Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الأبناء’

 في شهر ذي القعدة من عام 1430 هـــ تم اكتشافي لمرض السرطان .

هل أكذب إذا ما قلت أنها كانت فاجعة بالنسبة لي ؟ حسناً لن أكذب .. لم تكن فاجعة !

كنت متبنية نظرية ( هذا يحدث للآخرين فقط ) وبشدة .

تعرفون هذه النظرية ؟ علمني إياها الكاتب المبدع أحمد خالد توفيق .

كل المصائب لا تحدث لي أنا وإنما تحدث للآخرين فقط !

فكان اعتقادي حينما اكتشفت هذا الورم في ثديي أن هذا مجرد .. مجرد .. مجرد شيء ما وسيذهب ، لأني لا يمكن أن أُصاب بالسرطان فهذا يحدث لأم عبد العزيز وأم سعيد ( الكبار في السن ) أما أم خالد الشابة الأربعينية فلا !

بطبعي أحب الأحداث الجديدة ” المثيرة ” : أحب الولادة ، أحب جو الاختبارات ، أحب السفر ( بالتأكيد) ، فكان التشخيص المبدئي في مستشفى الملك فهد بالمدينة مثيراً ، تلاه حوادث مثيرة أخرى من السفر إلى الجدة وتلقي الفحوصات في مستشفى الملك خالد ( الحرس الوطني ) والاهتمام من الأهل والصديقات .

أحسست في تلك الفترة بحنين للإمساك بالقلم وكتابة كل هذه المشاعر الدفاقة التي انهالت علي ، وأنا التي تركت الكتابة رسمياً منذ سن التاسعة عشر ، إلا محاولات مختبئة أكتبها عندما تتأجج مشاعري في غضب أو حزن لأي سبب كان ؛ تنسكب في ” ثورة عاطفية ” – كما كنت أسميها – على الورق ثم أعود فألملمها وأجعلها حبيسة الأدراج لأجتر قراءتها حينما يجتاحني “مود الحزن ” .

لذا فقد قررت إنشاء مدونة أسميتها ” الحياة الجديدة ” ، كنت أكتب فيها يومياتي مع مشاعري ، مع الفحوصات ، مع أهلي وصديقاتي ، قصدت منها أن أفرغ طاقاتي الانفعالية وأسجل هذه اليوميات للتاريخ ولمن يود أن يعرف كيف يشعر مريض السرطان ..

تعرفون ، ليس من السهل أبداً أن تتقدم لمريض سرطان وتسأله بوجه بارد والفضول يكاد يقتلك : كيف تشعر وأنت مريض ، وربما تموت ؟

حسناً ، ها أنا ذا قدمت لك الفرصة في طبق اليكتروني !

مرت الأيام وأنا أكتب ، وكنت أشعر بسعادة غامرة حين أتلقى التعليقات من شتى أنحاء المملكة : من المدينة ، من الشرقية ، من ينبع ، من الرياض ومن أمريكا أحياناً .

لا أحصي كم من المرات كنت أدخل على المدونة فقط لأقرأ التعليقات المبهجة الكثيرة التي تمدني بالتشجيع والمواساة ، حتى بدأت في جلسات الكيماوي ، وانقطعت عن العالم تقريباً .

تناولت أربع جلسات من مركب AC والذي تسميه ” العارفات ” بالشأن : الأحمر ! نظراً للون الأحمر الذي يميز أحد الدوائين اللذين يتركب منهما . كانت السمة الغالبة على آثار هذا المركب : الغثيان !

اجمع كل الغثيان لجميع الحوامل اللواتي تعرفهم وضعه في شخص واحد وتخيل ما الذي يشعر به ؟

هل تصدق أني لا أزال أُصاب بالغثيان كلما دخلت مركز الأميرة نورة للأورام في مستشفى الحرس ؟ ويزيد الغثيان إذا ما شممت رائحة القهوة تنبعث من أحد المقاهي الصغيرة المتناثرة . بل هل تصدق أني أكتب هذه الأسطر الآن – وقد انقضت سنة ونصف منذ آخر جلسة كيماوي تلقيتها- والغثيان يداعب مؤخرة حلقي ، فقط لأجل السيرة ؟

ثم أجريت عملية استئصال الثدي المصاب وخمس وعشرين من الغدد الليمفاوية والتي اتضح إصابة اثنين منها بالمرض ، وحدثت أمور مضحكة وأخرى محزنة في هذه الفترة ، واشتدت حاجتي للكتابة .

كنت أشعر أني بحاجة لأكتب ويثني على ما أكتبه أحد .

كنت أشعر أني بحاجة إلى دعم قوي .

لم يعد يكفيني أن يحيطني أهلي وصديقاتي بالحب ، خاصة وأني كنت في جدة ، والكثير منهم في المدينة .

شعرت بأني أحتاج للمزيد من الاهتمام و الثناء ، فقد كنت أمر في هذه الآونة تماماً بمشاكل زوجية عاصفة .

أحسست أني أنسحب تدريجياً من الحياة . وعلى الرغم من نفسيتي المتفائلة إلا أن المشاكل إضافة إلى آثار الكيماوي المسببة للاكتئاب ، وحزن الاستئصال كلها كانت تشعرني أحياناً باليأس والرغبة في الموت .

وفي يوم حادثتني إحدى الصديقات الطبيبات ورجتني رجاء حاراً أن أكتب قصتي وأطعّمها ببعض المعلومات الطبية والتي استفدتها من تصفحي للمواقع الأمريكية المعتمدة بحثاً عن المعلومة الشافية .

عندئذ ، أضاءت لمبة فوق رأسي ورجعت إلى المدونة التي أغلقتها مؤقتاً فنسخت محتوياتها في ملف وورد ، ثم حذفتها آسفة متحسرة على كل التعليقات التي طارت أدراج الرياح ، ثم صرت أحاول استعادة الذكريات والمشاعر بل وحتى الروائح والطعوم وأدوّن كل ذلك حتى تعادلت الأزمنة ووصلت فعلياً وكتابياً إلى مرحلة جلسات الكيماوي الثانية التي تلت العملية من عقار  Taxotere المدمر . ولن أصف لكم ماذا كان يصنع لأن هذا ستجدونه في الكتاب ، وقد تجد بعضاً منه في تدوينة جداري قبل سنة (2).

كنت أدوّن مشاعري بدقة ، ومن يقرأ الكتاب سيلحظ ذلك ، وكنت كلما شعرت بانهيار نفسي وعاطفي وأحسست بفقدان الرغبة في الحياة فكرت في مدى استفادة الناس من هذا الكتاب لو قدر الله خروجه ، فكان يعطيني دفعة قوية إلى درجة أني كنت أدعو الله أن يعافيني لأرى بعيني أصداء الكتاب في المجتمع .

وفي إحدى أيام العلاج الإشعاعي لمحت شريطاً جميلاً بنفسجي اللون لُفّت به الهدية الجماعية التي قدمتها لي بنات أخواني في العيد فطرأت على ذهني فكرة صورة ، ونفذتها على الفور : بحثت عن شريط مشابه وردي وكليك كليك ، تمت الصورة ، واحتفظت بها على أن أستعملها فيما بعد كغلاف لكتابي المنتظر .

الآن كل شيء جاهز : الكتاب ، الغلاف ، وبقيت دار النشر ، فراجعنا مكتبة العبيكان إلا أنه كالعادة – اللهم بارك – كان مزدحماً وأرشدنا إلى الحصول على الفسح الإعلامي قبل أن نفعل أي شيء .

سمعت في سبيل الحصول  على الفسح القصص الطوال ، وأن بعضهم استغرق حصوله على الفسح الشهر والشهرين ، فتوكلت على الله وذهبت مع خالد إلى المكتب المخصص لذلك تشيعني دعوات أمي الحارة ( الدعوات هي الحارة وليست أمي ) أن يوفقني الله .

دخلنا وقابلنا المسؤول عن هذا الشأن فطلب منا تعبئة استمارة في الدور السفلي .

كاد أن يسقط في يدي ، إذ أن آثار الكيماوي لم تختف بعد ، والمشي متعب بعض الشيء ، أضف إلى ذلك أني كنت أرتدي حذاء ( يطقطق ) عند المشي ، ولم أستسغ فكرة النزول للدور السفلي والمشي بهذا الحذاء “المطقطق”  فيعرف كل من في المبنى أن ثمة امرأة ( متقصوعة ) تتمشى في الردهات ، فتجمدت في مكاني لثوان يبدو أنها كانت كافية لينتبه الرجل أن التي أمامه هي ” خالة ” وليست امرأة ” متقصوعة “( على الأقل عرفنا فائدة من وراء هذه الخلخلة ) .

 فقال : ” والا أقول لكم ، تعالوا هنا ” ، وأدخلنا إلى حجرة جانبية وأعطاني الاستمارة المطلوب تعبئتها ، وكما يقول الفرنسيون : voila  فوالا !

انتهيت من الأمر وطلبوا منا مراجعتهم بعد يومين .

يومان ؟ ألم يقل الناس : شهرين ؟ فقال الرجل : أليست مذكرات ؟ وتصفح مذكرة الكتاب سريعا ، وقال : مادام ليس فيها شيء ممنوع فلن تستغرق أكثر من يومين .

رجعت إلى البيت وأنا في فرح شديد ، وقبلت يدي أمي والتي كان دعاؤها ولا شك سبب تسهيل مهمتي .

دق جوالي بعد وصولي بعشر دقائق فإذا به ذاك الرجل المسؤول ، دمث الأخلاق يخبرني أن فسح الكتاب قد صدر وعليّ أن أرسل أحداً الآن ليستلمه .

احتجت أن أسأله مرتين عما قال لأتأكد من صحة ما سمعت .. جئتك قبل نصف ساعة ، وصدر الفسح أثناء رجوعي إلى البيت ؟

يا الله ، كم هو كريم ربنا . كم يحب إسعاد عباده ، ولكننا قلما ننظر إلى نعم الله ولا نفلح غالباً إلا في تصيد البلااءات والمحن .

ليتنا كنا متصيدين للنعم كذلك ، فقط لإحداث بعض التوازن في حياتنا .

وبعد ذلك تم التعاقد على دار وجوه – وهي الدار الوحيدة التي رد عليّ أحد موظفيها بالهاتف – على طباعة كتابي ، وللحق ألفيتهم حسني التعامل مع العملاء وعندهم الكثير من المرونة ، وأسعارهم معقولة .

والآن ، ها أنا ذا أحصد ثمار ما زرعته منذ ما يقارب السنتين ، وإنه لعمر الله حصاد طيب المذاق ، أسأل الله أن يهبني خيره ويكفيني شره .

أشكر كل من قرأ المدونة الأولى وشجعني ، ومن تابع هذه المدونة وتفاعل معي وأثنى علي ، فلكم الفضل بعد الله في تشجيعي على إقدامي على هذه الخطوة ، والتي ما ظننت أني سأقوم بها لو لم أتلق هذا الدعم .

أشكركم .. أشكركم ..

صفحة الكتاب في فيس بوك

يمكنكم الحصول على الكتاب بنسخته الالكترونية من متجر  سيبويه الجليس الرقمي

أسماء المنافذ التي يوجد فيها الكتاب

Read Full Post »

تعلمنا في التغريدات السابقة ماذا عليك ألا تفعله إذا ما واجهت سلوكاً ذميماً من طفلك ، وسنتعلم اليوم ما الذي عليك أن تفعله تجاه ذلك الأمر . عليك أن تستخدم أسلوب العد .

المدهش أن أسلوب العد أسلوب بسيط ولكنه فعال ، إلا أن عليك أن تتعلمه جيداً .

في البداية عليك أن تضع أمرين في الحسبان :

1- أن استعمال أسلوب العد يكون لسلوك التوقف ( السلوك الذميم ) ، وبالتالي فإنك ستستعمله لإيقاف النواح والجدال ومشاكسة الآخرين , والمشادة ، ولن تستعمله لإخراج الطفل من فراشه صباحاً ولا لدفعه لكتابة الواجبات ولا لتناول طعامه .

2- بعد أن تتعلم طريقة العد في التربية السحرية قد تغدو مرتاباً في صلاحية هذه الطريقة خاصة بعد أن تكتشف سهولتها وأنها ليست بالعنف الذي تتوقعه، وقد تفكر : أنت لا تعرف ابني جيداً ، إنه “حيوان”. لك الحق أن تكون مرتاباً ، ولكن الأمر ليس سهلاً دائماً كما تتوقع .ليس العد هو “السحر” في التربية السحرية ، وإنما ما يبدو أنه “سحري” هو نزوعك لعدم الكلام وعدم الانفعال الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة ؛ أن تتبع القاعدتين اللتين تجعلان الطفل يتحدث ويتصرف متحملاً مسؤولية أعماله وأقواله .

المدخل إلى أسلوب العد :

تخيل أن عندك طفلاً في الرابعة ( بعضكم لن يحتاج إلى التخيل !) وليكن أحمد ، وهو الآن يمر بنوبة غضب عارمة في الواحدة والنصف وأنت مشغولة بإعداد الغداء في المطبخ لأنك – وبكل قساوة قلب- رفضت إعطاءه كيساً من البطاطس الشيبس لاقتراب موعد الغداء . فصار يخبط رأسه في الأرض ، يرفس أبواب الدواليب في المطبخ ويصرخ كما لو قُتل أحد أبويه .

أنت متأكدة أن كل جيران الحي يسمعون صوته ، ومحتارة كيف تصنعين . طبيب الأطفال يخبرك أن تتركيه يصرخ حتى يتوقف ، ووالدتك ترشدك لرش الماء على وجهه ، وزوجك يطلب منك – ببساطة – أن تضربيه .

ولا أي من ردود الأفعال هذه مجدٍ أو مرضي . بدلاً من ذلك ، فإنك ستكتفي بأن ترفعي أصبعك وتنظري إلى هذا الشيطان الصغير وتقولي بهدوء : “واحد! ” . لكنه لا يهتم ، إذ أن الغضب يعميه عن فهم أي شيء فسيستمر في نوبة الغضب ، بعد خمس ثوان ترفعين أصبعاً ثانياً وتقولين : “اثنان !” ، فقط دون المزيد من الكلام .

ولكنك تحصلين على نفس النتيجة التعيسة ويستمر الغضب ، وبعد خمس ثوان أخرى ترفعين أصبعاً ثالثاً وتقولين : “ثلاثة ، ستعاقب” !

ماذا يعني ذلك ؟ هذا يعني أن ابنك أعطي فرصتين لتصحيح سلوكه ولكنه أضاعهما برعونته لذا وجب أن يواجه عاقبة فعله . هذه العاقبة يمكن أن تكون وقت مستقطع time out في بقعة معينة من البيت ( بمعدل دقيقة مقابل كل سنة من عمره ) وهي عقوبة جيدة إذا قُدمت من قِبل أب غير غاضب ، أو بديل للوقت المستقطع وسنذكر هذه البدائل في نهاية التدوينة .

لنكمل تخيل ما سيحدث لو أنك اخترت إيقاع عقوبة الوقت المستقطع على أحمد ، ستأخذه و( تحبسه) لمدة خمس دقائق ، وبعد أن ينتهي منه ماذا سيحدث ؟ لا شيء . لا كلام ولا عواطف ولا اعتذارات ولا محاضرات ولا نقاشات وتبريرات . لا كلام إلا إذا احتاج الأمر إلى ذلك .

لا تقولي مثلاً : حتصير ولد شاطر دحين ؟شفت كيف زعلت ماما ؟ ليش كل مرة لازم تسوي كدة ؟ أختك ما تسوي زيك ليش أنت تسوي كدة ؟

كل هذا ينبغي ألا يقال . فقط ابقي صامتة . إذا أحسن الطفل فامدحيه واثن عليه واستمتعي بصحبته ، وإذا أخطأ مرة ثانية فعدي مرة أخرى .

الذي سيحدث وفي فترة وجيزة : سيكون يمقدورك التحكم بسلوك الطفل عند : واحد ، أو اثنين . ونعدك أنك إذا استمريت على ذلك أنه سيكون بإمكانك إيقاف مشادة بين طفلين في حجرتهما وأنت في المطبخ فقط بمجرد إسماعهما صوتك تقولين : ” واحد! ” ، لن يكون هناك أي صراخ أو ضرب أو غضب من قبلك وستنفض المشادة فوراً . إذا حصل ذلك ، فستشعرين بالسعادة فعلاً .

بعض الآباء يقولون : إن طفلنا ينتظر حتى رقم 2 ثم يتوقف ، إنه يتلاعب بنا .

نقول : لا ، هذا ليس تلاعب ، لأن ما يثير حنق الآباء فعلاً ليس الوصول إلى “2” ، وإنما 45 أو 76 . فقط تذكر أن رقم “3” هو الفاصل .

سؤال : ماذا لو فعل الطفل شيئاً سيئاً للغاية لا أريد أن أنتظر أن يكرره إلى أن أصل إلى رقم ثلاثة ، كما لو قام بضربك مثلاً : فأنت لا تريده أن يستمر في ضربك أو شتمك حتى تصل إلى رقم ثلاثة فهذا حمق ، فإذا فعل ذلك ، فعليك أن تقول مباشرة : ” ثلاثة ! ستعاقب خمس دقائق في الحجرة ، وزيادة 15 دقيقة للعنف أو للسان المعفن ” .

بعد إتمام العقاب قد يكون من المفيد أن تشرح له سريعاً لم قمت بعقوبته ، فقط لو كان هذا الفعل جديداً عليه ولم يسبق له أن تفوه بهذه الكلمة أو ضربك من قبل ، أو كان السلوك غريباً أو خطيراً . أما لو كان يفعل ذلك فإن عليك أن تعاقبه بدون أي شرح .. أكرر بدون أي شرح ولا كلام .

الجزء الصعب في هذه التقنية :

90% من الحالات ينسى الآباء قاعدة : لا كلام ، لا انفعال . في حادثة أحمد والشيبس هذا ما سيحصل لو أن أمه نست القاعدة ، وهذا ما يفعله الأغلبية الذي يشتكون عدم جدوى الطريقة :

” واحد! هيا ، لقد تعبت من ذلك ، لماذا لا تتصرف جيداً . انظر إليّ وأنا أكلمك . طييب ، اثنان ! بقيت لك فرصة واحدة وستذهب إلى حجرتك .هل تسمعني ؟أنا تعبت من كل هذا العويل والمضاربة في كل مرة ، وكل مرة أخبرك أنك لا يمكن أن تأخذ شيبس قبل الغداء ، أختك لا تفعل ذلك أبداً . أبوك سيحضر الآن وسيجدك تبكي ولم أنته من صنع الغداء ، ليش دايماً تسوي إزعاج وقت الغداء . خلاص .. ثلاثة! ستعاقب خمس دقائق في الحجرة . اسكت ، انقلع يللا “.

ما هذا ؟ هذه نوبة غضب أبوية . الآن عندنا نوبتا غضب في نفس المطبخ . ردة فعل الأم هنا ليست من التربية السحرية في شيء .

ماذا كان الخطأ هنا ؟

أولاً : هل تراه مناسباً أن تتحدث إلى الطفل بهذه الصورة ؟ إذا كنت تتواصل بهذه الطريقة مع الطفل فإن الرسالة التي توصلها إليه هي : دعنا نتضارب ! وفي الحقيقة فإن هناك الكثير من الأطفال الذين يفضلون أن تقطع يدهم اليسرى على أن يخسروا مشادة لفظية ممتازة . إن النزوع إلى التحدث بطريقة جدلية أو إقناعية غير حكيمة كفيل بأن تشتت تركيز الطفل بعيداً عن التربية الحسنة ، وبدلاً من ذلك فإنه سيتوق إلى أي جدال مليء بالمتعة والحيوية .

أضف إلى ذلك فإن كثيراً من الأطفال يعانون بالفعل من صعوبات في التركيز ، فكيف لطفل مثل ذلك أن يلتقط الجزء المهم في خضم الكم الهائل من الكلمات التي نثرتها عليه ، وهذا الجزء المهم هو العد ؟ لا يستطيع الطفل أن يتجاوب مع التهديد إذا لم يسمعه جيداً منذ البداية .

أمر ثالث يتعلق بخرق قاعدة : لا تتكلم ، لا تنفعل ؛ أنه كلما تحدث الأب أكثر فإن الرسالة الأساسية تتغير . حينما يعطي الأب تبريراً خلف تبرير للطفل ليحسن التصرف فإن الرسالة الحقيقية تصبح : لست مضطراً للتصرف بشكل حسن إلا إذا أعطيتك لذلك خمس أو ست أسباب جيدة ، وأرجو أن تقتنع بأسبابي !

هذه ليست تربية ! هذا توسل ! الذي سيحصل أن الطفل سيرد تبريراتك : سندس لا تستمع دائماً لكلامك ، أبي لن يرجع الآن ، لم أفعل هكذا البارحة ، وستتركين التربية وتظلين تناقشينه حتى ينسى الموضوع الأصلي .

ما هو الموضوع الأصلي ؟ الموضوع الأصلي : هل الطفل يتصرف بشكل حسن ؟

لذا فإذا أساء الطفل التصرف فعليك أن تقول : واحد! ( وعض على شفتيك لو اضطررت لذلك ) ، وإذا احتاج الأمر : اثنين! وهكذا . ليكن عدك صارماً ولكن باحترام ، وتذكر : ليس العد هو الذي يملك مفعولاً سحرياً ، وإنما تلك اللحظة الحاسمة بعد كل رقم والتي تحمل الكثير من الوعيد . عند العد ، فإن سكوتك بعد كل رقم يتكلم بصوت أعلى من صوتك .

لنقم بتمثيل مشهد الشيبس بطرق مختلفة وانظر كيفية تطبيق أسلوب العد وأثره :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

حتى الآن لا خطأ في هذه المحاورة ، لكن المشكلة أن بعض الأطفال لا يقتنعون بالسبب الذي قدمته الأم فيكملون

“طيب أنا أبغى !”

ما الذي يجب على الأم أن تفعله ؟ هي قد أعطت سبباً كافياً وواضحاً للرفض ، فهل عليها أن تعيد الإجابة ؟ هل تزخرفها ؟ هل تصمت ؟ هل توبخه ؟

لنعد هذا الوضع بمشاهد ثلاثة : الأول حين تكون الأم متبنية لنظرية الأطفال البالغين ، والثاني : حينما تتعلم الأم أسلوب العد ولكن الطفل لم يعتده بعد ، والثالث : حينما تتقن الأم الأسلوب ويعتاده الطفل .

المشهد الأول :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

” طيب أنا أبغى ” .

” قلت لك ، الغداء بعد شوية وما ينفع تأخذ ” .

” أنت عمرك ما تعطيني شيء ” .

“إيش الي ما أعطيك شيء ؟ مين الي يعمل لك الأكل ، مين الي يغسل ملابسك ، مين يساعدك في الواجبات ؟”

” أنت أعطيتي سندس شيبس قبل شوية “

” اسمع ، انت غير أختك ، ثم هي تأكل غداءها كله ” .

” أوعدك أني حآكل كل الغداء لو أعطيتني ” .

” كل الي آخذه منك وعود وعود وعود . أحمد ، أمس أعطيتك شوكولاتة صغيرة ولم تكمل غداءك “

” إذن سأقتل نفسي ثم أهرب من البيت ” .

” أحسن ، تريحني ! “

بإمكانك أن تضع يدك على الخطأ الذي حصل بمناقشة الأم لابنها الغاضب وكيف أن النقاش زاد الموضوع سوءاً .

المشهد الثاني :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

” طيب أنا أبغى ” .

” واحد! “

“إنت عمرك ما تعطيني شيء “

” اثنان ! “

” إذن سأقتل نفسي ثم اهرب من البيت ” .

” ثلاثة ! ستعاقب لمدة 5 دقائق ” .

الأم هنا أدت دوراً أفضل بكثير . الطفل البائس سيختفي لفترة مؤقتة في حجرته ، وتنتهي هذه الحلقة .

المشهد الثالث وقد اعتد الطفل على هذه الطريقة :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

” طيب أنا أبغى ” .

” واحد! “

” ( صمت ) أوف طيب ” . ويمضي خارجاً بتبرم .

مميزات أسلوب العد :

1-هذه الطريقة ستوفر عليك جهداً وأنفاساً كثيرة كنت ستبعثرها في الجدال مع الطفل . بإمكانك أن تعطي تبريراً أو أكثر للطفل إذا لزم الأمر وذلك إذا ما تضمنت المشكلة أمراً جديداً على الطفل ويحتاج لفهمه أو خطيراً عليه أن يتعلمه.

مثلاً : جاءت سندس وخلعت حذاءها وبدأت بالقفز على الكنبة . تنظر إليها وتقول ” واحد! ” فتقول : ماذا فعلت ؟

هل إعطاء السبب مجدٍ هنا ؟ نعم لأن هذا أمر جديد عليها ولا تعرف سبب العد ، فتخبرها أنك ممتن لأنها خلعت حذاءها لكن عليها ألا تقفز على الكنبة لئلا تقع أو لئلا تتضرر الكنبة .

متى يكون إعطاء السبب غير مجد ؟ إذا كررت هذه الفعلة بعد عدة ساعات : نظرت إليها وقلت :” واحد!” فتقول : ما ذا فعلت ؟ فتقول ” اثنان ” . هل كانت تستفهم بالفعل ، أو أنها كانت تجرك إلى حلبة النقاش ؟ حينما يستفهم لماذا تعد إذا ما ضرب أخاه فهل يحتاج لجواب ؟ أكثر من إعطاء التبريرات وستخرج عن دائرة التربية بالمرة .

2-إذا كنت مضطراً للتفاوض يومياً مع الطفل ليقوم بالأعمال المنوطة به فإن ذلك سيدفعك للجنون حتماً .الكثير من الآباء يعقدون مهمة الأبوة عن طريق محاولة أن يكونوا لطفاء جداً . بمعنى آخر ، يضعون لأنفسهم هدفين بدلاً من هدف واحد : الأول هو تربية أطفالهم ، والثاني :أن يحملوا أطفالهم على أن يحبوا هذه التربية . مثل تلك الأم في حادثة الشيبس ، تشرح وتشرح وتشرح لطفلها لم لا تعطيه الشيبس وكأنها تأمل أن ينظر إليها ويقول : ” أوه ، لم أفكر بهذه الطريقة يا ماما ، شكراً لك لاقتطاعك الوقت لتشرحي ذلك لي ، وأقدر فعلا ً جهودك في أن أكون طفلاً مؤدباً ومسؤولاً ” . لنكن واقعيين ، إن افتراضية الأطفال البالغين ستزيد الأمر سوءاً حينما يتطور الأمر للجدال.

3-أسلوب العد أسلوب قصير ولطيف ، إنه من الصعب على الأب أن يكون دائماً متعقلاً خاصة إذا كان غاضباً . رأيت أماً مرة ( يقول المؤلف ) أمسكت ( بزمارة رقبة ) ابنها ذي الأربعة سنوات لأنه رد عليها بسوء أدب . وأباً أشعل النار في عروسة ابنته بعد نقاش طويل حول أداء الواجبات المدرسية . ومع أن أغلب الآباء لن يصلوا إلى هذا المستوى المشين من التصرفات الخرقاء مع الأطفال إلا أن الكثير منهم لن يزالوا يستخدمون الشتم أو الضرب أو التحقير .

مع أسلوب العد في التربية السحرية فإن العقوبة ستكون مناسبة تماماً للجرم ومعقولة : فترة راحة ( حبس ) بمعدل دقيقة لكل سنة عمرية من حياة الطفل ، أو أحد البدائل للوقت المستقطع والتي سبق ذكرها .

ميزة الوقت المستقطع أو بدائله أنه عقوبات غير قاسية أو بلهاء ، كما أن الوقت المستقطع فرصة للجميع كي يهدأ .

مع هذا الأسلوب فإن غالب الأطفال يرجعون من الوقت المستقطع وقد نسوا الأمر برمته ، وليس مسموحاً لك بأي حال أن تعلق على ما حدث – ما لم يكن ضرورياً جداً – فإن ذلك سيسرع في صفاء النفوس من جديد .

بدائل أسلوب العد :

أحياناً لا تتمكن من استخدام الوقت المستقطع كعقاب ، ربما تكون مستعجلاً أو ربما أردت عقاباً أقوى فعندها يمكنك اللجوء على بدائل الوقت المستقطع :

الخلود إلى الفراش في وقت أبكر بربع ساعة النهوض من الفراش في وقت أبكر

الحرمان من Game Boy لمدة ساعتين الحرمان من Xbox بقية اليوم

الحرمان من الحلوى الحرمان من استخدام الهاتف

التكليف بأعمال سهلة كغسل حوض الحمام التكليف بنسخ قطعة من عدة أسطر

عدم التحدث معه لمدة ربع ساعة الحرمان من الأيبود التقليل من وقت الجلوس على الكمبيوتر

هذا الأمر يخضع لخيالك ، ولكن عليك أن تتذكر أن تكون منصفاً ومتعقلاً ، فإن هدفك هو تعليم الطفل لا الانتقام .

كما عليك أن تتذكر أن التعليقات الجانبية مثل “كان بإمكانك تفادي العقاب لو أنك أحسنت التصرف ” مرفوض تماماً .

 

في التدوينة القادمة سنناقش :

أسئلة شائعة تحتاج لإجابات .

Read Full Post »

” أمي ! أنت اليوم مو طبيعية !”

هكذا ألح علي عبد الرحمن وعبد الله .. لا أبدو طبيعية اليوم !

لماذا يا ترى ؟ أنا كذلك أشعر أني متضايقة ، ولكن ما عساه يكون السبب ؟

هممم ، دعوني أفكر في كل ما حصل لي منذ أن استيقظت ..

حسنٌ . ترجمت تدوينة اليوم ، راجعت درس السند ، مشيت للحديقة المجاورة مع البنات ـ وأؤكد لكم أني استمتعت كثيراً ، أجبت على أسئلة اللقاء الانترنتي الذي أجراه معي نادي السرطان التطوعي بمناسبة صدور كتابي .

ما المشكلة إذن ؟

أهاا . أعتقد أني عرفت .

اتصل بي سهل اليوم وأخبرني أن موعد سفره إلى الولايات المتحدة سيكون بعد 20يوم تقريباً  لدراسة الماجستير .

تذكرون تلك التدوينة التي كتبتها في اليوم الذي غادر فيه بيتي لأول مرة ؟

كان اسمها : رحلة إلى عالم النسيان .

قلت فيها لعل خروجه هذا تمهيد من الرب الرحيم للبعثة ، وهاهي الأيام تمر ، وتمضي سبعة أشهر منذ أن غادر سهل البيت  .

في هذه الأشهر السبعة تعلمنا كيف نعيش بدون سهل ، رجل المهام الصعبة .

ما كنت أراه إلا كل 3 أسابيع مثلا ، ويحادثني بين الحين والآخر ، وهذا كل شيء .

الآن سيغادر البلد بأكملها ولن أراه إلا بعد سنة تقريباً .

هل تدركون كم هو صعب أن يغادر الابن البلاد ولا تراه أمه إلا بعد سنة ؟

لطالما أمضى أطفالي أيامهم عندي ، ولم يتركوني إلا بعد سن الجامعة في رحلات قصيرة جداً .

كنت دائماً أحب وجودهم معي على الرغم من الإزعاج الشديد الذي يسببونه لي ، ولكني معهم عرفت معنى : هم دمي ولحمي .

الآن دمي ولحمي سيتركني إلى بلد غريب وجو غريب ولغة غريبة .

أدرك أنه غدا رجلاً يستطيع الاعتماد على نفسه ، ولكن أين قرأت أن الرجل يظل طفلاً في عين أمه ؟

سفره بالنسبة لي كسفر شمس ، كلاهما سواء .

شمس الصغيرة تدخل حجرة الأولاد أحياناً وتنظر إلى سريره الفارغ وتقول بلهجة باكية : أمي ، وحشني سهل !

فأتجلد وأقول سنراه قريباً في جدة إن شاء الله .

الآن ، وبعدما يغادر ماذا عساني أن أقول لها ؟

طيب يا هناء ، لم أنت حزينة ؟

حزينة أنا لأني بشر ؛ أخاف على ابني وأفتقده ..

 أفتقد يوم أن كان صغيراً يلعب حولي ويلتصق بي .

أفتقد لثغته في حرف الراء ورقته .

أفتقد براءته المتناهية وأفكاره الجهنمية .

أفتقد مراهقته الهادئة إذ كان له من اسمه نصيب عظيم .

أفتقد بره بي و تحمله لثورات غضبي بدون أن ينبس بحرف .

هذا بلاء جديد ، ولاشك !

مرت به أمهات كثيرات وصبرن وعاد لهن أبناؤهن بالبشرى ، وهاهو اليوم دوري .

ثق يا بني أني لن أفتأ أدعو لك ان يوفقك الله ويحفظك من كل سوء ويردك لي سالماً غانماً .

اللهم رافع السموات بغير عمد ، أفرغ عليّ صبراً ورضني بقضائك ، واخلف لي خيراً .

Read Full Post »

( هذا الكتاب مخصص للفئة العمرية بين 2-12 سنة )

قد يتبرم البعض من هذه المقدمات الطويلة التي تسبق التربية السحرية الفعلية ، ولكني أذكرهم هنا بأهمية هذه المقدمات لأنها تسلط ضوءاً ساطعاً حول حقائق يغفل عنها الآباء ويترتب عليها نجاح أو فشل تقنيات التربية السحرية ، لذا وجب وضعها بعين الاعتبار والاهتمام بها .

نظرية الأطفال البالغين :

هناك فكرة ملحة ومقلقة يحملها الآباء و المدرسون في عقولهم عن الأطفال تسمى ” نظرية الأطفال البالغين “.

 هذه الفكرة الساذجة لا تؤدي فقط إلى فشل التربية وإنما أيضاً إلى حدوث المشاهد العاصفة والتي قد تتضمن أذية الطفل child abuse  ( قلت : وهي جريمة يعاقب عليها القانون الأمريكي بصرامة ) .

فكرة نظرية الأطفال البالغين تتلخص في الاعتقاد بأن الطفل يمتلك قلباً من ذهب وأنه مخلوق عاقل وغير أناني ، باختصار هو نسخة مصغرة عن البالغين ، وعلى هذا فكلما يخطئ الطفل فإن سبب ذلك أنه لا يمتلك المعلومات الكافية في رأسه والتي تجعله يتخذ التصرفات الصحيحة ، والحل ببساطة هو إعطاؤه الحقائق الكافية .

مثال لهذه النظرية :  تخيل أنه في الساعة الثانية ظهراً قامت سندس 7سنوات بضرب أحمد 4سنوات  للمرة العشرين منذ أن رجعا من المدرسة فماذا ستفعل ؟

لو كنت تفترض أن طفلتك هي بالغة صغيرة فإنك ستجلسها وتنظر في عينيها وتحدثها عن الأسباب الذهبية الثلاثة التي لا ينبغي لأجلها أن تضرب أخاها ؛ أولاً : أن هذا يؤلمه ، ثانياً : أن هذا يجعلك غاضب منها ، وثالثاً- وهو الأهم – ماذا ستشعر لو أن أخاها سامي 10 سنوات فعل معها الشيء ذاته ؟

الآن تخيل بعد كل هذا الشرح ، ستنظر إليك طفلتك ويستنير وجهها وتقول : “أوه ، لم أفكر بهذه الطريقة من قبل ” ثم تكف عن أذية أخيها حتى نهاية حياتها .

المشكلة في اتباع هذه النظرية ، أن الآباء الذين يريدون التصديق بأن الأطفال هم بالغون صغار يعتمدون بقوة على الكلمات والأسباب حين التعامل معهم ، وهذه الكلمات والأسباب بذاتها ستكونان سبباً لفشل التربية في أغلب الأوقات وستؤدي إلى حدوث المتلازمة : تكلم- أقنع- جادل- اصرخ- اضرب.

كم مرة قرأت في كتب التربية أن على الأب أن يشرح لطفله الأسباب مهما طال الوقت ، فتقوم أنت بالشرح لطفلك ذي الخمس سنوات لماذا عليه أن يكون مؤدباً فلا يتجاوب ، فتحاول أن تقنعه لكي يرى الأمور بمنظارك ، فإذا فشل الإقناع فإنك ستشرع بالمجادلة والتي تقود بدورها إلى الصراخ ، فإذا فشل كل ذلك فلعلك ستشعر أن كل  الوسائل قد استنفذت ولم يبق إلا الضرب لشعورك بأنك تفقد زمام الأمور وأن نظريتك المفضلة قد خابت .

لعل نظرية الأطفال البالغين هي السبب الرئيسي وراء أذية الأطفال واضطهادهم . الحديث والشرح لاشك أنه مهم في تربية الأطفال، ولكن الأطفال يظلون أطفالاً وليسوا بالغين . وقد كتب أحدهم مرة أن الأطفال مولودون وهم متصفون بالأنانية وعدم العقلانية  ، ويحصلون على ما يريدون في الوقت الذي يريدونه ، وبإمكانهم أن يتسببوا في إحداث قلاقل في مقابل الحصول على ما يريدون .

إن وظيفة الأب ( والمعلم ) هي مساعدة الأطفال ليتغلبوا تدريجياً على نوبات الغضب ، وفي سبيل تحقيق ذلك عليهم أن يتحلوا بالرقة والمثابرة والحزم والهدوء .

ابدأ أولاً بتغيير اقتناعك بنظرية الأطفال البالغين ، فبدلاً من أن تعتقد أن الطفل هو نسخة مصغرة علن البالغين ، فكر فيه كأنه حيوان شرس عليك أن تروضه ( قلت : ومع تحفظي على هذا الأسلوب الأمريكي المتناهي في الصراحة المؤلمة إلا أني أوافقه في هذا التفكير ) . لا أعني بالطبع استخدام السوط والمسدسات والكراسي في ترويضه ، ولكن لاحظ أن مروض الحيوانات يعتمد بشكل كبير على طريقة التكرار حتى يتعلم ( المتدرب ) ماذا يريد منه مدربه ، لذا كان من الضروري أن يتحلى المدرب بالصبر والرقة والإصرار .

لحسن الحظ لا تحتاج مع الطفل أن تكرر الأمر لفترة طويلة إلى أن يستجيب وعندها يمكنك إضافة بعض الحديث والإقناع كلما تقدم الطفل في العمر ، لكن تذكر : يمكنك أن تلجأ إلى إعطاء تبرير واحد إذا احتاج الأمر ، أما مبدأ إعطاء التبريرات والتسويغات المستمرة هو الذي يوقع في المشاكل .

 

دكتاتورية أم ديمقراطية :

حينما يكون طفلك صغيراً ، لابد أن يكون بيتك أقرب ما يكون بحكم دكتاتوري حيث تكون أنت القاضي وهيئة الإدعاء. لا يمكن لابنك البالغ 7 سنوات مثلاً أن يقرر في صباح الأحد عدم الذهاب للمدرسة لأنه يريد أن يجلس في البيت ويتفرج على أفلام الكرتون .

لكن إذا ما كبر الأطفال وصاروا في بداية مرحلة المراهقة وأوسطها عندها لابد أن يتحول الحكم قريباً إلى الديمقراطية . وحتى إذا صاروا في مراهقتهم فإنه في وقت الضرورة لابد أن تكون أنت الحاكم . من الذي يدفع الإيجار ؟ أنت . ومن يعرف مصلحة الأطفال أكثر ؟ أنت . فعند الضرورة فإن لك الحق – وعليك الواجب- أن تضع حدوداً للأطفال ولو لم يعجبهم ذلك .( قلت : لاحظوا أن القائل هو هذا الشخص لأمريكي وليس أنا ) .

كثير من الآباء في هذه الأيام ترعبهم فكرة أن أطفالهم لن يحبوهم ، لذا كردة فعل يظلون يبررون ويبررون ويبررون آملين أن يأتي إليهم طفلهم ويقول : أوه ، لم أفكر في هذا الأمر بهذه الطريقة من قبل ، وحتماً سيغضبهم أنه لن يفعل.

 

الخطآن التربويان العظيمان :

يقع الآباء في خطئين تربويين عظيمين عند القيام بتربية الأطفال :

1-              الكثير من الكلام .

2-              الكثير من المشاعر .

إن التفكير بنظرية البالغ الصغير ومن ثم الثرثرة حول الأمر  سيؤدي حتماً إلى متلازمة : تكلم – أقنع- جادل- اصرخ- اضرب .

ماذا عن المشاعر الفياضة .. لم لا ؟ نسمع ناس كثيرون يقولون : أطلق ما بداخلك ، تكلم وعبر عن نفسك ولا تدخر شيئاً في نفسك ، حتى بدا ذلك كما لو أنها الرسالة الكونية الجديدة .

هل تعتقد أن هذا اقتراح جيد لك كأب ؟

في الحقيقة هناك جزء منطقي في هذا الاقتراح ، وجزء غير ذلك .

لو كان ما في داخلك مشاعر إيجابية تجاه الطفل فأطلقها بلا تردد . عبر عن حبك أو انثر بعض الثناء ، حتماً لن يؤدي ذلك إلى أي ضرر ، بل كل خير .

أما الجزء السيء في الأمر فهي المشاعر السلبية من الغضب أو الضيق من الطفل فإن إطلاقها سيؤدي إلى الكثير من المشاكل ولا شك ، لأن الأب حينما يكون غاضباً فإنه يفعل التصرف الخاطئ دائماً . بإمكان البالغ الغاضب أن يصرخ أو يحقّر أو يضايق الطفل ، وبعضهم قد يكون خطيراً أيضاً .

التربية السحرية تعلم الأب كيف يتحكم بغضبه إذ أن ذلك مفتاح لسلوك الطفل .

سبب آخر مهم للتحكم بغضبك أن الطفل يتسلى بذلك كثيراً .

 يشعر الأطفال أنهم عاجزون : يرون أنفسهم أقل ذكاء ، أقل مهارة ، أقل تميزاً ، أقل تحملاً للمسؤولية وأقل في كل شيء من آبائهم أو أخوتهم الكبار . هذا الشعور بالدونية يضايقهم كثيراً ولا يحبونه  . هم يودون لو كانوا أكثر قوة وقدرة على وضع بصمة في هذا العالم .

 راقب طفل السنتين كيف يحاول تقليد طفل الخامسة الذي يمكنه فعل الكثير من الأشياء الجميلة .

وفي المقابل فإن طفل الخامسة يحب تقليد طفل العاشرة الذي يسعى بدوره إلى تقليدك حتى في استعمال السيارة والجوال والبطاقة الائتمانية .

هم يريدون صنع التغيير والأحداث في العالم . هل راقبت قط طفلاً يظل يرمي في البحيرة الحجر تلو الحجر ، وقد يظل في هذه الوضعية الأوقات الطويلة . هذا الأمر يحدث لهم متعة فائقة ربما – إلى حد كبير- بسبب رؤيتهم لما أحدثته أيديهم من تناثر الماء وصنع الدوائر التي تكبر . غضبك يشبه تماماً تلك الدوائر وتمثل للطفل المتعة نفسها .

اندلاع غضبك سيؤدي عرضاً إلى إحساس الطفل بقوته ، وهذا شعور  طبيعي للغاية يرضي إحساس الطفل بالعجز .

وعلى هذا فهناك قاعدة مهمة : إذا فعل طفلك شيئاً لا يعجبك وأظهرت غضبك البالغ بشكل متكرر فإنه سيكرر فعلته تلك مراراً وتكراراً .

عند التربية عليك أن تكون صبوراً وهادئاً ومثابراً ، لذا فمن الضروري اتباع قاعدتين مهمتين  : لا كلام ، لا انفعالات ، وهذا يعني القليل جداً من الكلام والقليل جداً من الانفعالات ، وهو أسلوب بسيط جداً إلا أنه فعال لو طُبق بعناية.

هناك أساليب أخرى في التربية السحرية ، ولكنها ستغدو عديمة الفعالية لو أنك صرت تتكلم كثيراً وتنثر انفعالاتك بسخاء ، لأن عدم التقيد بذلك هو “الغضب ” في الحقيقة .

بإمكان بعض الآباء كبح جماح أنفسهم في  التمادي في الكلام والانفعال كما لو كان زراً يضغطونه ،في حين أن البعض الآخر يحتاجون إلى عض شفاههم في عصبية لمنع أنفسهم من التفوه بأي كلمة أو إظهار أي انفعال قد يدمر المسيرة التربوية .

قد يكون الأمر صعباً في البداية : أن تذكر نفسك بالتزام الصمت والهدوء مراراً وتكراراً أمام كل سلوك خاطئ ، ولكنك ستتعود عليه سريعاً إذا ما ثابرت . أما إذا انقضى شهر إلى 6 أسابيع في تطبيقك للتربية السحرية ولم يحدث أي تغيير في عاداتك فعليك عندها مواجهة الحقيقة : لابد من استشارة مختصة في هذا الصدد .. الاستشارة لك وليست للطفل !

لاحظ أن الكلام عن الانفعالات يدور حول الانفعالات السلبية لا الإيجابية . الأب الجيد بعبر لطفله بدفء عن حبه وشغفه ، وينصت جيداً لشكواه .. ليس هذا المقصود بالرفض ..

المقصود أن ينتبه الأب جيداً في حال حدثت المصادمة بين الأب و الطفل .

 

في التدوينة القادمة سنناقش :

أسلوب العد : طريقته ، مزاياه ، استخداماته .

Read Full Post »

ملحوظة : تجنباً للتطويل فإني عمدت إلى استخدام كلمة ( الأب ) اختصاراً لتدل على أحد الأبوين ، وكذلك ( الأبوة ) .

ينبغي أن يتصف الوالدان الفعالان بصفتين مهمتين :

1-              الدفء والصداقة .

2-               الحزم والتطلب .

الدفء و الصداقة يعني أنك تعتني بمتطلبات الطفل العاطفية والجسدية : تهتم بطعامه وسلامته ودفئه وتتأكد أنه يتلقى ملبساً جيداً ونوماً كافياً . كما يجب أن تكون دافئ المشاعر مع الطفل ؛ فتشاركه سعادته عند الحصول على أصدقاء جدد ، تهدئه إذا ما سقط الأيسكريم على الأرض ، تصغي باهتمام إذا كان غاضباً من الأستاذ وتستمتع بصحبته .

الصفة المهمة الأخرى : الحزم والتطلب . الوالد الجيد يتوقع شيئاً من طفله ؛ السلوك الحسن في المدرسة ، احترام الكبار ، التحصيل الدراسي الجيد ، الاهتمام بالرياضة الشخصية ، والعلاقة الطيبة مع الأصدقاء والتي تتضمن اللطف والتعاون .

يتوقع أن يلتزم الطفل بالقوانين، ويعمل من أجل الغير ويتعامل أحياناً مع الأمور الصعبة أو المخيفة .

بكلمات أخرى : يتوقع الأب أن ينشأ الطفل ليتمكن من مواجهة تحديات الحياة .

قد تبدو هاتان الصفتان متناقضتين ، والحقيقة أنهما ليسا كذلك . أحياناً تستدعي الظروف الصفة الأولى ، وتستدعي ظروف أخرى الصفة الثانية .

مثلاً : ضرب سامي أخته سندس ، هذا وقت ظهور صفة الحزم والتطلب .

قام سامي باللعب مع أحمد الصغير أثناء انشغال الأم ، هذا وقت ظهور صفة الدفء والصداقة .

إن التحلي بهاتين الصفتين يرسل رسالتين مهمتين للطفل :

1-              الدفء والصداقة : أنا أحبك وسأعتني بك .

2-              الحزم والتطلب : أنا أتوقع منك بعض الأشياء .

إن التحلي بهاتين الصفتين لا يعني أن يظل الأب يحوم حول ولده يراقبه في جميع تحركاته ، ولا أن يحميه من نسمة الهواء ، ولكنها تعني أن يعطي الطفل الفرص لعمل المزيد من الأشياء بمفرده كلما تقدم في العمر .

التلقائية مقابل الأناة :

هناك نوعان من النشاطات الأبوية : أحدهما تلقائي والآخر متأن ومدروس . النشاط الأبوي التلقائي يشمل الأمور التي يفعلها الأب يومياً وبغير تفكير ( تلقائياً ) كحمل الرضيع ، أو تهدئة الطفل الباكي الذي سقط للتو ، وهذه أمور إيجابية. لكن أحياناً يكون التصرف التلقائي غير سليم ، كما لو صرخ الأب على الطفل ذي السابعة الذي يقوم من سريره كل دقيقتين لأنه يسمع صوتاً في الخزانة .

مع التربية السحرية عليك أن تلتزم أولاً بالتصرفات التلقائية الإيجابية كالإنصات الجيد والثناء على عمل طفلك الحسن .

بعد ذلك ، قم بتمييز تصرفاتك التلقائية السلبية المؤذية ، أو المحبطة أو التي لا فائدة منها ، ثم قم بتبديل التصرفات السلبية بأخرى إيجابية متأنية ومدروسة .

قد تود مثلاً أن تستبدل الصراخ على الطفل بأسلوب العد .

وأخيراً : تمرن ، تمرن، تمرن ! اعمل جاداً حتى تتمكن من ترسيخ هذه التصرفات التلقائية الإيجابية .

لا تنس أن التلقائية الأبوية تشمل نوعاً مهماً من النشاط وهو القدوة . الأطفال مقلدون جيدون ويتعلمون الكثير من مجرد المشاهدة ، فلو كنت محترِماً للغير ، سينزع الأطفال لفعل المثل ، ولو كنت تميل لشتم السائق الذي ( سقط ) عليك فـ .. حسناً ، فهمت مرادي !

الوظائف الأبوية الثلاثة :

هناك 3 وظائف أبوية مهمة وتستدعي كل وظيفة استراتيجية معينة في التعامل . كلٌ من هذه الوظائف الثلاثة تعتمد على بعضها البعض إلى حد ما. تجاهل أحدها وتحمل أنت النتيجة ، أو اتصف بها معاً وستكون أباً جيداً .

الوظيفتين الأوليين تتعلق بسلوك الطفل ، والوظيفة الثالثة تركز على العلاقة بين الأب والطفل .

الوظيفة #1 : تشمل التحكم في السلوك الذميم : لن يمكنك أبداً أن تعاملك طفلك معاملة حسنة إذا كان يقلقك على الدوام بسلوكيات مزعجة كالنواح والمجادلة وأذيتك أو إخوانه ، والصياح والمضاربة . مع التربية السحرية ستتعلم كيف ( تعد) للسلوك السيء ، وستدهش حتماً لمدى فعالية هذه التقنية السهلة .

الوظيفة #2 : تشمل تحفيز السلوكيات الجيدة كترتيب الفوضى التي أحدثها ، الذهاب إلى الفراش ، أن يكون مهذباً ويؤدي واجباته الدراسية ، وهذه السلوكيات ولا شك تتطلب جهداً من الأب و الطفل أكبر من التحكم في السلوكيات الذميمة ، وذلك في سبع تقنيات مفيدة .

الوظيفة #3 : تقوية العلاقة بين الأب والطفل . بعض الآباء لا يكادون يحتاجون التذكير بهذه الوظيفة ، والبعض الآخر يحتاج ليبذل جهداً خارقاً في ذلك . إن الاهتمام بنوعية العلاقة مع الطفل سيساعدك حتماً في الوظيفتين الأوليين .

الوظيفة #1 و #2 : ” توقف ” مقابل ” ابدأ ” :

تواجه الآباء مشكلتان أساسيتان أثناء تربية الأطفال وتستدعيان الوظيفتين الأوليين من وظائف الأبوين . الطفل إما أن يفعل سلوكاً سلبياً نريده أن ” يوقفه ” ( كالنواح ) وسنطلق عليه اسم : سلوك التوقف ،أو أنه لا يفعل السلوك الإيجابي المطلوب منه ( كارتداء ثيابه ) وسنطلق عليه سلوك ” ابدأ “.

وفي خضم الصخب والضجيج اليومي قد لا يتنبه الأب إلى أهمية التفريق بين السلوك المراد توقفه والسلوك المراد بدئه ، هذا التفريق ضروري في التعامل تجاهه ، كما أنه ضروري ليجعل حياتك أكثر سهولة .

سلوك ” توقف ” يشمل المشاكل الصغيرة اليومية المتكررة كالنواح ، عدم الإحترام ، نوبات الغضب ، الجدال ، المضاربة ، المناكفة ، العبوس ، الصياح وهكذا . سلوك التوقف يتراوح عادة بين الإزعاج الخفيف والإزعاج المطبق . قد يكون كل واحد من هذه السلوكيات غير مزعج بحد ذاته ، ولكن اجمع اثنين أو ثلاثة منها في وقت الغداء بعد رجوعك من الدوام وستشعر أنك على وشك أن تهاجر إلى سيبيريا .

سلوك البدء يشمل السلوكيات الإيجابية كترتيب الحجرة ، أداء الواجبات الدراسية ، النهوض سريعاً من الفراش صباحاً ، والخلود إلى الفراش في وقت النوم ، تناول طعام الغداء والتصرف بتهذيب مع الغير .

إن السبب الذي يدعو إلى التفريق بين السلوكين هو أنك ستحتاج إلى استعمال استراتيجيات مختلفة لكل سلوك ومشكلة.

لسلوك التوقف ستستخدم أسلوب العد ، وهو أسلوب سهل ولطيف كما أنه مباشر . أما سلوك البدء فسيكون لك الخيار في اختيار أحد سبعة أساليب إما أن يستخدم كلُ بمفرده أو بخلط أسلوبين أو أكثر معاً .

سلوك البدء يحتاج تفكيراً وجهداً أكثر من أسلوب العد .

لماذا هذا التراوح في الأساليب :

إن هذا التراوح في الأساليب يرجع إلى الحافز وراء اختيار الطفل لأي سلوك .  إذا كان الحافز جيداً فكم يستغرق من الطفل  ليتوقف عن سلوك سيء كالنواح أو الجدال أو المناكفة ؟ الجواب هو : ثانية واحدة تقريباً ، اعتماداً على درجة غضب الطفل ، لكن بشكل عام فإن إنهاء سلوك ذميم لا يحتاج إلى جهود مضنية .

أما سلوك البدء فانظر كم يحتاج الطفل من الوقت لينهي عملاً بناءً ومفيداً كتناول الطعام مثلاً ؟ ربما 25-35 دقيقة.

ليرتب حجرته ؟ ربما 15 دقيقة  ،  ليتجهز للفراش ؟ 20 دقيقة  ، ليتجهز للمدرسة ؟ 30 دقيقة .

عليه أن يبدأ بالعمل ويستمر فيه إلى أن ينهيه ، وفي الغالب يكون  العمل مملاً ومضجراً لطفل صغير أن يفعله .

عند التعامل مع الطفل في أمر ما فإن عليك أن تحدد أولاً ما إذا كان السلوك المطلوب منه هو سلوك التوقف أو سلوك البدء : هل هو أمر تريد من  طفلك أن يتوقف عن أدائه ، أو أنه أمر تريد منه أن يشرع فيه حتى ينهيه ؟

وبما أن أسلوب العد سهل جداً ، فإن كثيراً من الآباء يخطئون أحياناً عند استخدامه للسلوكيات المراد بدءها كأداء الواجبات المدرسية مثلاً ، وستلحظ فيما بعد أن أسلوب العد ينتج حافزاً للأطفال يستمر لفترة قصيرة جداً ، تتراوح بين بضعة ثوان إلى دقيقتين فقط .

لو قمت بخلط الأساليب بهذه  الطريقة فإنك لن تحصل على نتيجة مرضية . ولكن لا تقلق ، فالإجراء برمته سهل جداً وستصير محترفاً في فترة وجيزة . التربية الفعالة ستؤتي أكلها ، وصدق أو لا تصدق : سيبدأ طفلك في طاعتك !

الوظيفة #3 :

وتتعلق بنوعية العلاقة بين الأب والطفل ، وهذا يعني ألا تحتل الشاشات الأوقات التي يفترض أن يقضيها الطفل مع أبيه ، والأهم من ذلك فإن تقوية العلاقة بين الأب والطفل تعني أن كلاً منهما يثمّن قيمة الاستمتاع بوقته مع الطرف الآخر.

في التدوينة القادمة سنناقش :

–       افتراضية الأطفال البالغين .

–       الدكتاتورية مقابل الديمقراطية .

–       الخطئين التربويين العظيمين .

Read Full Post »

ما رأيكم في الاستماع لبعض الهذيان اليوم ؟

تدوينة اليوم فيها بعض من مرح ، ومموهة بشيء من الكآبة الهنائية المعتادة ؟

فيها قبس من خواطر وذكريات وتأملات ( حكيمة ) ، فقط من باب التغيير في قراءة ما لا ينفع .

رجعت قبل قليل من ( بلاد اليماني ) .

لمن لا يعرف ، بلاد اليماني ليس كقولنا بلاد الواقواق ، أو بلاد عربستان ، وإنما لفظة بلاد تطلق في المدينة المنورة على المزارع الخاصة .

كانت أمسية جميلة وباردة قضيتها في بلاد اليماني مع مجموعة من الصديقات العزيزات ، تحيط بنا الشجيرات على شكل سور يحجزنا عن أعين الفضوليين بالخارج ..

 رائحة العشب تملأ المكان ، صوت أزيز الحشرات هنا وهناك ، والقمر المكتمل يطل علينا بحنان .

صورة رومانسية حالمة ، لولا القطط التي كانت تدفع بعض الفتيات الجالسات بوداعة إلى الصراخ المفاجئ ، فتلتفت إليهن الأمهات بانزعاج ، لأقول لهن بلا مبالاة :عادي عادي ، يا دبور ، يا بسة.

والدبور عادة يأتي في المدارس صباحاً ، إذاً سبب جلبة اليوم : بسة !

دعوني أقول لكم شيئاً عن نفسي .

أحب صديقاتي جداً ، وآنس بجلوسي معهن ، ولكني بعد تقدمي في السن وإصابتي بالسرطان صرت أمْيَل إلى أن أكون ذات طباع عجائزية نوعاً ما ..

صرت ( أنْدوِش ) إذا ما كان المكان مزدحماً بالناس!

فتراني صامتة لفترات طويلة ، لا أتكلم إلا إذا وُجه إليّ الحديث ، وأكتفي بالسماع .

أحياناً يأخذني خيالي بعيداً لرؤية مشهد أمامي أو سماع كلمة ، فأكون حاضرة بجسدي وعيناي تتابعان الحدث، لكن ذهني يبدأ بالسرحان .

الجلسة اليوم كانت على شرف صديقتنا أم عبد الله التي قدمت من كندا مؤخراً في إجازة مع ابنتها التي تدرس الماجستير هناك .

عند التلاقي كان ثم الكثير من الأحضان والقبلات ، وربما بعض الدموع .

هذه مجموعة من الصديقات اللاتي حصلن معاً على السند من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم السابقين .

أنظر إليهن وهن يتعانقن بود ومحبة: كم من الذكريات جمعتهن ، وكم من المواقف أضحكتهن معاً وأبكتهن؟

الذكريات السعيدة ..

أحياناً في جو كهذا الجو الرومانسي تشعر أن الذكريات السعيدة تكون عبئاً عليك لأنها لا تعود .

بعد ولادتي لابنتي لطيفة ، كنت أقضي فترة النقاهة عند أمي ، وكانت تستضيف خالتيّ القادمتين من المنطقة الشرقية .

في يوم زارنا خالي الأكبر – رحمه الله – وقد ناهز الثمانين ليزورني ويسلم على أخواته الثلاث .

لا أنسى نظرته وهو يدير بصره في وجوههن ، ووجهه يتهلل بفرح .

لم يتكلم .. ولكنه ترك العنان لفيض مشاعر في التعبير .

ثم نظر إليّ وقال : أذكر هؤلاء حين كنّ صغاراً ، ذوات ضفائر .

ترى هل رأى الذكريات في قسماتهن ؟

هل استعاد رائحة عطف الأم وشموخ الأب ؟

هل تناهت إلى أسماعه الضحكات وصوت السواني وخرير المياه ؟

وهاهو الآن ينظر إلى نسوة ثلاث ، غطى الشعر الأبيض رؤوسهن ، وعلت التجاعيد وجوههن المتعبة .

سبحان الله .. كن صغاراً ذات يوم !

والآن ، تفعل أمي معي ذات الشيء .

تتأملني طويلاً .. وكثيراً ما تصطدم نظراتي بها فأجدها تنظر إلي .

وأفكر ، لعلها تحب أن تملأ عينيها من ناظري كما أفعل بشمسي .

نعم ، لا شك .. فأنا الصغرى  عند أمي ، كشمس عندي .

وبعد إصابتي بالسرطان ، زاد هذا الأمر جداً .

وكأنها تقلب في ذهنها ذكريات مضت حينما كنت صغيرة ، لا أزال أختبئ تحت جناحها .

حين كنت دلوعة الدار ، أجري هنا وهناك وطلباتي أوامر لا ترد ، ولا عجب فأنا البنت الوحيدة والصغرى .

كأني أسمعها تقول في ذهنها : بنتي ، حبة قلبي عندها سرطان ؟

لا يحتاج أن أصف لكم كم هو مرعب مرض السرطان .

يخيل إلي أن من أصيب به فإنه يشعر أنه بمثابة حكم عليه بالإعدام .

إذا قلت : فلان عنده سرطان فإنك تنتج شعوراً يقارب الشعور الناتج عن قولك : فلان يحتضر !

لا ، لن تستدرجوني لأتكلم بعض الشيء عن سرطاني ، فدونكم التدوينات السابقة والتي يمكنكم أن تجدوها تحت تصنيف ( ذكريات بطعم السرطان ) .

ولكن الذكريات في كثير من الأحيان تكون عبئاً ثقيلاً .

حين تفتقدها بشدة ولا تملك لها رجوعاً .

تشعر بها كيد حديدية تعتصر قلبك .

أوف ، ما هذا الحزن اليوم ؟

هل لاحظتم أن تدويناتي الأخيرة قد علتها صبغة كآبية ؟

لا أعرف ما السبب .

وهذا أمر مناف لشخصيتي الحقيقية تماماً .

ولكن يبدو أن الأمر كما أقول دائماً : أن النفس البشرية غالباً تميل إلى الحزن وهذا ما يفسر سر النجاحات الهائلة للقصص التراجيدية ، وتفوقها على القصص الكوميدية .

ولكني لعلي أفرحكم بشيء .

عندما نظرت إلى وجه القمر ، ورأيت استدارته وجماله وتمام نوره ، تذكرت الجنة .

وتذكرت الجملة التي لا أسأم من ترديدها ، خاصة إذا تكالبت عليّ الغموم : في الجنة تتحقق كل الأمنيات .. كل الأمنيات !

نعم هناك تستعاد الذكريات السعيدة ، وتشعر بنشوتها ، حقيقية هذه المرة .

هناك أجمع أفراد عائلتي لأتذاكر معهم المواقف والقفشات .

هناك أستمتع بقد مياس ، وأستعيد ما فقدته من أعضاء في عملية استئصال السرطان .

هناك أتيه خيلاء بشعر كثيف أسود وحواجب مرسومة بإتقان .

أتمدد على السرر المرفوعة وأتجاذب مع صديقاتي الحديث ، هذه المرة دون أن ( أندوش ) ولا يصيبني النعاس .

كل ذلك في الجنة ، حيث تتحقق الأمنيات .

استيقظت من خيالاتي على صراخ جديد وقطة أخرى تجري فزعة لا تلوي على شيء ..

فهززت كتفي بلا مبالاة وقلت  : عادي عادي ، يا دبور ، يا بسة !

Read Full Post »

 

قرأت كلماتها في مدونتها الجميلة .

كلمات مشرقة عن الأم ، بعيداً عن  القيود المدرسية السخيفة التي تتحكم في كيفية كتابة عواطفك في مواضيع التعبير .

http://maryambantan.wordpress.com/2011/11/13/%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9-%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1/

اثارت في نفسي أشجان الأم ، إذ كانت تتحدث بلسان الابنة .

وعدتها أن أعارض رسالتها لأمها برسالة إلى ولدي .

أجزم أن رسالتي ستكون بلسان كل الأمهات .

” ولدي حبيبي ، أياً كان اسمك ..

اقترب مني .. لأشمك ، لأضمك إلى صدري . لتعانق مخيلتي ذكريات أيام سعيدة مضت .

اقترب أكثر ..

لتلثم يدي يدك .. وتسافر عيناي إلى الوراء أزمنة ما ، فأراك كما أنت عندي : طفلاً صغيراً .

كأني أسمع ضحكاتك ترن بصخب في أرجاء المنزل .

كأني أشعر بدفء حضنك وأنا أريح رأسي عليه لتلعب بشعري كما علمتك منذ صغرك .. تذكر طبعاً كم أحب ذلك .

كأني بك وقد ملأت صدري زهواً وفخراً لاعتقادك أني أعلم من في الأرض ، وأن ليس ثمة أم تماثل أمك في الجمال و الثقافة والعلم والأناقة .

تذكر حين كنت أنظر إليك بشغف حتى تستحي ، وأقول لك : أحبك ، فتجيبني بصوتك الرقيق : وأنا كمان ؟

أنا أذكر ، لأني أفعل الشيء ذاته مع أختك الصغيرة فتكرر عين الكلمات والأفعال .

تذكر رسائل الشكر التي كنت تكتبها بخطك المبعثر وتغلف بها العيديات التي استلمتها  وتهديني إياها ؟

أنا أذكرها ، بل لا زلت أحتفظ بها إلى الآن في درج مكتبي ، فقط لأن خطك الطفولي يذكرني براءتك القديمة .

تذكر كيف كان فرحي بك يوم أن أتممت حفظ القرآن الكريم ؟

أنا أذكره .. إذ لا يتاح للمرء لبس تاج الوقار كل يوم ، وأنت يا حبيبي ألبستني ذاك التاج .

تذكر كيف كنا نتناقش الساعات الطويلة في أيام مراهقتك ؟

أنا أذكر .. كان نقاشنا ينتهي بعد ثلاث أو أربع ساعات وقد بح صوتي من كثرة الكلام وأرهقني النعاس .

هل اعترفت لك من قبل أننا بعد مشاجراتنا مؤخراً كنت أغلق على نفسي الباب – أي باب متاح – وأبكي ، ثم لا ألبث أن أكفكف دمعي إذ أتذكر أني هكذا فعلت بأمي ذات يوم .

أعلم أني جرحتك كثيراً .

أعلم أني أسأت إليك كثيراً بصراخ أو كلام عنيف .

أعلم أنه لا يشفع لي القول بأني فعلت ذلك خوفاً عليك .

هكذا يقولون في كتب التربية .

ولكني للحق .. فعلت ذلك خوفاً عليك !

كلما رأيتك تخطئ تتجلى أمام ناظري الساعات الطويلة التي أمضيتها في تعليمك الصواب والخطأ .

هذا كان يثير حنقي بالتأكيد ، فأنا أريدك أكمل أهل الأرض .

لعلي غفلت أنك كنت مراهقاً تحتاج إلى مساحة أرحب لتجول فيها بحرية .

لعلي كنت ساذجة إلى درجة ظننت معها أني سأظل حبيبتك مهما فعلتُ …. كما كنتُ في صغرك .

فإذا بطفلي الصغير ، الذي كان لا يفتأ يتحين الفرص ليلتصق بي ، أو ينام إلى جانبي على سريري ، أو يأخذ كفي ليضعها على خده ، أو يتكئ على فخذي وهو يتناول طعامه أو أو أو ، هاهو يكبر ، ويأخذ
بالابتعاد .

صرت تكثر الجلوس في حجرتك وحيداً مع جوالك أو كتابك أو خيالاتك ..

كم تمنيت لو كنت تستمتع بالجلوس معي ، أحادثك وتحادثني ، وتهديني متعة الشعور بأن لي ابناً قد كبر .

صرت تصرح بأن البيت ممل ومقرف .. وما في البيت إلا أوامري وتوجيهاتي ؟

صبراً بني صبراً .

إن هي إلا أيام وتمضي .. تسافر للدراسة ، أو تُعين في بلد ما للعمل ، أو تتزوج .

المهم سيأتي اليوم الذي تفارقني فيه .

ستكون أنت في قمة السعادة والشعور بالانعتاق ، وسأكون أنا كالشجرة التي بدأت تذبل .

أتقدم في السن ، ويضعف جسمي .. ( تذكر ذلك الجسم الذي كان يلعب معك ويحملك إذا مرضت )؟

ولعل بصري وسمعي يضعفان أيضاً ، فتتحدث ولا أسمعك ، وأطلب منك أن تعيد ، فتعيد بتبرم ، وتلتقط أذناي هذه النبرة البائسة .

أعلم أنك في السن الوقادة المتوثبة ، وأني أعيق انطلاقك .

أعلم أن عليّ أن أصبر كثيراً ..

أعلم أني أسدد الدين الذي عليّ لأمي .

وأعلم أن الله تعالى لطيف ودود .

سأصبر حتى تكبر ، وتغدو رجلاً حكيماً .

ستعرف حينها فضلي وترجع إلي .

ستعود لتستشيرني ، ولتلعب بشعري الأبيض ، ولتريح رأسك على فخذي المنهك وأداعب شعرك بيدي المعروقة .

ستمسك بيدي لتعبر بي الشارع ، وستفتح لي باب سيارتك ، وستقدمني على زوجتك وأولادك كما قدمتك من قبل على أمي ونفسي .

أنا أعلم أن كل ذلك سيتحقق ..

فقط أرجو أن أكون حية في ذلك الوقت . “

أمك المحبة

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: