Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الأخلاق’

عندي عادة ، لا أعرف هل أعتبرها حسنة أو سيئة ..

أحب أن أعرف ما الذي يدور في داخل البيوت والصدور ..

لا ، لست فضولية على الإطلاق ..

حسناً .. لعلي أكون فضولية بعض الشيء ، ولكني كذلك طالما لم أتدخل بالفعل في شؤون الغير .

أعتقد في كثير من الأحيان أن روح الكاتبة بين جنبيّ هي سبب هذه ( اللقافة ) . أحب أن أتخيل ، أن أعرف سبب هذه المشاعر وتلك الأحاسيس ، أن أعيشها وأكتب عنها  ، لعلي أستقي منها بعض الحِكم  .

أخبركم ما الذي أقصده .. أحب عندما أكون في سيارتي – خاصة في الليل – أن أستغل وقت المشوار في تأمل نوافذ البيوت .. رؤية النوافذ المضاءة والستور المسدلة ، أو الأنوار المعلقة ، أو أطراف الجبس في الأسقف تجعلني أتمنى لو استطعت أن أحلق بروحي إلى الداخل لأرى كيف هي حياتهم .. ماذا يفعلون .. كيف يعيشون ؟

ترى ماذا تخبئ هذه النوافذ ؟ ترى ماذا تخفي تلك الستائر ؟

أكاد أسمع أصوات أطفال تلك النافذة وهم يتضاحكون ويتشاجرون محدثين جلبة قوية وقد انهارت والدتهم بجانبهم من التعب والانزعاج ، تدعو الله ربها أن ينزل عليهم النعاس وعليها الصبر ، فأضحك وأقول : أين رأيت هذا المنظر من قبل ؟ أين أين ؟

 أما تلك النافذة فقد عُلق عليها شرشف الصلاة منعاً لضوء الشمس من التسلل صباحاً ، ولنظرات الفضوليين أمثالي من رؤية المشادات التي تحدث بشكل شبه يومي بين الزوجين : هو يشكو إهمالها له ابتداء من عدم سكب كلمات الوله والعشق في أذنيه مع أذكار الصباح و المساء ، وانتهاء بانشغالها عنه بكل شيء في العالم ؛ أطفالها وأهلها ودراستها  .. وهي تشكو إهماله لها ابتداء من تخصيص كل عطلة الأسبوع للسهر مع أصحابه بدلاً من قضاء بعضه معها ومروراً  بإهماله للإصلاحات المنزلية  التي لا ينبغي أن يتولاها إلا الرجال كمفتاح النور الذي ( يكهرب) من يلمسه والعتبة المكسورة التي تخدش قدم كل مار وانتهاء بالستائر التي لا يرى لها داعٍ ، وما باله شرشف الصلاة لا يغني ؟

هؤلاء قوم يحتاجون بشدة إلى تعلم معنى (الخيرية ) في قول النبي صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله ) ، وإلى الكثير من التضحية براحة الذات والتغافل عن بعض الأخطاء إذكاء لشعلة الحب أن تخبو .

ماذا عن تلكم النافذة ؟

نافذة فاخرة لمكتب باذخ تشغله سيدة أعمال تحسب أن الصلافة والجفاء من لزوميات النجاح . امرأة ( أو قد يكون رجلاً ) فيها جاهلية ، تتعامل بفوقية وتعالي مع خدمها ونساء أبنائها ومن قصدها طلباً لمساعدة أو شفاعة جاه ، مع أنها تحاول كثيراً أن تخفف من غلواء ذلك الطبع في نفسها لكثرة ما سمعت من انتقادات .. ولكنها إذا غضبت فإنها تصرخ وتشتم ولاتراعي أحداً .. يذكرها زوجها أن الناس سيكرهونها ، فتجيب بقرف : ليكرهوني .. هم يكرهون كل ناجح مثابر .. يكرهون كل نظامي .. يريدونها ( شوربة ) ..

لم تعجبني تلك النافذة .. أكاد أرى خاتمة صاحبتها السيئة .. مريضة , عاجزة بعدما تقدم بها السن كثيراً وانفض عنها زخرف العمل والجاه .. لم يعد لها إلا خدمها ونساء أبنائها .. أكره أن أراها تعتقد أن الناس لا زالت تهابها ، وإنما هم في الحقيقة يشفقون عليها ويرحمونها لحسن أخلاقهم وجودة معادنهم . ا

نظروا إلى هذه النافذة العجيبة . . نافذة مستشفى في هذه المرة ..  فيها أربع مريضات يتممن إجراءات ما قبل النوم بعد انصراف الزوار .. هذه إحداهن ، أجريت لها عملية استئصال الثدي قبل يومين .. تقوم وتدور بين جاراتها بعلبة ( براونيز ) فاخرة جاءتها هدية من أمريكا . تمشي محدودبة الظهر وببطء ، فلازال جسدها يرضخ لقوانين العمليات الجراحية الكبرى .. كانت تحسب أنها في كرب وبلاء لهذا الاستئصال الذي هز كيانها النفسي وكاد أن يقوض أركانه ، فلما رأت أمراض رفيقاتها هان عليها ما تجد ، وعلمت أن بلاءها قد يعد نعيماً في معايير البعض يجب أن تحمد الله عليه  ، وأن إظهار الجَلَد والقوة بعد ( تحصين النفس بالأذكار ) هو من التحدث بالنعمة والتأدب مع الله بإظهار ما من الله به عليها ..

هذه نافذة أخرى .. نافذة بائسة لحجرة سائق بنغالي .. الحجرة ذاتها مساحتها 4 أمتار أو أقل .. سيئة الإنارة والتهوية ، وبالطبع سيئة التشطيب ، فقد استأجرها قبله العشرات .. تفوح من جدرها المقشرة رائحة السجائر والوحدة والشوق .. يتمدد فوق سريره الحديدي الصدئ ليطير بخياله إلى أولاده الثمانية الذين يناشدونه بصمت أن يتحمل الغربة والكربة وجور الكفيل ووطأة العمل ليبعث إليهم بأموال ليكملوا دراستهم ويحتلوا مقاعد جيدة في قطار مجتمعهم. لا يدري ، هل سيفخرون بهذا الأب العصامي المثابر أم أنهم سيخجلون حين يُسألون عن عمله فيجيبون كاذبين : ممرض في مستشفى كبيرة .

قبل أن ننتقل إلى تلك النافذة التي تنبعث منها الأصوات المزعجة ، أريدكم فقط أن تلقوا بنظرة إلى الكوة الصغيرة للحجرة الملاصقة لحجرة السائق البنغالي .. هل رأيتم ذاك العامل الذي دخل لتوه إلى حجرته وبادر – حتى قبل أن يخلع حذاءه ليغتسل – إلى ثلاجته الصغيرة ليخرج علبة عصير باردة .. يفتحها ، يسمي الله ، ثم يجرعها دفعة واحدة.. ما شاء الله .. بالعافية يعني !!  ولكني أكاد أشعر ببرودة العصير وحلاوته تنساب في حلقي في هذا الجو الخانق.. يتهلل وجهه تلذذاً وانتشاءً ، يمسح شفتيه بظهر كفه ، ويحمد الله في سعادة .. أعجبني !! أحب شعور الامتنان لله وحمده بإخلاص .. أشعر أن لي رباً  يرعاني ويحب أن يُفرحني وأنا أحب أن أشكره ..

طيب ، هل تسمعون تلك الأصوات المزعجة الصادرة من تلك النافذة ؟ اكتشفت أن هذا فتى قد راهق .. صوته لا تعرف كيف تصنفه .. ويشعر بالكثير من الأهمية .. كيف لا وهو يعيش في مجتمع لا تكاد النسوة يستطعن فعل أي شيء فيه مالم يكن ذلك بقيادة ذكر . أي ذكر .. مواطن أو وافد ، صغير أو كبير .. المهم أن يكون ذكراً . هذا الفتى بالذات أحد (ذكرين ) في الدار .. الأب ( رجل ) كبير في السن .. والذكران الآخران يتناوبان على قضاء حاجيات نساء الدار الأربعة .. طلبات المدارس لا نهائية ولسان حال كل معلمة ( مافي البلد غير ها الولد) فتدلل نفسها بالطلبات الأسبوعية وكأن مكتبة الحي تقبع في أسفل العمارة ، مقاضي البقالة يومية ، المشاوير التي تحتاج منهم إلى توصيل شبه يومية ، وبين هذا وذاك صراخ متواصل من الذكرين وتأفف وتضجر وإذلال للبنات دون أن ينتبها إلى أن الوجبات الثلاث تقدم لهما في مواعيدها بلا طلب ، وأن الثياب تكون جاهزة على الدوام  ، وأن حجرتهما تنظف وتخرج منها الفتيات كيسي قمامة يومياً . فإذا طلبت إحداهن شيئاً ، نظر الذكر إلى جدول مهامه في ذلك اليوم ثم رمى لها “باللا” المعهودة ، وخرج مباشرة بلباس الرياضة ليلحق المباراة .. ويتعالى القهر في نفوس البنات : ما ذنبنا أن كنا في مجتمع موغل في الذكورية ؟  ولكن لا حياة لمن يسمع !

هؤلاء قوم آخرون يحتاجون لمعرفة جيدة يما يعنيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( خيركم خيركم لأهله ) .

لنختم جولتنا في عالم النوافذ بهذه النافذة .. أكاد لا أرى شيئاً .. الضوء خافت للغاية وعلى السرير رجل يحتضر .. عاش سنين طويلة يكابد فيها عناء الوظيفة ، ونكد الزوجة ، وعقوق الأولاد . كم من دموع سكب ، وإن أشد الدموع ما سكبه رجل مقهور .. تؤذيه زوجته فلا يستطيع أن يطلقها رحمة بعياله .. يكبر أولاده فينهلون من أخلاق أمهم النكدة ، المدير الطاغية ينافر طبيعته اللينة الودودة ، ولكن حتى اللين الودود قد يتصدع قلبه ، فكان يكابر ليقف شامخاً .. إلى أن حان اليوم الذي سقط فيه الفارس مثخناً بعدما علاه السن والمرض .. هاهو الآن يحتضر .. لا يكاد يسمع لغط من حوله .. يتنفس بصعوبة وبصره حديد .. سمع كلمة عابرة من حفيده : تعب كثيراً ، يارب يرتاح !! يفكر فيما تبقى له من ذهن : هل سيرتاح فعلاً لو مات ؟ نفحة قوية من رجاء رفعت أصبعه السبابة ، وتمتم..

لم  أسمع ما قاله .. ولكن لنرجُ له الخير .

والآن .. ما رأيكم بهوايتي ؟ هل تعتقدون أني فضولية بالفعل ؟

Read Full Post »

 أقرأ في هذه الأيام كتاباً أمريكياً اسمه : We’re in This Toghther وهي قصة رجل أصيبت زوجته بالسرطان فيحكي لنا أيامهما معاً في مواجهة هذا المرض . كلما قرأت كتاباً لأحد الغربيين يلفت نظري وبشدة مستوى (المعاملات) عندهم.

 ولأقطع الطريق على ” المدرعمين ” لابد من تحرير محل النزاع :

–       أدرك جيداً أن الكثير من الغربيين ، الكثير جداً لا يتحلون بأية أخلاق على الإطلاق بل هم عنصريون ومن الدرجة الدنيا من البشر .

–       وأدرك جيداً أن السبب الأعظم وراء تحلي الكثير بتلكم الأخلاق الفاضلة هو خشية القانون.

–       وأدرك أن الكثير جداً من المسلمين يتحلون بأفضل الأخلاق .

–       وكلامي هو عن أولئك المسلمين الذين يعانون بشدة من تدني مفهوم ( المعاملات) لديهم.

أعتقد أني وضعت يدي على شيء من الجروح .

أسمع دائماً الشكاوى المريرة من ضعف الأخلاق عندنا ، بل وأراها بعيني رأسي . لاحظها معي !

مذا يحدث لو أهمل موظفو أي دكان وضع الحواجز عند الكاشيير لتنظيم الطوابير ؟

ألا تدهشك القذارة والنفايات الملقاة على الأرض على الرغم من وجود صناديق القمامة في كل مكان ، ويزيد الأمر سوءاً لو كان المتواجدون ممن يدعي “الكوالة” و “الرهابة” ؟

أعر انتباهك للكثير من الأحاديث الجماعية ولاحظ كم من المقاطعات وسوء الإنصات والتجاوزات اللفظية تحدث ،(غيبة، سخرية ، نميمة ، كذب ، تفاخر كاذب … الخ )

العنف اللفظي والجسدي بين أفراد العائلة ؛ تطاول الإخوان على الأخوات ، والأزواج على الزوجات ، إهمال النظافة الشخصية ، سوء التعامل مع الخدم والسائقين ، إهمال ألفاظ المجاملة مثل لو سمحت وشكراً  وتبدو جميلاً اليوم وأحبك ، ولو تخطينا ذلك إلى ما كان ضرره أكثر تعدياً لمثّلنا بفقدان الأمانة والفساد الإداري والاقتصادي والسياسي ، بل والديني.

باختصار ، نفعل عكس ما يأمرنا به الشرع تماماً ثم نعجب غاية الإعجاب بنظامهم وترتيبهم وذوقهم ، وإنما أتينا من قِبل أنفسنا..

حينما يتكلم أحد عن سوء أخلاق المتدينين يؤلمني ذلك بشدة . ربط سوء الأخلاق بالدين أمر يحز في النفس .. طبعاً هم يقولون : نحن نعرف أن الدين جيد ويأمر بالأخلاق الحسنة ولكن ما سر أن كل المتدينين الذين نراهم في الشوارع عابسين ؟ لماذا يفتقد المتدينون الأخلاق الحسنة ؟

فاتهم أن غير المتدينين يعبسون أيضاً وبكثرة ، وأن الأغلب من غير المتدينين أخلاقهم تحتضر أو ماتت .. المشكلة ليست في الدين ، المشكلة أن الشخصية الأصلية سيئة الأخلاق ثم لم يعتن صاحبها بتهذيبها بالدين، وأنه مقصر في ذلك ولا شك ، ولكنه بشر في نهاية المطاف . أستطيع أن أفهم ذلك جيداً لأني من معسكر المتدينين ..

في أول التزامنا بالدين اهتممنا جداً بجانب العبادات والمظهر الخارجي ، لعله لقصور شديد في بيان أهمية روح الأخلاق و المعاملات ، لعله كان كردة فعل قوية لإظهار روح الولاء للتدين والمتدينين والبراء مما سواه، لعله لأن تغير الأخلاق والطبائع من أصعب الأمور ، ونحن نريد التزاماً سريعاً . كان الاهتمام منصباً على تعلم أحكام الشريعة والعقيدة الصحيحة ( وهو أمر محمود في كل الأحوال ) ولكن لم يتم ربط ذلك بأهمية التعامل الحسن مع الغير بشكل كاف .. لاأقول كان معدوماً ، ولكنه لم يكن كافياً ألبتة .. فحين تكون فرداً في مجتمع صحراوي حار ، قليل الخضرة ، قليل الماء فلابد أن تكون الأعصاب مشدودة دوماً ، ثائرة ، فوضوية ، هادرة ، ظالمة !! و كان لابد من الإكثار من الحديث عن هذه الأخلاق ، من الدعاة ، من الوالدين ، من المعلمين  ويصاحب ذلك الحديث التطبيق .

ركزنا كثيراً على الشكل الخارجي من لحية وثوب وحجاب وعلى النوافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأهملنا شيئين مهمين : مراقبة الله الناتجة عن اجتماع المحبة والخوف في القلب ، والأخلاق ، والأخلاق نصف الشرع . ولأثبت صدق ذلك ، تكفي اللبيب نظرة واحدة شاملة لمجتمعنا ليرى ماذا فعل غياب مراقبة الله ، وماذا فعل غياب الأخلاق. النتيجة كانت باختصار : الفساد !

حين تتحدث الكتب الفقهية عن المعاملات تجدها تتناول أحكاماً في أبواب البيوع ونظام الأسرة ( نكاح ، طلاق ، نفقات ، حضانة ) والجنايات والحدود التي تضمن حقوق المعتدى عليه .. نقرأ أحاديث أمثال ” خيركم خيركم لأهله” و”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” و ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” و” المسلم أخو المسلم” و” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” .. للأسف لم يلتزم الكثير ممن تدين حديثاً بأمثال هذه الأحاديث وإنما كان غاية همهم العبادات والمظهر الخارجي ..

أذكر بكثير من الخجل كيف كنت أغلق التلفاز وأخي الذي يكبرني بخمس عشرة سنة يتفرج – ودون استئذان- ثم أخرج من الحجرة بكل برود!

أذكر بكثير من الخجل كيف جفوت وعبست وأعرضت عن امرأة أخي الأوروبية التي كانت تعاملني كأختها الصغيرة ، وذلك بعد أن التزمت ، فلا أني شرحت لها الإسلام الحقيقي الكامل ( الذي لم أكن أعرفه في ذلك الوقت ) ، ولا أني حافظت على حبائل الود بيننا .

أذكر بكثير من الخجل إصدار أحكامي المسبقة على من تهاونت بالحجاب أو استمعت إلى الموسيقى وفاتني أن أمر إيمانها موكل إليها ولعل عندها من بر الوالدين أو الطاعات الخفية ما يجعلها تسبقني إلى الجنة .. ثم من قال أني سأدخل الجنة أصلا ؟ هل ضمنتها أم أنه مزيد من العجب بالعمل والكبر الذي لايدخل الله الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه؟ نعم ، ذلك الذي هو : بطر الحق وغمط الناس .. مهلاً مهلاً .. رد الحق واحتقار الناس ؟ من منا لا يفعله ؟ المتدين وغيره ؟

أذكر بكثير من الخجل قيام بعض أفراد معسكرنا بعقوق والديهم لأنهم يقعون في بعض المعاصي جهلاً أو هوى – ومن منا لا يعصي الله – ويغيرون المنكرات بجفاء وغلظة من باب ( خذ الكتاب بقوة) ، فيقعون في أكبر الكبائر بعد الشرك بالله لأجل ما يظنونه نصرة لله .

أذكر بكثير من الخجل قيام بعض أفراد معسكرنا بتصنيف الناس ومن ثم الوقوع في معصية سوء الظن وما يلحق ذلك العمل من ضروريات كالغيبة و العُجب بالذات والكبر .. الكبر مرة أخرى ؟

ولكن هذه الطوام لا ينفرد بها المتدين ، وغاية ما هنالك أنه كان على المتدين أن يبذل جهداً أكبر في تحقيق شرع الله في أخلاقه ، خاصة وأن نظر الناس عليه كونه ( كما يزعمون ) يمثل الدين ، لكن الآخر غير الخلوق فإنه لم يحقق شرع الله لا في دينه ولا في خلقه ..

لا أود أن تتحول تدوينتي إلى كشف حساب لكل من المتدينين وغيرهم .

نريد أن نتقدم ، ونتطور وتكون بلادنا راقية ..

نريد أن يتولى أمورنا الأخيار ..

لذا كان لابد أن يبدأ كل منا بنفسه ، فكما نكون يولّ علينا ..

 

 

Read Full Post »

كالعادة .. فقاعة كبيرة تطير في السماء لم تلبث أن انفقعت وتناثرت أشلاؤها على المجتمع السعودي ، تلكم هي فتنة فتيات الأولمبياد .

لا , ليست تدوينة اليوم شرعية ، بمعنى أني لن أحرر فيها حكم خروج فتياتنا إلى الأولمبياد ، إذ أن مشايخنا الأفاضل الأمناء قد كتبوا في ذلك وتكلموا فيه كثيراً ونصحوا جزاهم الله خيرا . ولكني رأيت في تويتر ما لا قبل لي بالسكوت عنه ، فكانت هذه التدوينة نصيحة لبني قومي ، وأعلم أنها لن تعجب الكثيرين ، ولكن هذا رأيي ومن حقي أن تحترم رأيي أو تناقشه بأدب الخلاف  ، وسأجعلها في نقاط .

1-              لاحظت من خلال التغريدات أن غالب الناس طرفي نقيض ؛ فمنهم الرافض لفكرة مشاركة الفتيات رفضاً تاماً – بغض النظر عن سبب هذا الرفض- ومنهم المؤيد والمشجع . فأما الرافض فقد قاده رفضه إلى البذاءة كوصفهن بأنهن عاهرات الأولمبياد أو إلى العنصرية المقيتة بأن لمزوا إحدى الفتيات بأنها لا تمثل الشعب السعودي لأنها غير سعودية ، أو ( طرش بحر ) في محاولات مستميتة لإظهار شناعة الأمر ، وأما المشجع فقد صفق وزمر وطالب بإقامة حفل استقبال يليق بها وأُرسلت مئات التغريدات المؤازرة .

2-              أما المخالف فأقول له :

 أوردها سعد وسعد مشتمل          ما هكذا يا سعد تورد الإبل

          سواء كان سبب الرفض شرعياً أو غير ذلك فإن البذاءة غير مسوغة بأي حال من الأحوال . وهؤلاء الفتيات وإن أخطأن بخروجهن إلا أن هذا سبب لا يبيح التكلم في أعراضهن . إن نبز الآخرين بلا مسوغ شرعي فيه تزكية للنفس وتحقير للمخالف فكيف إذا كان النبز كلام في العرض ووصف بصفة لا تطلق إلا على البغايا ؟

أفهم أن دافعك قد يكون غالباً من الغيرة على محارم الله ، ولكنك باستخدام هذه الكلمة انتهكت حرمة من محارم الله ، ويبدو أنك ( لخبطت ) ، فالحديث النبوي ( البذاذة من الإيمان ) أي التواضع في اللباس وترك التبجح به وليست : البذاءة من الإيمان ، فتنبه يا رعاك الله . أما كون المشاركات أو إحداهن ليست من أصول سعودية ، فهذا الكلام من السخف العقلي والاجتماعي والشرعي ما أعجب معه كيف نعيش في مجتمع يتعلم الدين من السنة الأولى الابتدائية ثم لا يزال يتكلم بمثل هذه الكلمات المخزية والتي تفصح في العادة على مقدار ما في القلوب من سوء التربية والكبر والفوقية التي أهلكت الأمم من قبلنا . كيف تصدر هذه الكلمات ونحن نسمع الأحاديث تلو الأحاديث في ذم العنصرية كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري حين عاير رجلاً بأمه ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ، ولما اختلف مهاجري وأنصاري في إحدى المرات نادى أحدهما : يا للمهاجرين ، ونادى الثاني : يا للأنصار ، غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ) . وعلى الرغم من أن الدعوى لم تكن بالقبائل والجنسيات إلا أن دافع الاستنصار لم يكن على أساس شرعي وهو الإسلام ، وإنما حركته نوازع عنصرية جاهلية وإن كانت المسميات شرعية (الهجرة والنصرة ).

3-              وأما الموافق فله أوجه تدوينتي في المقام الأول ، وأقول له :  إنكاري على مشاركة الفتيات في  الأولمبياد يعود أولاً وأخيراً إلى الأخطاء الشرعية التي ستقع في الوقت الحاضر فضلاً عما ستقوده إليه هذه المشاركة في المستقبل القريب . وقبل أن أسترسل فإن مشكلتي لا تنحصر على الفتيات السعوديات لئلا ينبري إليّ فاضل ويقول : لأنهن سعوديات ولا تمانعين في الجنسيات الأخرى ، فإن مشكلتي لا تكمن في الجنسية وإنما في الحكم الشرعي ، فمادامت المشاركة مسلمة فإن اشتراكها في الاولمبياد بوضعه الحالي غير مقبول . ولئلا ينبري فاضل آخر يهاجم : ومن تكونين أنت لتوافقي أو ترفضي ؟ أقول : أنا إنسان أكتب في مدونتي الخاصة رأيي الخاص . فإذا وافقتني فالحمد لله ، وإن لم توافق فمن حقك أن تخالف كما أن من حقي أن أطالب بأن يكون النقاش بيننا هادئاً وراقياً ومحترماً .

4-               بعض المغردين كان يهاجم بأن إحدى الفتيات شاركت بوجه خال من المساحيق و”بالحجاب” فلماذا تنكرون عليها والإعلام يغص بالمغنيات والممثلات السعوديات ، أو أن العلماء سكتوا عن كذا وكذا وقامت قيامتهم عند مشاركة فتيات الأولمبياد الخ .

 فقط أطالب ببعض الإنصاف وتذكروا معي : هل مر عليكم موقف قط من ” تلكم ” المواقف لم تجدوا فيها عالماً ينافح وينصح ويذكر ، ثم يتلقى السخريات والتهكمات من الذين لا يعجبهم ذلك ؟ شخصياً لا أعلم أن أي جديد أُحدث إلا وتكلم فيه المشائخ بدءاً من ظهور الإعلانات في التلفزيون السعودي ، مروراً بالتساهل في ظهور المرأة في التلفزيون إلى ظهور القنوات الفضائية وكل شيء آخر نسمع فيه لغطاً ولكن الأيام تمر ، ومن بيده القرار يصر على موقفه يشجعه في ذلك الكثير ممن ناسبت القرارات الجديدة هواه فتُنسى القضايا في نفوس العامة ويعتقدون أن العلماء ساكتون وراضون ، وليسوا كذلك .. لماذا قضايا المرأة بالذات ؟ لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بأن ( أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) وأعتقد أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام حاكماً وقاضياً .

5-              أما عن منافحة البعض بأن فتيات الاولمبياد كن يرتدين الحجاب  فهذه مصيبة أخرى . شاهدت مشاركة إحداهن لأطلع على الحجاب الذي فرح به المشجعون . لم تكن صدمتي من المشارِكة فقد لا تكون متحجبة في الأصل ، ولا من بعض المغردين الذين لا يملكون خلفية شرعية قوية ، وإنما الصدمة العظمى كانت من تشجيع بعض المنتسبين للكليات الشرعية ..تساءلت في تعجب : أين العلم الذي تعلمتموه ؟

قالت إحداهن : إن حجاب فلانة ممتاز !! غطت شعرها جيداً حتى لم يبد منه شيء . فلما اطلعت على المقطع وجدت ثغرات في الحجاب .. نعم ارتدت طاقية أخفت كل شعرها ، ولكن هل الحجاب يقتصر على غطاء الشعر ؟ ثم أن (سوالفها) لم تختبئ تحت الطاقية فظهرت واضحة جلية على جانبي وجهها. ماذا عن الرقبة ؟ إذا تغاضينا عن الوجه باعتباره أمراً مختلفاً فيه ، وعن القدمين باعتبار أن الكثيرين لا يولون للقدمين أي اهتمام ، فإن حجاب المشاركِة لا يزال غير مقبول ، دعك عن الانبطاح وما قد تتعرض له من الانكشاف عند الالتحام أو السقوط أو ما يظهر من تحرك ( أعضائها) عند العدو . ورحم الله تلك المرأة السوداء التي كانت تصرع فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها لئلا تتكشف . لم هان أمر الحجاب في نفوس الناس ؟ لم صارت النساء ( المتحجبات ) يتهاونّ في ظهور بعض الشعر من مقدمة الرأس ، وأنصاف أذرعتهن بل وارتداء البنطلونات الضيقة وعليها قميص بالكاد يغطي مؤخراتهن ؟ من أفتى لهن هذه الفتوى .. هل هذا الحجاب أدى الغرض منه ؟ هل يعرفن ما الغرض من الحجاب أصلاً ؟

ثم أرسلت لي إحدى المتابعات تحتج بمشاركة الصحابيات في الحروب ، فأسألها : هل يستويان ؟ وهل كانت الصحابية تخرج بأجزاء من جسمها لتعدو أمام المتفرجين أو (تنبطح) أم انها كانت  تدافع عن حمى الإسلام بخدمة المقاتلين وتطبيبهم ؟ يا جماعة .. ركزوا شوية !

6-              ذكر أحد المغردين أن دخول المرأة في الأولمبياد كان ( اضطرارياً ) لئلا يتم حرمان الرجال من المشاركة في الدورات القادمة من قبل اللجنة الأولمبية الدولية ، وأن ثمة ضغوط من قِبل منظمة حقوق الإنسان الدولية لإجبار السعودية على مشاركة النساء وإلا سيتم إيقاف السعودية على كافة المستويات الرياضية إن لم تستجب . أتساءل : هل هذه ضرورة شرعاً تسري فيها قاعدة : الضرورات تبيح المحظورات ؟ لا أحب نظرية المؤامرة ، ولكن هذه النظرية تكون أحياناً السبب المعقول الوحيد . وإلا لِم لم نر أي تحرك لمنظمة حقوق الإنسان بشكل فعال حيال قضايا العضل ومنع المرأة من ميراثها وحقوق المطلقات وغير ذلك من القضايا التي تغم المرأة فعلاً .

7-              كرد على سؤال أُرسل إلي في تويتر عن رأيي في السماح بالرياضة للنساء في المدارس أقول : نعم ، أنا مع ذلك وبقوة ، وأدعو إلى السماح بذلك في المدارس والنوادي النسائية لحاجتهن الملحة إلى ذلك خاصة وأني تربيت على حصة رياضية في الأسبوع في فناء مدرستي دار الحنان منذ 35 سنة إضافة إلى المباريات التي كانت تقام في الفسحة في كرة الطائرة وكرة السلة ، وبعضاً من تنس الريشة بين الحين والآخر في جو نسائي بحت . المرأة تحتاج للرياضة المنظمة بشدة صحياً ونفسياً ، و لا ، لا تقوم الأعمال المنزلية مقامها إذ أن تلك الأخيرة يمكن استخدامها كوسيلة تعذيب أو عقاب خاصة مع التربية الخاطئة التي تقضي بأن الرجل لا يشارك في داخل البيت إلا في زيادة الطلبات والأعباء ! وأما عن منعها بحجة أن اللاعبات سيرتدين البنطلون أقول : طيب ؟ ما المشكلة ؟ ليرتدين البنطلون الرياضي الواسع وعليه قميصاً طويلاً . أما منع الرياضة بالكلية بسبب اللباس ، فإننا نرى التعري الشنيع والقصير الفاضح المحرم شرعاً بلا خلاف في قصور الأفراح ولم نسمع مطالبة بمنع الأفراح أو إغلاق قصورها .

8-               خلاصة رأيي في الموضوع : نعم , أنا ضد اشتراك النساء في الأولمبياد ولست فخورة بهن ولا يمثلنني ، لأن مقياس الخطأ والصواب عندي هو الشرع وليس ما يقوم في أذهان الناس من الأفكار أو ما يقوله عنا الغرب. هؤلاء الفتيات أخطأن شرعاً بخروجهن في الأولمبياد ، وكذا أخطأ من سمح لهن بالخروج بحجة أن ذلك  سيكون بموجب ( الضوابط الشرعية ) ونرى الآن أن حكاية الضوابط الشرعية أصبحت فضفاضة مهلهلة كثياب الدراويش حتى صار كل من هب ودب يتكلم فيها مع أنها مختصة بأهل العلم الذين أفنوا شبابهم وأعمارهم في تعلم العلم الشرعي .  نحن نسير في سفينة المجتمع ، يخطئ بعضنا فيقومه الآخر لئلا تغرق بنا السفينة ، ولكن يكون ذلك بأسلوب حسن رحيم شفيق ، فكلنا ذوو خطأ . ومن الأخطاء العظيمة التي انتشرت التهاون بأمر الدين وتعظيمه في النفوس حتى إنه ليكاد يقتصر على ( الملتزمين والمطاوعة ) أو ينحصر في الطقوس التعبدية وما عدا ذلك فعنده أن الخلاف لا يسوغ الإنكار فيه .. ومن قال هذا ؟ إن أغلب مسائل الشرع فيها خلافات بعضها لا يستقيم ولا تقوم له حجة فلا يلتفت إليها . لِم هان أمر الدين في النفوس حتى صار لا يُحتكم إليه إذا تضاربت الأفكار والآراء ؟ ألا يستبين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة , فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها , فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة ) .

مرة ثانية ، أذكركم ونفسي بقوله تعالى : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون ) .. لا تدري ، لعل يوم البعض يكون قريباً !

Read Full Post »

قبل ثلاثة أسابيع حضرت حفل تخرج ابنتي فاطمة من الجامعة .. هل قلت حفل تخرج ؟ نعم هذا ما كان مكتوباً في البطاقة .. المشكلة أنني حينما وصلت حسبت أنني في حفل زفاف أو عقد قران . هل لي أن أخبركم ماذا كانت الطالبات وكثير من المدعوات يرتدين ؟ يرتدين الميني ، وهو -لغير العارفين بهذه الشؤون – الذي يصل لمنتصف الفخذ .. نعم الفخذ لا الساق .

عشرات من الطالبات يرتدين العاري والميني في حفل تخرج ، وما زادني اعتقاداً أني في حفل زفاف الأغاني والدفوف التي تلت مسيرة الخريجات !

صرنا نسمع ونرى كثيراً من الشباب يرتدون الـ(طيحني) مهما بلغت أجسامهم من الضخامة في مناظر مزرية ؛ المحترمون منهم لا يبدو من عوراتهم شيئ ، ولكن كثيراً منهم غير محترمين للأسف فتجد حدود العورة المغلظة تبين وتختفي على استحياء . التناقض الصارخ في الحجاب بين كثير من الأمهات والبنات في السوق ، بل أن المسألة لم تعد مقتصرة على الخلاف الشائع في كشف الوجه أو تغطيته ، وإنما تعدى ذلك إلى ما لا خلاف في تحريمه مثل كشف الشعر أو جزء منه والمكياج والعباءات الضيقة والتغنج في الكلام والضحك بصوت عال وكأنها في بيت أبيها والعطور الصارخة والتميلح بين الجنسين …الخ .

الموضوع يا سادة أشبه ما يكون بقنبلة جرثومية انفجرت والعدوى تتفشى يومياً .

ما الذي حدث ؟

أتساءل بألم : ما الذي حدث لشبابنا وفتياتنا ؟

أكاد أسمع البعض يقول : وماذا في ذلك ؟ شباب يعيشون حياتهم فلا تبالغي .

لا أخفيكم أني ترددت كثيراً عند كتابة هذه التدوينة ، ولعلها من التدوينات النادرة التي أقدم رجلاً وأؤخر أخرى في كتابتها نظراً لأهمية الموضوع وثقله ، ولعدم رغبتي في الحديث عنه بجدية تامة لأني إن فعلت فسيغضب مني الكثير .

لابد لي من الكثير من التلطف والسخرية والمداراة .

ما الذي حدث؟

لماذا صار الشباب وكأنما يساقون سوقاً إلى هذه النوعية من المظاهر ؟ أهو إعجاب بالغرب ، أم رغبة في لفت الانتباه ، أم تحدي لقيم المجتمع المحافظ ، أم رغبة التميز ، أم كل ذلك ؟

أثناء انتظاري في حفل التخرج أفرغت ضيقي وانفعالاتي في تويتر ، فكان نتيجة ذلك أن أثيرت نقاشات عن لباس المرأة وحدود عورتها أمام النساء وكان احتجاج بعض المتابعين بحديث ( عورة المرأة من السرة للركبة ) .

 ولأني لا أرغب في اختراع أحكام فقهية من رأسي ، و رد أحاديث وإثبات أخرى خاصة بعد أن (شطف ) الكيماوي جزءاً لا بأس به من ذاكرتي فقد طلبت إمهالي لحين أبحث في المسألة جيداً وأكتب خلاصة رأيي في تدوينة .

مما لا شك فيه أنه لا يوجد حديث بهذه الصيغة أصلاً ” عورة المرأة أمام المرأة من السرة للركبة “، وغاية ما هنالك حديث: “إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى عورتها والعورة ما بين السرة والركبة “والسياق واضح في أن هذا خاص بعورة الأمة مع سيدها مع ما في الحديث من اضطراب وضعف ، فمن أين أتى المحتجون بحديثهم ؟

مما قرأته أن هذا “قول” لبعض المذاهب ولكنه ليس بحديث على الإطلاق ، وبهذا تنهار الحجة القوية التي لا يفتأ النساء بترديدها كلما أنكرت عليهن تعريهن. وأما قول الفقهاء هذا فلا يفهم منه أنهم يرون جواز جلوس المرأة كاشفة الصدر أمام مثيلاتها ، وإنما هم يفرقون بين عورة النظر وعورة اللباس , فيجعلون عورة النظر ما بين السرة و الركبة بحيث لو انكشف ما دون هذه المنطقة جاز للمرأة مثلها أن تنظر عرَضاً  كما يحدث أثناء إرضاع الطفل مثلاً .

ولو كان ثمة مجال ( ولو بالغلط ) للاحتجاج بهذا النص ، فهل يقال بجواز جلوس المرأة عارية الصدر تماماً أمام النساء مثلها ؟ إن هذا لا يقوله ولا يفعله حتى نساء الكفار إلا الشواذ منهم في نواد خاصة بالعراة . ولو احتججنا بهذا النص فما بال بعض النساء يتعدين عليه ويضربن به عرض الحائط بارتدائهن للميني . إذن ليست المسألة في وجود حديث يبيح التعري ، وإنما المسألة : الهوى .

وما عرف المسلمون في عصورهم القديمة هذا التعري أبداً ، وإنما كان فعل نساء الروم ، ولا زال ديدن النساء المسلمات الاحتشام والستر والحياء ، حتى أن بعضهم غالى في ذلك فكانت بعض المجتمعات تلزم المرأة بوضع النقاب أمام مثيلاتها من النساء وتغطي شعرها .

تعري النساء أمر حادث في هذه العصور ، ولا زلت أذكر أمي وهي تحكيني قبل ثلاثين سنة عن إنكارها على إحدى بنات جيلها خرجت في حفل زفاف أمام العريس ( الذي ليس من محارمها ) بلباس عاري .. لم تقل أمي الكثير ، قالت فقط: كدة بنات المدينة صاروا يلبسوا ؟ الآن يا أمي صار ( كل ) الناس كدة يلبسوا . وهذا مما يؤلم القلب بالفعل .

 إن الناظر لأحكام الشريعة يجد الكثير من النصوص التي تولي المظهر الخارجي  عناية كبيرة ، وما الأمر بإطلاق اللحية وتحريم الإسبال و الحجاب والنهي عن لباس الشهرة وغيرها من الألبسة إلا من ذلك ، ولا يقولن أحد أن هذه قشور والمهم هو اللب ، فليس في دين الله قشور وإنما كله لب ، وقد وصف من تشبه بقوم أنه منهم ، لأن المشابهة في الهدي الظاهر تورث المشابهة في الهدي الباطن ، وهذا ظاهر خاصة في هذه الأيام التي كثر فيها السفه على الله تعالى ورسوله وشرعه . وإني لأحسب أن التهاون في اللباس وإظهار العورات سواء المغلظة أو غيرها من مظاهر ضعف الإيمان .

وأرجو أن لا ينبري إليّ منبرٍ ويقول لا تتهمي الإيمان والقلوب ، فأنا لا أتهم وما كان لي ذلك . ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ، أما الاكتفاء بأصل الإيمان في القلب فهذا يجعلنا نحكم بالإيمان لإبليس .

إلا أن الأمر ليس كذلك . الأمر أكبر من ذلك .. هو توقير الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه .. هو الحرص على الظهور بمظهر المسلم الصالح ( وإن كان للأسف يحاول الكثير من الشباب التنصل من هذا المظهر لما له من تبعات ) ، هو الرغبة في إرضاء المنعم العلي وعدم إسخاطه ، وكل ذلك آخذ بالتلاشي للأسف من القلوب .

إن هجمة الإعلام وتزيينه هذا اللباس في وسائله المتعددة ليحمل الوزر الأكبر . فالمتبرجة المتبعة لخطوط الموضة من ممثلات ومذيعات هن دائماً (كول) في حين أن المتسترات : ( خالات ) . تماماً مثلما كانت أمي تقول أنها كانت تُنعت في صغرها بأنها “ابنة الإمام” فقط لأنها كانت تبادر بالصلاة حالما يؤذن ، في حين يقوم أقرانها بتأخير الصلاة حتى يقارب أذان الصلاة التالية .

 أشعر كأنها سبة ، من قبيل ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) . الملتزمون بشرع الله متخلفون عن ركب التحضر ، أما المتفلتون فهم من حاز المعالي .

ثم تأتي دور الأزياء لتعزز هذا المفهوم في النفوس ، ولا يقتصر ذلك على الدور الأوروبية وإنما جل المصممين العرب و السعوديين نحوا هذا المنحى في تبعية غريبة ومستهجنة ، ولن أدعي أن الجمهور عايز كدة ، إذ أن المصمم هو الذي يفرض رؤيته وغالب الجماهير كأنها غنم تساق !

وكانت ثالثة الأثافي أن دعمت دكاكين الملابس في بلدنا هذا التوجه ، فصار من الشائع والعادي أن ترى واجهات المحال تعرض ألبسة تحار معها ماذا تصنع ؟ ولولا جلوس أربعة رجال أمام أحد الدكاكين لصورت فستان سهرة عرضه أحد المحلات يشبه بدلة الرقص الشرقية .

صار الأصل هو العاري ، وعلى المحتشمات أن تبحث عن ما تستر به هذه الثياب دون أن تخل بالذوق العام .

العجيب أني وجدت أثناء بحثي في مواقع فساتين الزفاف الالكترونية أن الفساتين المحتشمة والتي تسمى Modest Dresses أغلى ثمناً من تلك العارية ، بشكل يبدو مبالغاً فيه أحياناً ، ولا أعرف ماذا يعني ذلك !

هذا التوجه من قبل محال الأزياء يجعل المرأة تتنازل عن كثير من قناعاتها ومبادئها إما لأن تستير الملابس أمر يحتاج لكثير فن وخيال ، أو لئلا توصم من قبل قريناتها أنها “متخلفة” أو “قديمة” أو “فقيرة ” أو كاهن أو مجنون !! تعددت النعوت والتهمة واحدة .

وما يثير التعجب حينما تبارك الأم – وخاصة لو كانت متدينة- لباس ابنتها ولا تجد فيه غضاضة ، وربما تجد ولكنها لا تقوى على ضغوط ابنتها . والأنكى من ذلك حين تسعى الأم بنفسها لشراء هذه الألبسة للابنة متغافلة عن الحكم الشرعي ودورها كراعية ومسؤولة عن رعيتها ، بل وناسية أمر العين والتحرشات الجنسية حتى من قبل النساء ( البويات ).

 ولا شك أن دورها يبدأ من الصغر ، في تعويد الفتاة على لبس العاري أو المحتشم .. وكثيراً ما أسمع الاستنكارات المستهجنة لإصراري على عدم ارتداء ابنتي شمس ذات الخمس سنوات العاري ، أو القصير بلا (سترتش) متحججين بأني هتكت بذلك أصول الموضة .

إذن ما هي حدود عورة المرأة أمام المرأة ؟

عورة المرأة أمام المرأة هي كعورتها أمام محارمها من الرجال ، وهذا مذكور في القرآن في قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن ) . فالزينة نوعان : الزينة الظاهرة وهي التي لا يمكن إخفاؤها كالعباءة وأسفل الثوب فهذا يجوز إبداؤه حتى للأجانب من الرجال على أن لا يكون زينة في حد ذاته ، والزينة الباطنة وهي التي تستلزم إظهار جزء من البدن كالرأس وموضع الخلخال من الساق والقلادة من النحر والسوار من الذراع والمعضد من العضد ، وما عدا ذلك فلا يجوز إظهاره ، وقد لخص الفقهاء ذلك بقولهم : ما يبدو غالباً ..

وأؤكد على ذلك لأن عقول الناس تتفتق يومياً عن مواطن جديدة للزينة ، ليس آخرها حلية السرة و حلية البوكسر ( وهو الاسم الكول للباس الداخلي والذي يخفف بعض الشيء من غلواء ظهوره بسبب ارتداء الـ “طيحني”) .

أخيراً .. حين تدغدغ خيالاتنا صور الأمة الإسلامية المنصورة المهيمنة على العالم ، ونردد شعار : المستقبل لهذا الدين ، فلا نتخيل أن يتم ذلك دون الدخول في السلم كافة : أي الإسلام كله ، وهذا لا يقتصر على العبادات فقط وإنما يشمل الأخلاق والقيم الإسلامية و المظهر إذ لا قشور في الدين كما ذكرت . نحتاج لكثير من التركيز وضبط الأهواء والانفعالات ، نحتاج لكثير من الحكمة ومخافة الله .

أما من لم يهمه لا مستقبل الأمة ولا مخافة الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ” .

Read Full Post »

 بعدما  لاقت تدوينتي السابقة في أسباب طلاق الفتيات  بعض النجاح بفضل الله تعالى ، كان من اللازم ذكر الأسباب التي يطلق فيها الشباب بعد زواجهم بمدة قصيرة .

لا أدعي أني أتقنت كتابة هذه التدوينة ربما لأني لست (شاباً ) فلن أجيد فهم ولا تخيل المشاعر والدوافع كما حصل في تدوينة الفتيات ، ولكن حسبي أنها محاولة بسيطة وخطوة من مئات الخطوات نحو الإصلاح ، قابلة للتصحيح والنقد والتغيير .

لذا كان لابد من الاستعانة – بعد الله تعالى – بصديق ، بل أصدقاء ، وكالعادة يممت وجهي شطر العصفور الأزرق ( المزعج أحياناً ، المفيد أحياناً أخرى ) تويتر ، وتوجهت بسؤالين نحو الشباب :

الأول : لماذا تقدمون على الزواج ، ما السبب الدافع للزواج ؟

الثاني : برأيك ما سبب طلاق الشاب لزوجته التي تزوجها قريباً ؟

أما عن إجابة السؤال الأول فتلخصت دوافع الشباب على الزواج في الرغبة في : إكمال نصف الدين ، العفاف ، إنشاء أسرة ، ليكون أباً ، الحاجة الفطرية ، والحصول على راتب الزوجة !

في الحقيقة اعترتني الدهشة من هذه الإجابات الجادة ، ولا زلت أجهل هل هذه الإجابات “نموذجية” وتعبّر حقيقة عن الواقع ، أم أنها “مثالية” تعبر عن الرغبة في أن يكون الواقع هكذا .

وسبب دهشتي أني لم أتخيل مدى جدية الشباب في تكوين بيت وأسرة ، وكأن هذه الفكرة مقتصرة في ذهني على الفتيات ولا تسألوني لماذا أرجوكم .

وحين سألت السؤال الثاني توافدت إليّ الكثير والكثير من الإجابات من الشباب والبنات على حد سواء ، ولكن رأي الشباب هو ما كان يهمني حقاً ، فالأمر يخصهم في المقام الأول .

حاولت لملمة أطراف التغريدات التي وردتني ، واستطعت حصرها في بضع نقاط  :

–       عدم  التصور الصحيح لمفهوم الزواج ، مثل ما هو الحال عند كثير من الفتيات . فبعض الشباب يقدمون على الزواج وفي رأسه آمال وأحلام بتكوين “عش” الزوجية وبإنجاب عدد من الأطفال الظرفاء ، وربما يكونون في خيالاته شقراً ذوي غمازات وعيون زرقاء ( طبيعي ، وإلا فكيف يكونون ظرفاء! ) نظيفين على الدوام ومبتسمين و ( عُقّال) مهذبين ، ويتخيل نفسه بعد عناء يوم طويل في العمل يدخل بيتاً مكيفاً ، محملاً بأكياس البقالة التي حوت على أطايب الأسواق ، فيجد امرأته الجميلة النظيفة المرتبة تحمل عنه حمله وتهمس له بصوت كتغريد العنادل : هات عنك يا حبيبي ! وقد يمر بفترة ( ملكة ) مثالية ، غارقاً في الوسامة والأناقة وتبادل الهدايا ومعسول الكلام ، فإذا ما تم الزواج وجاء الأطفال كانت الفاجعة ، فهو لم يصدق أبداً أن يكون وحم الحمل بهذا الإزعاج لزوجته وله على حد سواء ، ولم ينم من قبل في غرفة واحدة مع طفل يعوي طوال الليل بسبب المغص ، ولم يخطر بباله أن المرأة بشر وليست ملاكاً أو مخلوقاً أسطورياً ، وإنما كائن ضعيف ليس  في شدة الرجل وقوة أعصابه ، ويعتريها ما يعتري البشر من التعب والملل والإرهاق ، فينعكس ذلك على أدائها الوظيفي من جميع جوانبه ..

–        البعض لا يفهم من معاني الزوجية والقوامة إلا فرض قوانين صارمة لا تعرف المرونة ، تعتمد على رعاية الفتاة لبيتها بالمعنى الحرفي القديم ، وتخاطبه بذات الاحترام الذي تعاملت به الجدات ، في حين لا يلزم نفسه بالتصرف كما تصرف جده الأول ، فتجد معاني الشهامة والرجولة بل و الفروسية مغيبة  تماماً عن خاطره ، وما في ذهنه من معاني القوامة إلا الأمر والنهي والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه مخالفة القوانين ، فيقع في ذات الشرَك الذي وقع فيه والداه من قبله وكأن المسألة وراثية أو عدوى ..

–       الإغراق في المثالية ، فهو يريدها كما يذكرون في المجالس : جميلة ، بيضاء ، دعجاء العينين ، في صوتها بحة ، وفي وجهها وسامة ،  أديبة تقنع بالقليل ، إذا تكلمت بالكاد أسمعت ، وإذا قهقهت تبسمت ، تضربها فتقول لك (كمان ) ، وتشتمها فتقول لك : (هل من مزيد ) الخ …

وهو مع هذا كله إذا نظر إلى المرآة لم يجد في خلقته ولا في حسن هندامه عشر ما يطلب ، وكأن الهيئة الحسنة مطلب مقصور على الرجال دون النساء . ولا أنسى امرأة كانت تشتكي إليّ من زوجها أنه يطلبها أحياناً إلى الفراش وهو في حال مزرية من الشعث والحاجة إلى الاغتسال والتنظف ، ويعتذر لها بتعبه وإرهاقه الشديد لتأمين لقمة العيش ، وعليها الآن أن تهيأ له نفسها كي يصيب منها ما يريد ويخلد للنوم .

لا بأس ؟ لا ترون في ذلك غضاضة ؟ نعم قد يكون الرجل متعباً أحياناً فلا نكلفه ما لا يطيق ، ولكن ما باله يرى العود في عين امرأته ولا يرى الجذع في عينه ؟

وقد لا يطالب بجمال زائد أو صفات خلقية معينة ، ولكنه يتمثل فيها أمه .. فينشد في طعامها نَفَس والدته ، وفي تعاملها خلق أمه ، وصبرها ، وحلمها وسعة صدرها وعقلها ومرحها وذكاءها ووو ، وينسى أن لكلٍ شخصية وصفات تتعلق بالمراحل العمرية المختلفة .

–        المطالبة بالحقوق دون إعطاء الواجبات . فتجد الكثيرين لا يفتئون يتغنون بصفات الزوجة الصالحة وحقوق الزوج على زوجته ويحشد الأحاديث في فضل الزوج وعظيم حقه ، ويغض الطرف عن واجباته تجاهها المادية والمعنوية والجسدية ، فيطالِب ويرفض أن يطالَب ، ويحاسِب ويأبى أن يحاسَب ، وقد يسايره المجتمع في هواه في الكثير من الأحيان لأنه على هذا قام في كثير من الأنحاء : المجد للرجل ، وللمرأة الفضلة  . وإنّ شركة لا تقوم على أساس العدل والإنصاف واحترام المتعاقدين لبعضهما البعض وإعطاء كل منهما الآخر حقه كاملاً لهي شركة خاسرة ، متهاوية ولو بعد حين . وأشد ما يؤسف له أن كثيراً من هذه الشركات تسقط بعد عقود من الزمان ـ لأن ما بُني على أساس ضعيف فإن مصيره إلى الاضمحلال .

–       ومثل الفتيات بعض من الشباب : لم يتحمل أي مسؤولية منذ صغره ، وكل مبلغه من العلم بالمسؤولية : الإتيان ببعض مستلزمات البقالة ، وحماية اسم أمه وأخته من الانتشار بين الشباب . فإذا تزوج وعلم أن الأمر أكبر من ذلك : المسؤولية العظمى هي كونه راعياً لرعيته .. كانت الصدمة ..

بعض الشباب لم يسمع أن من صفات القادة والرعاة على حد سواء : الرفق والصبر والحزم وتقديم الصالح العام على الصالح الخاص . لم يعرف أن من المسؤولية تقديم الدعم المادي و المعنوي لأفراد أسرته ومساعدتهم بشتى الطرق ، وأنه – في سلم الدرجات – لابد أن يأتي في المرتبة الأخيرة ، وإنما حسِب أن الدنيا تؤخذ غلاباً ، وما دام أنه الأقوى جسداً والأرفع صوتاً والأثبت جناناً – في غالب الأحيان – فليأخذ بسيف السُلطة – أو الحياء-  ما خف وزنه من الحقوق وغلا ثمنه ، وعذره في ذلك : أنه الأقوى ، والقائم على أمور أهله ، و(الرجّال) ولا بأس بترك الكثير من ( الفتات ) ذراً للرماد في الأعين.

–       عدم فهم طبيعة الزوجة ، كامرأة أولاً ( هل أنصح بقراءة كتاب : الرجال من كوكب ما ، والنساء من الكوكب الآخر ؟) ، وكزوجة بالذات ثانياً ، ومن لا يعرف آلام الحيض والولادة وتعب الحمل فلا يحق له التفوه بكلمة واحدة متذمراً من تعبها . وأعجب حين أسمع رجلاً يشتكي من دلع امرأته ، وقلة صبرها ، وسوء إدارتها للمنزل، في حين تجده ينهار إذا ما أصابته الانفلونزا وربما استأذن من العمل وأقحم بالمنزل في حالة استنفار لرعايته ، كما تجده يتصرف ببعض من الخراقة في كثير من الأوقات وهو في ذلك معذور إذ لم يسبق له الزواج من قبل ، ولكن ما باله يفرق بين حاله وحال زوجته .. هي لم تتزوج من قبل أيضاً فلماذا لا تُعذر .

–       التهاون بموضوع الطلاق أحياناً ، فهو لم يتكلف شيئاً ذا بال .. ( والله يخلي البابا ) الذي دفع المهر واستأجر الشقة وفرشها وأبدع ، وأقام حفل الزواج ، أما هو فبطل .. اشترى الشبكة من ماله ! فإذا لم تعجبه في شيء من خُلقها أو خَلقها ، أو سئم منها أو ذهبت الشهوة التي لأجلها أقدم على الارتباط بها ، فما أسهل الطلاق عندئذ ، والمجتمع سيكون في صفه ولا شك ، إذ أن المطلقة هي التي عليها العين وتُنسج ضدها الأساطير ، أما المطلق فمسكين مظلوم ، ولا يعيب الرجل إلا جيبه !

–       ولا ننسى أن للأهل نصيباً . فبعض الأهل يحثون ابنهم على الزواج ( لعله يعقل ويركز ) أو لرؤية أحفادهم قبل أن يدركهم الموت ، أو يجبرونهم على الارتباط من بيئة أو عائلة معينة لظروف اجتماعية محددة ولا يراعى في ذلك النظر إلى مدى تحملهم للمسؤولية ، وبعض الشباب يكونون ( أبناء أمهاتهم ) فيتركون الأم تدير أمور بيتها وبيته ، فتتحكم في تربية أولاده وأثاث بيته ، وعلاقته بزوجته وتطالب وتشدد وترغي وتزبد لو خالف ، وينصاع هو لئلا يكون عاقاً ، أو لعله خائف من تحمل المسؤولية الجديدة فيلقيها على عاتق أمه ، ويغفل أن الفتاة إنما تزوجته هو ولم تتزوج أمه ، فيقع الصدع والنفور وتكون الصدمة .

قد يتساءل أحدكم : ألم تشدي الوطأة على الشباب بعض الشيء  ؟ ألم تقسي عليهم ؟

فأقول : ربما .. ولكني فعلت ذلك لأنه الجانب الأقوى في هذه الشركة . هو من بيده أن ينفق أو يبخل ، من يمسك أو يطلق ، من يكرم أو يهين ..

وفي كثير من الحالات كما هو مستفيض عند الناس يكون الرجل مسكوناً  بقهر الزوجة ، ولعاً بإشباع رغبات غير سوية في ضربها أو إذلالها أو تعذيبها جسدياً ومعنوياً ، ومن هنا نفهم سر توصية النبي صلى الله عليه وسلم : ” اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ” ، فأمر بتقوى الله فيهن وجعلهن بمنزلة الأسير العاني الذي لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة .

لا أدعي أني حصرت جميع الأسباب ، وإنما هي – كما ذكرت – محاولة لوضع اليد على الأسباب ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .

وأرجو أن لا يفهم من تدوينتي أني ألقي باللائمة كاملة على الشباب في موضوع الطلاق .. ليس كذلك ألبتة .. فقط أردت أن أبين أن بعض هذه الأسباب تؤدي – متضافرة مع بعض الأسباب من جهة البنات – إلى الطلاق  ، وعلينا جميعاً أن ندرس هذه الظاهرة وننتقدها ، ونبحث عن آثارها في حياتنا  كطريق أولي لتفاديها .

 

 

Read Full Post »

تعلمنا في التغريدات السابقة ماذا عليك ألا تفعله إذا ما واجهت سلوكاً ذميماً من طفلك ، وسنتعلم اليوم ما الذي عليك أن تفعله تجاه ذلك الأمر . عليك أن تستخدم أسلوب العد .

المدهش أن أسلوب العد أسلوب بسيط ولكنه فعال ، إلا أن عليك أن تتعلمه جيداً .

في البداية عليك أن تضع أمرين في الحسبان :

1- أن استعمال أسلوب العد يكون لسلوك التوقف ( السلوك الذميم ) ، وبالتالي فإنك ستستعمله لإيقاف النواح والجدال ومشاكسة الآخرين , والمشادة ، ولن تستعمله لإخراج الطفل من فراشه صباحاً ولا لدفعه لكتابة الواجبات ولا لتناول طعامه .

2- بعد أن تتعلم طريقة العد في التربية السحرية قد تغدو مرتاباً في صلاحية هذه الطريقة خاصة بعد أن تكتشف سهولتها وأنها ليست بالعنف الذي تتوقعه، وقد تفكر : أنت لا تعرف ابني جيداً ، إنه “حيوان”. لك الحق أن تكون مرتاباً ، ولكن الأمر ليس سهلاً دائماً كما تتوقع .ليس العد هو “السحر” في التربية السحرية ، وإنما ما يبدو أنه “سحري” هو نزوعك لعدم الكلام وعدم الانفعال الذي تحدثنا عنه في التدوينة السابقة ؛ أن تتبع القاعدتين اللتين تجعلان الطفل يتحدث ويتصرف متحملاً مسؤولية أعماله وأقواله .

المدخل إلى أسلوب العد :

تخيل أن عندك طفلاً في الرابعة ( بعضكم لن يحتاج إلى التخيل !) وليكن أحمد ، وهو الآن يمر بنوبة غضب عارمة في الواحدة والنصف وأنت مشغولة بإعداد الغداء في المطبخ لأنك – وبكل قساوة قلب- رفضت إعطاءه كيساً من البطاطس الشيبس لاقتراب موعد الغداء . فصار يخبط رأسه في الأرض ، يرفس أبواب الدواليب في المطبخ ويصرخ كما لو قُتل أحد أبويه .

أنت متأكدة أن كل جيران الحي يسمعون صوته ، ومحتارة كيف تصنعين . طبيب الأطفال يخبرك أن تتركيه يصرخ حتى يتوقف ، ووالدتك ترشدك لرش الماء على وجهه ، وزوجك يطلب منك – ببساطة – أن تضربيه .

ولا أي من ردود الأفعال هذه مجدٍ أو مرضي . بدلاً من ذلك ، فإنك ستكتفي بأن ترفعي أصبعك وتنظري إلى هذا الشيطان الصغير وتقولي بهدوء : “واحد! ” . لكنه لا يهتم ، إذ أن الغضب يعميه عن فهم أي شيء فسيستمر في نوبة الغضب ، بعد خمس ثوان ترفعين أصبعاً ثانياً وتقولين : “اثنان !” ، فقط دون المزيد من الكلام .

ولكنك تحصلين على نفس النتيجة التعيسة ويستمر الغضب ، وبعد خمس ثوان أخرى ترفعين أصبعاً ثالثاً وتقولين : “ثلاثة ، ستعاقب” !

ماذا يعني ذلك ؟ هذا يعني أن ابنك أعطي فرصتين لتصحيح سلوكه ولكنه أضاعهما برعونته لذا وجب أن يواجه عاقبة فعله . هذه العاقبة يمكن أن تكون وقت مستقطع time out في بقعة معينة من البيت ( بمعدل دقيقة مقابل كل سنة من عمره ) وهي عقوبة جيدة إذا قُدمت من قِبل أب غير غاضب ، أو بديل للوقت المستقطع وسنذكر هذه البدائل في نهاية التدوينة .

لنكمل تخيل ما سيحدث لو أنك اخترت إيقاع عقوبة الوقت المستقطع على أحمد ، ستأخذه و( تحبسه) لمدة خمس دقائق ، وبعد أن ينتهي منه ماذا سيحدث ؟ لا شيء . لا كلام ولا عواطف ولا اعتذارات ولا محاضرات ولا نقاشات وتبريرات . لا كلام إلا إذا احتاج الأمر إلى ذلك .

لا تقولي مثلاً : حتصير ولد شاطر دحين ؟شفت كيف زعلت ماما ؟ ليش كل مرة لازم تسوي كدة ؟ أختك ما تسوي زيك ليش أنت تسوي كدة ؟

كل هذا ينبغي ألا يقال . فقط ابقي صامتة . إذا أحسن الطفل فامدحيه واثن عليه واستمتعي بصحبته ، وإذا أخطأ مرة ثانية فعدي مرة أخرى .

الذي سيحدث وفي فترة وجيزة : سيكون يمقدورك التحكم بسلوك الطفل عند : واحد ، أو اثنين . ونعدك أنك إذا استمريت على ذلك أنه سيكون بإمكانك إيقاف مشادة بين طفلين في حجرتهما وأنت في المطبخ فقط بمجرد إسماعهما صوتك تقولين : ” واحد! ” ، لن يكون هناك أي صراخ أو ضرب أو غضب من قبلك وستنفض المشادة فوراً . إذا حصل ذلك ، فستشعرين بالسعادة فعلاً .

بعض الآباء يقولون : إن طفلنا ينتظر حتى رقم 2 ثم يتوقف ، إنه يتلاعب بنا .

نقول : لا ، هذا ليس تلاعب ، لأن ما يثير حنق الآباء فعلاً ليس الوصول إلى “2” ، وإنما 45 أو 76 . فقط تذكر أن رقم “3” هو الفاصل .

سؤال : ماذا لو فعل الطفل شيئاً سيئاً للغاية لا أريد أن أنتظر أن يكرره إلى أن أصل إلى رقم ثلاثة ، كما لو قام بضربك مثلاً : فأنت لا تريده أن يستمر في ضربك أو شتمك حتى تصل إلى رقم ثلاثة فهذا حمق ، فإذا فعل ذلك ، فعليك أن تقول مباشرة : ” ثلاثة ! ستعاقب خمس دقائق في الحجرة ، وزيادة 15 دقيقة للعنف أو للسان المعفن ” .

بعد إتمام العقاب قد يكون من المفيد أن تشرح له سريعاً لم قمت بعقوبته ، فقط لو كان هذا الفعل جديداً عليه ولم يسبق له أن تفوه بهذه الكلمة أو ضربك من قبل ، أو كان السلوك غريباً أو خطيراً . أما لو كان يفعل ذلك فإن عليك أن تعاقبه بدون أي شرح .. أكرر بدون أي شرح ولا كلام .

الجزء الصعب في هذه التقنية :

90% من الحالات ينسى الآباء قاعدة : لا كلام ، لا انفعال . في حادثة أحمد والشيبس هذا ما سيحصل لو أن أمه نست القاعدة ، وهذا ما يفعله الأغلبية الذي يشتكون عدم جدوى الطريقة :

” واحد! هيا ، لقد تعبت من ذلك ، لماذا لا تتصرف جيداً . انظر إليّ وأنا أكلمك . طييب ، اثنان ! بقيت لك فرصة واحدة وستذهب إلى حجرتك .هل تسمعني ؟أنا تعبت من كل هذا العويل والمضاربة في كل مرة ، وكل مرة أخبرك أنك لا يمكن أن تأخذ شيبس قبل الغداء ، أختك لا تفعل ذلك أبداً . أبوك سيحضر الآن وسيجدك تبكي ولم أنته من صنع الغداء ، ليش دايماً تسوي إزعاج وقت الغداء . خلاص .. ثلاثة! ستعاقب خمس دقائق في الحجرة . اسكت ، انقلع يللا “.

ما هذا ؟ هذه نوبة غضب أبوية . الآن عندنا نوبتا غضب في نفس المطبخ . ردة فعل الأم هنا ليست من التربية السحرية في شيء .

ماذا كان الخطأ هنا ؟

أولاً : هل تراه مناسباً أن تتحدث إلى الطفل بهذه الصورة ؟ إذا كنت تتواصل بهذه الطريقة مع الطفل فإن الرسالة التي توصلها إليه هي : دعنا نتضارب ! وفي الحقيقة فإن هناك الكثير من الأطفال الذين يفضلون أن تقطع يدهم اليسرى على أن يخسروا مشادة لفظية ممتازة . إن النزوع إلى التحدث بطريقة جدلية أو إقناعية غير حكيمة كفيل بأن تشتت تركيز الطفل بعيداً عن التربية الحسنة ، وبدلاً من ذلك فإنه سيتوق إلى أي جدال مليء بالمتعة والحيوية .

أضف إلى ذلك فإن كثيراً من الأطفال يعانون بالفعل من صعوبات في التركيز ، فكيف لطفل مثل ذلك أن يلتقط الجزء المهم في خضم الكم الهائل من الكلمات التي نثرتها عليه ، وهذا الجزء المهم هو العد ؟ لا يستطيع الطفل أن يتجاوب مع التهديد إذا لم يسمعه جيداً منذ البداية .

أمر ثالث يتعلق بخرق قاعدة : لا تتكلم ، لا تنفعل ؛ أنه كلما تحدث الأب أكثر فإن الرسالة الأساسية تتغير . حينما يعطي الأب تبريراً خلف تبرير للطفل ليحسن التصرف فإن الرسالة الحقيقية تصبح : لست مضطراً للتصرف بشكل حسن إلا إذا أعطيتك لذلك خمس أو ست أسباب جيدة ، وأرجو أن تقتنع بأسبابي !

هذه ليست تربية ! هذا توسل ! الذي سيحصل أن الطفل سيرد تبريراتك : سندس لا تستمع دائماً لكلامك ، أبي لن يرجع الآن ، لم أفعل هكذا البارحة ، وستتركين التربية وتظلين تناقشينه حتى ينسى الموضوع الأصلي .

ما هو الموضوع الأصلي ؟ الموضوع الأصلي : هل الطفل يتصرف بشكل حسن ؟

لذا فإذا أساء الطفل التصرف فعليك أن تقول : واحد! ( وعض على شفتيك لو اضطررت لذلك ) ، وإذا احتاج الأمر : اثنين! وهكذا . ليكن عدك صارماً ولكن باحترام ، وتذكر : ليس العد هو الذي يملك مفعولاً سحرياً ، وإنما تلك اللحظة الحاسمة بعد كل رقم والتي تحمل الكثير من الوعيد . عند العد ، فإن سكوتك بعد كل رقم يتكلم بصوت أعلى من صوتك .

لنقم بتمثيل مشهد الشيبس بطرق مختلفة وانظر كيفية تطبيق أسلوب العد وأثره :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

حتى الآن لا خطأ في هذه المحاورة ، لكن المشكلة أن بعض الأطفال لا يقتنعون بالسبب الذي قدمته الأم فيكملون

“طيب أنا أبغى !”

ما الذي يجب على الأم أن تفعله ؟ هي قد أعطت سبباً كافياً وواضحاً للرفض ، فهل عليها أن تعيد الإجابة ؟ هل تزخرفها ؟ هل تصمت ؟ هل توبخه ؟

لنعد هذا الوضع بمشاهد ثلاثة : الأول حين تكون الأم متبنية لنظرية الأطفال البالغين ، والثاني : حينما تتعلم الأم أسلوب العد ولكن الطفل لم يعتده بعد ، والثالث : حينما تتقن الأم الأسلوب ويعتاده الطفل .

المشهد الأول :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

” طيب أنا أبغى ” .

” قلت لك ، الغداء بعد شوية وما ينفع تأخذ ” .

” أنت عمرك ما تعطيني شيء ” .

“إيش الي ما أعطيك شيء ؟ مين الي يعمل لك الأكل ، مين الي يغسل ملابسك ، مين يساعدك في الواجبات ؟”

” أنت أعطيتي سندس شيبس قبل شوية “

” اسمع ، انت غير أختك ، ثم هي تأكل غداءها كله ” .

” أوعدك أني حآكل كل الغداء لو أعطيتني ” .

” كل الي آخذه منك وعود وعود وعود . أحمد ، أمس أعطيتك شوكولاتة صغيرة ولم تكمل غداءك “

” إذن سأقتل نفسي ثم أهرب من البيت ” .

” أحسن ، تريحني ! “

بإمكانك أن تضع يدك على الخطأ الذي حصل بمناقشة الأم لابنها الغاضب وكيف أن النقاش زاد الموضوع سوءاً .

المشهد الثاني :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

” طيب أنا أبغى ” .

” واحد! “

“إنت عمرك ما تعطيني شيء “

” اثنان ! “

” إذن سأقتل نفسي ثم اهرب من البيت ” .

” ثلاثة ! ستعاقب لمدة 5 دقائق ” .

الأم هنا أدت دوراً أفضل بكثير . الطفل البائس سيختفي لفترة مؤقتة في حجرته ، وتنتهي هذه الحلقة .

المشهد الثالث وقد اعتد الطفل على هذه الطريقة :

” ماما أبغى شيبس “.

“لا يا بابا ” .

” ليش ؟”

“عشان الغداء بعد شوية ” .

” طيب أنا أبغى ” .

” واحد! “

” ( صمت ) أوف طيب ” . ويمضي خارجاً بتبرم .

مميزات أسلوب العد :

1-هذه الطريقة ستوفر عليك جهداً وأنفاساً كثيرة كنت ستبعثرها في الجدال مع الطفل . بإمكانك أن تعطي تبريراً أو أكثر للطفل إذا لزم الأمر وذلك إذا ما تضمنت المشكلة أمراً جديداً على الطفل ويحتاج لفهمه أو خطيراً عليه أن يتعلمه.

مثلاً : جاءت سندس وخلعت حذاءها وبدأت بالقفز على الكنبة . تنظر إليها وتقول ” واحد! ” فتقول : ماذا فعلت ؟

هل إعطاء السبب مجدٍ هنا ؟ نعم لأن هذا أمر جديد عليها ولا تعرف سبب العد ، فتخبرها أنك ممتن لأنها خلعت حذاءها لكن عليها ألا تقفز على الكنبة لئلا تقع أو لئلا تتضرر الكنبة .

متى يكون إعطاء السبب غير مجد ؟ إذا كررت هذه الفعلة بعد عدة ساعات : نظرت إليها وقلت :” واحد!” فتقول : ما ذا فعلت ؟ فتقول ” اثنان ” . هل كانت تستفهم بالفعل ، أو أنها كانت تجرك إلى حلبة النقاش ؟ حينما يستفهم لماذا تعد إذا ما ضرب أخاه فهل يحتاج لجواب ؟ أكثر من إعطاء التبريرات وستخرج عن دائرة التربية بالمرة .

2-إذا كنت مضطراً للتفاوض يومياً مع الطفل ليقوم بالأعمال المنوطة به فإن ذلك سيدفعك للجنون حتماً .الكثير من الآباء يعقدون مهمة الأبوة عن طريق محاولة أن يكونوا لطفاء جداً . بمعنى آخر ، يضعون لأنفسهم هدفين بدلاً من هدف واحد : الأول هو تربية أطفالهم ، والثاني :أن يحملوا أطفالهم على أن يحبوا هذه التربية . مثل تلك الأم في حادثة الشيبس ، تشرح وتشرح وتشرح لطفلها لم لا تعطيه الشيبس وكأنها تأمل أن ينظر إليها ويقول : ” أوه ، لم أفكر بهذه الطريقة يا ماما ، شكراً لك لاقتطاعك الوقت لتشرحي ذلك لي ، وأقدر فعلا ً جهودك في أن أكون طفلاً مؤدباً ومسؤولاً ” . لنكن واقعيين ، إن افتراضية الأطفال البالغين ستزيد الأمر سوءاً حينما يتطور الأمر للجدال.

3-أسلوب العد أسلوب قصير ولطيف ، إنه من الصعب على الأب أن يكون دائماً متعقلاً خاصة إذا كان غاضباً . رأيت أماً مرة ( يقول المؤلف ) أمسكت ( بزمارة رقبة ) ابنها ذي الأربعة سنوات لأنه رد عليها بسوء أدب . وأباً أشعل النار في عروسة ابنته بعد نقاش طويل حول أداء الواجبات المدرسية . ومع أن أغلب الآباء لن يصلوا إلى هذا المستوى المشين من التصرفات الخرقاء مع الأطفال إلا أن الكثير منهم لن يزالوا يستخدمون الشتم أو الضرب أو التحقير .

مع أسلوب العد في التربية السحرية فإن العقوبة ستكون مناسبة تماماً للجرم ومعقولة : فترة راحة ( حبس ) بمعدل دقيقة لكل سنة عمرية من حياة الطفل ، أو أحد البدائل للوقت المستقطع والتي سبق ذكرها .

ميزة الوقت المستقطع أو بدائله أنه عقوبات غير قاسية أو بلهاء ، كما أن الوقت المستقطع فرصة للجميع كي يهدأ .

مع هذا الأسلوب فإن غالب الأطفال يرجعون من الوقت المستقطع وقد نسوا الأمر برمته ، وليس مسموحاً لك بأي حال أن تعلق على ما حدث – ما لم يكن ضرورياً جداً – فإن ذلك سيسرع في صفاء النفوس من جديد .

بدائل أسلوب العد :

أحياناً لا تتمكن من استخدام الوقت المستقطع كعقاب ، ربما تكون مستعجلاً أو ربما أردت عقاباً أقوى فعندها يمكنك اللجوء على بدائل الوقت المستقطع :

الخلود إلى الفراش في وقت أبكر بربع ساعة النهوض من الفراش في وقت أبكر

الحرمان من Game Boy لمدة ساعتين الحرمان من Xbox بقية اليوم

الحرمان من الحلوى الحرمان من استخدام الهاتف

التكليف بأعمال سهلة كغسل حوض الحمام التكليف بنسخ قطعة من عدة أسطر

عدم التحدث معه لمدة ربع ساعة الحرمان من الأيبود التقليل من وقت الجلوس على الكمبيوتر

هذا الأمر يخضع لخيالك ، ولكن عليك أن تتذكر أن تكون منصفاً ومتعقلاً ، فإن هدفك هو تعليم الطفل لا الانتقام .

كما عليك أن تتذكر أن التعليقات الجانبية مثل “كان بإمكانك تفادي العقاب لو أنك أحسنت التصرف ” مرفوض تماماً .

 

في التدوينة القادمة سنناقش :

أسئلة شائعة تحتاج لإجابات .

Read Full Post »

قبل أيام طلبت من أخي الكبير أن يتصل على إحدى مؤسسات السرطان العلاجية في الولايات المتحدة ليحصل على إذنهم بترجمة الفيديوهات التعليمية التي حشدوا بها موقعهم لأقوم بالتعاون مع ابنة أخي بترجمة بعضها لمنتدى طهر لمريضات السرطان .

قام أخي بالاتصال على الرقم الذي زودونا به وشرح لهم مبتغانا فقاموا بتحويله إلى إدارة أخرى ، ليشرح لهم ثانية ، وهكذا تم تحويله عدة مرات ، وفي كل مرة كان يشرح الطلب ويقابل بالاعتذار والتعاون إلى أن وصل إلى من طلبت منه الاتصال في اليوم التالي على القسم المختص ( بالبزنس ) لأن اليوم عطلة رسمية والعاملين الآن من المتطوعين في قسم المرضى فقط ..

تذكرت أن اليوم كان الرابع من يوليو وهو يوم الاستقلال الأمريكي ..

إلا أن ما لفت انتباهي بشدة أن يقوم كم لا بأس به من الموظفين بالعمل في يوم عطلة رسمية تطوعاً لخدمة المرضى .

ثمة أمر آخر ، وهو كمية الأدب والاحترام الذي تلقاه أخي أثناء اتصاله ، وفي كل مرة كانت تقدم له الاعتذرات والتأسفات على التأخير ريثما يتم البحث عن طلبه .

ومباشرة تمت مقارنة هذا الأمر بما يجري عندنا !!

وفي ذهني دار التساؤل : ما الذي يدفع هؤلاء الناس لحسن التعامل مع الغير ؟

وتذكرت حينما كنت في الولايات المتحدة ونقوم بشراء أغراض البقالة ، تنهي ( الكاشييرة) معاملتها مع الزبون بقولها : have a nice day ..

وإنما استدللت بالبقالة لأنها أدنى الأسواق منزلة ومكانة ، إذ بإمكانك أن تشتري منهم بما يساوي 5 ريالات فقط وتتلقى نفس المعاملة الحسنة .

ومن هنا كانت فكرة هذه التدوينة..

كثير من الأشياء نفتقدها في حياتنا وتعاملاتنا اليومية مع بعضنا البعض ..

وإذا نظرنا فيها وجدناها أموراً صغيرة ولكنها كبيرة في الحقيقة ..

إنها صغائر كبيرة ..

هل كان العنوان موهماً ؟

هل حسبت الموضوع أمراً آخر غير ما تقرؤه الآن ؟

ربما كنت تعتقد أني سأتحدث عن موضوع ديني ..

 هو موضوع ديني بالفعل ولكن من زاوية أخرى .

نحتاج أن نثقف أنفسنا بثقافة التحلي بالصغائر الكبيرة لتحلو الحياة.

ألا يأمرنا ديننا بإحسان الخلق ، والتبسم في وجه أخيك ، وأن تعين الرجل أو تحمله على دابته فهو لك صدقة ؟

لن أعمم وأقول أننا نفتقد هذه الآداب في التعامل في دوائرنا ومؤسساتنا ومع بعضنا البعض ، فمن قال: هلك الناس فهو أهلكهم ، فقط أقول أننا نحتاج إلى المزيد.

كما أننا نحتاج أن نشجع من تحلى بهذه الفضائل ونشد على يديه .

أثناء زيارتي الأسبوع الماضي لموعدي في مستشفى الحرس  الوطني بجدة، طلب مني الطبيب إجراء تصوير للقلب ، وكانت موظفة الاستقبال في ذاك القسم مدهشة بحق في تعاملها .

أزعم أني لم أر بدماثتها وحسن أخلاقها إلا رقماً صغيراً أقل من أصابع اليدين طيلة حياتي .

عندما أتممت التصوير المطلوب اتجهت إليها وشكرتها بحرارة ، فقط لتعلم أن حسن أخلاقها لا ينبغي أن يمر دون تقدير في الوقت الذي كان بإمكانها أن تستغل وظيفتها في إرضاء عنجهيتها التي يتقنها الكثيرون.

ثقافة التحلي بالصغائر الكبيرة تمتد لتشمل أنواع من الصدقات ..

هي غير صدقات المال ، والتي يتهرب منها الكثيرون للمناسبة ..

إنها صدقات الجاه ، وبذل النفس في غير القتال .

ما الذي يكلفك أن تصحب شخصاً في حاجته عند كبير أو وجيه يقدرك فتشفع له أو تطلب أن يساعده فيفعل ؟

ما الذي يكلفك أن ترسل عدة رسائل إلى الميسورين تطلب منهم صدقات لأناس أنت تعرف حاجتهم جيداً فتفك أسرهم وتفرج كربهم ؟

ما الذي يمنع أن تتطوع بما تتقنه لنشر دعوة الإسلام أو تعليم الجاليات آيات من القرآن أو تكون واسطة بين الميسورين والمعوزين في توصيل صدقاتهم ؟

في درس السند الماضي ، كان عند شيختي خمس طالبات ينتظرن دورهن للقراءة عليها .

كل طالبة كانت تقرأ ما لا يقل عن ست صفحات من القرآن قراءة متقنة مجودة ومرتلة ، وهذا أمر يستغرق ما يقارب الساعة على الأقل لكل طالبة ..

كانت إحدى الزميلات تقرأ فرفعت بصري فجأة إلى شيختي وصديقتي الأستاذة أمال كمال فوجدتها تستمع بإنصات إلى القراءة .. توجه وتصحح .

هذه امرأة تبذل نفسها وتقتطع من وقتها الساعات الطوال لتقرئ طالبات لا تأخذ منهن ريالاً واحداً .

ما الذي تستفيده هي ؟

كنت إذا ( سمّعت ) لأولادي قبل أن ينضموا إلى حلقة التحفيظ يصيبني النعاس بعد ثلث ساعة فقط، وأبدأ بالتثاؤب وأغلق عيناي قليلاً ( لأريحهما ) ويخطئ الولد وأنا في أحلامي السعيدة .

حتى إذا ما انتبهت رددت إليه المصحف وقلت له : (راجع كويس وتعال لي بعد المغرب !) ..

عذر فقط لأغفو قليلاً .

يومها نظرت إلى أمال وفكرت : لا يبدو عليها أثر النعاس .. يبدو أنها نامت جيداً البارحة. لكني لو كانت مكانها لخفق رأسي مراراً في هذه الساعات الخمس ولربما رددتهم جميعاً إلى بيوتهم لأتمتع بغفوة هانئة.

لو فكر كل الناس بثقافة البذل والعطاء ، كلٌ في مجاله وما يتقنه فكيف يكون حالنا ؟

انظر إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ” بلغوا عني ولو آية ” البخاري .

لا ينبغي علينا أن نحتقر الأعمال الصغيرة فلا يدري أحدنا بأي عمل يدخل الجنة .

ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ،

وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ” ؟

ألم يخبرنا أن الله غفر لبغي سقت كلباً ماء ؟

ألم يأمرنا أن نكثر ماء المرق إذا طبخناه ونتعاهد جيراننا ؟

لا أريد أن أقضي نهاري في سرد الأشياء الصغيرة التي نفتقدها في حياتنا وتعاملاتنا مع بعضنا البعض ، مما تضفي البهجة والمحبة في حياتنا .

ولكن علينا أن نكون أكثر انتباهاً وبصيرة بها ، فلا يدري أحدنا متى يحتاج إلى المساعدة التي بخل بها عن غيره .

بعد عملية الاستئصال كان علي التوجه إلى المستشفى عدة مرات في عشرة أيام لمراقبة السوائل في أنبوب التصريف المثبت في الجرح ، ولفحص الجرح نفسه وتغيير اللصقات والشاش .

كانت الممرضة التي تولت ذلك فليبنية مسلمة ، أدت عملاً متقناً وبارعاً ينم عن إخلاص وتفان .

وعندما نزع الطبيب أنبوب التصريف في الزيارة الأخيرة ونظفت الممرضة مكان الجرح علمت أني أرغب في الاغتسال حالما أعود إلى البيت ، فقامت برش مادة عازلة على مكان الجرح وأعطتني المزيد من الشاش المعقم اللاصق ، من النوع الذي لا أجد مثله في الصيدليات الخاصة ، ثم ساعدتني على النهوض من السرير , فلم أتمالك نفسي أن هتفت لها : ( إنت مرة كويسة) ! سأدعو لك .

كنت أشعر أني أسيرة إحسان هذه الممرضة ..

نعم .. هي أحسنت لي بإتقان عملها وحسن تعاملها معي في ضعفي ومرضي .

فكنت أدعو لها بالفعل دائماً في صلاتي أن يسخر لها  زوجها ويهدي أولادها – لو كانت ذات زوج وأولاد –

المثير في الأمر أن الممرضة تذكرتني في زيارتي التالية بعد خمسة أشهر أثناء أخذ بيانات الوزن والضغط وتعجبت من تذكرها لي وأنا منتقبة ولا يبدو مني إلا نظارتي ..

وبصراحة ، أنا نسيتها ، فكيف تذكرتني هي ؟

لم أجد لذلك تفسيراً إلا أن تكون قد تذكرتني بسبب شكري لها على حسن تعاملها في وقت كانت الممرضات يتحدثن من ( طرف خشومهن ) ، والمرضى ينهرون الممرضات ويشتموهن أحياناً .

لم يكلفها إتقانها شيئاً ، ولم يكلفني شكرها شيئاً ..

لكن ألم يثمر كلا عملينا ثمراً جيداً ؟

والآن ، وقد اقترب شهر رمضان ، شهر الصدقات ..

بادر بالتصدق بمالك وجاهك وحسن أخلاقك.

عود نفسك وأولادك على ثقافة الصغائر الكبيرة .

ولا تحقرن من المعروف شيئاً ، فما كان عندك قليلاً قد يعني لغيرك الكثير .

أطعم الطعام ولو لغير فقير ، فكل الناس يحبون أن يُهدوا شيئاً من الطعام .

أعر أذنك لاستشارة أو فضفضة أو نصيحة .

إذا رأيت ما يعجبك فبرِّك وأخبر صاحبه بما أعجبك وأدخل السرور في قلبه بثنائك .

لا تنس أنت تشكر كل من أسدى إليك خدمة أو معروفاً خاصة ضعاف الناس كالخدم والسائقين والباعة.

أطلق لخيالك العنان في هذه الثقافة .

اخرج عن صمتك وتجاوز كسلك وبادر بالعطاء ، لعل كلمة منك أو فعلاً لا تلقي له بالاً يرفع أناساً لقمة السعادة !

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: