Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الأمل’

في عام 1985م تحالفت مجموعة من المنظمات الأمريكية لإقامة حملة وطنية كبرى ( أصبحت عالمية فيما بعد ) للتوعية بسرطان الثدي National Breast cancer awareness Month (NBCAM).كان من أهداف هذه الحملة : توعية النساء حول أهمية الكشف المبكر ، وجمع الأموال اللازمة لتمويل الأبحاث والدراسات المتعلقة بسرطان الثدي ، بالإضافة إلى إمداد المرضى بالدعم والمعلومات الضرورية ، إلا أن الهدف الأصلي لهذه الحملة كان تعزيز دور أشعة الماموغرام كوسيلة أساسية لمحاربة سرطان الثدي .

وفي عام 1993 قامت إيفيلين لودر ، نائب رئيس مجلس إدارة شركات إستي لودر المشهورة في مجال التجميل والعطور بإنشاء مؤسسة أبحاث سرطان الثدي وجعلت من الشريط الوردي علامة لها .

وفي كل عام تقام في المدن العالمية في شهر أكتوبر النشاطات التي تذكر بهذا المرض والجهود المبذولة في التوعية على مدار العام . فتقام سباقات الماراثون والبازارات ، وتكتسح الأسواق المنتجات الوردية أو التي تحمل الشريط الوردي والتي تجعل جزءاً من ريعها لتمويل الأبحاث وترتيب زيارات مجانية للنساء لإجراء الماموغرام ، وتضاء بعض المباني المشهورة باللون الوردي كالبيت الأبيض  ومبنى الإمباير ستيت في الولايات المتحدة ، وقصر باكنغهام البريطاني وبرج العرب الإماراتي ، وغيرها من المعالم العالمية المشهورة .. كم اشتهيت أن أرى قصر المصمك أو برج المملكة يضاءان بالوردي ..

وفي عام 2004  قامت هند البرعي الطالبة في مدرسة ثانوية في ولاية ميزوري الأمريكية بإنشاء ما يسمى بيوم الحجاب الوردي شاركت فيه مع مجموعة من الناشطات ( والناشطين ) في الفعاليات القومية للتوعية بسرطان الثدي مرتديات حجاباً (وطواقي) وردية في محاولة جيدة لإثارة فضول الشعب الأمريكي للسؤال عن هذه الشعيرة وعن الإسلام .

الكثير والكثير يتم ترتيبه من أجل التوعية في مجال سرطان الثدي والذي أدى إلى زيادة الوعي بأهمية الكشف المبكر وبالتالي سرعة معالجة المرض وانخفاض معدل الوفيات بإذن الله تعالى .

في شهر ذي القعدة من عام 1430هـ وأثناء قيامي بالكشف المنزلي للثدي اكتشفت ورماً صغيراً  بحجم حبة الليمون بنزهير أو كرة الطاولة . كان ورماً صلباً  كحبة الجزر لا رخواً ولا ليناً ، ثابتاً لا يتحرك تحت أصبعي . لم يكن ثمة ألم ولا إفرازات .. ورم فقط ، كان اكتشافي لذلك الورم  بوابة لدخولي عالم جديد ..

حينما زرت الطبيب ليشخص الورم سألته : هل سأعيش إلى سنة ؟ فضحك الطبيب وقال : يا شيخة أذكري الله .

بعد ذلك بثلاثة أسابيع دخلت دوامة مرض السرطان من فحوصات وعلاجات . كان لا بد لي أن أواجه هذا الشبح المروع الذي يجثم على (صدور) النساء ، وفي ذهني الآلاف من الصور السلبية التي تلقيناها من الإعلام والناس من حولنا والتي مفادها شيء واحد : السرطان يعني الموت .

 لوهلة كدت أنجرف وراء ذلك التفكير إذ لم تكن لدي معلومات كافية عن السرطان أبداً –وأنا التي كنت أعد نفسي من فئة المثقفين –  كما أن فكرة الإصابة بالسرطان لم تكن واردة في ذهني ألبتة ، فهذه الأمور السيئة تحدث للآخرين فقط ، فلم يكن ثمة داع للقراءة فيها . ولكني لما شُخص ورمي تأكدت أن هذه الأمور قد تصيبني أنا أيضاً ، وكان علي أن أختار أحد طريقين : إما الاستسلام للنظرة السوداوية السائدة  – وقد كدت بالفعل حين كففت عن شراء أي شيء شخصي حتى لا أبدد أموال (الورثة) – أو أن أقف لأحارب المرض وأنقذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى لي من أيام قلّت أو كثرت .

 قرأت في إحدى الكتب مقولة أرشدتني للطريق الصحيح : لا يختار المرء متى يموت وكيف ، ولكن يمكنه أن يختار كيف يعيش.

 اخترت أن أعيش في نور العلم ، إذ أن ظلام الجهل يعطي تصورات خاطئة وقد يعطي أبعاداً للمرض أكبر من حجمها. بعض الناس يموتون لا لأجل المرض ولكن لأجل الخوف والجزع والوهم الذي يقتل ببطء .

من قال أن السرطان يميت بالضرورة ؟ أنظر حولي وأرى الكثير والكثير من النساء اللاتي تجاوزن هذه القنطرة بسلام واستعدن حياتهن الطبيعية . علمت أن المشكلة في مجتمعنا في الموروثات التي تجعل السرطان عند الناس البعبع المخيف الذي يخشى الناس من ذكر اسمه صريحاً فيكتفون بالإشارة إليه (بالخبيث) كما يسمون الجن (بسم الله) .

كل يوم يمر أقرأ فيه الجديد من المعلومات والتلميحات المفيدة في مواقع السرطان الأمريكية كان يشعرني بحاجة مجتمعنا الشديدة إلى نشر ثقافة السرطان بطريقة أكثر جدية وفائدة من بيع الدبابيس الوردية الأنيقة في البازارات وتسلق جبل إيفرست وإنشاء أكبر شريطة وردية في العالم ..

كل يوم أطلع في الانترنت على إلمام المريضات الأمريكيات بأنواع العلاجات التي يتناولنها ومراحل مرضهن وتشاورهن مع أطبائهن بشأن خطط العلاج وتعامل الأهل والأقارب مع المرض ، والمئات من الكتب التي تتكلم عن السرطان في جميع مجالاته وجزئياته بلغة موجهة للعوام ، والآلاف من مقاطع الفيديو المعدة بعناية لتثقيف المريض ومن يرعاه في كل شيء يمكنك أن تتخيله ، كل ذلك كان يصيبني ببعض الإحباط أن لا زال الوضع في مجتمعي مبهم وعائم .

 أين الجهود الحثيثة في التوعية ؟ أين دور مراكز الأورام في التثقيف الصحي ؟ أين دور رجال الأعمال والبنوك والشركات في خدمة مجتمعاتهم ؟ ما هو دور الجامعات في التوعية ؟ ماذا عن الإعلاميين؟ حينما أقيم ملتقى المتعافين من السرطان في الرياض في شهر جمادى الثاني عام 1433 هـ عبّر في تويتر الدكتور عصام مرشد @emurshid  رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للأورام وأحد الأطباء المنظمين للملتقى عن ضيقه وخيبة أمله من رفض بعض المشهورين لتقديم فقرة إلا بمبلغ مالي لا يتناسب مع طبيعة الملتقى الخيرية غير الربحية ، في الوقت الذي قام فيه  بعض الأطباء بالتبرع من أموالهم للمساهمة في إقامته !!

نساؤنا يرفضن إجراء الكشف المبكر خشية اكتشاف المرض ، المتعافيات لا يردن الحديث عن  تجاربهن لأنهن يتمنين طي هذه الحقبة من حياتهن للأبد ( مع أنهن بالأمس القريب كن يبحثن عمن يقدم لهن الأمل ) ، السرطان لا يزال يرتبط في أذهان الناس بالموت ، المكتبات العربية تعاني من القحط والتصحر في الكتب التي تتحدث عن السرطان بشكل مبسط يفهمه العامة ، والمريض الذي أصيب يتخبط بحثاً عن المعلومة الموثقة بلغة يفهمها لأنها عربية أولاً وسهلة ثانياً .

أنا أتقن الانجليزية وأعرف كيف أستخرج المعلومات التي أحتاجها من مظانها ، ولكن ماذا عن الآلاف من النسوة اللاتي لا يكدن يجدن المعلومة بسبب انشغال الأطباء بالكم الهائل من المرضى الذين ينتظرون خارج العيادات ، وبسبب ضعف الإعلام في تغطية هذا المجال مقارنة بمجال الرياضة ( وكرة القدم على وجه التحديد) والفن  ، وبسبب اقتصار دور المستشفيات ومراكز الأورام على تقديم العلاج وبعض النصائح داخل المركز وعلى نطاق ضيق .

سنة كاملة عايشت فيها الفحوصات المختلفة والعلاج الكيماوي وعملية استئصال الثدي والعلاج الإشعاعي . كان رفيقي في هذه السنة : مواقع السرطان الأمريكية ، وكتب كنت أشتريها عبر موقع أمازون والتي تتحدث عن شتى المجالات، فهناك كتب كاملة ومفصلة للعوام عن العلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي ، وأخرى عن العملية الجراحية ، وثالثة مصورة عن التمارين الرياضية  التي تحتاجها المرأة بعد إجراء عمليات الاستئصال والترميم ، بل واشتريت كتاب طبخ خاص بمرضى السرطان يذكر فيه الكثير من المعلومات الغذائية الهامة ووصفات صحية تناسب مرضى السرطان في إخراج فني احترافي راق. كما رافقتني في تلك الفترة المدونة التي أنشأتها في البداية والتي كنت أصب فيها مشاعري وأحداثي اليومية لأتلقى الدعم المعنوي من الأهل والأصدقاء.

 تغيرت حياتي كلية بعد الشفاء .. فبعدما أحسست أن الحياة تتفلت من يدي صرت أبحث عن أشياء مثيرة لأستمتع بها. صرت أهتم بالتثقيف والتوعية ، ولذلك حولت مدونتي تلك إلى كتاب أسميته  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ،  وضعت فيه كل ما مررت به من فحوصات وعلاجات وآثار حتى تطلع المرأة العربية على ما اطلعت عليه لعلها تستفيد كما استفدت، وصرت أهتم بالرياضة والتزام الطعام الصحي قدر الإمكان  ، استأنفت دراستي الجامعية عن بعد وصرت أبحث عن نشاطات تشعرني بالإنجاز ، كل إنجاز أقوم به ولو كان تدوينة تلقى إعجاباً من القراء ، ولو كان كيلوغراماً أفقده من وزني ، ولو كان جزءاً من القرآن أنهي مراجعته ، أي إنجاز كان يشعرني بالرغبة في الحياة التي كدت أفقدها لولا أن منّ الله علي .

ولا زلت أتساءل بحسرة : متى تنتشر ثقافة السرطان بشكل جاد ومدروس في بلادنا ؟ متى نجد أطفالنا وشبابنا يفهمون تداعياته ، ويجد المريض فرق الدعم support groups  منتشرة في كل مكان ، وتقام الفعاليات المستمرة ويعتاد الناس سماع اسمه حتى لا يعود شبحاً مرعباً ترتعد له الفرائص وتنقبض منه القلوب  ، وتمتلئ أرفف المكتبات بالكتب التي تتناول جوانب هذا المرض حتى لا يعود مريض السرطان يشعر بالغربة ، فهاهو الكتاب الذي يخصه جنباً إلى جانب كتاب يتحدث عن الروماتويد أو تصلب الشرايين أو السكري .. أمراض مزمنة وخطيرة ، لكنها ليست قاتلة بالضرورة . متى تجد المريضة المحلات المتخصصة في بيع مستلزمات (السرطان) متاحة في جميع الاسواق ، وتقيم المستشفيات ومراكز الأورام الدورات لعامة الشعب للتثقيف في هذا المرض وطرق التعامل مع المريض . متى يتمكن المريض من الاستمتاع – ولو جزئياً- بحياته ويقيم إنجازاته بعيداً عن الهموم والمخاوف  في مجتمع واعٍ ومثقف.

متى سيتعاون الجميع للتصدي لهذا العمل البطل وتحقيق أحلامنا ؟

من سيجعل حياة نسائنا وأُسَرهم وردية ؟

Read Full Post »

 وأكاد أسمع بعضكم يقول باستهزاء : ومن أنت لتكون لك تجارب شخصية تهديننا عبرها إلى النجاح .

فأقول  : نجحت في أشياء كثيرة من فضل الله علي : نجحت في دراستي ، وفي بحوثي وفي طلبي للعلم ، نجحت في زواجي وفي طلاقي وفي تربيتي لأولادي بفضل الله . ولعل أعظم ما نجحت فيه هو اجتيازي لمرحلة مرضي بالسرطان .. لا أدعي أني شفيت منه تماماً ، فنتيجة ذلك تظهر بعد مضيّ خمس سنوات من الشفاء ، ولكني على الأقل أفلحت بتوفيق الله لي في جعلها ذكريات سعيدة أشتاق إليها أحياناً ، واستطعت أن أتغلب على خجلي وسكوتي فأخرجت للعالم كتاباً أزعم أنه الأول من نوعه في العالم العربي-فيما أعلم- يتحدث بالتفصيل عن فترة المرض .

النجاح يا سادة هو كل شيء تم على وجهه الصحيح مهما صغر أو قلت قيمته . وحين أذكر عنواناً فخماً كعنوان تدوينتي فلا أعني بالضرورة نجاحاً اقتصادياً أو علمياً أو اجتماعياً هائلاً ، وإنما – ببساطة – تحقيق أهدافك التي وضعتها لنفسك على الوجه الذي يرضيك .

سأذكر لك خطوات ثمانية من خلال تجربتي الخاصة ، لعلك تجد فيها قبساً من نور يضيء لك بعضاً من حلكة ظلام، ولكني أحذرك أنك ستطلع على الكثير من الحديث عن النفس في هذه التدوينة ، وهذا مؤكد كوني قد نصصت على أن هذه الخطوات مستوحاة من تجاربي . هذا التحذير ضروري لئلا ينبري لي البعض في التعليقات : لماذا تتحدثين عن نفسك كثيراً ؟ أنت متكبرة !!

1-              اعرف حجمك وقدراتك ثم انطلق .. ويمكن التعبير عن هذه النقطة : احلم ولكن بواقعية .. قد تجد كماً لا بأس به من الناس يثبطك حينما تحدثهم عن طموحاتك وأفكارك ، وهذه نقطة تضعها دائماً في الحسبان: العاجزون عن العمل يكرهون الناجح ومن له أحلام قابلة للتحقيق فينبرون بدافع من العقل الباطن إلى تثبيطه ووضع العراقيل أمامه . دعهم يهرفون بما لا يعرفون ، واحلم ، إذ بدون الأحلام لا يزهر واقع ، ولكن لتكن أحلامك واقعية قابلة للتحقيق حتى لا تتحطم . أمي امرأة فنانة ، تهوى الأعمال الفنية وبارعة في الطبخ ، ومدرستي من أفضل المدارس في جدة في تلك الفترة ولكن لا أمي ولا مدرستي أفلحتا في صنع الفنانة في داخلي . كنت ولا زلت أهوى كل ما يتعلق بالكتب والتعليم والقراءة . كانت علاماتي في حصص الفنية والتدبير المنزلي شبه كاملة ، وقمت بصنع كل الأعمال الفنية بنفسي ولكنها لم تكن أبداً هواياتي فاكنت نهاية علاقتي بها بتخرجي من مدرستي . وكم حاولت أمي معي أن أستمر ، وكم حاولت أن أتشبه بالنساء في هذه الهوايات ولكني أخفقت، كم تمنيت أن أبدع في مجال صناعة الكب كيك وتزيينه وإنتاج مشروع تجاري منه ولكن حماسي لا يلبث أن ينطفئ ، إذ أن جيناتي الأدبية التي ورثتها من أبي رحمه الله كانت طاغية . وحتى الجينات الأدبية كان لها تخصص دقيق وهو المقالة والقصة، لا الشعر ولا المسرحية مثلاً . أعتقد أني عرفت حجمي وحلمت بأن أكون كاتبة لأبهر الناس . صحيح أني مرضت بالسرطان بسبب هذا الحلم ولذلك قصة يعرفها من قرأ كتابي ، ولكني حققت بعضاً من حلمي .

2-  أحسن الظن بالله : وكم من التدوينات يمكنني تسطيرها في هذا الشأن الذي غض الناس أعينهم عنه . عليك أن تبادر بتنفيذ مشروعك بعد أن توفيه حقه من الدراسة ، ثم تلجأ بقلبك إلى الله بالدعاء وإحسان الظن به أن يوفقك ويسددك . لا تعرّض مشروعك للفشل بسبب سوء الظن ، إذ أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي : “أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء “. فإذا رجوته كان لك فوق ما تريد ، وإذا حام بذهنك خاطر الفشل على الرغم من اتخاذك أسباب النجاح التامة فسيكون الله تعالى عند ظنك ، وستفشل . عندما مرضت بالسرطان وبدأت في الاطلاع على المواقع والكتب الأمريكية التي تتكلم عن السرطان خطرت في بالي فكرة تأليف الكتاب لنفع من يبحث عن المعلومة الشافية ممن لا يتقن الانجليزية . انهمكت في الكتابة ، ورغبتي في نفع الناس تنمو يوماً بعد يوم ، وكنت أدعو الله في صلاتي أن يشفيني ويسهل خروج الكتاب ، بل وجعلته سبباً أتشبث به للحياة فكنت أرجو أن أُشفى لأرى بعيني نجاح كتابي ، حتى بدأت في إجراءات النشر . مررت بمواقف عجيبة تجدها في تدوينتيّ : جارٍ تطبيق الهروب وتدوينة حكاية الحكاية .لم يسُأ ظني بالله يوماً ، وكنت متأكدة من الشفاء ، وكنت متأكدة من النجاح . لا لثقتي بأسلوبي وموهبتي وحاجة المجتمع لكتابي ، وإنما لثقتي بالله في استجابة دعائي .

3-              ضع هدفاً كبيراً توصل إليه أهداف أخرى صغيرة : خطأ شائع يقع فيه الكثير من الناس هو تحديد هدف كبير بعيد المنال يطمحون للوصول إليه ويجعلونه وحده بغيتهم .. ولا يزالون حتى الآن لم يصلوا . أخبرتني إحدى الطبيبات أن عليّ أن أفقد 20كيلو من وزني لأتمكن من إجراء عملية شد عضلات البطن . تعرفون أن إنجاب سبعاً من الولد تكون بعض عواقبه وخيمة . ثم أعطتني القاعدة الذهبية : كثير من الناس يضعون في أذهانهم أن عليهم أن يفقدوا 20 كيلو ويعملون لذلك جاهدين ، ولكنهم لا يضعون (نقاط تفتيش ) أو أهدافاً صغيرة  لذلك الهدف . وأرشدتني أن عليّ أن أضع أهدافاً معقولة أبلغها كل فترة وأعيد تقييم هدفي ، مثلاً : أهدف إلى فقدان كيلو واحد في الأسبوع ، أي أربعة كيلوات في الشهر وعلى هذا فإن بإمكاني أن أفقد العشرين كيلو في خمسة أشهر فقط .. إذن عليّ أن أنسى العشرين كيلو مؤقتاً وأركز على هذا الكيلو الأسبوعي وأعمل عليه ، وشيئاً فشيئاً سأبلغ الهدف الأكبر . كان هذا الكلام من سنة ونصف تقريباً ، ولم أفقد منذ ذلك الوقت إلا ثمان كيلوات ، لا لأني لم التزم بهذه النقطة وإنما لأن الأهداف التي وضعتها لم تكن واقعية تماماً .. فقدان كيلو واحد في الأسبوع كان أكبر من طاقتي خاصة وأنا أتناول العلاج الهرموني للسرطان مما يبطئ نزول الوزن .. فلبثت شهوراً تلو الشهور لا يتزحزح مؤشر الميزان عن مكانه إلا بعناد شديد مما يصيبني بالإحباط فأترك العمل لأستعيد ما فقدته من وزن. ولما تنبهت إلى هذه النقطة وعدلت أهدافي بحيث جعلتها ملائمة لوضعي الصحي واحتياجاتي النفسية ( المتمثلة في الرغبة في الاستمتاع بالطعام في الجمعات العائلية وحالات الحزن والقلق ) بدأ وزني بالنزول ولله الحمد .

4-  استخر واستشر : فالاستخارة طلب التوفيق والسداد من الله تعالى علام الغيوب ، والاستشارة استنارة بآراء العقلاء والحكماء ، ومساعدة على النظر على الموضوع بكافة زواياه و التي قد تغيب عنك أحياناً . ولكن احذر أن تستشير أي شخص وإنما تذهب لذوي الاختصاص .. قد يكون الشيخ أو العالم مُجيداً في فتواه ولكنه لا يصلح في الأمور الأدبية ، وقد يكون الطبيب بارعاً ولكنه إداري فاشل وهكذا .. لا تكاد تجد شخصاً (بتاع كله) فهذا عملة نادرة ، لذا فتعنّ قليلاً من أجل نجاح مشروعك واستشر ذوي الخبرة . بل وأدمن على طرق الأبواب، إذ الناس ليسوا فارغين على الدوام وعندهم مشاغل ، وأنت صاحب حاجة ، وعلى صاحب الحاجة أن يسعى لحاجته ، وعلى صاحب الحاجة أن يتحمل ذل السؤال ليبلغ مراده .. ولقد رأيتني وأنا أرسل برواياتي التي كتبتها في سن المراهقة إلى الأستاذ الأديب عبد الله الجفري وكان صديقاً للوالد رحم الله الجميع فيعلق بما لا يوافق هواي غالباً ، ولكني أضع تعليقاته في الحسبان ، وعندما فكرت في تأليف كتابي استشرت والدتي – حفظها الله – وآخرين فأشار عليّ أكثرهم بالمضي قدماً في هذا الشأن ، وحبطني البعض وثبطني . ولما كتبت الكتاب دفعت به إلى بعض المقربين ليقرؤوه وينقدوه من حيث اللغة والتراكيب الأدبية والأفكار ، واستفدت كثيراً من تعليقاتهم ونقدهم ، ونجح بفضل الله . صحيح أني لم أنل جائزة نوبل أو جائزة بوكر الأدبية بعد ، ولكن استفادة الناس من كتابي هو معيار نجاحه في نظري .

5-  تعلم ثم تعلم ثم تعلم : لا ينتهي إبداع المرء في تنفيذ مشروعه ، وإنما عليه أن يتعاهده بزيادة التعلم والاطلاع. التعلم نفسه حسنة عظيمة لا يتقنها الكثير بعزوفهم عن القراءة ( التي هي أساس التعلم ) وكسلهم عن البحث على الرغم من وفرة المصادر وسهولتها . انظر كيف فضّل الله تعالى الكلب المعلَّم على غير المعلم ، فأباح الأكل من صيد الأول وحرّم الثاني ، وكلاهما حيوان نجس . بل إن دراسة عجيبة من الأكاديمية الأمريكية لطب الألم تقترح أن البالغين الحائزين على شهادات البكالريوس فما فوق أقل عرضة للإصابة بالشقيقة وآلام أسفل الظهر والعنق والألم في الوجه الفكين من البالغين الذين لم يتخرجوا من الثانوية.

http://www.painmed.org/patientcenter/facts_on_pain.aspx#hhs

عندما أصبت بالسرطان ، كان في المواقع العربية البُلغة من المعلومات .. القدر الضروري فقط لأعرف ما السرطان  وما علاجاته وما الآثار الجانبية تلك العلاجات . ماذا عن طرق التعامل مع هذه الآثار الجانبية ، وما أتوقع أن أقابله أثناء إجراء الفحوصات ، والمتاعب النفسية والقلق .. ماذا عن بعد العملية ؟ أسئلة كثيرة لم أكن أجد جوابها إلا في المواقع الأمريكية للأسف ، فكنت أحرص على تثقيف نفسي كل يوم وقبل كل إجراء طبي لأكون على بصيرة . ولو كان بك فضول لمعرفة حادثة وقعت لي لم أتعلم قبلها فعليك بقراءة فصل : “يوم مثير” من كتابي .. لا بد من بعض التشويق والتسويق ! هذا التعلم أفادني كثيراً في توقّع ما سيحدث لي عند كل إجراء .. كنت دائماً أقول أن نصف الخوف من التجارب الجديدة سببه الجهل بها ، فإذا تعلم شيئاً عنها زال نصف الخوف .

6-  إذا وافقك الخير فوافقه : تعرض على المرء أحياناً فرص عظيمة لا تكاد تتكرر ، والفطن هو من يقتنص هذه الفرص  ويوظفها لمصلحته . ولقد رأيت الكثيرين تُعرض لهم فرص مذهلة لتعلم مهارة أو لغة أو تطوير ذات فيعرض عنها لأنه لا يرى نفسه محتاجاً إليها .. ومن قال أن على الإنسان أن يتعلم ما يحتاج إليه في ساعته؟ إن هذا لمن العجز .. بل عليه أن يتعلم كل ما يمكنه فليس كل يوم تتاح الفرص ، وقد يأتيه الوقت الذي يندم فيه على أنه لم يستفد من فرصة عُرضت عليه ولكنه ركلها بتأفف . كانت مدرستي دار الحنان رائدة المدارس في جدة قبل ثلاثين سنة وأكثر .. فيها كل مقومات المدرسة الناجحة والمثالية والتي لا تكاد تجدها في هذا الزمن . في مدرستي أقبلت على الرياضة فكنت في فريق الفصل للكرة الطائرة ، ولعبت تنس الريشة وبعض الجمباز ، وانخرطت في جمعية الصحافة وتعلمت الكتابة على الآلة الكاتبة لأكتب مقالات الجمعية وبحث الفصل المشارك في المسابقة الثقافية السنوية الكبرى ، ومواضيع المجلة السنوية التي تصدرها المدرسة ، وكنت عضواً فاعلاً في الإذاعة المدرسية والتي كان يشرف عليها أستاذات سوريات قديرات قوّمن ألسنتنا في حصص القرآن واللغة. لم أكن لأدع مسابقة إلا وأشترك فيها وكان بإمكاني ألا أفعل كل ذلك ، فكثير من البنات فضلن الجلوس في الفسح والتلذذ بشطائرهن، أو الاتكال على الطالبات المتفوقات لرفع أسهم الفصل ، أو ببساطة : الاكتفاء بالبلادة  . بل إن هناك من المتفوقات من لم تشأ أن تنخرط في هذه النشاطات لأنها لا تكسبهن درجات ولا تزيدهن حباً من المعلمات . ولكن  تلك الحكمة التي أخبرتك عنها كانت تلازمني دائماً بفضل الله ، فكلما وجدت فرصة كنت أتلقفها بنشاط مما أثّر على شخصيتي وأكسبني الجرأة واستقامة اللسان العربي وحب الرياضة والقدرة على التعامل مع لوحات المفاتيح،  وكلها أمور استفدت منها في حياتي : في الكتابة الكمبيوترية السريعة – نوعاً ما خاصة وأنا في هذا السن – وإلقاء المحاضرات الدعوية والتأليف بل والقيادة أحياناً .. قيادة المجموعات لا السيارات فتنبه !

7-              أنشئ فرق التشجيع : لابد لكل ناجح مشجعون ، يستثيرون همته إذا فتر ، ويرفعون سقف عطائه إذا نجح , يلجأ إليهم إذا ادلهمت به الخطوب ، ويحتفل معهم إذا حالفه النجاح ، فالسعادة لا تحلو إلا بجمع من الأحبة . حينما مرضت بسرطان الثدي ، تكونت على الفور وبفضل من الله فرق التشجيع .. تكونت وحدها ولم أسع إليها . وجدت صديقاتي في المدينة ، وأولادي ، وبنات إخواني في جدة حيث كنت أتواجد كثيراً لظروف العلاج . كان التناغم بيني وبين بنات إخواني مثيراً ، ومعهن فهمت كيف يتحرك فريق الطيور متناغمين مع قائدهم .. كنت أجدهن أو إحداهن دائماً وقت الحاجة.. يضحكن إذا علقت على صلعتي ويمتدحن شجاعتي وصمودي ، وإذا ما ضعفت في لحظة يأس وبكيت لدقيقتين وجدتهن يبكين معي ، ويسكتن – ياللعجب- إذا ما أفرغت انفعالاتي وكففت عن البكاء . شعرت أني أريد أن أسعدهن كما أسعدنني .. شعرت أني أريد أن أعيش ، من أجلهن ..

8-              إذا سقطت من الحافلة فاركب مجدداً : هذه الجملة كنت أقرؤها دائماً في المواقع الأمريكية التي تعنى بشأن الوزن والرياضة . قد يعتري المرء الضعف أحياناً فيتخاذل ويضعف عن العمل و( يخرب الدنيا ) ، أو قد لا تمشي الرياح بما تشتهي سفنه فينقطع .. لا بأس . أعط نفسك حقها الطبيعي في الفتور ، ولكن لا تتمادَ وانهض سريعاً واستأنف العمل . كنت أحياناً أقسو على نفسي في الحمية والرياضة لرغبتي في فقدان أكبر كمية ممكنة من الوزن ، ولكن نفسي تمل سريعاً فينتهي بي الأمر أن أتهاوى أمام أول دعوة على العشاء أو وسوسة من ابنتي في شراء طعام (جنكي) سريع ، وافقها شعور بالملل أو ضيق أو حزن ، وبعد أن أنتهي من (جريمتي) يعلو صوت الضمير المؤنب: ( إيش سويتي ؟؟) هنا عندي طريقين عليّ أن أختار أحدهما : إما أن أدندن ( خاربة خاربة ) وأمضي في طريقي الجديد ، أو أن أعدّ هذا التخريب بمثابة إجازة عارضة وأتجه لركوب الحافلة مرة أخرى وأستأنف العمل ابتداء من الوجبة التالية .. نعم ، الوجبة التالية ، لا الأسبوع التالي ، بل ولا اليوم التالي .. وبالطبع فإن هذا الاختيار الأخير هو الاختيار الصحيح .

 

هذه ثمان خطوات للنجاح من تجاربي الخاصة ، هي غيض من فيض .. ولكلٍ نظرته ورؤيته .. اكتب لي هنا تجاربك وخطواتك .. لتمتلئ صفحة التعليقات بالأفكار الإيجابية ، وأعدكم أني سأهدي صاحب إحدى هذه التعليقات نسخة موقعة من كتابي إذا وفّر لي صندوق بريد مناسب أرسله إليه ، أما إذا كان خارج السعودية فله نسخة اليكترونية .. من هو ذاك المحظوظ ؟ قد يكون صاحب أفضل تعليق يصلني خلال أسبوع ، وقد يكون صاحب حظ سعيد حالفه في القرعة . لا تبالِ بذلك كثيراً.. اكتب فقط والله يجيب مطر !

 

شكر خاص للدكتور معن القطان @mkattan35 استشاري التخدير وعلاج الأمراض المزمنة .

Read Full Post »

تقدمت لخطبة فتاة كاملة الأوصاف فيما يبدو لك ولكن أهلها ردوك ؟ ورثت مبلغاً لا بأس به وأردت أن تستثمره ففشلت وضاعت أموالك ؟ أردت السفر لعمل فمنعتك أمك فأطعتها وجلست وخسرت الصفقة ؟

ضاعت عليك الفرص ؟

 في الأسبوع  الماضي شاهدت لقاءاً تلفزيونياً في قناة الناس طالما انتظرته مع الشيخ المحدث أبي إسحاق الحويني ، والذي يأتي في الدرجة الثالثة من مراتب العلماء في قلبي بعد شيخيّ عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين .

حينما رأيته في اللقاء اعتصر قلبي مشهده .. بدا ضعيفاً ، هزيلاً ، وإن كنت لا زلت أتلمس في صوته قوة الحق .

لمن لا يعرف ، فإن قدم الشيخ قُطعت منذ أكثر من شهر بسبب الإصابة بالسكري .

أذكر جيداً في تلك الفترة كيف تألم أهل بيتي للشيخ ألماً شديداً ، فقطع العضو ليس أمراً هيناً .. لكني وحدي لم أشعر بمثل شعورهم . يومها قلت لأحدهم : إن الله تعالى ينزل ألطافه بالعبد المبتلى حتى إنه لا يشعر بالبلاء ويكاد من حوله يقتل نفسه حزناً عليه ..

اسألوني ..

كان الزوار يأتونني وقلوبهم ملأى شفقة وغماً ، كيف لا وهم يقولون : سنذهب لزيارة هناء التي استؤصل ثديها .

حتى وقع الجملة موحش ومزعج !

ولكني كنت ذاهلة عن كل تلك الغموم بلطف من الله ؛ فمن الخدر العنيف الذي أصاب منطقة الغدد الليمفاوية المستأصلة ، إلى انشغال ذهني بألم أصاب أمي والتي يزامن مرضها مرضي إلى نجاح في التفكر في آلاء الله وإنعامه عليّ بالإصابة بهذا المرض الذي يكفر السيئات ويرفع الدرجات .. بلاء هو ، نعم ، ولكنه بلاء محتمل .

كنت دائماً اتفكر كيف أثابني الله غماً بغم .. كنت أشعر بنعمة هذه الغموم التي صرفت عني غماً أعظم .  

كنت أشعر بلطف الله عليّ .

حينما سأل مقدم البرنامج الشيخ عن اسم الله الذي شعر به جلياً في محنته ، كنت متيقنة من الاسم الذي سيتفوه به . أنا أعلم .. أنا مثله ..

قال : “في هذه المنحة الأخيرة ارتبطت باسم الله اللطيف “، عندها ذرفت عيناي دمعاً غزيراً فقد ذكرني بالذي مضى .

ذكرني بتلك الأيام التي واجهت فيها ، وفي وقت واحد محنتين عظيمتين : المرض والمشاكل الزوجية ، ولكني مع ذلك كأني كنت أغرف من بحر اللطف والنعيم .لم أكن أشعر أبداً بأني أمر في كوارث متتالية .. كنت أبكي أحياناً قليلة ، ولكن لفترة وجيزة جداً وكأنما أنفس بعض ما في صدري ، ثم ينحبس دمعي حينما أتمثل اسم الله اللطيف .

حتى الشيخ سماها “منحة” وليس محنة .. كأنما تلمس فيها فيوضاً من عطاء ونِعم .

كم نغفل عن هذا الاسم العظيم الذي بإمكانه أن يزيل عنا كثيراً من الوصب .

انظر إلى ذاك الذي تقدم لخطبة من ظنها مناسبة له ولكنه رُفض ، فاسودت الدنيا في عينيه ومضى يلوك أحزانه ، فما يفجؤه إلا خبرٌ عنها بعد شهور أو سنين يجعله يخبط جبهته ويحمد الله أن زواجه بها لم يتم .

وذاك الذي وضع كل أمواله في تجارة فشلت وضاع حلمه في أن يكون “هاموراً” وضاعت معه أحلامه ، هل كان يدري حين انهار منتحباً أنه لو لم يخسر أمواله لربما أفسدته وقسّت قلبه وأورثته أشراً وبطراً كما فعل قارون ؟

والثالث الذي هَمّ بسفر عمل فانقبض قلب أمه فترجته أن يعدل علن السفر فأطاعها بانكسار قلب لئلا يكسر قلبها فوقع زلزال في المدينة التي قصدها ونجا ؟ وغيرها من القصص التي تدل كلها على لطف خفي من رب وصف نفسه باللطف .

كثيراً ما يسيء البشر بالله ظنونهم لأنهم لا يرون أبعد من أنوفهم ، فيتطيرون للحوادث السيئة التي يواجهونها ولا يحاولون إدراك مراميها ، لعل بعضها يقود إلى قدر أفضل أو يمنع من قدر أسوأ ، لعل بعضها كفارات ورفع درجات ، المهم أن درجة تقبلها في نهاية المطاف تنبئ عن حجم الإيمان بالله في القلب .

تعجبني مقولة لابن مسعود رضي الله عنه قرأتها قبل سنين وعيتها ونقشتها في قلبي : “إن الرجل ليهم بالأمر من الإمارة أو التجارة حتى إذا لم يكن بينه وبينه إلا ذراع نظر الله تعالى إليه وقال : اصرفوا عبدي عنه فإني إن مكنته منه أدخلته النار ، فيصرفه الله عنه ، فيظل العبد يتطير ويقول: سبقني فلان ، دهاني فلان .. وما هي إلا رحمة الله ! ”

نعم ..ذاك لطف الله ، وهو اللطف الخفي الذي ربما أدركته بصيرة العبد أو لم تدركه إذ كانت عمياء ، والقصص الثلاث التي وردت عن الخضر مع موسى عليهما السلام في سورة الكهف مثال جلي لذلك .

حينما أصبت بالسرطان هالتني ألطاف الله وأعشت عيني عن رؤية البلاء . كان الناس يحسبونني صبورة متجلدة ، وما علموا أن ربي اللطيف قد تداركني بلطفه فأسندني حين ظننت أني سأسقط .

كل المؤشرات كانت تدل على الانهيار . أترى فقد العضو سهلاً ؟ تساقط الشعر ، انقطاع الدورة الشهرية للأبد بسبب الكيماوي ( دائماً أقول أن مرضنا هذا يسيء إلى سمعتنا كإناث ). أترى الآلام الناتجة عن العلاج هينة ؟ التعري أمام الأطباء والأخصائيين ، الاكتئاب ، فقدان التلذذ بالطعام وبالحياة بأكملها أحياناً .

التفكير المنطقي والعقلي يؤكد أن هذا المرض كارثة بجميع المقاييس .

ولكن من قال أن المعايير الإلهية ترضخ للتفكير المنطقي والعقلي .. هناك أمور غيبية قائمة بذاتها ، تسيّرها  حكمة إلهية عظيمة .

حين أصبت بكل ما سبق أحاطني الله بمجموعة رائعة من فرق التشجيع كانت تبجلني وتسبغ علي محبة منها جعلتني أحلق عالياً في السماء .. أولادي وصديقاتي وبنات أخواني ومعجبون من هنا وهناك لا أعرف من أين جاءوا .

حينما أصبت تعرفت على الله . كنت أجد لذة رقيقة في مناجاته كل ليلة ، أطلب منه العافية واللطف .. كأني أشعر برحماته تتنزل على قلبي فتمسح عنه كل خوف وغم . صادفتني أيام كنت أبدأ الدعاء بالثناء عليه فتنهمر دموعي ولا أتمكن من قول أي شيء إلا : سبحانك سبحانك سبحانك ! كان قلبي يشعر بالامتنان له أن اختارني لهذا البلاء وأعانني عليه بالصبر ، بل الرضا ، بل الشكر ، ورجوت أن أكون حصلت على الكفارات ورفع الدرجات ببلاء قوي ، ولكنه محتمل .

في حين أرى كثيراً غيري فشلوا في الصبر على أقدار الله فضلاً عن الرضا والشكر ، فظلوا في تسخط وتوجع مع أنهم في الحقيقة كانوا يتقلبون في النعيم .

هل تعتقد أني أهذي ؟ هل تعتقد أني أقول كلاما مغرقاً في المثالية ؟

لا ألومك ، فقد كنت كذلك حينما كانت تحدثني صديقتي عن كل تلك المشاعر وقد أصاب ابنها الصغير مرض الصرع.

كنت أرخي زاوية فمي اليمنى بخفية وأقول : ما هذه المبالغة ؟

ولما أُصبت بالمرض علمت تمام اليقين أنها لم تكن مبالغة ، فقد عشت في هذا اللطف .

آمنت أنه ما من بلاء إلا وينزل معه لطف من الرحمن. لطف غامر يماثل البلاء أو يفوقه ، ولكن المشكلة تكمن في بصائرنا ، إذ بعضنا لا يملك من قوة البصيرة ما يمكنه من رؤية هذا اللطف ، فيظل متسخطاً متذمراً ، ولطف الله تحت ذقنه .

صدقوني ، ليس البلاء ما نزل به الله تعالى من القدر الموجع ، وإنما البلاء أن تعمى بصائرنا عن رؤية الكثير من جمال وحسن أسماء الله وصفاته كاسمه اللطيف والودود والعليم ، والقدير والجبار وغيرها ، إما خذلاناً من الله –ونعوذ بالله من ذلك – أو جهلاً بأهمية تعلم تلك الأسماء ومدى ارتباط ذلك بسعادتنا ، أو ببساطة لأنه لا يَعتبر ذلك من “الكوالة “..

اسمع كلام مجرب ، وتفكر في نفسك كم من ألطاف الله مرت عليك ، فإذا رأيتها فاعمل على أن تدرب نفسك على البحث عن اللطف مع أي بلاء أو حادث سيء يصيبك ، فحين يكون ربك لطيفاً ، فكيف تتوقع أن تكون  الحياة؟

Read Full Post »

كنت في الخامسة والعشرين من  عمري حينما قابلت مرة ابنة خالتي التي تعيش في مدينة ثانية . كانت تكبرني بست عشرة سنة ، وكانت قد اتبعت حمية غذائية ورياضة مستمرة ، صبغت شعرها وارتدت ثوباً جميلاً فهتفت بها : إيش الحلاوة دي يا أبلة ما شاء الله ؟ فقالت لي ضاحكة : الحياة تبدأ بعد الأربعين .

علقت جملتها هذه في ذاكرتي طويلاً ولا أدري ما السبب ، فأنا في ذلك الوقت كنت بعيدة جداً عن الأربعين .. أو على الأقل يُخيل إلي ذلك . وتمضي الأيام سريعة إلا أنها لم تكن بالسرعة الكافية التي تلهيني عن رؤية الخطوط الدقيقة التي بدأت بالظهور على جانبي عيني ، ولا غزو الشعيرات البيضاء لرأسي ، ولا ظل ظهري المحني قليلا على أرض الممشى ، ولا اضطراري لخلع النظارة كلما أردت أن أقرأ شيئاً قريباً. لم تفُتْني كل هذه المظاهر التي يؤكدها نداء حفيدتيّ ” يا جدة ” وكتابتي في خانة العمر في استمارة عبأتها قريباً : 46 سنة .

لسبب ما تذكرت جملة ابنة خالتي : الحياة تبدأ بعد الأربعين ، فهل بدأت حياتي أم أنها قاربت على الانتهاء ؟

تحرياً للدقة فإني أقول إن حياتي شارفت على الانتهاء قبل سنتين ونصف حينما أصبت بسرطان الثدي , إلا أنها بدأت من جديد بعد الشفاء . لا أخفيكم أني أدندن كثيراً على تقدمي في السن ، ولعل مرد ذلك اعتقادات مسبقة سببتها الرسوم الكاريكاتيرية والإعلام أن من تعدى الأربعين فقد بدأت رحلة نهايته .

 في الأدب الانجليزي –وأعتقد في كل الآداب – نجدهم يمثلون الشباب بفصل الصيف وشمس الظهيرة ، والكهولة بفصل الخريف والشمس الآفلة  .

حسناً ، قد يكون في تلك الاعتقادات بعض الصحة ، ولكن هذا لا ينبغي أن يحملنا على ترك الحياة ، بل العمل للآخرة مع عدم نسيان النصيب من الدنيا.. على الأقل هذا ما فهمته مؤخراً .

لماذا يسود هذا الظن عند الكثير من الناس ؟ لماذا يربط بعض الناس التقدم في السن بالعجز الجسدي والفكري ، فتجدهم تلقائياً يغلقون نوافذ التطور والتجديد في حياتهم بحجة السن ؛ النساء يرفضن ارتداء الألوان الزاهية ( عشان إيش يقولوا الناس ؟) والرجال لا يكادون يفلحون إلا في خوض غمار المراهقة المتأخرة واللحاق بما فاتهم من المتع . كلا الجنسين لا يحاولون تطوير أنفسهم في مجال العمل مكتفين بإنجازات الشباب ، عدم مواكبة العصر الحديث تقنياً وثقافياً، فقدان الرغبة في تغيير نمط الحياة مفضلين البقاء على روتينهم المعتاد ، عدم القدرة على التوافق مع شريك الحياة وكثرة الخلافات الزوجية بسبب عزوف المرأة عن الرغبة الجنسية إما زهداً فيها أو انصرافاً عنها إلى الأولاد والأحفاد ، وإقبال الرجل على ذلك في محاولة للتشبث بالشباب المتفلت ، العناد بدلاً من التفكير ، والسخرية من المخالف بدلاً من محاورته، والانغلاق على النفس أو على فئة معينة من الأصدقاء بدلاً من الانفتاح وتجربة مذاقات جديدة للحياة .

أليس من المفترض أن تكون الأربعين نقلة إلى حياة أفضل ، حيث تزداد الحكمة ويستقر الفكر ويستفاد من الخبرات والتجارب ؟

باعتقادي أن ما نراه من بعض النماذج السلبية يرجع سببها إلى الشخصية أولاً ، إذ أن الشخصية ؛ عيوبها ومحاسنها تتضخم بتقدم المرء في السن ، فإذا كان سلبياً فلن تزال سلبيته تتضاعف حتى تنسد السبل في وجهه وتضيق عليه الدنيا برحابتها ، ومثل هذا يكون عجوز القلب ولو كان في ربيع العمر ، أما لو كان إيجابياً فسيعيش في ظلال إيجابيته حياة معطاءة وسينعم بنجاحات متوالية  تنسيه سنه الحقيقي فيبقى قلبه في شباب دائم .

إلا أن الشخصية ليست هي العامل الوحيد ، فهناك الثقافة التي تحدد توجهات الفرد ، و المجتمع الذي يثبط أو يشجع .

حين ننظر إلى كبار السن في الدول الأمريكية والأوروبية نجد أن حياتهم الحقيقية تبدأ بعد الأربعين ، حين يكبر الأولاد وتتحقق الإنجازات وتنضج الشخصية عندها يركن الفرد إلى الاستمتاع بالحياة ، إما عن طريق تجربة أشياء جديدة لم يجربها من قبل ؛ سفر ، طعام جديد ، مزاولة رياضات ، أو عن طريق إنجازات تعيد الحيوية إلى عروقه كالأعمال التطوعية وخدمة المجتمع ، وهو إن فعل ذلك فإنه يجد المجتمع الذي يشجع ويكافئ مادياً ومعنوياً على هذا التوجه فيستمر في العطاء حتى يصاب بالعجز أو الزهايمر !

أذكر أن والد امرأة أخي الهولندية كان يزاول رياضة التنس وهو في الثمانين من عمره ولم يتوقف عن ذلك إلا حين أصيب بمرض السرطان الذي توفي به ، بل كان يقود دراجته بعد أن أصيب بالزهايمر ويضيع أحياناً عن منزله ، ونحن نعد من يحافظ على رياضة المشي فينا وهو في الخمسين شخصاً “رياضياً” !

إلا أن الوضع ليس بهذا السوء عند الجميع ، إذ لا ينحى كل الأربعينيين والخمسينيين ومن فوقهم منحى ( كذب الكذبة وصدقها) ، وإنما كثير منهم بدأت حياته الحقيقية عندما أسن . هم أولئك الذين يعتقدون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ) رواه أحمد وصححه الألباني . هم أولئك الإيجابيون الذين يرون أنه طالما بقي في الصدر نفس يتردد ، وفي الجسد بقايا من قوة ، فلابد من  العطاء . هم الأشجار التي تحب أن تموت و اقفة  .

حدثتني صديقتي اليوم عن قريبة زوجها ، طبيبة تخصصت في الأشعة ، وبعد التقاعد من العمل الحكومي وتزويج الأبناء عملت لفترة في القطاع الخاص ، ثم انخرطت في العمل مع الجاليات ومكاتب الدعوة . هذه امرأة لم تدع سنها يقهرها ، وإنما هي من اتخذت المبادرة وجعلت فراغها من شغلها ومن مسؤولية الأطفال ميزة أحسنت استغلالها .

كل يوم أرى في الممشى نماذج جميلة لكبار في السن يمشون يومياً ، وبعضهم يمشي ( كالطلقة ) في سرعته ونشاطه مما يجعلني أتمتم بالتبريك عليه ، ولم يحملهم سنهم على الخلود في المنزل انتظاراً لهجمة الروماتويد .

ابنة خالتي إياها ، أنشأت مواقع على الشبكة العنكبوتية للتعريف بالمملكة العربية السعودية ودين الإسلام باللغة الانجليزية وموقعاً آخر لأشغالها الفنية . كما أنها ناشطة اجتماعياً في حيها السكني حيث تقوم بتعليم الانجليزية لفتيات الحي عن طريق المحادثة والمحاورة ، ولها حلقة تحفيظ قرآن في أحد المساجد .

 أذكر جيداً كم كان يلفت نظري مشهداً كنت أراه أيام سكني في عنيزة في العقد الماضي .ففي الحين الذي كان يخرج (الشيّاب) من بعد صلاة العصر ليجتمعوا أمام أحد البيوت ( يتقهوون ويسولفون) حتى صلاة العشاء ، كان الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله –وهو في مثل سنهم- يجد الخطا على رجليه غالباً من بيته إلى الجامع الكبير حيث يقوم بتدريس طلبة العلم بعد صلاة العصر والمغرب والعشاء يومياً . كنت أرى هذه الفروق في النفسيات ، ففي حين كان الشيبان يبدون كما لو أنهم فرغوا من مهامهم في الكد لتحصيل لقمة العيش وتزويج الأولاد وأحيلوا إلى التقاعد وجلسوا ينتظرون الموت ، كان الشيخ رحمه الله كأنه يخطو في كل يوم خطوة إلى الجنة ، يعلم الناس ، ويصل رحمه ، ويشفع للمحتاج ، حتى بعد أن مرض كان يصر على التعليم كلما وجد في نفسه قوة على الكلام حتى كان آخر درس ألقاه في رمضان ليلة العيد وهو لا يكاد يتكلم من التعب ، وتوفي بعد ذلك بأسبوعين .

هل أذكر أمي الحبيبة التي كانت تستغل مواهبها الفنية فتشتري الصوف لتصنع منه قمصاناً وبناطيل ترسلها لنا لنوزعها على طلبة العلم المحتاجين في عنيزة ، وكانت تصنع بكلات الشعر وتبيعها ثم تضع ثمنها في صندوق جعلته قرب باب الدار لجمع التبرعات والصدقات . كانت تتسلى وتتصدق ولم تدع فرصة في يوم لأن يثنيها السن أو آلام الكهولة عن ممارسة الحياة . والآن حين وهن عظمها وثقلت عليها الأشغال الفنية أصبحت أكثر تطوراً وقامت بنقلة نوعية هائلة في التجديد ، إذ انضمت إلى فيس بوك وفتحت حساباً في انستاغرام وأخيراً في تويتر ، وأصبحت أمي الجدة الكول.

أعود إلى نفسي وأقول : نعم ، كنت عجوزاً قبل السرطان ، فلما مرضت أحسست أن هناك  الكثير من جمال الحياة قد فاتني ، لعل أعظمها : الإحساس بالإنجاز .

ما ذلك الوهم الذي عشت فيه ؟ أني كبرت لمجرد أني تعديت الأربعين ؟ أني صرت جدة فعليّ أن أتصرف كما تتصرف الجدات : يسيطر عليهن الضعف والوهن والصوت المرتعش .. أني سأموت قريباً .. ومن يدري متى سيموت .

حين أصبت بالسرطان وشارفت على الموت فعلاً ثم ردني الله تعالى إلى الحياة قررت أن أعيش الحياة .

كان أول ما قمت به هو تأليف الكتاب الذي يحكي قصتي مع المرض : الحياة الجديدة .. نعم .. كانت بداية حياة جديدة . حياة مليئة بالتطلعات لإنجاز شيء جديد كل يوم . ألفت الكتاب أثناء المرض ، تعلمت مبادئ التصوير الاحترافي ( وأنا التي كان عقلي ينغلق تلقائياً لأي كلام في التقنية ) ، ساهمت في إنشاء مجتمع طهر لمرضى السرطان وقمت بترجمة العديد من المقالات التي تهتم بالسرطان من المواقع الأمريكية المعتمدة ، عدت إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد انقطاع دام 27 سنة  وصرت طالبة في سن جدتي ! زاولت رياضة  المشي يومياً ، استمتعت بركوب الدباب في البر ، والأدهى من ذلك أني ركبت القارب في ينبع أخيراً . أنا التي كنت أرفض رفضاً قاطعاً ركوب القارب لخوفي الشديد من البحر وعدم اتقاني السباحة ، وأؤكد لكم أن تلك الرحلة كانت من أمتع الرحلات في حياتي .. كادت أنفاسي تتقطع من الإثارة .. ها أنا الآن أتغلب بفضل الله على خوفي القديم . أواه كم من المتع ضيعت على نفسي .

والآن أشعر بفخر شديد وأنا أصف نفسي في تويتر بأني الجدة الكول . صدقوني ، كم هو جميل أن يكون المرء كبيراً و كول في الوقت ذاته !

أستطيع أن ألحظ بجانب عيني فخر أولادي بي .

أسعد كلما وصلني تعليق يثني على كتابي ، أو أقوم بتصوير صورة جميلة تلقى إعجاباً ، أو أنهي جزءاً متقناً من القرآن وتثني شيختي على أدائي في درس السند الذي بدأته العام الماضي ، أو أفقد كيلاً من وزني كل أسبوعين ، أو تشكرني إحدى المريضات على استشارة طبية سرطانية ..

بقي لي من المتع ما أسأل الله أن يقر عيني به قبل أن ألقاه : أن يسلم بسببي وعلى يدي بعض الأشخاص ، أسمع شهادتهم بأذني ، وأمسح دموع الفرح بيديّ ، هنا أكون قد عشت الحياة الحقيقية بعد الأربعين .

Read Full Post »

 في شهر ذي القعدة من عام 1430 هـــ تم اكتشافي لمرض السرطان .

هل أكذب إذا ما قلت أنها كانت فاجعة بالنسبة لي ؟ حسناً لن أكذب .. لم تكن فاجعة !

كنت متبنية نظرية ( هذا يحدث للآخرين فقط ) وبشدة .

تعرفون هذه النظرية ؟ علمني إياها الكاتب المبدع أحمد خالد توفيق .

كل المصائب لا تحدث لي أنا وإنما تحدث للآخرين فقط !

فكان اعتقادي حينما اكتشفت هذا الورم في ثديي أن هذا مجرد .. مجرد .. مجرد شيء ما وسيذهب ، لأني لا يمكن أن أُصاب بالسرطان فهذا يحدث لأم عبد العزيز وأم سعيد ( الكبار في السن ) أما أم خالد الشابة الأربعينية فلا !

بطبعي أحب الأحداث الجديدة ” المثيرة ” : أحب الولادة ، أحب جو الاختبارات ، أحب السفر ( بالتأكيد) ، فكان التشخيص المبدئي في مستشفى الملك فهد بالمدينة مثيراً ، تلاه حوادث مثيرة أخرى من السفر إلى الجدة وتلقي الفحوصات في مستشفى الملك خالد ( الحرس الوطني ) والاهتمام من الأهل والصديقات .

أحسست في تلك الفترة بحنين للإمساك بالقلم وكتابة كل هذه المشاعر الدفاقة التي انهالت علي ، وأنا التي تركت الكتابة رسمياً منذ سن التاسعة عشر ، إلا محاولات مختبئة أكتبها عندما تتأجج مشاعري في غضب أو حزن لأي سبب كان ؛ تنسكب في ” ثورة عاطفية ” – كما كنت أسميها – على الورق ثم أعود فألملمها وأجعلها حبيسة الأدراج لأجتر قراءتها حينما يجتاحني “مود الحزن ” .

لذا فقد قررت إنشاء مدونة أسميتها ” الحياة الجديدة ” ، كنت أكتب فيها يومياتي مع مشاعري ، مع الفحوصات ، مع أهلي وصديقاتي ، قصدت منها أن أفرغ طاقاتي الانفعالية وأسجل هذه اليوميات للتاريخ ولمن يود أن يعرف كيف يشعر مريض السرطان ..

تعرفون ، ليس من السهل أبداً أن تتقدم لمريض سرطان وتسأله بوجه بارد والفضول يكاد يقتلك : كيف تشعر وأنت مريض ، وربما تموت ؟

حسناً ، ها أنا ذا قدمت لك الفرصة في طبق اليكتروني !

مرت الأيام وأنا أكتب ، وكنت أشعر بسعادة غامرة حين أتلقى التعليقات من شتى أنحاء المملكة : من المدينة ، من الشرقية ، من ينبع ، من الرياض ومن أمريكا أحياناً .

لا أحصي كم من المرات كنت أدخل على المدونة فقط لأقرأ التعليقات المبهجة الكثيرة التي تمدني بالتشجيع والمواساة ، حتى بدأت في جلسات الكيماوي ، وانقطعت عن العالم تقريباً .

تناولت أربع جلسات من مركب AC والذي تسميه ” العارفات ” بالشأن : الأحمر ! نظراً للون الأحمر الذي يميز أحد الدوائين اللذين يتركب منهما . كانت السمة الغالبة على آثار هذا المركب : الغثيان !

اجمع كل الغثيان لجميع الحوامل اللواتي تعرفهم وضعه في شخص واحد وتخيل ما الذي يشعر به ؟

هل تصدق أني لا أزال أُصاب بالغثيان كلما دخلت مركز الأميرة نورة للأورام في مستشفى الحرس ؟ ويزيد الغثيان إذا ما شممت رائحة القهوة تنبعث من أحد المقاهي الصغيرة المتناثرة . بل هل تصدق أني أكتب هذه الأسطر الآن – وقد انقضت سنة ونصف منذ آخر جلسة كيماوي تلقيتها- والغثيان يداعب مؤخرة حلقي ، فقط لأجل السيرة ؟

ثم أجريت عملية استئصال الثدي المصاب وخمس وعشرين من الغدد الليمفاوية والتي اتضح إصابة اثنين منها بالمرض ، وحدثت أمور مضحكة وأخرى محزنة في هذه الفترة ، واشتدت حاجتي للكتابة .

كنت أشعر أني بحاجة لأكتب ويثني على ما أكتبه أحد .

كنت أشعر أني بحاجة إلى دعم قوي .

لم يعد يكفيني أن يحيطني أهلي وصديقاتي بالحب ، خاصة وأني كنت في جدة ، والكثير منهم في المدينة .

شعرت بأني أحتاج للمزيد من الاهتمام و الثناء ، فقد كنت أمر في هذه الآونة تماماً بمشاكل زوجية عاصفة .

أحسست أني أنسحب تدريجياً من الحياة . وعلى الرغم من نفسيتي المتفائلة إلا أن المشاكل إضافة إلى آثار الكيماوي المسببة للاكتئاب ، وحزن الاستئصال كلها كانت تشعرني أحياناً باليأس والرغبة في الموت .

وفي يوم حادثتني إحدى الصديقات الطبيبات ورجتني رجاء حاراً أن أكتب قصتي وأطعّمها ببعض المعلومات الطبية والتي استفدتها من تصفحي للمواقع الأمريكية المعتمدة بحثاً عن المعلومة الشافية .

عندئذ ، أضاءت لمبة فوق رأسي ورجعت إلى المدونة التي أغلقتها مؤقتاً فنسخت محتوياتها في ملف وورد ، ثم حذفتها آسفة متحسرة على كل التعليقات التي طارت أدراج الرياح ، ثم صرت أحاول استعادة الذكريات والمشاعر بل وحتى الروائح والطعوم وأدوّن كل ذلك حتى تعادلت الأزمنة ووصلت فعلياً وكتابياً إلى مرحلة جلسات الكيماوي الثانية التي تلت العملية من عقار  Taxotere المدمر . ولن أصف لكم ماذا كان يصنع لأن هذا ستجدونه في الكتاب ، وقد تجد بعضاً منه في تدوينة جداري قبل سنة (2).

كنت أدوّن مشاعري بدقة ، ومن يقرأ الكتاب سيلحظ ذلك ، وكنت كلما شعرت بانهيار نفسي وعاطفي وأحسست بفقدان الرغبة في الحياة فكرت في مدى استفادة الناس من هذا الكتاب لو قدر الله خروجه ، فكان يعطيني دفعة قوية إلى درجة أني كنت أدعو الله أن يعافيني لأرى بعيني أصداء الكتاب في المجتمع .

وفي إحدى أيام العلاج الإشعاعي لمحت شريطاً جميلاً بنفسجي اللون لُفّت به الهدية الجماعية التي قدمتها لي بنات أخواني في العيد فطرأت على ذهني فكرة صورة ، ونفذتها على الفور : بحثت عن شريط مشابه وردي وكليك كليك ، تمت الصورة ، واحتفظت بها على أن أستعملها فيما بعد كغلاف لكتابي المنتظر .

الآن كل شيء جاهز : الكتاب ، الغلاف ، وبقيت دار النشر ، فراجعنا مكتبة العبيكان إلا أنه كالعادة – اللهم بارك – كان مزدحماً وأرشدنا إلى الحصول على الفسح الإعلامي قبل أن نفعل أي شيء .

سمعت في سبيل الحصول  على الفسح القصص الطوال ، وأن بعضهم استغرق حصوله على الفسح الشهر والشهرين ، فتوكلت على الله وذهبت مع خالد إلى المكتب المخصص لذلك تشيعني دعوات أمي الحارة ( الدعوات هي الحارة وليست أمي ) أن يوفقني الله .

دخلنا وقابلنا المسؤول عن هذا الشأن فطلب منا تعبئة استمارة في الدور السفلي .

كاد أن يسقط في يدي ، إذ أن آثار الكيماوي لم تختف بعد ، والمشي متعب بعض الشيء ، أضف إلى ذلك أني كنت أرتدي حذاء ( يطقطق ) عند المشي ، ولم أستسغ فكرة النزول للدور السفلي والمشي بهذا الحذاء “المطقطق”  فيعرف كل من في المبنى أن ثمة امرأة ( متقصوعة ) تتمشى في الردهات ، فتجمدت في مكاني لثوان يبدو أنها كانت كافية لينتبه الرجل أن التي أمامه هي ” خالة ” وليست امرأة ” متقصوعة “( على الأقل عرفنا فائدة من وراء هذه الخلخلة ) .

 فقال : ” والا أقول لكم ، تعالوا هنا ” ، وأدخلنا إلى حجرة جانبية وأعطاني الاستمارة المطلوب تعبئتها ، وكما يقول الفرنسيون : voila  فوالا !

انتهيت من الأمر وطلبوا منا مراجعتهم بعد يومين .

يومان ؟ ألم يقل الناس : شهرين ؟ فقال الرجل : أليست مذكرات ؟ وتصفح مذكرة الكتاب سريعا ، وقال : مادام ليس فيها شيء ممنوع فلن تستغرق أكثر من يومين .

رجعت إلى البيت وأنا في فرح شديد ، وقبلت يدي أمي والتي كان دعاؤها ولا شك سبب تسهيل مهمتي .

دق جوالي بعد وصولي بعشر دقائق فإذا به ذاك الرجل المسؤول ، دمث الأخلاق يخبرني أن فسح الكتاب قد صدر وعليّ أن أرسل أحداً الآن ليستلمه .

احتجت أن أسأله مرتين عما قال لأتأكد من صحة ما سمعت .. جئتك قبل نصف ساعة ، وصدر الفسح أثناء رجوعي إلى البيت ؟

يا الله ، كم هو كريم ربنا . كم يحب إسعاد عباده ، ولكننا قلما ننظر إلى نعم الله ولا نفلح غالباً إلا في تصيد البلااءات والمحن .

ليتنا كنا متصيدين للنعم كذلك ، فقط لإحداث بعض التوازن في حياتنا .

وبعد ذلك تم التعاقد على دار وجوه – وهي الدار الوحيدة التي رد عليّ أحد موظفيها بالهاتف – على طباعة كتابي ، وللحق ألفيتهم حسني التعامل مع العملاء وعندهم الكثير من المرونة ، وأسعارهم معقولة .

والآن ، ها أنا ذا أحصد ثمار ما زرعته منذ ما يقارب السنتين ، وإنه لعمر الله حصاد طيب المذاق ، أسأل الله أن يهبني خيره ويكفيني شره .

أشكر كل من قرأ المدونة الأولى وشجعني ، ومن تابع هذه المدونة وتفاعل معي وأثنى علي ، فلكم الفضل بعد الله في تشجيعي على إقدامي على هذه الخطوة ، والتي ما ظننت أني سأقوم بها لو لم أتلق هذا الدعم .

أشكركم .. أشكركم ..

صفحة الكتاب في فيس بوك

يمكنكم الحصول على الكتاب بنسخته الالكترونية من متجر  سيبويه الجليس الرقمي

أسماء المنافذ التي يوجد فيها الكتاب

Read Full Post »

 ريما نواوي ، فتاة عرفتها في تويتر .

مصابة بسرطان منتشر داهمها منذ عشر سنين حين كانت في الثامنة عشر .

إنسانة لم أر مثلها في تفاؤلها وحسن ظنها بالله . سافرت إلى الصين لتتلقى علاجاً جديداً .

عايشت قصتها عبر تويتر حيث كانت تكتب مشاعرها وانفعالاتها بأسلوب مرح تجعل الناس يتعجبون من جلدها ، بل وقد يتهمها البعض بالتظاهر .

طالت معاناة ريما في الأيام الماضية ، ولازالت تتألم مع أنها تتناول المورفين كمسكن حتى دخلت العناية المركزة ، وانقطعت تغريداتها المتميزة .

آخر تغريدة لها كانت منذ 13 يوماً ، وقالت : ” … رجفة .. كأنه كهربة 110 انشبكت في 220 …. أستغفر الله جسمي بينفض بقوة ….. يارب … يا رب!

في العاشرة وخمسين دقيقة من ليلة الجمعة أسلمت ريما الروح بعد أن نطقت بالشهادتين ، وبلا ألم .

ومنذ ذلك الوقت  تتدافعني مشاعر غريبة .

خليط من ضيق وبكاء وغبطة وفرح وخوف.

وللحق أمور كثيرة تكالبت عليّ  في الآونة الأخيرة ساعدت على تحفيز هذا الشعور بالحزن والضيق .

أتمنى لو أعدت أولادي صغاراً أجمعهم تحت جناحي ، كالدجاجة التي تلم بيضها تحتها وترقد عليها بحبور . خروج سهل من بيتي لازال يفت في عضدي . الاختبارات تقلقني بشدة ، فلا زال أمامي الكثير الكثير والوقت يتضايق . لا أعرف متى سيدخل كتابي المطبعة. أنا مريضة سرطان كذلك .. صحيح أنني متعافية بفضل الله ، ولكن خطر رجوع المرض يظل موجوداً دائماً مع كل نتوء أجده في أي مكان من جسمي ، وكل ألم أحسه في عظمي.

 و الآن ، هاهي ريما تموت !

تأثرت بشدة . وأحسست كم هي  مؤلمة الحياة ومملة .

أتذكر روحها المرحة ، وعينيها الضاحكتين في الحفل الذي أقيم لها يوم عودتها من الصين . أتذكر تفاؤلها وإحسان ظنها العجيب بالله . وأتذكر أني مريضة سرطان كذلك ، وتبدأ روحي في الانسحاب رويداً إلى عالم اليأس وفقدان الرغبة في الحياة ..

 ولماذا تعيشين ؟ هل بقي شيء جميل في الحياة تناضلين من أجله ؟

ترى كم تألمت ريما حتى فاضت روحها .. هل ستعانين من ذلك أيضاً ؟

هل تتخيلين أن يعود السرطان في مكان آخر .. تأخذين الكيماوي مرة ثانية ، وتعانين آلامه ومتاعبه ..

هل تتخيلين احتياجك للناس مرة أخرى .. وتركك لأولادك ..

هل تتخيلين أن أمك ستتعب  وقد يكون موتها في مرضك هذه المرة ..

وفي النهاية يكون الموت ،  وكما يقولون : بعد معاناة طويلة مع المرض .. هذا الذي يقولونه دائماً .

ولكن لحظة لحظة ..

لماذا عليّ في مثل هذه المواقف أن أؤدي دور الخائفة من عدوى الموت ؟

هل يفترض كمريضة سرطان أن أظل أتخيل نفسي مكان ريما– تشاؤماً – فأبكي وأتضايق ؟

مرضي مختلف تماماً عن مرضها ، ثم مهلاً .. ألست من يردد دائماً : ليس المرض ما يميت ، وإنما يميت انقضاء الأجل ؟

فما بالك إذن استسلمت الآن لهذه الأفكار السلبية ؟

أفهم أن يصعب على النفس فقدان شخص كنت تتواصل معه وإن كان هذا التواصل في عالم افتراضي .

أفهم أن يكون السرطان مرضاً مخوفاً ومقلقاً .

أفهم أنك تخافين يا هناء من ألم الموت .

ولكن هل هناك بروتوكولاً معيناً يقضي بأن من أصيب بالسرطان سيموت لا محالة ؟

ما لي أرى كيانك تزعزع وبنيانك النفسي يكاد ينهار ؟

أين إحسان الظن بالله ، وأين حسن التوكل عليه ؟

أم أنه كلام يقال في المحافل والمناسبات ليقول الناس : ما أجلدها ، ما أصبرها ، ما أحكمها!

أكاد أراها .. فترة زمنية سوداء ، مكدسة بالوجوم والأفكار السلبية كأنما أُقحمت في تفكيري إقحاماً بعد معرفتي بنبأ وفاة ريما .

غيوم رمادية كثيفة حجبت عني لوهلة ضياء  الشمس ودفئها في صقيع الظنون الفاسدة .

سبحان الله ، كيف يحب الإنسان الحزن مهما بلغ حداً طيباً في التفاؤل والإيجابية .

انظر إلى الأفلام والقصص الحزينة تجدها أكثرها رواجاً ، ويكاد أي حدث فيها يبكيك ، في حين أن من أصعب الأمور انتزاع الضحكة الصادقة من القلب .

لم نقتل أنفسنا قتلاً بطيئاً بكل التوقعات السيئة والإحباطات والتشاؤمات ، فلا حياة سعيدة عشنا ، ولا موتاً مريحاً جلبنا؟

لم نخفق دائماً ، مراراً وتكراراً في إحسان الظن بالله .

كل يوم أكتشف حقائق سيئة مشتركة بين البشر فأتعجب كيف بدأت ، ولم لا نعمل على تغييرها  .

نشترك جميعنا في جعل سوء الظن بالله هو الأصل .. لكن لماذا ؟

أليس ذلك بكسب أيدينا ؟

قلت لأحدهم مرة : لو لم يكن دليلاً على وجود الله إلا إجابته دعائي لكان كافياً لي . فقال بلا مبالاة : أنا مؤمن بوجود الله ، ولكن ما ذكرتِ كدليل لا يكفيني أنا إذ هو لا يستجيب دعائي !

طبعاً لا يستجيب يا مسكين ، لأنك تدعوه وأنت تشك في إجابته ، في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة” .

أنت ظننت أن الله لن يستجيب غالباً ، فكان الله عند ظنك .. فخطأ من يكون ؟

كم يرينا الله من ألطافه ونعمه .. يكفي أن الأصل في حياتنا الصحة والرخاء والسعادة ، وما هذه الهموم و الغموم والأمراض إلا أمور طارئة ، فلماذا ننسى الأصل  .

يا هناء .. أليس من قولك أقدار الله كلها خير ؟

أليس من قولك كيف تريده أن يكون لك ؟ ( فضلا مراجعة تلك التدوينة )

ألم تملكي في يوم نظارات شمسية ماركة أبو ألف ؟ ( فضلا مراجعة تلك التدوينة ) .

ما الذي حصل .. ولماذا الاستسلام ؟

فيجيب صوت ضعيف آخذ في الاضمحلال : لأن مريض السرطان له نفسية خاصة ليست كباقي النفسيات .مريض السرطان يرعبه موت مريض سرطان آخر مهما بلغ من القوة والصلابة والتفاؤل .

عجباً .. وهل هذا التفكير القاتم سيغير من الأقدار شيئاً ؟

ثم ألم تؤمني مرة بأن ألطاف الله تنزل على العبد المبتلى حتى لا يكاد يرى بلاءه ؟

ألا تذكرين حين كان الناس يبكون حالما يعرفون بخبر مرضك ، في حين كنت تواسينهم في نفسك وكأنهم هم المرضى وأنت الصحيحة المعافاة ؟

لماذا تغفلين عن جانب اللطف ، وهو جانب – لعمر الله عظيم –

انظري إلى ماشطة ابنة فرعون المؤمنة ..  كانت تمشط سيدتها فوقع المشط من يدها فقالت : بسم الله , لتسألها السيدة بصلف وتكبر : أبي ؟ فتقول : بل ربي ورب أبيك : الله . فينمي الخبر إلى الطاغية فيأخذها ويرمي أولادها الخمسة واحداً تلو الآخر أمام ناظريها في قدر ملئت نحاساً مذاباً يغلي ..

أي ثبات ثبتت ، في حين نكاد نجن من هول الموقف .

ولكن العالم بأسماء الله تعالى وصفاته يتحقق له تجلي اسم الله اللطيف  في هذه الحادثة .

ألا يجمل بنا أن نظن الله تعالى أنزل على هذه المرأة الصابرة من الألطاف والرحمات وتثبيت الجنان ما غطى عين البلاء بحلل اللطف البهية .. لعلها كانت ترى أولادها يقذفون في نهر الحياة أو في جنان وارفة فسكنت واطمأنت .

ولكن من كان خارج البلاء لا يرى إلا البلاء .

أزيحي يا نفس الستائر الكثيفة وافتحي النوافذ ليدخل إليك الضياء الدافئ واستقبلي بصدرك وقلبك روح الحياة وجمالها من رب كريم لطيف ، استمتعي بما تبقى لك من عمر – طال أم قصر – فإذا جاء وعد الله فليكن عند حسن ظنك.

اللهم اغفر لريما وارحمها وأعل درجاتها في الفردوس الأعلى ، وأنزل على قلوبنا السكينة والثبات والرضا بأقدارك .

Read Full Post »

قبل خمس سنوات ذهبت إلى ينبع مع عائلتي الكبيرة لقضاء عيد الحج عند أخي .

 كنت وقتها في أيام حملي الأخيرة بابنتي شمس ، ولعل كونها السابعة من أولادي ، وحملي بها تم وأنا في الأربعين ساهما في جعله حملاً متعباً وشاقاً بالفعل . 

اغمقّ لوني ، وانتفخ جسدي كثيراً وكان المشي والجلوس والنوم صعباً ،وكنت أستدر عطف وشفقة كل من كان ينظر إلي.

كنت بلا مبالغة كرة تتدحرج بصعوبة ، إذا جلست لم تقم ، وإذا قامت جلست .

ولكني قضيت في ينبع مع أمي وأخوتي وبناتهم وأولادي أوقاتاً سعيدة للغاية .

حتى كان ليلة عيد الأضحى .. اغتسلت ولسبب ما – لعله أقدار الله – نظفت أذني بعود قطني ، وهي عملية أفعلها بين الحين والآخر .

فوجئت بانسداد أذني اليسرى تماماً .

غريبة ..

لم تنسد أذني طيلة أربعين سنة مضت بهذه الطريقة ، ما الذي جرى الآن ؟

حاولت إخراج ما سد أذني ولكني كأني كنت أزيد في حشر الكتلة الشمعية إلى الداخل أكثر وأكثر .

اشتريت قطرة لإذابة الشمع ، كنت أقطرها في أذني أربع مرات يومياً لعلها تسلّك الطريق ، ولا فائدة .

غالباً لا تجد في مستشفيات جدة أخصائيي أنف وأذن وحنجرة يعملون في العيد ، فكيف بينبع ؟

اضطررت أن أصبر ( الصبر الاضطراري ) حتى ينتهي العيد ويرجع الأطباء لدواماتهم .

كنت في تلك الفترة أعاني معاناة بائسة بهذا الانسداد المزعج .

أحياناً كنت أسمع صوت ابني الذي يتحدث أمامي يأتي من الخلف ، فأستدير فقط لأتأكد أنه ليس هناك .

زاد تعبي ودحرجتي وصرت أكاد أصلي فروضي جالسة ، ولازال أمامي ثلاثة أسابيع تنتظرني حتى يحين موعد ولادتي .

ثم ذاك الصداع .. ذاك الصداع كالمطارق تهوي على رأسي ، وأطرافي التي كان تنمل كثيراً .

ما دخل انسداد الإذن في الصداع والتنميل ؟

انتهى العيد أخيراً ورجعت مع أهلي لأرتاح قليلا ، فأنا جد متعبة ، وذهبت فوراً إلى استشاري الأنف والأذن والحنجرة .

دخلت أتمايل كالبطريق وأنا ألهث بشدة ، وجلست متهالكة على الكرسي الطبي .

نظر إلي الطبيب متفحصاً ، وأكاد أقرأ أفكاره وهو يحدث نفسه : ما هذه البطيخة المتدحرجة ؟

أشار بيده إلى الممرضة لتأخذ الحرارة والضغط ، فمددت إليها يدي متذمرة ..

ومنذ متى يطلب طبيب الأنف والأذن والحنجرة الضغط .. بالله عليك تعال ( لتشفط ) اللؤلؤة الشمعية التي سدت أذني وأخلت بتوازني ( وخلصنا ).

220/160 .

 شعرت بانزعاج من هذا الرقم ..

 ما هذا الضغط المرتفع ؟ ربما لأني مشيت .. ولكن 160؟

سألني الطبيب : هل عندك ضغط ؟

قلت : نعم ، وآخذ له دواء .

قام .. فحصني .. شفط الكرة الشمعية ( و يالها من راحة عظمى ) وفحص ضغطي ثانية ، بنفسه هذه المرة .

لازال الرقم عالياً .

انصرفت من عنده وهو يؤكد علي ّضرورة مراجعة طبيبتي على وجه السرعة ، لأن هذا الضغط مع الحمل لا يبشر بخير .

أختصر لكم المسافات ، وأخبركم أن الطبيبة حين علمت بهذا الضغط أصرت عليّ بالإسراع في الولادة ، فدخلت المستشفى وتلقيت ( الطلق الصناعي ) ولكني لم ألد .

طال الوقت ، وداهم طيبيتي القلق .

رأيتها من بين أجفاني المخدرة تنادي زوجي وتحدثه بشيء ما .

فكرت بذهني الضبابي : لابد أن هناك خطأ ما .

مرت دقائق ثم جاءتني الطبيبة ورفعت الكمامة عن أنفي ليصفو ذهني بعض الشيء وأخبرتني بأن هناك مشكلة .

الرحم لم يستجب للطلق الصناعي ، والضغط لا يزال في ارتفاع ، وثمة احتمال لإصابتي بمتلازمة HELLP الخطيرة ، والتي يمكن تلخيصها بأنها متلازمة تتسبب من وجود مرحلة ما قبل تسمم الحمل وتتميز بارتفاع ضغط الدم وارتفاع إنزيمات الكبد وانخفاض الصفائح الدموية ، وقد تؤدي إلى حدوث التشنجات والغيبوبة والنزيف ومن ثم … الموت !

الحل الوحيد : إخراج الطفل ..

الرحم لا يستجيب ، فكان لابد من إجراء عملية قيصرية لم أقرأ عنها شيئاً في فترة حملي ، لأني كما أخبرتكم من قبل : هذا يحدث للآخرين فقط .

ماذا ؟ لم أخبركم ؟ هممم . يبدو أن الأمر التبس علي وذكرت لكم شيئاً مما كتبته في كتابي .

لا بأس .. اعتبروها فقرة إعلانية عن كتابي ، وبعض ( النحنسة ) التي أحب أن أداعب بها متابعيّ في تويتر وانستغرام بين الحين والآخر .

أومأت لطبيبتي وقلت لها بصوت واهن : توكلي على الله .

وعلى الفور أجريت العملية وأشرقت شمسي على الحياة .

طيب يا هناء .. ماذا نستفيد من قصصك الطويلة التي تقارب الخمس صفحات ؟

الفكرة هي : كم من الأمور تحدث للمرء مما لا تعجبه ، فيظل متسخطاً ، جزوعاً ، بائساً ، لا يكاد يرى شيئاً من مباهج الحياة لأن هذا الأمر أو ذاك أصابه . وتمر الأيام فيرى نعمة الله الكبيرة من حدوث ذلك الأمر ، فيحمده ( إن كان مستحضراً لها كنعمة ) أو يمضي فارغ الرأس يحسب أن اكتشافه هذا صدفة ، وما درى أن هذا فضل الله .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن العبد ليهمّ بالأمر من الأمارة والتجارة ، حتى إذا لم يكن بينه وبينه إلا ذراع نظر الله تعالى إليه فقال : اصرفوا عبدي عنه ، فإني إن مكنته منه أدخلته النار ، فيصرفه الله عنه ، فيظل العبد يتطير ويقول : سبقني فلان ، دهاني فلان ! وما هو إلا رحمة الله .

تعلمت من إصابتي بالسرطان أن أقدار الله كلها خير .

ألم يكن انسداد أذني خيراً لي لأضطر لمراجعة الطبيب فيكتشف ارتفاع ضغطي ويطلب مني استشارة طبيبتي التي تأمر بعملية قيصرية فورية وإلا تعرضت للموت ؟

كيف كنت سأعرف عن ضغطي أي شيء وأنا أتمتع بعادة سيئة للغاية في عدم زيارتي للأطباء إلا حين يستفحل الأمر .

واستفحال الأمر في مثل وضعي هو بدء الطلق .

ألم تسمع من قبل عمن تأخر عن رحلته ففاتته ، فعاد مبتئساً ليعلم فيما بعد بسقوط الطائرة ؟

ألم تنو من قبل أن تبيع ذهباً فائضاً عندك لارتفاع سعر الذهب ، ولكن لم يتسن لك ، فأحسست بالغبن والخسارة ، فقط لتجده بانتظارك حين تحتاجه فعلاً بعد عدة أشهر .

ألم يحدث أن وجدت بيتاً اعتبرته ( لُقطة ) تريد أن تنتقل إليه ، فحال بينك وبين ذلك أمر فحزنت ولعلك تسخطت أو قلت في حق الله ما لا ينبغي ، لتجد بعد ذلك بيتاً أفضل وأرخص وأحسن جيراناً ؟

ألم يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من أصابته مصيبة فاسترجع وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها ، فإن الله تعالى يعوضه خيراً .

هل علّمت نفسك أن تسترجع كلما أصابك ما لا تحب ، وتقنع نفسك أن أقدار الله كلها خير لئلا ترديك في حفر التسخط والأحزان ، ثم بعد ذلك قضاء الله نافذ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ؟

هل علمت نفسك : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ؟ فإن أصابك ما تكره أرجعت ذلك لحكمة لا تعلمها واطمئننت لحكمة الله ؟

إذا لم تعلم نفسك ذلك ، فأرجوك .. افعل ذلك الآن .

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: