلمة مبهمة : أحياناً تصادف الأطفال أثناء قراءاتهم بعض الكلمات الغريبة التي لا يعرفون معناها وقد يسألونك عنها ، فلا تجبهم مباشرة ، واجعلهم يفهمون معناها من سياق الجملة ، فهذا أدعى إلى ترسيخها في الذهن وتعويدهم الاعتماد على النفس بدلاً من الاعتماد عليك .

6-              جعل الكتاب هدية : حينما كنت صغيرة كانت أجمل الهدايا التي يمكن لي تلقيها : القصص والكتب . كانت هديتي من أمي إذا نجحت بتفوق في الفصل الدراسي مجلد لولو ، أو مجموعة من قصص المكتبة الخضراء ، أو ربما بعض الألغاز المصرية التي كنت أقضي فيها ساعات طويلة في متعة تفوق الوصف . صار الكتاب مرتبط في ذهني بالنجاحات والمتعة ، ففي الحين الذي كانت قريناتي يفرحن بالعرائس وأدوات المطبخ كهدايا ، كنت أطير إذا ما تلقيت مجموعة من القصص الجديدة التي تغذي خيالي وتجعلني أفخر على صديقاتي بمعلومات لا يعرفنها .

7-              اصطحاب الأطفال في نزهة مرة في الشهر على الأقل للمكتبة لاختيار ما يحبونه من كتب ودفاتر تلوين وكتب للأنشطة ، وتعويدهم على محبة المكتبة واعتبارها نزهة ممتعة بنفس إمتاع الملاهي أو الزيارات .

8-              شراء نسختين من القصص الجميلة التي لقيت قبولاً عند الأطفال ، لأن الكتب عرضة للضياع أو التمزق وقد لا تجدها مرة ثانية ، فكنت أشتري من الكتاب الواحد نسختين أو ثلاثاً أحياناً وأخبئها عندي للجيل الجديد ، والآن تقرأ لطيفة ذات العشرة سنوات ما قرأه خالد وسهل وفاطم من قبلها .

9-              تنويع مصادر الثقافة .. في الزمان الأول كان الكتاب هو المصدر الوحيد تقريباً للحصول على الثقافة المطلوبة ، والآن تنوعت المصادر فكان من المفيد عرض هذه المصادر عليه : الانترنت الآمن ، القنوات التلفزيونية الهادفة ، الأقراص المدمجة المفيدة ، تطبيقات الأيفون والأيباد النافعة .

10-         تثقيف النفس ، فالطفل إذا توسعت مداركه وكثرت قراءته تكثر أسئلته ، وفي سن الطفولة فمن المفترض أن يكون الوالدان أعلم الناس في نفس الطفل لضمان وصول المعلومة بالطريقة الصحيحة ، وهذا يقتضي الحصول على أكبر قدر ممكن من الثقافة والإطلاع ، ولا أحصي عدد المرات التي كنت أتناقش فيها مع أولادي حينما كانوا في الابتدائية في مسائل فقهية وتاريخية وعقدية أحياناً ، وأكرر أن الطفل إذا لم يجد ما يفعله إلا القراءة مع توفر المواد المقروءة الجيدة المناسبة لسنه وهواياته فإنه سيلجأ إليها حتماً.

هذا ما تسنى لي جمعه من زوايا الذاكرة ، أرجو أن تفيد أحداً ، وحسبكم أنها مجربة وقد نفعت كثيراً بفضل الله .

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: