Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘التربية’

كثير منا تقابله مواقف في حياته قد تكون سارة أو غير ذلك ، ويريد أن يهرب من مواجهتها .

لماذا يهرب من المواقف السارة ؟

لأي سبب .. قديكون الخجل أو الرهبة أو شدة الإثارة ويخشى أن تنفلت انفعالاته بما لا يحمدعقباه .

أسباب كثيرة .

وباعتقادي أن لكل إنسان طريقته في الهرب .

هناك من يهرب بالنوم ، أو باللجوء إلى الكتابة ، أو طرق أخرى ملتوية !

صغارنا حين ننظر إليهم بصرامة إذا ما أخطئوا كانوا يغمضون أعينهم يحسبون أنا لا نراهم كما أنهم لا يروننا .

والبدين يهرب من تأثره بالبدانة بأن يسخر من نفسه على الدوام ، من باب ( أنا أتتريق على نفسي لا أحد يتتريق علي ) ، وقل مثل ذلك في الطويل والقصير .

حين كنت صغيرة كان أبي رحمه الله يجمعنا لصلاة المغرب جماعة .

أذكر جيداً أني كنت في العاشرة  تقريباً وكنت أقرأ قصة عن بلال بن رباح رضي الله عنه حين أمرتني أمي بالتجهز للصلاة .

طيب .. في الحقيقة لم أكن أحب صلاة الجماعة كثيراً ، ولعل سبب ذلك واضح .

لماذا تحرص بنت العاشرة على صلاة الجماعة في حين أن بإمكانها أن تؤديها منفردة في نصف دقيقة ؟

لذا كان لابد لي من الهروب ..

قلت لأمي بجدية : لا أستطيع الآن .. أنا أقرأ عن بلال بن رباح !!

قالي لي بحزم أكبر : قومي الآن .

قمت وأنا متعجبة و( مستصيبة ) ..

أستغفر الله .. أقول لكم أقرأ عن بلال بن رباح وتقولون لي : قومي صلي ؟

يعني ( إيش أفود ) ؟ التعرف على الصحابي والا الصلاة  مثلاً ؟

انتم عجيبون !!

وفي القاهرة  كان لي موقف آخر مشابه مع ابنة خالتي التي كنا في زيارة لهم .

طلبت مني أن أذرع الردهة جيئة وذهاباً بابنها الصغير أدفعه في عربيته لتنويمه .

ما هذا العمل الممل ؟

كان يصرخ ( كالكفتيرة ) .

عندها ( تذكرت ) أن أمي طلبت مني أن أصلي العصر ..

أخبرتها أني وددت لو استطعت مساعدتها ، ولكن أمي طلبت مني أن أصلي ، وتعلمين أن الصلاة يجب أداءها على الفور !!

طبعاً ذهبت وشعرت ( بحاجتي الروحية ) لتجديد وضوئي ، ثم بحثت لبرهة عن ( الشرشف ) الملقى فعلياً فوق السرير أمامي ، ثم صليت أربع ركعات خاشعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن !!

هذه السن عجيبة بالفعل .

أقصد بين 8-10 سنوات .

فقط لإضحاككم أذكر هذه القصة .

أذكر أني في إحدى  الأيام حين كنت في هذه المرحلة العمرية العجيبة غضبت من والديّ غضباً شديداً .

لاأذكر السبب .

ولكني قررت الانتحار !

دخلت الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح .

وانتظرت لينتهي الأكسجين فأموت ، وعندها سيكسر أبويّ الباب ويجدانني قد فارقت الحياة وقد ازرق وجهي اختناقاً ، فيموتان كمداً ..

وبذلك أكون قد انتقمت منهم !

تصبب العرق مني .. وبدأت أشعر بالدوار .

وفجأة غبت عن الوعي ..

للأسف أنه لم يكن إغماء .

وبعد ساعتين دقت أمي الباب بشدة وأيقظتني من نومي وأمرتني أن أفتح الباب حالاً ، وضيعت علي فرصة الانتحار الذهبية !

طبعا أستفيد من هذه القصص الآن حينما أرى ما الذي تفعله بي لطيفة وشمس .

فقط علي أن أتحلى بالمزيد من الصبر وأضع نفسي مكانهما وأتذكر الأيام الخوالي التي كنت آتي فيها لأمي بالعجائب .

تناولت لطيفة يوماً  الغداء ثم قامت وغسلت يديها  .

ولما انتبهت إلى أنها لم تستغرق في غسل يديها وقتاً طويلاً علمت أنها غسلتهما بالماء فقط ، فناديتها وسألتها : هل غسلت يديك ؟

قالت بثقة : نعم .

قلت : شميها !

فشمتها وقالت : الله ( ومدت بها صوتها ) .

في الحقيقة أني شككت في فراستي لوهلة .

هاهنا ثقة مفرطة بنظافة اليدين حتى أنها تقول ( الله ) بإعجاب .

ولكني صمدت فجأة وطلبت منها أن أشمها ..

طبعاً النتيجة معروفة ..

رائحة دجاج ورز ولبن وسلطة مجتمعة :/

والآن بعد أن كبرت كلما ضاقت بي الحال أو شعرت بالملل ، أو بالضغوط النفسية فإني لازلت أهرب.

ولكن لا للأسف ..

ليس إلى الصلاة والذكر ، ولكن إلى الطعام .

وهذا ما يسمى بالأكل العاطفي emotional eating

ولهذا فقد زاد وزني في الفصل الماضي ثمانية كيلوات ..

لن أقول أنها كلها بسبب  الضغوط النفسية المصاحبة للاختبارات ، ولكن هناك العلاج الهرموني أيضاً والذي يسبب زيادة الوزن .

مالم أفلح في إتقان الهروب  فيه هو حين يثني علي أحد ما .

لا يخلو المرء من أن يفعل شيئاً يستحق أن يثنى عليه ..

هي عندي طامة .

نعم .. أحب الثناء والمديح ، وكاذب من يقول أنه لا يحبه .

ولكني ( أحوس ) فيه بشدة .

أكرمني الله ببعض الصديقات اللواتي ( أخذن مقلباً جامداً ) فيّ .

أشعر  أحياناً أنهم لا يدخرون جهداً في الثناء عليّ و (قطع رقبتي ) .

بعضهن كن يعتقدن أني عبد الله بن المبارك !

ووالله أني ليدخلني من الهم الكثير إذ لا أعرف كيف أتصرف ، وأظل أتمتم : الله المستعان ، الله المستعان ، أستغفر الله أستغفر الله .

فإن كان الثناء مواجهة ومشافهة فإنها الليلة الليلاء  والبلية الدهماء .

ماذا أفعل بيدي ؟ هل أعقدهما ، أو أرسلهما ؟

هل أنظر في المتكلم أو المستمع أو في الأرض ؟

هل أبتسم ببلاهة أو أحرك رأسي كالحكماء وأقول برصانة : الحمد لله .

وتنقضي دقيقة الثناء كالدهر ،  قبل أن أتنفس الصعداء ..

ثم حين تهدأ نفسي أجتر الكلمات التي قيلت ليستمتع قلبي بمذاقها الجميل .

هممم .

أكاد أقرأ ما يدور في أذهانكم ؟

تستجلب المدح بهذا الكلام ؟

طيب عادي ..

إذا أردتم أن تثنوا في المدونة فأهلا بكم ..

على الأقل لن أراكم وجهاً لوجه .

وإن فكرتم : كم هي صفيقة ، فعادي كذلك ..

لابد لمريضة السرطان أن تثني على نفسها أو تستجلب الثناء لتفرح ..

فمرضنا فيه الكثير من الأحزان ، ودوركم إدخال السرور على قلب المرضى .

وعلى هذا ..

فهل لكم ان تكتبوا لي عن هروبكم كيف يكون لتدخلوا بعض السرورعلى قلبي الكهل ؟

اكون لكم من الشاكرات  : )

Read Full Post »

هممم ..

كم من  الأمور يمكنك أن تتخيلها عند قراءتك للعنوان ؟

لذا لن أدع لك مجالاً للتخيل حتى ( لا تجيب العيد ) ، وسأشرح مرادي فوراً .

بدأ العام الدراسي ، وانتهت الإجازة ( بحمد الله ) وتنفست الأمهات الصعداء ، وعاد القطار إلى مجراه ..

هذه دورة جديدة من دورات الحياة ، تشبه دورات البرامح التلفزيونية او الإذاعية .

انتهت حقبة الإجازة الغثيثة التي قلبت الليل نهاراً والنهار ليلاً ، وقلبت الإنسان من كائن ( يفترض أن يكون ) منتجاً إلى كائن هلامي لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا رائحة .

أنا شخصياً متحمسة جداً للدورة الجديدة .

أنا الآن في المستوى الثاني من الجامعة ( ولا أحد يقول خالة بعد كدة !!)

كتابي في دور النشر ينتظر الطباعة وأفكر جدياً في البدء بالكتاب الثاني والذي سيكون تثقيفياً أو جمعاً لقصص السرطانيات ، أو ربما كتاب طهي يخص السرطانيين ، لا أعرف فلم أقرر بعد .

كذلك أعد لدورة جديدة في المدونة ..

ربما تعلو همتي فأخترع لكم استبياناً أطلب منكم حله وأضفي به على نفسي بعض الأهمية .

وربما أرضخ لواقعي الأليم الذي ينص على أن قرائي لا يتفاعلون معي ( إلا قليل منهم ) لا في كتابة تعليقات ولا في طلبي منهم ذكر اقتراحات .

ولكن قبل أن ننتقل إلى الدورة الجديدة أود أن أذكر بعض وقفات طرأت لي خلال الإجازة .

هي وقفات متعددة ، وبالتأكيد لن تكفيها تدوينة واحدة ( خاصة مع  العمل على محاولة تقليص عدد الصفحات منعاً للملل والإطالة ) ، لذا قد أذكر في كل تدوينة وقفتين أو ثلاث إلى أن تفرغ جعبتي من حصيلة الإجازة .

وقفة:

الفراغ القاتل .

الفراغ يحيط بي من جميع الجهات .

بعد أن كنت أدرس ما يقارب الاثني عشرة ساعة يومياً ، انتهت الاختبارات ووجدت نفسي كالطير الذي كف جناحاه عن الحركة في كبد السماء فبدأ يهوي من حالق .

بدأت أهوي فعلاً حتى تلقفتني عناية الله تعالى بعد يومين من محاولة التكيف مع الوضع ، وعدت أحلق من جديد لكن على ارتفاعات منخفضة .

ما زاد في توتري انتهاء أولادي من  الإجازة ثم انطلاقهم في عالم الفراغ الرحيب .

سهر طوال الليل ، نوم بعد صلاة الفجر ، لعب بالكمبيوتر ، يليه لعب بالكمبيوتر ، ثم يختمون باللعب بالكمبيوتر .. جدولهم كان منوعاً كما ترون !

تمنيت لو عُززت ثقافة المخيمات  الصيفية عندنا .

لكن لابد أن بعض الناس قد يربط المخيمات بالخوف من الإرهابيين ، وهذه مشكلة أخرى .

هنا أضيق ذرعاً بالفهم المتخلف للإرهابيين الحقيقيين الذين أدت حماقاتهم إلى منع الكثير من  الأعمال التطوعية وجمع التبرعات ومنع إقامة المخيمات الصيفية والتي تعلم الفتيان على الاعتماد على النفس وتَعلُم مهارات جديدة تنفعهم في حياتهم المستقبلية اليومية .

وأتساءل ، كم من فهم سقيم أدى إلى شر عميم ؟

وقفة:

جمعتني نقاشات عديدة مع بعض شباب العائلة .

هناك فكر جديد يا ( قدعان ) .

هناك تمييع للدين ورد للنصوص أو تأويلها والهجوم على منهج السلف .

ماذا حصل في السنة الماضية ؟

لم اكتشف الجميع فجأة أن هناك خلافات وأفهام متنوعة لنصوص كشف وجه المرأة ، والاختلاط والسفر بغير محرم وصلاة الجماعة  ؟

لم هذا الرد العنيف للدين ( القديم ) الذي نشأنا عليه بحجة أنه كان مهيمناً طوال القرن الماضي ساداً  الطريق أمام الأنظار للأقوال الأخرى في الدين ، وأن الدين يسر وأن وأن ، وجملة من الشبهات التي لا أود إيرادها هنا .

وانتبهت في أثناء نقاشاتي معهم أن عندنا ( أجمعين ) قصوراً شديداً في قراءة كتب السنة الأساسية,  ولا نكاد نجد من قرأ الصحيحين فقط ( فضلاً عن باقي كتب السنة ) من غير طلبة العلم ، ومع ذلك فالاجتراء على الفتيا ورد النصوص بحجة ( أن فيه غيرها ) وتخوين العلماء بات سائغاً ومقبولاً في أوساط الكثير من الناس ، وأكثرهم من فئة الشباب ، ولا أعرف ، أهم يبحثون عن الحقيقة فعلاً أم أنها الأهواء ؟

ما مفهوم الدين في أذهان هؤلاء القوم ؟

بطرق تفكيرهم الجديدة هل يبقى الدين قواماً متماسكاً وبنياناً قوياً ، أم أنه يضحى ثوباً مهلهلاً مخرقاً ومرقعاً ، كلٌ يدعي في كل مسألة أن ثمة خلاف فيها ويتبع الأسهل بحجة أن الدين يسر .

يا جماعة.. كدة لم يبق دين ..

وفي هذه الأيام ظهر أحد النكرات ليكتب مقالاً ينتقص فيه مقام الألوهية في إحدى الجرائد المحلية.

نعم .. لم تخطؤوا الفهم .. مقام الألوهية.

انتهى الناس من السخرية بأهل الدين ، ثم الأنبياء والنبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء الدور على مقام الألوهية ؟

هل انتهت المواضيع ؟

سبحان ربي ما أحلمه .

أفكر كثيراً : هل يعي هؤلاء المنتقصون لمقام الألوهية ، أو الساخرون بالدين وأهله ، أو المحتقرون أهل العلم لأن الله تعالى ينظر إليهم ويسمع قولهم ؟

فليحذروه إذاً  .

ترون تدوينتي اليوم كوكتيلاً ؟

هذا خطؤكم، فلعلكم تذكرون أني طلبت منكم في التدوينة السابقة بعض الاقتراحات ولم أستلم اقتراحاً واحداً .

اقنعوا إذن بما تقرؤون ، ولن تعدموا فيه بعض فوائد بإذن الله .

Read Full Post »

قرأت القصة التالية في أحد كتب سلسلة شوربة الدجاج التي أحبها  وهو بعنوان Chicken Soup for The Breast Cancer Survivor’s Soul . كما تعلمون ، يسيطر علي هاجس القراءة في كتب سرطان الثدي هذه الأيام ، بحثاً عن معلومة مفيدة أو خاطرة جميلة تنفعني في المقاومة والصمود ، وتفيدني في مشروع الكتب التي أعزم على تأليفها بعون الله .

 تروي صاحبة القصة موقفاًً حدث معها أثناء ركوبها الحافلة في طريقها ومجموعة من مريضات السرطان إلى المركز الطبي لتلقي جلسات العلاج الإشعاعي ، وعلى مقاعد الحافلة جرى بين “كاثرين ” وبين إحدى الراكبات هذا الحوار :

الراكبة : هل الذي بيدك مسجل الووك مان ؟ ( نوع من المسجلات الصغيرة المحمولة )

كاثرين : نعم .. لقد ابتاعه لي زوجي منذ أن بدأت ركوب هذه الحافلة .

الراكبة : يبدو أنك تمتلكين رجلاً وأي رجل !

كاثرين : نعم ، أنت محقة ، وأنا أقدره جداً .

الراكبة : رباه ، يبدو أن علي أن أقتني أحد هؤلاء .

كاثرين : لا تتركي هذا التفكير مطلقاً ، قد يكون بانتظارك خلف زاوية ما .

الراكبة : عم تتحدثين ؟

كاثرين : عن احتمالية العثور على زوج .

الراكبة : زوج !! لا أريد أي زوج يا عزيزتي .. لقد جربت أحدهم فعلاً .. كنت أتحدث عن اقتناء جهاز ووك مان .. الآن ، هاذا ما أسميه مفيداً .

حسناً .. أرجو أن لا أُتهم بأني أقول أن الأزواج غير مفيدين .. الراكبة من قالت هذا لست أنا ، وما أنا إلا ناقلة  .

لكن هل لأحد منكم أن يخبرني لماذا انتشرت حالات الطلاق بين الأزواج الكبار في الفترة الأخيرة ؟ بعد عشرة سنوات طويلة مليئة بالدموع والنجاحات والذكريات الجميلة والتعيسة على حد سواء ..

 ماالذي يحصل يا جماعة ؟

لن أتطرق إلى الأسباب فلست عالمة اجتماع ، ولكني أتحدث عن سبب واحد فقط وهو : قلة الوفاء بين الطرفين ..

كلما قرأت عن حب رسول الله صلى عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها يسيطر عليّ جو فاتن خلاب من الرومانسية التي يفتقدها الكثير من الزوجات .

اقرؤوا معي هذا الحب الرقيق الذي كان يكتنف قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

 تقول عائشة رضي الله عنها – وهي التي كانت أحب الناس إلى قلب رسول الله – : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ، فيقول : ” إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ” .

وحكت لنا عائشة رضي الله عنها أن هالة بنت خويلد أخت خديجة رضي الله عنهما استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فارتاع لذلك ، أي أنه عرف تذكر استئذان خديجة لتشابه صوتيهما ، فقال : “اللهم هالة ” ، فغرت ، فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيراً منها “، تقصد نفسها .. وإنما وصفت خديجة بأنها حمراء الشدقين للدلالة على كبر سن خديجة رضي الله عنهما حتى تساقطت أسنانها وخلفت فماً لا يبدو منه إلا حمرة اللثة .

وقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول :” أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة ” فأغضبته يوماً فقلت : خديجة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إني قد رزقت حبها “!!

أواه من هذا الحب الساحر ..

“إني قد رزقت حبها ” .

منذ أيام قرأت بيت شعر لامرئ القيس في معلقته يقول :

أغرك مني أن حبك قاتلي       وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ

فأطربني أشد الطرب ، وهززت رأسي بانتشاء ، وقلت : الله ، ما هذه الرومانسية ؟

لكن لما قرأت قول النبي صلى لله عليه وسلم يقول ” إني قد رزقت حبها ” ، شعرت بأن هذه  العلاقة هي ( الرومانسية الصح )  .

 لمسة الوفاء هذه تأسرني !

لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم  لصويحبات خديجة ، ولما قال عنها ما قال ، هل كانت هي في الحجرة المجاورة تستمع وتزهو على ضرائرها بقوله ، أم كانت ميتة في قبرها ؟

لم غارت عائشة وهي البكر الصغيرة المدللة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أحب الناس إليه ، قال : ” عائشة ” .. لم غارت من حمراء الشدقين ؟

هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب في خديجة شبابها ومالها وجاهها ، أم جذبه إليها حنوها وحدبها ومساندتها له ؟

هذه امرأة قدمت الكثير لهذا الشاب اليافع .. كانت له أماً قبل أن تكون زوجة ..

شملته برعايتها وحبها ودعمها .

أتراه نسي صنيعها لما كذبه الناس وصدقته ، وكفروا به وآمنت ، وحرموه فواسته بمالها ؟

لم ينس فضلها ، لذا كافأها على كل جميلها بأن رعى ودادها  ، فلم يكدر خاطرها بضرة، وكان يكثر من ذكرها بالخير حتى غارت منها حبيبته  ، وكان يكرم أختها وصويحباتها ( حمراوات الأشداق ) مع أنها بذاتها لم تعد على وجه الأرض  ،فأي حب ، وأي وفاء وأي رومانسية ؟

 شيء يدمي الفؤاد في الحقيقة إذا ما قلبت ناظرك في حال كثير من الأزواج ووجدتهم بعد كل هذه السنين يكتشف أنه كان ( مطموراً في الحياة ) مع زوجه وأولاده المزعجين “فيتصرف” !

 أو أن زوجه قد هرمت ولم يعد بها قوة لتخدمه كما كانت تفعل : “فيتصرف” !

أو أنه استغنى واشتد عوده ولم تعد زوجه تليق به ،  ” فيتصرف ” !

أين الوفاء ؟

لكني – ويالفرحتي – وجدت صورة منه في هذا الزمن ..

 قريب لي أمضى مع شريكة حياته ما يزيد عن النصف قرن ، كانت له نعم المعين في دراسته ، وعمله .

 صبرت على الغربة أحياناً ، وعلى الوحدة أحياناً أخرى ، فلما كبر سنها وكثرت أسقامها ، كان دائماً إلى جوارها ، يمسك بيدها ، ويهمس في أذنها بكلمات لاتسمعها لكن تستطيع أن تخمنها في احمرار وجهها .. وإذا علمت أن هذا الرجل كان وسيماً وكما يقال ( جِنتل ) ، في حين أن زوجته جرت عليها سنن الله في العجز والهرم فإنه يزداد عجبك ..

حتى كان اليوم الذي دخلت فيه زوجته في غيبوبة استمرت قرابة السنة ..

كان يزورها يومياً في المستشفى ، يكلمها بصوت مرتفع لتسمعه ، ويمسح خدها برقة ، ويلاطفها بالكلام ، ويقرأ لها سورة الكهف في كل جمعة لأنه كان متيقناً أنها تسمعه ، وتقرأ معه ..

رفض محاولات تزويجه ، فهو ليست له إلا حبيبة واحدة .. ولا يريد أن يكدر خاطرها ، حتى لو كانت في غيبوبة لا تدرك شيئاً مما حولها .

كنت أراه يقف إلى جوارها على قدميه الساعات الطوال يقرأ عليها ، ويرقيها ، ويحادثها ، فإذ لم ترد عليه كنت تشعر بحيرته ، ولهفته عليها وقلقه حتى توفاها الله ..

كنت أنظر إلى قصة الحب هذه ، وأقول في نفسي : هذه الرومانسية الصح !!

Read Full Post »

كنت قد ذكرت في تدوينة سابقة أمر شرائي لكتاب “التربية الذكية” ، والذي ألفه د. لاري جيه كوينج ، وذكرت أني لن أشرع في قراءته حتى أنتهي من الكتب المصطفة بجانب سريري والتي تنتظر بشوق فراغي منها ، لأصنفها في موقع goodreads بأنها قد قُرئت .

لكني في الحقيقة كنت كثيراً ما أختلس النظر إليه من بين باقي الكتب ، أفتحه ، أقلب صفحاته ، أقرأ فهرسه ، تراودني نفسي للبدء في قراءته ، ثم أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأرجعه حيث كان ، وأصرف النظر عن همي .

وأخيراً ، في ليلة مظلمة ( لم تمر بي أبداً ليلة مضيئة ، هل مرت بأحدكم ؟ ) باردة ، لذت فيها بفراشي ، وتمددت بعد عناء يوم طويل تحت الغطاء الدافئ ، وعلى ضوء مصباح السرير ( كما يسمونه في كتالوج إيكيا ) ، تجاسرت ومددت يدي إليه وقرأت ما كُتب على الغلاف الخلفي :

إن نظام التربية الذكية :

  • يلغي الحاجة إلى التوبيخ والانتقاد .
  • يجعل أطفالك يفعلون ما تطلبه منهم من أول مرة ( لا بد أنك تمزح ) !
  • يضع نهاية للمشاجرات والمشاحنات وأساليب الأطفال الوقحة في الكلام .
  • ينهي مشكلات الواجب المدرسي .
  • يجعلهم يذهبون إلى النوم في الموعد المقرر لذلك .
  • وأكثر من ذلك بكثير .

ياااه .. ياله من كلام يدغدغ المشاعر .. أأحلم بأن يكون بيتي المدينة الفاضلة ؟

عندها قررت أن أتخذ خطوة إيجابية تجاه هذا الكتاب ، فبدأت بالتهامه بعيني سريعاً ..

لا أريد أن أضيع وقتي ووقتكم في وصف كم كان الكتاب رائعاً ، إضافة إلى أني أود الاحتفاظ بهذه التعابير الأدبية لمناسبات أخرى حتى لا أكرر نفسي . كما أني لا أريد أن أفوت عليكم فرصة قراءة هذا الكتاب ولكني سأكتفي بنقل بعض النقاط التي أعجبتني جداً .

  • إن أطفالنا في الأحوال العادية لا يأتون بأفعال شنيعة وبشعة ، وما يفعلونه لا يعدو في حقيقة الأمر كونه مجرد سلوكيات عادية، لكنها تتكرر منهم الكثير و الكثير من المرات – كقيامهم بترك الأطباق المتسخة أمام جهاز التلفزيون ، ويُضاف إليها الرد بوقاحة، وعدم الاستيقاظ أو النوم في الأوقات المحددة ، وسائر التصرفات السلبية مما يدفع بنا أحياناً إلى حافة الجنون .
  • لا يجب أن ندخل في مجادلات مع أبنائنا للوقوف على القواعد التي تحكم نظام الأسرة ، لذا كان من الضروري أن تكون هناك قواعد مكتوبة تحكم النظام داخل الأسرة كي تمضي الأمور بانسيابية وسهولة ( أحكام على غرار : يمنع فتح الكمبيوتر بعد الساعة العاشرة والنصف مساء ، ويجب احترام الكبير ، وممنوع الكذب ، ويمنع فتح التلفازقبل الذهاب إلى المدرسة ) .
  • القاعدة الأولى التي كان معمولاً بها في أسرتي عندما كنت صغيراً تقول : ” ممنوع التحدث بطريقة تخلو من الاحترام ” ، وفي فترة الخمسينيات والستينيات لم يكن مسموحاً للأبناء بأن يعاملوا آباءهم بطريقة تخلو من الأدب والاحترام ، كذلك لم يكن مسموحاً لهم تحت أي ظرف من الظروف أن يتعاملوا مع المدرسين بهذه الطريقة ( التي تخلو من الأدب والاحترام ) .
  • في كل مرة يسمح فيها للطفل بأن يتعامل بوقاحة مع شخص ما فإنه يفقد قدراً من احترامه لهذا الشخص ، وتكرار حدوث هذه المواقف يجعل الطفل يفقد احترامه لهذا الشخص بالتدريج إلى أن يفقد احترامه له بالكلية .وبمجرد أن يحدث ذلك يصبح هذا الطفل على مشارف مرحلة فقدان السيطرة عليه وبالتالي يكون التعامل معه أمراً في  غاية الصعوبة .
  • إني أعتقد أننا كآباء لدينا السلطة لكي نمنح أبناءنا من آن لآخر بعض الحرية فيما يتعلق بممارسة سلوكياتهم الرديئة ، ولكننا إذا فعلنا ذلك كثيراً فإنهم حينئذ يتعلمون أن بإمكانهم التصرف بحرية تامة وهم يتمتعون بالحصانة اللازمة في ظل غياب أية عواقب تترتب على سلوكياتهم السيئة ( ترى الكاتب أمريكي ، هه ؟ )
  • في بعض الأحيان أتصور أن أبناءنا يعتقدون أن هدفهم في الحياة هو أن يوضحوا لآبائهم كيف أنهم يطبقون في تربيتهم أساليب خاطئة تفتقر إلى الحكمة !! ولذلك كثيراً ما تسمعهم يؤكدون على ذلك بقولهم : إننا لا نرى أحداً من أصدقائنا يفعل أبواه مثلما تفعلان !! ( هممممم .. أين سمعت هذه الجملة من قبل ؟ )
  • عندما يترك الآباء أبناءهم يفلتون من العواقب الناجمة عن سوء سلوكهم فإنهم يفعلون ذلك لأحد سببين : الأول ، لأنهم يحبون أبناءهم حباً شديداً ويريدون أن يقنعوا أنفسهم أن الأبناء قد تعلموا بالفعل درساً مناسباً وأنهم لن يكرروا سلوكهم السيء مرة ثانية ( هل يتحدث عنا هذا الشخص ؟ ) ، والثاني ، لأن الجلبة الشديدة التي يحدثها الأبناء استجابة للعقاب تجعل الآباء يستسلمون بسهولة ولا يكملون ما بدؤوه . وأؤكد أن على الآباء أن يفكروا طويلاً قبل إسقاط عواقب السوكيات السيئة عن الأبناء ، فما ينطوي عليه هذا التصرف من رقة هي رقة مزعومة ، فعلى الرغم من أني أدرك كم صعب هو على الآباء أن يشاهدوا أبناءهم وهم يشعرون بالندم على أخطائهم وبالألم الذي يسببه لهم العقاب الناتج عنهما ، فإني أدرك أن الأصعب من ذلك أن ينتهي بك الحال بطفل أصبح خارج نطاق السيطرة ، فقط لأنك تركته يفلت من العقاب .
  • هل من الصواب أن نكافئ أطفالنا على السوك الحسن من جانبهم ؟

الجواب : بالتأكيد ، طالما أن هذه المكافآت لن تتحول بمرور الوقت إلى ما يشبه الرشوة .. من الصواب تماماً أن تخبر أطفالك بطريقة عادية أنك سوف تكافئهم بشيء مميز لأنهم في الآونة الأخيرة كانوا طيبي السلوك ( زمن ماض ) ، ولكن الخطأ أن تقول لهم أنك سوف تكافئهم إذا ما سلكوا سلوكاً حسناً ( فعل الشرط للزمن المستقبل) فهذه تعتبر رشوة .

  • التحدي والعناد هما أكثر الاستجابات شيوعاً وتكراراً لمحاولات فرض النظام وتحقيق الانضباط ، و السبب في ذلك أن الأطفال – خاصة من هم في سن المراهقة – يعرفون أن التشاجر والتشاحن مع الآباء بما فيه الكفاية كفيل بأن يجعل الآباء يرفعون الراية البيضاء ويتوقفون عن محاولاتهم لفرض الانضباط حتى لا يشتعل المنزل بالخلافات .
  • كثير من الآباء يرتكبون خطأ كبيراً بانتقادهم لأبنائهم ممن هم على مشارف مرحلة المراهقة ، عندما يتصرف هؤلاء الأبناء بطريق مثيرة للغضب ، فهذا الأمر لا يؤدي إلا إلى تدمير ثقة الأطفال في أنفسهم وتدمير علاقاتهم بآبائهم. فالآباء الذين يتصرفون بحكمة هم من يتجنبون النقد  ويركزون بدلاً من ذلك على الجوانب الإيجابية .

لم تنته الأفكار الجيدة في الكتاب ، إذ هو مليء بها ، وأجزم أني لم أسئ التصرف حينما دفعت ثمنه .. لن أخبركم بالمزيد لأن حقوق الطبع محفوظة ولأني أريدكم أن تطلعوا على روعة هذا الكتاب ..

والآن ، هل أطمع من قرائي الكرام ترك آراءهم حول  ما قرأوه في هذه التدوينة .. هل توافقون كلام المؤلف أم أن لديكم أراء خاصة .. أتحفونا!!

Read Full Post »

كنت البارحة أقلب في القنوات الفضائية المحافظة في رسيفر الفلك ، ووقعت على حلقة لحملة ركاز لعام 2009 والتي كانت ( الحملة لا الحلقة ) بعنوان ” فاز من حياته إنجاز ” .

كان المتحدث في هذه الحلقة الداعية : سلطان الدغيلبي وذكر في الحقيقة كلاماً جميلاً أعجبني ، وجاءت ابنتي لطيفة ذات السنوات التسعة تريد مني أن أغيّر لها على قناة الأطفال فرفضت ، فما كان منها إلا أن شدها حديثه فجلست حتى نهاية البرنامج .

ذكر الشيخ عدة أمثلة لإنجازات أفراد عاديين  وكيف أن المرء لابد أن تكون في حياته بعض الإنجازات  ..

تفكرت .. فعلاً .. كم عاش أي منا في هذه الحياة حتى الآن ؟ عشرون سنة ؟ ثلاثون؟ ستون ؟ ماذا أنجز في هذه السنين ؟

يخطئ من يظن أن الإنجازات لابد أن تكون على مستوى كبير ليصح أن نطلق عليها لفظة “إنجاز ” .. نعم ، المشاريع الكبيرة إنجازات بلا شك ، ولكن قليل دائم خير من كثير منقطع ، وهناك الكثير من الإنجازات التي يمكن لكل فرد منا عملها ، فقط لو ترسخ في ذهنه أنه مسلم ، والمسلم مأمور بالعمل البنّاء حيثما كان وكيفما كان ، ثم هو بعد ذلك سيكون مأجوراً على قدر الإنجاز الذي حققه ومدى تعديه إلى غيره ..

ألم يرتب النبي r الأجور على أفعال بسيطة ؟ ألم يحثنا على أفعال صغيرة أداء كبيرة أجراً ؟ خذ هذه الجملة الصالحة من الأحاديث النبوية :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” كُلُّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ ، يَعْدِلُ بَيْنَ الإثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ” . رواه البخاري .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : “تبسمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة ، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة “، رواه الترمذي وصححه الألباني .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ” ، رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني .

وهناك الكثير والكثير من الأحاديث الحاثة على الإنجازات ، أعرضت عن ذكرها تجنباً للتطويل الذي يكرهه قراء المدونات في العادة ، ولئلا تتحول تدوينتي إلى محاضرة مدرسية، واكتفيت بذكر ما سبق كأمثلة لبعض ما يمكن لجميع المسلمين المداومة على فعله لتكون حيواتهم سلسلة من الإنجازات المترابطة ويحظون بالفوز . لكن ألم تلحظوا معي أن أغلب ما ذكر من الأمثلة هي أفعال متعدية ، تتعدى نطاق الفاعل لتصل ببرها وإحسانها إلى الغير؟

في حياتي رأيت الكثير من هؤلاء ( المنجزين ) ..

هناك أمي حفظها الله وأطال في عمرها وأحسن عملها ، كانت تشتري الصوف وتشتغله بالصنارتين قمصاناً ( وجواكيت وسديريات ) ثم تدفع بمنتجاتها إليّ لأوزعه على من أعرف من المعوزين حينما كنت أقطن القصيم .. ولا يخفاك كيف هو برد القصيم !! كما يقولون ( يقص المسمار ) . وكانت تشتري الشرائط والورود وتصنع منها ( بكلاً ) للشعر تبيعها وتتصدق بثمنها ، فكانت تشغل وقتها وتتصدق .. ألا تذكركم بزوج النبي صلى الله عليه وسلم التي قال عنها لما سألته أزواجه : أينا أسرع بك لحوقاً ؟ قال: “أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً ” ، رواه مسلم من حديث عائشة .

من كانت أطولهن يداً ؟ هذه إجابة أتركها لكم لتبحثوا عنها ، والبركة في العم قوقل  .

مساعدة من صديق : صفتها أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق !

وهناك إحدى صديقاتي التي اعتادت على التصدق بمبلغ ثابت خصصته لطلبة العلم رقيقي الحال في عنيزة .. لم يكن مبلغاً كبيراً ، اعتقد أنه مئة ريال شهرياً .. ولكني أعتقد أن المواظبة على استقطاع مبلغ مئة ريال من مصروف البيت شهرياً ( في وقت كانت المئة تشتري أشياء كثيرة ) هو إنجاز كبير ، إذ النفس لا تستنكف عن شراء تفاهات أو وجبات غذائية ( جنكية مصيرها إلى دورة المياه – أعزكم الله -) بمئة أو اثنتين او ثلاثة ، ولكن تضيق عينها ( النفس لا صديقتي طبعاً ) عن التصدق بهذه المئة .

 ثم أن هذه الصديقة مرت بضائقة مالية شديدة لمشاكل حدثت مع زوجها في عمله ورغم ذلك لم تنقطع هذه الصدقة .. نعم ، ضعفت بعض الشيء ، ولكني كنت كلما أرى صديقتي كانت تدس في يدي مبلغاً ما ، وكأني بها تقتطعه من ما كانت تنوي شراءه لنفسها من ثياب أو طعام تستمتع به .. ثم مضت الأيام ، وتحسن وضع زوجها المالي بفضل الله ، وعادت حياتها رغيدة -بارك الله فيها – ، وما أحسب ذلك إلا من تلك الصدقة ( التي علمت  عنها ، ومالا أعلمه أنا يعلمه الله ) .

هناك صديقة أخرى ، عندها الكثير من العيال ، وكانت تتوق لحفظ القرآن ، إلا أن مشاغل عيالها وطلبات زوجها الكثيرة وبيتها الكبير كان يمنعها من ذلك ، فطلبت من زوجها خادماً تساعدها فأجابها ، فكانت تقول لي : لو جاءتني الخادم فسيسألني الله تعالى عن الوقت الذي سيتبقى لي فارغاً ( وهو كثير ) ، لذا لابد أن أستغل وجودها وأحفظ القرآن وأراجعه وأطلب العلم .. فكانت تحفظ يومياً ثلاثة أوجه من القرآن حتى أتمت حفظ القرآن ثم طلبت العلم وصارت داعية مشهورة في بلدتها إلى أن توفاها الله تعالى منذ بضع سنوات ، رحمها الله ورفع درجتها في الجنة .

ما رأيكم في إنجاز إحدى النساء التشاديات التي كانت تساعدني في البيت  . كانت تعمل لدي باليومية منذ ثمان عشرة سنة ، وكانت تعلم أني أطلب العلم وألقي المحاضرات .. فكانت منذ أن تطأ بيتي في أول النهار إلى أن تغادره في آخر النهار تكون في خدمة العلم .. كانت تطبخ وتغسل وتكوي وتنتبه على صغاري ، بل وتحمل فاطمتي ذات السنتين على ظهرها كعادة الأفارقة إذا بكت وأرادت النوم ، وتغلق عليّ باب مكتبي لأتفرغ لتحضير درس الليلة وتقول : أنا لا أحسن طلب العلم ولا إعطاء الدروس والمحاضرات ، لكن بإمكاني أن أساعدك لتتمكني أنت من فعل ذلك ! سبحان من فقهها !!

أما شيخي الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، فما أدراك ما الشيخ ابن عثيمين .. حياة عظيمة حافلة بالإنجازات ، وآثاره تراها في التسجيلات والمكتبات ، وفي الدعاة والمشائخ الشباب الذين تتلمذوا عليه مباشرة أو من خلال أشرطته .. كم من الناس اهتدى بعد ضلال بسبب هذا الرجل العملاق ؟ كم من الأجور تكتب له يومياً ؟ كم من الدرجات سيعلو في الجنة ؟ أهناك فوز أعظم من هذا ؟

أحكي لكم عن شيء واحد فقط رأيته أثناء سكني في عنيزة .. كنت أرى ( الشيّاب ) الذين زوجوا أولادهم وتقاعدوا من أعمالهم يجتمعون يومياً ثللاً أمام دار أحدهم ، (يتقهوون ويسولفون ) من بعد صلاة العصر وحتى ( الأخير ) أي صلاة العشاء ، ثم يرجع كل منهم لداره ، يتناول عشاءه وينتهي يومه .

أما الشيخ رحمه الله ، فكنت أراه يذهب يومياً ( لا أراه يومياً ، ولكنه كان يذهب يومياً ، للدقة فقط ! ) من منزله إلى مسجده بعد صلاة العصر ، يمشي أحياناً ويركب السيارة أحياناً أخرى ، ليلقي درساً بعد الصلاة ، كان وقتها يشرح رياض الصالحين ( وهو كتاب رائع حوى ألواناً من الفوائد عجيبة وبأسلوب سهل وسلس ) ، ثم كان يذهب بعد المغرب ليلقي دروساً في شرح بلوغ المرام أو شرح زاد المستقنع ، ثم يصلي العشاء ويلقي دروساً في شرح البخاري ومسلم والكافي من الفقه الحنبلي .. هو نفس الوقت الذي كان يقضيه أولئك الشيبان في تناول القهوة والكلام الفارغ غالباً .. وأقول : سبحان مقسم الأرزاق .. هذا الرجل العظيم أراد الله به خيراً فرزقه الفقه في الدين فكانت حياته بستاناً أخضرا بهيجاً ينشر الظل الرائق  ويعطي الثمار الريّا ، ثم هو من قبل ومن بعد بهجة للناظرين ، وأولئك ……

هناك الكثير من الأمثلة التي أستطيع أن أضربها لإنجازات أفراد عاديين مروا في حياتي .. لا تحتاج إلى كثير مال ، أو كبير موهبة .. تحتاج فقط نية حسنة في التقرب إلى الله ، ومتابعة لشرعه لئلا تفضي إلى معصية أو بدعة فيسيء من حيث أراد الإحسان ، ثم همة يبدأ بتدريبها كالطفل الصغير لتقوى حتى يصير ذا نفس كبيرة يتعب في مراده جسمه ، وما ألذه من تعب .

هيا انهض ، وحقق بعض الإنجازات في حياتك .. لا ليذكرك الناس بخير ، ولكن لتشرف بأن تحوي نفساً منجزة بين ضلعيك ، ولتكون عند الله كبيراً ، ثم لتحظ بالفوز ، هنا وهناك ..

Read Full Post »

قرأت في إحدى المدونات الأمريكية لأحد الآباء مقالاً يتحدث فيه عن توجهه الذي تبناه والذي أراه – شخصياً – شذوذاً في المجتمع الأمريكي . كان أحد الرجال الذين يعارضون بشدة ( التدييت ) ، وهذا مصطلح أسأل الله اللطيف أن لا نحتاجه قريباً في مجتمعنا ، والذي يقوم ( المصطلح لا المجتمع ) على تسخير الكلمة الانجليزية واستخراج فعلاً عربياً منها ، على وزن ( شيّك عليه ) من check  إذا أراد أن يراجع شيئا و ( قوْقله ) من google it  إذا بحث في النت على شيء ما ، و( كنسل ) الحجز مثلاً من cancel إذا ألغاه .

 فهذا الأب كان أحد معارضي أن ( تديّت) من dating أن تواعد الفتاة رجلاً ما قبل الزواج .. وذكر أشياء عجيبة فعلاً ، منها أن ابنته أهدته مرة قميصاً رياضياً ( تي شيرت ) مكتوب عليه D.A.D.D. ، والذي يعني Dads Against Daughters Dating آباء ضد تدييت البنات ، وجدته ب 11 دولاراً فسألته عما إذا كان يرغب في أن تشتريه له ، فطلب منها اثنين .. يقول : كلما ارتديته كان أحد الآباء يقترب مني ويسألني من أين أتيت به ، فأجيب فخوراً : أهدتني إياه ابنتي الكبرى .

وذكر أن زوجته كانت تدرس البنات في المنزل حالما يبلغن السن التي يكون بإمكانهن فيها مواعدة الفتيان منعاً لذلك . وحين يكبرن قليلاً فإنهن ينتظمن في كلية ذكر اسمها لا تبعد كثيراً عن بيتهم ، حيث يقوم بتوصليهن قبل أن يذهب لعمله ، وبعد الانتهاء من محاضراتهن فإنهن ينتظرنه في المكتبة ( !!) حتى ينتهي من دوام العمل ثم يأخذهن في طريق العودة ، ليؤدين واجباتهن المدرسية، ويتناولن العشاء ثم يشاهدوا جميعاً فيلم السهرة .

كما ذكر كيف فعل بالأولاد في الحفل الراقص في مدرسة ابنته حين كانت في الصف الإعدادي الأول حيث أتيحت له فرصة مرافقتها إذ كانت مسؤولة في مجلس الطلاب بالمدرسة وطلبت منه المساعدة ففعل بسرور . جثم على منصة الاستاد الرياضي يراقب بعينين كالصقر الراقصين حتى إذا ما وجد بعض النظرات غير المريحة لأحد هؤلاء الطلاب في الصف الثالث الإعدادي فإنه كان يتقدم إليه نافشاً صدره وفي عينيه نظرة بادرة قاتلة وقد ارتسمت على جبينه تقطيبة هائلة ، كل ذلك كان كفيلاً ببث عدم الراحة في قلب ذاك الجريء ، فيفترق الراقصان حتى يقف كل منهما في الطرف الآخر من الاستاد .. نعم ، هكذا يكون هذا الأب قد أدى عمله !! ويعتبر نفسه سفيراً عن كل الآباء الذين لم تتح لهم الفرصة لحضور هذا الحفل الراقص ، وأن حضوره هو كان بمثابة رسالة لكل هؤلاء الفتية الصغار : أن  لا تقتربوا من بناتنا ، وإلا ..

وأخيراً يختم بوصية للآباء فيقول : لابد أن نعتني ببعضنا .. إذا رأيت متأنقاً ( وغداً ) في المول يراوغ إحدى الفتيات فعندها ستكون مهمتك أن تتدخل .. ألن تحب أن يتولى أحد الدفاع عن بناتك لو لم تكن موجوداً ؟ توجه إليه واطلب منه أن يكف عن ذلك .  اعرض عليه أن تتصل بأبيها ، لابد أنها عندئذ ستستميت في الهرب .. اطلب الشرطة إذا لزم الأمر .. اخرجوا أيها الرجال .. فلتكن لكم وقفة !!

 

انتهت التدوينة .. وقرأت التعليقات التي تلتها .. ولبثت ملياً بعدها أفكر .. هذا الرجل ليس مسلماً .. وليس عربياً .. والذين علقوا مشجعين وبعضهم أمهات طالبن بتي شيرت مكتوب عليه : أمهات ضد تدييت البنات ليسوا كذلك أيضاً . هذا الرجل يصلح أن يكون من أعضاء الهيئة ..

 ثم قارنت بحال مزعجة آخذة في التزايد في مجتمعنا .. بين بناتنا في مرحلة المتوسطة والثانوية .. هل تتخيلون ؟ بنات في سن الثالثة عشر والرابعة عشر يواعدون فتياناً بالدس عن أهليهم ، أو بعلمهم ، فلم يعد هذا عيباً عندهم .. تفتخر الواحدة بأن لها أصدقاء وأنها تخرج معهم ، وأكاد أكذّب من يحكي لي هذه الحكايا ولكنهن يكنّ أحياناً صديقات شخصيات لهن ..

وأسترجع ذكرى ضبابية قديمة علاها بعض الغبار عن بعض صديقات الثانوية اللاتي كن يستمتعن برؤية الدهشة وعدم التصديق تعلو وجهي وهن يحكين لي عن مغامراتهن في ( الكباين ) وفي السفريات .. وأنا مصعوقة .. أين الأهل ؟ أين الأم ؟ ثم لا ألبث أن أكذبهن في نفسي وأقنع نفسي أنها لا تعدو أن تكون محاولات طفولية ساذجة لاختراق عالم الكبار بأي طريقة كانت ، ولو كانت عن طريق تشويه السمعة .

والآن ومع تواتر كل هذه القصص عن (تدييت ) بنات المدارس أصيح  بعنف : أين الأهل ؟ أين تعليم البنات رقابة الله ؟ ماذا تفعلون ببناتكم ؟ تعلفوهن وتكسوهن وتتركوهن بعد ذلك غنيمة للرائحين والقادمين ؟ حينما تتركون البنات يتمشين مع لداتهن في المولات ألا يهمكم أن تعرفوا ماذا يفعلن ؟ حينما ترسلوا لهن السائقين في ساعات متأخرة من الليل ألا تسألونهن لماذا تأخرن ؟ حينما تختلي بناتكم الساعات الطويلة مع الهاتف المحمول ألا تؤلمكم قلوبكم ؟

فقط أقول : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً .

نريد من هذا الرجل أن يقدم عندنا ويعطي دورة في سياسته ، لعل بعض المستغربين يقتنع لو وجد أشقر ذا عيون زرقاء يعلمه كيف يحافظ على شرف بناته..

Read Full Post »

دخل إلى الحجرة تتقدمه عكازه الفاخرة ، يتوكأ عليها ، يمشي بوهن يحاذر السقوط .. جلس على أريكته الوثيرة بجانب قطته الشيرازية البيضاء .. نظرت إليه بعينيها الناعستين ثم أسندت رأسها على يدها وأكملت نومها . ألم كوخز الكهرباء يسري في رجليه .. هذا الألم يعاوده بين الفينة والفينة ولا يدري ما سببه ، ولا يريد أن يدري ! خلع نظارته وجعل يمسح عدساتها بمنديل كان جانبه ، ثم أرجع رأسه للخلف فالتقت عيناه بالصورة المعلقة في صدر المجلس .. صورة كبير فخمة لرجل وسيم نوعاً ما ، فارع الطول بثياب العمل ، خوذة المهندسين البيضاء في يده ، ومن خلفه يبدو المشروع الكبير الذي أدخله إلى مصاف الأغنياء ؛ المنتجع السياحي الرائع والذي ظل حديث الصحف لأعوام عديدة . لم يكن يرى الصور جيداً ، فالغبش أضحى رفيقه منذ أن أصيبت عيناه بالماء الأبيض من عدة أعوام . شعر فجأة بجفاف في حلقه .. نادى بصوته الواهن على زوجته عدة مرات قبل أن تأتيه الخادمة : نعم بابا .. ماما مافي .. ماما سافر بيت ماما سهام ..نسيت بابا ؟ نعم نعم .. سافرت زوجته اليوم صباحاً لتزور ابنتهما التي تقطن في مدينة أخرى ..كيف نسي ؟ لابد أن النسيان قد غدا أيضاً من رفقائه الدائمين هذه الأيام .. طلب منها ماء ثم عاد فأسند رأسه إلى الوراء يتأمل في هذه الصورة .. ويتعجب من هذه الدنيا .. فكر : لو كان يمثل في فيلم لتعالى صوت الموسيقى التصويرية الخافتة لتوحي كم هو حزين هذا الرجل .. ابتسم ساخراً من نفسه ومن خيالاته ، وحدث نفسه بصوت مرتفع : سبحان الله .. إيش هذي الدنيا ؟

 تلقائياً وبدون تفكير امتدت يده نحو ( الريموت ) وأشعل التلفاز .. على أي شيء ، أي شيء يمكن أن يطرد الأفكار الشريرة التي اعتادت على زيارته في الآونة الأخيرة .. وحين أقول الآونة الأخيرة ، فإني أقصد بها السنين الخمس الأخيرة .. فجأة ، شعر بالضعف والوهن ، فجأة شعر بالمرض , فجأة شعر بالـ.. وحدة !! هو يفهم لم يشعر بالضعف والوهن والمرض ، فهو قد جاوز السبعين حاملاً في يده حقيبة لا بأس بها ملأى بالأمراض : الضغط ، السكري ، الكلسترول ، التهابات متكررة في الرئة ، التهابات متكررة في المفاصل ، ماء أبيض في العينين ، لثة متقرحة بسبب تركيبة الأسنان التي تأبى أن يضبطها أي طبيب .. ولكن الوحدة .. لم يشعر بالوحدة وعنده زوج تهوى الثرثرة  إذا ما أتيحت لها الفرصة ، وخادمتان تشبهان مخدومتهما ، وتلفاز 50 بوصة يتربع بوقار أمام أريكته الأثيرة ، والكثير من المجلات والصحف اليومية تملأ حياته بعدما طلب التقاعد من خمس سنوات ليرتاح على حد زعمه .. أتراه وجد الراحة ؟

هو يشعر أنه هذه الراحة هي التي أتعبته . فجأة وجد نفسه خالياً من العمل ، كان يصحو يومياً وينهض من سريره ، فقط ليتمدد ثانية على الأريكة أمام التلفاز ، يتابع المباريات والبرامج الإخبارية ، ويقرأ الصحف والمجلات ، وينقضي النهار ليعود ليلاً وينام في سريره .. وبين هذا وذاك الكثير من المشاجرات مع زوجته وسائقه وخادمه، الكثير من الأفكار الشريرة التي تأخذ بمجامع فكره لسويعات قبل أن يقوم بمحاولة واهنة لطردها . تمر بعقله صور سريعة ، لكنها معبرة ، عن الماضي الجميل .. حين كان مشهوراً ، ومحبوباً من الناس لوسامته ، وكرمه و.. ماله وشهرته .. كثير ممن حوله كان يعلق معرفته الوثيقة بهذا الشخص وساماً على صدره لتُفتح أمامه أبواب كبيرة من الاهتمام والرعاية . هو درس وعمل بجد وتفان وإخلاص حتى وصل إلى ما كان ينشده من نجاحات ، بل وأكثر .. وبالتأكيد كان لابد من دفع ثمن لهذا النجاح .. والثمن المعتاد هو الأسرة .

كان كثير الغياب عن أسرته ، وفي الوقت ذاته كان نافد الصبر في تربيته لأولاده .. فكان يعاملهم بالكثير من الجفاء لأن إسباغ الحنان يستلزم وقتاً ، والوقت في حياته يساوي ذهباً وألماساً والمزيد من الترف والرفاهية .. و مع شدة كرمه المادي معهم ، إلا أنه كان شحيحاً بعواطفه ، فلا يذكر متى احتضن ابنه الأكبر ، ولعله قبّل بناته عدة مرات بعد أن كبرن .. أما الزوجة ، فقد خصها بأنواع  الازدراء والقرف لأنه كان يراها دون مستواه التعليمي بمراحل بعيدة .

 لا يعرف كم من المرات – لعلها تعد بالعشرات – أراد أحد أبنائه المراهقين أن يفصح له عن خوفه من تحرشات بعض ( البلطجية ) من الطلاب في مدرسته ، أو مروجي المخدرات ، أو عصابات الأزقة تعترض طريقه أثناء خروجه من المدرسة إذا تأخر السائق ، فخاف من بطشه ، وبلع سره في بطنه وسكت .. لا يعرف كم من المرات احتاجت إحدى بناته حضناً وقبلات وكلمات إطراء من رجل لترضي أنوثتها ، فوجدت أن الرجل الوحيد الذي بإمكانه أن يفعل ذلك مشغول ، أو مشغول.. وفي أحسن الأحوال : مشغول !!

تقاريرهم المدرسية توقعها أمهم بتوقيع الأب الذي أتقنت تزويره للحاجة ، المستشفيات لا تعرف وجهه إلا عند ولادة الأم ، وغير ذلك فلا دخل له إلا بالدفع .. قرأ مرة في الورقة الخلفية من إحدى كراريس المدرسة لابنته نادية : ( أبغى بابا يكون بابا ، مو مكينة صراف ) ، فرمى بالكراس بعيداً وهو يحدث نفسه بحنق : ( أهلك نفسي لأجلكم أيتها الحيوانات ) .

تحلق حوله صغاره مرة في محاولة يائسة منهم لجذب اهتمامه ، عله يكرم أحدهم بقبلة أو حضن دافئ وإن كان سريعاً .. الحق أنه حاول مجاراتهم إلا أنه لم يحتمل الأمر لأكثر من عشر دقائق ، ضاق بعدها ذرعاً بإزعاجهم ، فصرخ بهم : خلاااااص ، اذهبوا بعيداً .. يا الله ، متى تتزوجون وأرتاح من إزعاجكم .. ليرتفع صوت زوجته ” الجاهلة ” تذكره : لا تقل ذلك  أبا فلان .. سيأتي يوم تتمنى وجودهم بجانبك .. يرمقها بالازدراء المعهود وينهض مغادراً ” الإزعاج” ..

سمع مرة من خلف الباب المغلق حواراً سريعاً بين ابنه الكبير وأمه ، هي تقنعه بمدى حب أبيه لهم لكنه مشغول بتوفير الرزق الرغيد لهم ، وهو يقول بصوت – فكر كم يبدو مضحكاً مفتعل الخشونة بسبب بلوغه حديثاً ، وللغصة الكبيرة التي كانت بسبب البكاء ربما ، أو لعلها الحساسية .. أم أن أخاه هو المصاب بالحساسية – : لا نريد ألعاباً غالية ، ولا سيارات متجددة .. نريد أباً نشعر في ظله بالأمان .. نريد أباً يناقشنا كأب ما نفعل إزاء مشاكلنا ، أحلامنا ، اختياراتنا المدرسية والجامعية .. و… عندها غادر موقعه لأنه مستعجل ويريد اللحاق بالاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة ، همس بحنق بين أسنانه : ( مافش فايدة ) .. حيوانات !!

سنين مرت ، وتزوج البعض ، وسافر البعض الآخر للعمل أو الدراسة ، وخلا البيت الكبير إلا منه ومن زوجه .. ومع تقدمها في السن صارت شرسة .. ما بالها ( هذي الحرمة ) ؟ أكلمها فترد لي الكلمة أربعاً .. أنتقدها فتهوج في وجهي .. ما الذي تغير؟ أنا – عن نفسي -كما أنا .. لم أتغير أبداً ، ولكن ما بالها هي ؟ ( صاحية هي ؟ )

ومر المزيد من السنين وطلب التقاعد من الشركة لأنه يريد أن يرتاح بقية أيامه خاصة بعد إصابته ببعض الأمراض ، ويريد أن ينعم بمجالسة أولاده وأحفاده .. أولاد ؟ أحفاد ؟ ما معنى هاتين الكلمتين ؟ الآن فقط انتبه أنهم ما كانوا يزورونه إلا في الأعياد .. صحيح أنهم كلهم خارج المدينة ، لكن الطائرات ما أبقت عذراً لأحد بعدم الزيارة .. الآن فقط انتبه أن والدتهم هي التي كانت تزورهم كثيراً وتقضي عندهم أياماً طويلة .. الآن فقط انتبه إلى أنه يحتاجهم جداً .. نعم .. يحتاج لأن يخدموه ، ويؤنسوه في الليالي الشتوية الطويلة .. يحتاج لرؤية أحفاده ليحكي لهم بعضاً من قصص العصامية التي بنت حياته العملية .. يحتاج لأحضان بناته تدفئ قلبه المسن .. يحتاج بعضاً من استجلاب الذكريات السعيدة .. ذكريات سعيدة ؟ مامعنى هاتين الكلمتين ؟ يبدو أنه صار أعجمياً في الآونة الأخيرة .. أي ذكريات سعيدة ؟ هو لا يذكر عن أولاده إلا أنهم كانوا دائماً في حجراتهم يلعبون بالألعاب الغالية التي يغدقها عليهم أو متحلقين حول والدتهم عديمة الثقافة تحكي لهم قصة ما . هم لا يذكرون عن أبيهم إلا ازدرائه الواضح لأمهم ( أحب المخلوقات إلى قلوبهم الصغيرة ) ، وجملته الأثيرة : ( بأشتغل لكم يا حيوانات ) !! فأي ذكريات سعيدة عساها أن تستجلب ؟

نار بدأت صغيرة تتأجج في قلبه وهو يقلب صورهم .. في ذات الوقت الذي بدأت فيه آلام الشيخوخة بالزحف إلى جسده .. يعتصر قلبه حينما يسمع أصدقائه يحكون عن آخر قفشات أولادهم أو يقلدون لثغات ألسنة أحفادهم اللذيذة ، أو احتفاء زوجات أبنائهم به ، أو دعوة أزواج بناتهم له في رحلة القارب الفاخر، أو قضاء عطلة الأسبوع في الطائف .. مرة واحدة استلزمت جهداً جهيداً من نفسه المصابة بداء الكبرياء حين رفع السماعة على ابنته سهام والتي تعتبر أكثرهم براً بأبيها ، وقال : وحشتوني يا سهام .. وحشني أخوانك .. تعالوا مبكراً هذه المرة .. تعالوا من منتصف رمضان .. أفطروا عندي كلكم هذه السنة .. البيت يسعكم كلكم كما تعلمين .. أريد أن أملأ عيني برؤيتكم أجمعين .. أريد أن أشمكم وأحضنكم .. أريد أن أشبع من صحبتكم قبل أن أموت ..

لايعرف أن سهام بكت بكاء حاراً وهي تسمع هذه الكلمات ، ونفسها تهتف من عمق سحيق بداخل صدرها ( ليه مو من بدري هذا الكلام يا بابا ) ؟ لا يعرف أن سهام وأمها حاولتا كثيراً مع أخوتها لكنهم تعذروا بأعذار شتى .. ما كنت لتقنع أحداً ذا لب .. ولكنها كانت كافية لتسكت ذاك الصوت الرتيب القبيح في قلوبهم : كما تدين تدان !! وفعلاً ، لم يأت مبكراً في تلك السنة إلا سهام وأولادها .. بل إن بعض أولاده لم يحضر عشاء العيد لانشغاله بمؤتمرات مهمة خارج البلاد .. وفي الشهور التالية أبت عليه كبرياؤه أن يطلب رؤية أولاده وأحفاده مجدداً ، ولكن النار الصغيرة التي في قلبه كانت تزداداً اشتعالاً .. كان يشعر بها تلتهم شيئاً ما في قلبه .. ثم تزحف لصدره .. أحياناً يتخيل أنه يضم إليه ولده الأصغر فينتبه على نفسه وهو يعتصر الوسادة الصغيرة بيده .. يشعر بفراغ كبير في منطقة الصدر .. يريد أن يضم شيئاً .. فيضم الوسادة الحمراء ، ولكنها للأسف لا تفي ولا بربع الغرض ..

ارتفع صوت أنشودة ما في القناة التي فتحها .. رفع عينيه الباكيتين إلى التلفاز، شده هذا المنظر ، منظر الأب الوحيد الذي تركه ابنه ليسافر .. مسح عينيه بأصابعه المعروقتين ليتمكن من الرؤية بوضوح ، ومضى يتابع المقطع ، وشيئاً فشيئاً  نما في نفسه  برعم أمل صغير صغير ..

 

Read Full Post »

البارحة كان موعدي مع محاضرة للدكتور المبدع ميسرة طاهر .. لا أملّ أبداً من سماع هذا الرجل .. أشعر أنه يملك مخزوناً هائلاً من معرفة مشاكل الأسر وعلاجها ، كما أنه متحدث بارع . كثير من الناس عندهم معلومات رائعة وقد يكونون موسوعيين فعلاً ويعدون ثروة للأمة ، إلا أنهم يفتقرون تماماً لأساليب التشويق والتواصل مع الجمهور  ، فينتهي بك المطاف – إذا سمعت لمثل هؤلاء – إلى التثاؤب ثم التثاؤب ثم التثاؤب حتى تشعر أن مفصلي فكك سينفصلان ، ولولا بقية من حياء لغطيت وجهك بغطوتك ولعلا غطيطك ، ولا يشفع لهم عندئذ الكنوز المعلوماتية التي حوتها صدورهم أو أوراقهم . أما الدكتور ميسرة فهو – ما شاء الله – يملك بلا شك المادة العلمية الجيدة والطريقة الهادئة غير المنومة – يا للعجب – والتي تشد المستمع لآخر دقيقة من طرحه .

عنوان هذه الدورة : تنمية الحب العائلي ، وقد أقيمت في مركز الأمير سلطان الاجتماعي بالمدينة النبوية  ، وسأعرض لكم هنا أبرز النقاط التي تحدث عنها المحاضر ، لكن أذكر أولاً بأني حينما أستخدم كلمة ( الولد ) فإني أعني به الجنسين ، إذ أن الولد لغة يشمل الذكر والأنثى بخلاف الابن الذي يختص بالذكر، وإذا ذكرت الوالد فإنه أعني به الوالدة كذلك تفادياً للتطويل .

 تحدث المحاضر أولاً عن ما أسماه بمثلث السلام والذي رؤوس زواياه : السلام مع الله ، السلام مع الذات والسلام مع الآخرين ، وذكر أن على الوالدين تنمية الحب العائلي بينهم وبين أولادهم لوضعهم في هذا المثلث باقتدار ، وكل خلل يصيب الولد في أحد هذه الأركان الثلاثة فإن منشأه الأول بلا شك تقصير الوالدين ! كما شدد على أهمية حصول الولد على الثقة والاطمئنان من جهة والديه ليتمكن بعد ذلك من مصارحته بأي أمر مزعج مر به ويستنصحه ، ويقول أنه سمع مرات كثيرة من زبائنه المراهقين ممن تعرضوا لتحرشات جنسية أو تهديدات خطيرة بأنهم ما استطاعوا إخبار والديهم خشية الضرب !

ثم تطرق إلى أنواع الحب ، فقال أن هناك نوعين من الحب :

1-              الحب الحقيقي : وهو الذي يحب فيه محبوبه ( ولداً كان أو زوجاً ) حباً خالصاً من الشوائب ومن هوى النفس ، وأكثر ما يهم الحبيب أن يكون محبوبه مرتاحاً وسعيداً ، وأقوى ما يتجلى هذا الحب في حب الأم لطفلها الرضيع ، كما ضرب له مثلاً وهو حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة لما خيره بينه وبين أبيه فاختاره زيد على أبيه .

2-              الحب النرجسي : وسماه ” حب كشف الحساب ” ، ومثّل له بالوالد الذي ما يفتأ يذكر ولده بأنه حرم نفسه من التوسع في المعيشة والسفر ومن كذا وكذا ليأتي له بالمدرس الخصوصي أو الطلبات المعينة ، أو الأم التي امتنعت عن شراء كذا وكذا لتشتري لابنتها  الجوال الفلاني أو الحقيبة العلانية ، وهذا أمر منتشر في أغلب البيوت حتى أن بعض الأولاد لا يشعر بفضل أبيه عليه إلا في النفقة ولو كان يعلم المقدار الذي صرفه والده عليه لأداه له ليتخلص من مَنّه وأذاه .. كما أن هذا النوع من العطاء مقرون لا شعورياً بشعور : أنت حبيبي مادمت تسمع كلامي وتدور في فلكي ، فإذا خالف الولد رغبة الوالد التي لا تلائمه أو تضايقه اعتبر الوالد ذلك جحوداً ونكراناً للجميل . وما لا شك فيه أن الجحود مؤذي لنفس الوالد المعطاءة لكن هنا جعله الله علامة لتمييز النية الصادقة في الحب عن غيرها .

وقد شدد المحاضر على أهمية وجود رصيد من المحبة للوالد عند ولده لأن الولد إذا أحب الوالد حباً يملك عليه قلبه فإن هذا أدعى لأن يسمع الولد ويطيع ، أو على الأقل يخزن هذا الحب في الذاكرة والوجدان إلى أن يكبر ، وعندها يكون رد الدَين ، وغالباً فإن الوالد الذي لا يملك رصيداً كبيراً من المحبة في قلوب أولاده فسيُترك  ويُهمل ويُجفى ، والبادي أظلم .

ثم ذكر المحاضر تقنيات الحب :

  • النظرة : فينظر الوالد إلى عين الولد ، إلى البؤبؤ مباشرة ويكرر في ذهنه عدة مرات : أحبك ، أحبك ، وحتماً ستنتنقل هذه الرسالة عبر النظرات إلى قلب الآخر وسيشعر بها بلا ريب .
  • الكلمة : فلا ينادي الوالد ولده باسمه مجرداً ، وإنما يقرنه بلفظة جميلة: يا حبيبي ، يا عيوني ، يا قلبي .
  • القبلة : قلت : أن أحد الصحابة رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن فقال : إن لي عشرة من  الولد ما قبلت  أحداً منهم ، فقال النبي الكريم :” إنه من لا يرحم لا يُرحم “.
  • الضمة ، فليس أحمل من أن يودع الوالد أو الأم الولد بضمة ودعوة ، أو أن تضم الوالدة الابنة أثناء جلوسها بجوارها .
  • اللمسة : وهذه تقنية عظيمة تساعد بشكل كبير في إذكاء الحب العائلي وزيادة رصيد المحبة التي تجعل الأولاد منضبطين في أغلب الأحيان. واللمسة قد تكون بالمسح على الشعر ، أو التربيت على الخد ، وذكر أن أفضل مناطق التربيت عند البنت : على الكتف ، وعند الابن : المنطقة التي تعلو الركبة مباشرة .. قلت : لا يعني هذا بالطبع أن يكون هذا التربيت في حال كان الولد واقفاً !! وإنما يتم ذلك وهو في وضع الجلوس ..
  • دثار الحب ، ويتم بعد إيواء الأولاد إلى فرشهم وهم في فترة السِنة قبل الاستغراق في النوم ، حيث يدخل الوالد على الولد ويقبله فإذا تململ الولد ( وقد يكون كبيراً أو مراهقاً ) ويسأل عن الأمر فيقول الوالد : لا شيء ، فقط أردت أن أغطيك لئلا تبرد ، ثم يشد عليه الغطاء . يقول أن الولد في هذه المرحلة من الوعي قد لا يتذكر الأمر بحذافيره إلا أنه يتخزن في وجدانه محبة لهذا الوالد .
  • اللقمة والشربة ، على أن يتخير الوالد ما يحبه الولد لا ما يحبه الوالد ، فيلقمه إياه ، كما لو كان الولد يحب عصيراً معيناً ، فتجهزه أمه له حال رجوعه إلى البيت ، أو تضع لقمة من  الطعام الذي تحبه ابنتها في فمها . قلت : قال رسول الله : “… فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته ” .
  • نبرة الحب : قد لا يكون كلام الوالد مع الولد سيئاً لكنه قد يكون جافاً بالحد الذي يكفي أن تزيد الهوة بينهما . قلت : أحياناً نقول لأحد أولادنا ونحن نتميز غيظاً منه : يا حبيبي افعل كذا ، وكأننا نقول : يا حبيبي الله ياخدك افعل كذا ! هذه تختلف بالتأكيد عن نبرة اللطف والحب التي لا تخطئها الأذن أبداً .
  • الدعاء له بالهداية والخير دائماً ولا ندعو عليهم أبداً .. وما نعجز نحن عن فعله فإن الله تعالى قادر عليه .
  • حفظ غيبة الأولاد .
  • الابتسامة ، فتحاول الأم المحافظة على البشاشة في وجه أولادها ، وقام بإجراء تجربة على متطوعين حيث طلب من الأول التقطيب بشدة ، ثم طلب منه أن يقول كلاماً جميلاً في حق امرأته و( يتغزل فيها ) ، فلم يستطع طبعاً ، وعلى رأيه ( ما يجي ! )  ، وطلب من الثاني أن يبتسم ( منشكحاً ) ثم طلب منه أن ( يهزئ ) امرأته أو ولده ، فلم يضبط الأمر بالتأكيد . فقال أن الوجه لو كان متبسماً على الدوام لاستطاعت الأم أن تقوم بكل التقنيات السابقة بكل سهولة ويسر .

المحاضرة كانت طويلة امتدت لأكثر من ثلاث ساعات تتخللها الكثير من القصص التي عاينها في عمله ولكننا كأننا كنا في غيبوبة لم نستفق منها إلا بانتهاء الوقت ، وأخيراً خرجت من المحاضرة وأنا أشعر أن المئتين وخمسين ريالاً التي دفعتها قبل دخولي كانت مجدية ومفيدة بحق .

Read Full Post »

هذه قصة استوحيتها من مشهد وقع أمامي أيام جلسات الإشعاعي .. لأم وابنتها الكبيرة .. كبيرة حقاً ولعل هذا ما كان يؤلم :

 

اليوم موعدي لأخذ العلاج الإشعاعي .. منذ أن أصبت بسرطان القولون وأنا أتخبط تحت وطأة العلاجات ؛ عمليات ، كيماوي ، إشعاعي ، أدوية  ..

يا رب ، ارحمني ، فقد أنهكت كل هذه العلاجات  جسدي الواهن ..

ولكن ، أين من كل هذا ما يعانيه قلبي .. الآن.. صرت أشغل أبنائي وبناتي معي .. خمسة أيام من كل أسبوع ، لخمسة أسابيع متواصلة .. أحدهم يوصلني إلى المستشفى ، والأخرى تدخل معي وتنتظرني بالخارج إلى أن أكمل الجلسة ..

كم هو ممض الألم الذي أجد في قلبي حين أستحوذ على وقت أولادي وأفكارهم .. لا أريد أن أشغلهم .. عندهم من المشاغل والهموم ما يكفي لتأريقهم ..

 أرى التأفف يتقافز بشغب من عيني ابنتي الكبرى إحسان ، وهي تطقطق بجوالها تلعب أو تكتب رسالة ، في حين أحدثها أنا عن مخاوفي من التأخير عن الموعد أو أن لا تكون “بدور” فنية الإشعاعي اللطيفة في دوامها .. أسألها عن حال ابنتها العروس التي أصيبت مؤخراً بالانفلونزا  ، فتغمغم بشيء لم يتبينه سمعي الثقيل ، فإذا عاودت سؤالها أجابتني : أففف ،  كويسة يا أمي ، كويسة !!

أصمت .. مسكينة .. قلبها على ابنتها يتمزق .. لهذا أجد صوتها جافاً معي  .. لهذا أجدها نافذة الصبر وهي تقودني على مقعدي المتحرك إلى غرفة العلاج .. لهذا أجدها تنهرني أحياناً إذا ما أكثرت عليها طلب الجلوس لترتاح ، لهذا أجدها متلهفة للرجوع إلى البيت فلا يكاد السائق ينزلني في بيتي حتى تحثه بسرعة على الانطلاق إلى بيتها .

مسكينة .. أنا أقدر ظرفها ، فمواعيد جلساتي في الثالثة عصراً .. وقت رجوع الأولاد من المدارس ، ووقت الغداء ، ووقت الراحة والقيلولة ..جزاها الله خيراً !! تتعب كثيراً إحسان من أجلي !!  يالله ، اجزها خيراً على إحسانها لي !!

لكن لا أدري ما سر هذه الخيالات التي أضحت تراودني .

 كلما أسمع نبرة غريبة في صوت إحسان لا أفهمها ( يبدو أنها نبرة الحزن على ابنتها العروس ) تتداعى إلى ذهني صور باهتة .. قديمة .. بالأبيض والأسود هي ، وبعضها مقطعة الأطراف .. تفوح منها رائحة القدم ، ولكنها بحق رائحة زكية ، عذبة .. فيها حب وعواطف ومشاعر جياشة .. رائحة تغمر قلبي بالسكينة والجمال ..

 إحسان وهي صغيرة .. تحبو كالحمل الصغير ، حلوة المحيا ، بسن واحدة ، تغري من يراها أن يلثمها .. تقترب مني ثم تقع على وجهها عند قدمي فتبكي ، فيكاد قلبي لها أن يطير .. أحملها وأشمها وأعتنقها وأقبلها ..

إحسان وهي مراهقة .. أنظر إليها وقد رهقتها تغيرات الهرمونات .. عصبية ، سريعة الثورة ، وسريعة الرضا والصفح .. كثيرة شرود الذهن ، حالمة .. ووحيدة .. يتألم قلبي لها ، ولكني سرعان ما أعود وأقنع نفسي أنها تغيرات مؤقتة كسحابة صيف لن تلبث وتنقشع .

إحسان وهي عروس .. جميلة في ثوبها الأبيض الذي بعت بعضاً من ذهبي لأبتاعه لها .. لترضى .. قلبي يبكي وشفتاي تضحكان وأنا أزفها لزوجها تحت أنوار كاميرات التصوير وأنظار الفضوليات من المدعوات . أخشى عليها العين ، ولؤم الحماة ، وقسوة الزوج ، ووطأة الحياة ، وفراقها عني .

وهاهي الآن ، بعد أن صارت أماً لعروس ، عانت من نفس ما عانيت .. هي الآن ابنتي الكبرى ، ترافقني لجلسات الإشعاعي ، خمسة أيام من كل أسبوع لخمسة أسابيع متصلة .. تركت زوجها وأولادها والغداء والراحة بعد يوم عمل مرهق في إدارة مدرسة ثانوية ، تركته لتصحبني إلى المستشفى ..

يبدو أن ذهنها مشغول بابنتها .. فقد غضبت الأسبوع الماضي لما ألححت عليها أن تعطي ورقة الموعد ” للسستر ” في مكتب الاستقبال خشية ضياع الموعد ، ونهرتني البارحة لما ألححت عليها أن تجلس لتريح قدميها المصابتين بالدوالي ، وكل يوم تمر علي لا تكاد تضحك في وجهي إلا لماماً !

رب أرح قلبها كما تريحني ! واشف ابنتها لتستعيد إحسان ضحكتها الصافية !

Read Full Post »

« Newer Posts

%d مدونون معجبون بهذه: