Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الإفطار’

هناك ثمة احتمال شبه قوي في أن أذهب لتناول إفطاري في الحرم ..

تداعت علي ذكريات العام الماضي .. في مثل هذا اليوم ، ليلة الثالث والعشرين حدثت معي قصة جميلة ، لم أكن لأنساها ،وكتبت عنها فصلاً في كتابي المرتقب أ، وأسميته ( الفصل لا الكتاب ) : صديقتي الفاتنة سارة !

اعذروني لإعادتها هنا ، ولكنها تبهجني حقاً ، ولعلها تبهجكم .

اليوم الأربعاء وقد دخلت العشر الأواخر ..

 وأولادي صاروا يتناولون طعام الإفطار في الحرم مع ( السفرة ) ..

أتراني أستطيع أن أفطر في الحرم ؟

 كنت كلما أنتظر أذان المغرب أمام شاشة التلفاز ، وأشاهد الجموع الغفيرة وهي تتناول إفطارها في تكافل وود ، وكلٌ يدعو الآخر لمشاركته ( الشريك ) أو ( الحيسة ) ، ويصبون القهوة لبعضهم البعض ، وأمام كل واحد منهم علبة اللبن الزبادي ، يأكل منه مع الدقة  بتلذذ ، و تهفو نفسي لمشاركتهم هذا الجو الرحيم..

كل يوم كنت أقول : الله .. نفسي أفطر في الحرم .

 وكل يوم كان خالد يقول : أوديكي بكرة ..

وكل يوم كنت أتراجع عن الفكرة لعدم رغبتي في الذهاب من الساعة الخامسة لأجد مكاناً ..

لم يكن بمقدوري أن أجلس على هيئة واحدة لأكثر من نصف ساعة ..

كما تعلمون .. رجلي اليمنى تؤلمني جداً..

لكن لما دخلت العشر الأواخر ، وازداد غياب أولادي بسبب ( السفرة ) و التهجد ، فكرت جدياً هذه المرة..

حادثت صديقتي سارة ، وأخبرتها برغبتي ، فتواعدنا ليلة الثالث والعشرين في مكان معين تفطر فيه مع بعض معارفها.

ويبدو أن خطئي الأكبر كان خروجي من البيت في السادسة إلا ربعاً ..

 لما وصلنا إلى الحرم ، كانت مواقف السيارات السفلية قد أُغلقت لامتلائها ، والشوارع مزدحمة بالناس وهم يتجهون إلى الحرم ومعهم في أيديهم زواداتهم ..

كان خالد يبحث جاهداً عن مدخل من هنا وهناك يقربنا إلى الحرم حتى لا أضطر إلى المشي لمسافة طويلة، وأنا أراقب الناس ، مبهورة ، تتلاحق أنفاسي من الإثارة ..

 أخيراً بعد انتظار طال سأفطر في الحرم . حيثما نظرت كانت الجموع الغفيرة تتجه إلى وجهة واحدة .. مسجد رسول الله r ، بأيديهم زجاجات الماء ، أو صناديق التمور، أو بضع حبات من ( الشريك ) .

ولكننا لا نكاد نجد طريقاً ..

 فهاتفت سارة وأخبرتها أن الشوارع مزدحمة جداً ، وقد لا أتمكن من الوصول، إلا أنها توسلت إلي أن أحاول جاهدة الاقتراب قدر الإمكان وأخذت تدعو لي أن أجد  منفذاً ، فكان إلحاحها علي بالمجيء دافعاً لأن أطلب من خالد المزيد من المحاولات ..

 كان خالد يرفض أن أنزل بعيداً رفضاً تاماً لعلمه بسرعة تعبي ، ولشدة الازدحام في هذه المنطقة، فكان يخشى علي من التعب ، ومن العدوى .

( خلاص ، أنزلي هنا يا أمي ، هذا أقرب ما أستطيعه ) ..

 بهذه الكلمات أيقظني خالد من شرود ذهني  ..

 نظرت ، فوجدت أننا نقف عند الباب الخلفي لإحدى الفنادق التي تطل على الحرم .

 نزلت بسرعة وعبرت من الباب الخلفي للباب الأمامي ، حيث  الساحة ..

ورأيت الجمال والجلال .. رأيت الحرم !!

يا الله ، كم أحب الحرم ..

كلما أمر به تهفو نفسي إليه ، وأقول : آآآه ، وحشني الحرم ..

أخيراً أنا هنا ؟ بعد غياب قرابة السبعة أشهر قبل  أول جلسة كيماوي ..

أحقاً أنا هنا لأفطر في الحرم .. أخيراً !!

الناس كنحل في خلية ..

الساحة تغص بالصائمين وقد افترشوا السفر بانتظار الأذان ..

رائحة رز ولحم تنبعث من زاوية، وفي أخرى رائحة ( الشريك) تسيل اللعاب ..

أين أنت يا سارة ؟

اتصلت عليها فحددت لي مكان اللقاء أمام بوابة قسم النساء بدون الأطفال..

شققت طريقي لها بين الزحام حتى إذا ما وجدتها ، كان علينا أن نشق طريقاً آخر لنصل إلى مكان سفرتها والتي كانت في أول صف في هذا المربع ، وفي أقصى اليمين ..

نظرت فإذا المكان ممتلئ لآخره .. وكما نقول ( ممتلئ حتى عينه ).. ولو شئت لقلت ( حتى شعره)..

كيف يا سارة بالله عليك تريدينا أن نصل إلى هناك ؟

ولكن بالإرادة والتصميم نفعل المستحيل ..

 صارت تمشي تقودني وأنا أمشي وراءها ألهث ..

 تعبت من المشي ..

وأحياناً أغطي أنفي وفمي باللثام ، وأحياناً أخرى أرفعه لأنه يكتم أنفاسي ، وذهني يحاول أن يبحث بين خلايا مخي التي صدئت بفعل الكيمو عن حديث ينهى عن تخطي الرقاب .. أكان الحديث في النهي عن تخطي الرقاب أثناء الصلاة أو تخطيها مطلقاً ؟

أحسست الآن بشعور طرزان ، فذاك كان يتنقل من شجرة إلى شجرة ، وأنا كنت أتبع سارة وأعبر السُفَر ، لم يكن مشياً في الواقع، كان يشبه القفز والمشي على الحبل .. أتخطى الرقاب وأحاول تفادي المشي على السفر التي يضع الناس عليها طعامهم ، أقف على رجل واحدة ، وأمد الثانية لأبعد ما أستطيعه في الجهة الأخرى من السفرة المعترضة ، وقد أفقد التوازن وأضطر إلى الاتكاء على إحدى النساء ..

  نطأ على أقدام البعض أحياناً ، وتصطدم أرجلنا ببعض الكؤوس أو صحون التمر فنقلبها أحياناً أخرى ، وأنا بين هذا وذاك لا أزال أردد : أوه أنا آسفة ، سامحوني ، طريق لو سمحتوا ، شوية شوية ..

وفي منتصف الطريق التفتت لي سارة وكأنها مستكشف عظيم منطلق في سبر أغوار طريق جديد يوصل إلى أرض الفردوس، فرأتني غارقة في لهاثي وأنا أحمل حقيبتي وكيساً به حذائي ..

سارة طبعاً خفيفة الوزن ، وأنا ما شاء الله جيدة !! ومعي حمل لا بأس به في يدي .. فمدت يدها والتقطت مني حملي غير مبالية ياحتجاجي ، وقالت لي مشفقة من العدوى : ” وددت يا هناء لو تلثمت”.. وأكملت سيرها حتى وصلنا أخيراً إلى المكان المنشود ، في أول صف في هذا المربع .

أجلستني سارة على كرسيها الوثير حتى ألتقط أنفاسي وأخذت تعد الإفطار وتعرف صديقاتها علي بقولها : هذه هناء صديقتي ، وهي تفطر في الحرم لأول مرة ..

فرحبن بي بحرارة وكلٌ تسارع لعرض ما عندها من طعام ، وسارة تقول : (نفك ريقنا أولاً ، ثم نأكل ) ..

قدمت لي ثلاث تمرات من عجوة المدينة الفاخرة ، وصبت لي كأس زمزم ( مبخّر ) من ثلاجتها، وجلسنا ندعو بعد أداء تحية المسجد ..

أذن المؤذن ونظرت سريعاً خلفي ، لأرى الجموع الغفيرة منهمكة في تناول الإفطار ..

يا الله .. كم أحب هذا المنظر ..

 المنظر الذي كان دوماً يشدني ، ها أنا فيه الآن .. يا فرحتي !!

أرى في سفرتي الأخوات وهن يصببن ماء زمزم من الثلاجات لبعضهن البعض ،  ثم القهوة من الدلال التي أتوا بها من المنزل ، في جو غاية في الروعة والبهاء .. وبين الحين والآخر تأتي امرأة أو فتاة من السفرة المجاورة تطلب ماء مثلجاً، أو تمراً معيناً والأخوات يبذلن ذلك بكل فرح وسرور..

أنظر وأتعجب ..

 لو كانت هذه أخلاقنا خارج الحرم وخارج رمضان ، هل بقي مسكين أو فقير ؟

أقيمت الصلاة ..

كان المسجد في لغط كبير ، إذ لا زال بعض الناس يأكلون ، ومنهم من كان ينظف منطقته من الفتات والعلب والكؤوس البلاستيكية ، فلما قرأ الإمام الفاتحة ، خفتت الأصوات بسرعة ملحوظة حتى لم  تعد تسمع إلا صوت سعلة هنا أو بكاء طفل هناك ..

ولما أمن الناس ، شعرت بالمسجد يرتج بالتأمين بهدير يبعث القشعريرة في النفس .

سبحان الله ، ما  أعظم الصلاة في تعليمها المسلم النظام .. لكن المشكلة لا تكمن في الشعائر وإنما تكمن في النفوس  التي تعجب من تناقضها ..

 فحين تراها غاية في التنظيم والترتيب في الصلاة ، تجدها هي هي غاية في الإهمال و الفوضى خارجها .

انتهت الصلاة ، ومدت السفر ثانية لتناول الطعام .

حسناً ، لم يكن طعاماً بالطريقة التي قد تخطر في بالك ..

 لم تكن ثمّ شوربة وسمبوسة ولقيمات وعصير توت ، فهذه إن شئتها تجدها بالخارج ، في الساحة مع الرز واللحوم والدجاج..

 لكن هنا لم يكن إلا الشريك والفتوت واللبن الزبادي و الدقة .

يرشون الدقة فوق اللبن الزبادي ثم يقلّبونها ويتناولونها إما بالملعقة ، أو بالشريك .

قالت سارة : ” تمكنت من إدخال اللبن الذي تحبينه لك ” ..

 وأخرجت من حقيبتها زجاجة لبن متوسطة ، وأردفت : “خسارة ، كنت أود أن أجد اللبن منزوع الدسم أو قليله ..كادت المفتشة التي عند الباب أن تأخذه مني ورفضت إدخاله في البداية ، لكني أخبرتها أن اللبن لصديقتي وهي مريضة ، وأن هذه أول مرة تفطر في الحرم ، فسمحت لي ” وضحكت ..

 ثم أخرجت صحناً بلاستيكياً مغلفاً فيه جبن القشقوان الأثيرة لدي ، وقالت :”  الحمد لله أنها لم تلحظ الجبن ” ..

وتناولت قطعة كبيرة من الفتوت ، قطعتها من المنتصف وحشتها بالجبن ونثرت عليها بسخاء من الدقة التي صنعتها والدتها وناولتني إياها ..

كم أسرتني سارة بمعروفها ..

 مثل سارة يُخدم ، فهي حاصلة على السند في القرآن الكريم من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم النبوي القدماء ، وعندها خمس قراءات،  وكثير من النساء يقصدنها ليقرأن عليها بعضاً من الآيات فتصحح لهن قراءتهن ..

كما أنها من عائلة عريقة وثرية ، فمثلها في الحقيقة يُخدم ..

 وها هي الآن ، تؤثرني بمقعدها المريح وتجلس على الأرض أو على كرسي صغير ،  وتصنع لي طعامي ، وتناولني ما أحتاج من قبل أن أطلبه ، تقرأ نظراتي ، وتخمن ما أريد ..

وأنا غارقة في خجلي منها ، لا أحب أن أضايق أحداً بأن آخذ مكانه أو طعامه أو أتعبه معي ، ولكنها فعلت كل هذه الأمور ببساطة شديدة وعفوية محببة ، جعلتني أهتف أخيراً : سارة .. سأكتب اسمك في كتابي..

فضحكت، وقالت : إذن أكتبي ( ذهبت إلى الحرم مع صديقتي  الفاتنة سارة ) ..

 

Read Full Post »

منذ أن كتبت التدوينة السابقة ، لا زال قلبي مبحراً في آلاء الله .

وزاد شعوري بالامتنان لله واهب النعم مشاهدة حلقة من برنامج آلاء والذي يعرض في عدة قنوات محافظة .

صرت أبحث بعقلي وعيني عن مظاهر نعم الله على عباده .

وأود في تدوينة اليوم أن أشارككم بعض النتائج .

قد تكون الفكرة مكررة ، ولكن ( معليش )  .

اصبروا عليّ واعتبروها مجاملة عابرة من تلك المجاملات التي تقدمونها لي بين الحين والآخر عندما أفرض عليكم قراءة ذكريات امرأة عجوز أو أحداثها اليومية .

دخلت المطبخ قبل قليل للبدء بإعداد طعام الفطور .

هنا هالني كمية النعم الموجودة في المطبخ .

أتعلمون كم من الوقت والجهد اختُزل بهذا التطور الحضاري الذي أصابنا ؟

هذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تقول : ” تَزَوّجَني الزّبَير وما لـه في الأرضِ مِنْ مالٍ ولا مَمْلوكٍ ولا شيءٍ غيرَ ناضحٍ وغير فَرَسِهِ ، فكنتُ أعلِفُ فرسَه ، وأستقي الماء ، وأخرِزُ غَربَهُ وأعجِن ، ولم أكن أُحسِنُ أخبز ! وكان يَخبزُ جاراتٌ لي من الأنصار ، وكـنّ نِسـوَةَ صـِدق ، وكنتُ أنقل النّوَى من أرض الزّبير التي أقطَعَهُ رسولُ صلى الله عليه وسلم على رأسي ، وهي مِنِّي على ثُلثَي فَرسَخ … “

كلما قرأت أثر أسماء أضيع يدي على رأسي لهول فعلها وأتخيل نفسي مكانها في حر المدينة الشديد التي من صبر على لأوائها وجهدها كان النبي صلى الله عليه وسلم له شفيعاً وشاهداً يوم القيامة .

اليوم جلست أفكر في طريقة إعداد مائدة الإفطار والتي ستتكون اليوم من شوربة الحب ، والسمبوسك باللحم المفروم ودوارق الماء البارد وعصير الفيمتو والتانج  فقط.

فكرت أني لو كنت أعيش في زمن أسماء رضي الله عنها فلا بد من  الاستيقاظ من الفجر أو قبله بقليل لأعد هذه المائدة البسيطة ، فضلاً عن الأصناف الأخرى والسحور .

دعونا نلعب هذه اللعبة ونتخيل كيف سنصنع لو كنا في ذاك الزمان وأردنا إعداد هذه المائدة .

أولاً لابد أن نذهب للبئر للحصول على الماء ..

الله يعلم أين تقع البئر .. لا أظنك ستجد بئراً في حديقة كل بيت .

كم دلواً سنحتاج ؟

نحتاج ماء للشوربة ولعجين السمبوسك والفيمتو والتانج ..وللماء نفسه .

أوه ، نسيت أني يجب أن أغسل المكونات .. هذا ماء إضافي .

والآن عليّ أن أذهب إلى الحظيرة ، أجمع بعض البيض لأضعه بعد سلقه في حشوة السمبوسك ، ثم أمر على الأغنام ، أنتقي خروفاً حسناً فأذبحه ..

يا إله الكون ، ذبحه وسلخه وتقطيعه وتوزيعه سيستغرق النهار بأكمله ..

لا تنسوا أني لا أملك ثلاجة في هذا العصر ، والخادم ستكون مشغولة بتوصيل قطع اللحم إلى جيراننا.

والآن أضع اللحم بعد غسله في القدر لينضج ، ولابد أن أعجن مبكراً ليرتاح قليلاً قبل فرده .

أخرج مرة أخرى إلى الجرين ( المخزن ) لأستخرج منه حبات القمح التي حصدها أولادي قبل فترة ..

أضعه في الرحى ( الطاحونة ) وأطحنها ..

يا إلهي ، هذا أمر متعب ..

أوتش .. أنظر إلى يدي فأجدهما شديدتا الإحمرار وبعض الندوب هنا وهناك من هذه الرحى الثقيلة .

أخيراً صار عندي بعض الدقيق ، أصب عليه شيئاً من الماء في الدلو وأعجن عجيني، وأتركه ليرتاح في (الطست) .

أنظر إلى الشمس ، انتصف النهار وأنا في عمل مستمر .

أين بناتي الكسلانات ؟ أين تلك الخادم المراوغة ؟

تركنني جميعاً لأعمل وحدي في إعداد هذه السفرة المتواضعة .

عليّ ملء هذه الجرار الفخارية ووضعها عند النافذة لتبرد قليلاً قبل تناولها عند أذان المغرب .

أووووف . هذا الدلو ثقيل .

لا أعلم كيف تحمل الحمار المسكين وزنه طيلة هذه المسافة من البئر ( التي لا أعلم حتى الآن موقعها ) إلى بيتي .

هذه الجرة للماء ، وهذه للتانج والثالثة للفيمتو .

وهنا أستميحكم عذراً على تجاوز هذه النقطة وأرجو أن لا يسألني أحد من أين حصلت على الفيمتو والتانج في ذلك الزمان ، ولكن لابد لقصتي من بعض الحبكة غير المنطقية ، فقط لتكونوا في الصورة .

أووووووه ، نسيت أن أفرم اللحم .

أتطلع إلى الشمس بقلق فقد بدأت بالاصفرار ، ولم يتبق للمغرب إلا ساعتين ونصف فقط .

منذ أن استيقظت فجراً لم أتوقف عن العمل إلا لأداء الصلاة .

حلقي يكاد يتشقق ، وقواي بدأت تخور .

لا ، لست هنا مريضة بالسرطان لحسن الحظ .. يكفيني هذا العمل .

وضعت اللحم في هاون معدني كبير وصرت أضرب به قطع اللحم ، وهنا تقافز حولي صغاري يطالبون بحصتهم في هذه اللعبة ، كلٌ يريد أن يضرب قليلاً .

أعطيتهم ذلك لأتمكن من فعل شيء آخر ..

خرجت إلى الحقل .. يا ربي .. الحر شديد ..

قطفت بعض أعواد البقدونس وأتيت ببعض حبات البصل وقفلت راجعة مسرعة قبل أن تناديني جارتي المرفهة التي تعيش في أزمنتكم  لتتحدث معي ، وقد أنهت من إعداد مائدتها من العصر، وهاهي الآن تقرأ القرآن وتنتظر فقط قلي السمبوسك ..

رجعت وأعددت البقدونس وسلقت البيض بحمد الله ، ولما انتهيت وجدت أن صغاري أنهوا عملهم بنجاح …. تقريباً ..

لولا نصف اللحم المتناثر من الهاون لكان عملهم متقناً .

أعددت الحشوة وناديت على الخادم لتساعدني في إعداد السمبوسك .

فرد العجينة متعب ، وأهل المدينة معروفون بعجينة البف ، ولازالت قواي تضعف بعد كل هذا الجهد الشاق .

صرخت بصوت واهن على صغاري الذين فضلوا البقاء في أزمنتهم وقطع الوقت بلعب الكمبيوتر بدلاً من ركوب الأحصنة الخشبية واللعب بعرائس العهن ، وطلبت منهم إعداد المائدة .

أخشى ألا أكمل التدوينة لشدة ما أصابني من وهن .

يبدو أن عليّ الرضوخ للواقع  وأعود لزمني ..

فالوقت أدركني ولا زال أمامي خرف التمر من النخلة ، وجلب الحطب لاستخدامه في القلي فقد استنفذ سلق اللحم ما عندي من حطب .

أوووه ، هناك إعداد الشوربة نفسها وكنت قد تمنيت لو بقي لي متسع من الوقت لإعداد بعض اللقيمات .

ولكن الوقت .. الوقت  ..

إضافة إلى أن جهدي لباقي اليوم قد استنفذ ولا أعرف كيف سأقرأ وردي ، أو أصلي التراويح ..

حسناً حسناً .سأعود مضطرة (وفرحة) إلى زماني في الخامسة عصراً .

أفتح مكيف المطبخ سريعاً ، أضع الحب على الشوربة وأدعها تغلي على الموقد الكهربائي ، وأضع دوارق الماء والعصيرات في الفريزر الكبير .

أسخن الزيت وابدأ بقلي السمبوسك ، وفي أثناء ذلك تقوم الخادم سعيدة ( هذا ليس اسمها ، وإنما هو “حال” من الخادم ) بغسل الأطباق بالماء النظيف النازل من الحنفية ، أرادته حاراً أو بارداً حصلت عليه كما أرادته .

وهكذا أنهيت إعداد مائدتي المتواضعة في يوم كامل .

أوف ..  تعبت من مجرد السرد، فكيف بالعمل الفعلي ؟

طبعا تعلمون هوايتي في ( التنكيد ) ، وأني لا أحب إضاعة فرصة الوعظ كلما سنحت .

الآن قس كل ما يمكنك قياسه من هذه النعم على يومي الرمضاني المتعب في زمان أسماء رضي الله عنها .

كم من الوقت أمكنك اختصاره بالتمتع بكل هذه النعم التي وهبك الله ؟

لا أريد أن أكرر النعم ، ولكني أريدك أن تفتح باباً واسعاً لخيالك وتفكر .

والآن …

ماذا فعلت في هذا الوقت الزائد ؟

ماذا فعلت في هذا الجهد الفائض ؟

هل أمضيته في طاعة أو أضعته في كلام فارغ لا يأتي عليك بنفع ، أو الأسوأ من ذلك : في معصية تحارب فيها الله ، الكريم الذي وهبك كل شيء ؟

هل تقاصرت همتك عن ختم جزء من القرآن ، أو عن أن يلهج لسانك بتسبيح الله بعض مئات المرات ( وللمعلومية فكل مئة تسبيحة تستغرق 3 دقائق فقط ) .

هل ألغيت قيام نصف التراويح لأنها متعبة  وتستغرق وقتاً طويلاً ، ثم هي سنة بعد كل شيء وليست فرضاً؟

تعتقد أن أسئلتي صعبة ؟

ماذا لو سألتك عن حفظ القرآن ، أو طلب العلم ، أو خدمة الفقراء في بيوتهم ، وغيرها من الأعمال الكبيرة فعلاً ؟

هل تشعر أنك مكبل عن الذكر والطاعة ؟

لا بأس لا بأس ..

لا أريد إحراجك ..

أنا فقط أسأل نفسي المقصرة عن طريقك .

عذراً !

لابد لي من القيام لإعداد الشوربة والسمبوسك ، بالطريقة الحديثة هذه المرة ، فلم أقرأ القرآن اليوم بعد .

Read Full Post »

كنت قد عزمت على أن أخصص لرمضان تدوينة واحدة لأني لا أعرف ما الذي يمكنني أن أكتب فيه أكثر من ذلك ، وعندما قرأت تعليق فاطم على التدوينة السابقة ، ذكرتني برمضاناتي الفريدة مع أولادي حينما كانوا صغاراً .

كان الثلاثة الكبار يساعدونني دائماً في المطبخ – في رمضان وغيره – حينما كنت أكثر شباباً وأطول نفساً في توجيههم و الصبر على أخطائهم ..

كانوا يساعدونني في تقشير البصل ودق الثوم ، وطقطقة المفرومة ، وتنقية الرز ( في العصور التي كان الرز يأتينا مسوساً أحياناً أو به حبات سمر لا تزال بأغلفتها ) وإحضار ما يلزمني من الثلاجة أو الدولاب ، ولما كان أحدهم يعترض بأن ذلك ليس هو نوع المساعدة التي كان يتخيلها ويأملها كنت أجيب بحكمة أن الطاهي المحترف ( الشيف) لا يصبح طاهياً محترفاً في يوم وليلة ، وإنما يبدأ من الصفر : من غسل الصحون وتقشير البطاطس ويظل يترقى حتى يبدأ في الطهي الفعلي وينتهي به المطاف ليصبح ( شيفاً ) ذا خمسة نجوم ..

لا أدري من أين أتيت بهذه المعلومات ومدى صحتها ..

ربما أكون قرأتها في إحدى قصص ميكي وبطوط ..

المهم أنك يا بني تحتاج للمرور بكل هذه المراحل لتصير (شيفاً ) ممتازاً .

وأكاد أقرأ أفكارهم وهم يتسائلون بحيرة : ومن قال أني أريد أن أصبح شيفاً ؟!

قبل رمضان بعشرة أيام تقريباً أقوم في كثير من الأحيان بإعداد كميات من السمبوسك وكنزها في الفريزر تحسباً للأيام التي أكون فيها متعبة ولا أتمكن من إعدادها .

كما أني أنتهز فرصة رخص البقدونس قبل رمضان والذي يقفز سعره 300% في أول يوم من رمضان .. فالحزمة التي تباع عادة بريال ، نشتريها في رمضان بثلاثة ريالات !

فإذا كانت الليلة الثلاثين من شعبان تسمرنا أمام التلفزيون ( هذا في أيام قنوات المجد والفلك ، أما قبل ذلك فكنا نتسمر أمام المذياع ) ونضطر للاستماع إلى كل البرامج حتى يخرج لنا المذيع الذي يعلن نبأ دخول رمضان ، فيتقافز صغاري فرحين ..

سبحان الله .. حتى الصغار يحبون هذا الشهر العجيب ، ولا أظنه بسبب الشوربة و السمبوسك ، فهذه أطعمة صرنا نعدها في غير رمضان .

لابد أن لرمضان سحراً خاصاً يفتن البشر .

حينها أعد السحور التقليدي والذي عودتنا عليه أمي مذ كنا صغاراً : الاسباجيتي وصلصة البولونيز. والسر في اختيار هذه الأكلة هو سهولة إعداد الصلصة من وقت مبكر ، فلو أعلن عن رمضان فلا نحتاج إلا إلى إعداد الاسباجيتي وتسخين الصلصة للسحور ، وأما لو أكملنا شعبان ثلاثين فبإمكاننا حفظ الصلصة في الثلاجة لغد .

وفي يوم رمضان فإنا نستيقظ جميعاً عند صلاة الظهر لأداء الصلاة ثم نقرأ شيئاً من القرآن قبل العصر ..

يمكنني بمزيد من الدقة أن أقول ( أقرأ ) شيئاً من القرآن ، وذلك لأن أولادي يتجهون مباشرة إلى محاريبهم الخاصة : أجهزة الكمبيوتر والتي تنوعت في بيتنا : ابتداء بكمبيوتر ( صخر ) ومروراً بالأحدث تقنية كالننتيندو بأنواعه وانتهاء بالإكس بوكس ، في حين أظل أذكرهم بفضل قراءة القرآن في رمضان وأجره ، وأحياناً إذا ما ثارت ثائرتي أمنعهم من اللعب حتى يقرؤوا جزءاً واحداً على الأقل .

ولايزال سهل مثار تندرنا جميعاً عليه حينما اعترف لنا أنه قرأ ما بين العصر والمغرب في أحد الأيام من سورة آل عمران إلى سورة يوسف !

أفهم أن يكون المرء سريع القراءة ، لكن يقرأ في ساعتين عشرة أجزاء ، فهذا ما يسمى بالقراءة النووية .. لو كان ثمة قراءة بالفعل .

طبعاً كل ذلك في الأيام التي كنا ننعم فيها بالإجازة الصيفية ، أما إذا وافق رمضان الدوام المدرسي فيكون عذاباً بحق ، إذ كنت أستيقظ مرة قبل الفجر لأدس في أفواه أولادي التمر وأجرعهم الماء وهم يبتلعون كل ذلك آلياً وأعينهم مغمضة بشدة في محاولة يائسة للإبقاء على الأحلام التي انتزعتهم منها .

ثم أوقظهم مرة ثانية ليقوموا فعلياً للذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر ، ثم أوقظهم مرة ثالثة في الثامنة و النصف للذهاب إلى المدرسة ، ثم أستيقظ للمرة الأخيرة في الثانية عشر لبدء اليوم .

(وعلى طاري ) إيقاظ الأطفال ، فكم أضحك من أفعال بعض من أوقظهم لأداء الصلاة ، أو للذهاب إلى الحمام قبل أن يحدث مالا تحمد عقباه..

أحدهم حينما أوقظته نظر إلي بعينين فارغتين ثم مد يده وهمهم بكلمات سريعة : أديني أديني ، وكأنه يأخذ كتاباً من شخص مجهول ثم يقلب صفحات الكتاب ، فأنبهه مرة أخرى فينظر إلي ثانية ، ليعود إلى الوسادة من جديد .

وآخر أوقظه لصلاة الفجر فيقوم ويتجه على الحمام فيجده مغلقاً فيحتار قليلاً ، ثم لا يلبث – تحت وطأة النوم – أن ييمم وجهه شطر باب الحمام ويكبر ويصلي ركعة واحدة ويقفل راجعاً إلى فراشه !

قبل صلاة العصر يبدأ الإعداد لطعام الإفطار ..

وكل يوم تقريباً أفكر بنفس السؤال : أمكث في المطبخ كل هذا الوقت لإعداد إفطارنا والذي لا يتجاوز غالباً الشوربة والسمبوسك والفول ( أو سلطة التونة ) وما يماثل وجبة غداء عادية ( رز وإيدام) لزوجي الذي تربى على هذه النوعية من الإفطار الدسم وصنف واحد فقط من الحلويات أحياناً ، فكم تقضي النساء اللاتي يقمن بإعداد نوعين أو ثلاثة من المعجنات وأنواع الحلويات ونوعين من الشوربة للإفطار ، ثم طعاماً آخر للعشاء ، ثم السحور ؟

ماذا يمكننا تسمية هذا الإهدار للوقت في رمضان ؟

أشعر أن رمضان له عند الناس جاذبية خاصة في ما يتعلق بأنواع المأكولات ، والبرامج التلفزيونية .

كل يوم رمضاني أفتح إذاعة القرآن عصراً أثناء إعداد الإفطار لأستمتع بقراءة الشيخ محمد أيوب ، والذي صار بالنسبة لي علماً على رمضان ، حتى إذا ما سمعت قراءته في أي وقت آخر تلتقي نظراتي بنظرات فاطم ويبتسم قلبانا ثم تتداعى على ذهني فوراً بقية المكونات لأصنع في خيالي يوماً رمضانياً مجيداً : رائحة الشوربة على النار ، والبقدونس المقطع ، واللحم المفروم ( وهو يتطقطق ) ، وماء الزهر في طبق الحلوى ، وهدير المكيف ، والحلق الناشف ، و الطاقة التي بدأت تخور في نهاية اليوم .

وهنا يأتي دور الذكور في المساعدة : أناديهم لتعبئة دوارق المياه ، وشيء خاص بزمزم بعد تبخيره بالمستكة ، وثالث لمشروب الفيمتو الرمضاني الشهير ، ورابع حديث أضفناه مؤخراً لتانج البرتقال كل ذلك نرصه بحرص في الفريزر الكبير ليكون مثلجاً عند الإفطار ..

وبعد ذلك يأتي دور تعبئة التمر .. أنا أحب الصقعي أو سكري عنيزة الضخم لو توفر ، وأولادي يحبون السكري ( المرقد ) فنعبئ من النوعين لإرضاء كافة الأذواق .

وبين هذا وذاك يهربون لإكمال لعبة الكمبيوتر التي ( حطوها على ستارت ) دون إتمام عملهم فأناديهم مرة ثا*نية لإعطائهم محاضرة في إتقان العمل وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه..

في العصر الرمضاني يأتيني كل يوم الابن الصغير الذي بدأ للتو في التعود على الصيام مخبراً أنه بدأ منذ اللحظة في الصوم !!

ومنذ أن يخبرني هذا الولد بذلك إلى أن يؤذن المغرب ، يكون قد طلب مني ما لا يقل عن خمس مرات أن ( يكنسل ) صيام اليوم ويبدأ من غد ، فقط ليشرب فنجاناً من الفيمتو البارد ، أو تتناول ملعقة من مفرومة السمبوسك ، أو لأنه عطشان ، أو لأنها نسيت أن ( تتسحر ) قبل العصر !

وأظل في أخذ ورد مع هذا الصغير إلى أن يؤذن المغرب فأتنفس الصعداء أن : هذا يوم آخر انقضى.

في المساء يكون الجو الرمضاني الرهيب بسماع أصوات الأئمة في المساجد المجاورة تختلط في قراءات مختلفة في صلاة التراويح ، كثيرمنه اقراءات سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة حتى يبدؤوا بدعاء القنوت ، ويتخلل ذلك كله أصوات الألعاب النارية ( الطراطيع ) التي يبدأ موسمها في أواخر شهر شعبان ، وأصوات الأطفال وهم يتجمعون في الشارع أمام لعبة ( الفرفيرة ) التي نصبها أحدهم ليلعب أطفال الحي ومراهقوه ( وربما بعض الزائرين من الأحياء المجاورة ) مقابل مبلغ مالي بسيط ، أو أمام عربية لبيع البليلة والذرة .

رمضان هو الشهر الوحيد الذي لا أجد فيه غضاضة من إرسال ولدي الصغير الذي يبلغ العاشرة إلى البقالات المجاورة في الثانية عشر ليلاً ، إذ جميع الدكاكين مفتوحة ، وحركة الشارع مستمرة ، وكأن الوقت لا يزال الثامنة مساء .

كم من أشياء لا نجد لذتها ولا فرحتها إلا في رمضان .

يكفيني الشعور بالسلام النفسي ..

أتراه من إحساسي الشخصي بتصفيد الشياطين ؟

أم أن هناك سكينة فعلاً في رمضان ، تجعلنا نتمنى لو كانت أيامنا كلها رمضان ؟

رمضان اقترب ..

فاللهم سلمنا إلى رمضان وتسلمه منا ..

Read Full Post »

%d مدونون معجبون بهذه: