Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘السرطان’

في الماضي القريب كان آباؤنا يعملون جاهدين الساعات الطوال لتوفير لقمة العيش في ظروف صعبة ؛ يضطر بعضهم للعمل تحت الشمس من قبيل الفجر وحتى الغروب ، يتسلق النخل ويتعرض لخطر السقوط. أو يعملون في البحار لصيد السمك أو جنى اللؤلؤ ويغيبون عن بيوتهم وأهاليهم أياماً، وقد لا يعودون . أو يسافرون بحثاً عن الرزق في بلاد بعيدة، يقطعون المفاوز ويواجهون قطاع الطرق ثم قد لا تتجاوز غلة أحدهم بعد كل هذه المتاعب العشرة ريالات، أو ما يساوي في زمننا الحاضر ألف ريال.

كانت المراكب الفارهة والبيوت متعددة الحجرات والأثاث المريح يكاد يكون محصوراً على الأثرياء والتجار فقط، وكان كثير من الناس لا يذوقون اللحم إلا في عيد الأضحى وينعدم عندهم التوسع في المآكل والملابس إلا في الأعياد. أما حيازة الخدم فكانت ترفاً بالغاً لا تكاد تجده إلا في بيوتات محدودة.

وانظر إلى أحوالنا الآن. يمكننا أن نقول أن الحال قد انعكست تماماً. الأغلبية تمتلك سيارة أو أكثر، انتشار المطاعم السريعة والبطيئة دليل على كمية وافرة من الرفاهية، شراء الثياب الجديدة لا موسم له، والسفر مقارنة بالأسفار القديمة صار أشبه ما يكون بسرعة انتقال عرش بلقيس للنبي سليمان عليه السلام . الكثير جداً من الناس عندهم خادمات، والأغلب يمتلك جوالات ذكية (وإن اضطر لشرائها مستعملة) .

ومع كل ذلك، لا زال كثير من الناس لا يرى إلا نصف الكوب الفارغ .

لماذا نرفض الاعتراف بأن الحياة جميلة؟

لماذا نصر على أننا (مساكين) و(حالنا تحزّن) ونظل في بؤس، فقط لأننا لم نحقق الكمال في جميع أمورنا. صاحب المازدا يريد ليكزساً فيسخط على (مازدته)، وصاحب الليكزس يريد بِنتلياً فيسخط على ( لِكزسه)،  الطويل يتمنى لو كان قصيراً لأنه أجمل، والقصير يعجبه الطول لأنه (أكشخ) ..الفتاة تتمنى لو كانت ذكراً لتنعم بالحرية، والذكر يتمنى لو كان أنثى ليرتاح (لأن الأنثى عندنا ملكة!)، وبين هذا وذاك تكمن (الحلطمة) والتوجع والشعور بالفقد واليتم والمرارة والنقص..

مشكلتنا أننا لا ننظر إلى التفاصيل الدقيقة التي تجعل الحياة أجمل.

تلفت أنظارنا أحياناً بعض الدور في أناقتها وفخامتها، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن ذلك يعود لتفوقها على غيرها بالاهتمام بالتفاصيل: اللوحات، التحف الصغيرة على الطاولات الجانبية, مفارش الطاولات، زينة الستائر، البسط المتفرقة، الوسائد المتناثرة وغيرها. كلما أمعن المصمم في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة كانت الدار أرقى وأجمل.

ماذا عن حياتك؟ أليس فيها من الدقائق ما يحيل حياتك نعيماً ، لو تفكرت ؟

ألم تلحظ مشاعر الراحة تغمرك حين تدخل بيتك المكيف هرباً من أشعة الشمس ( الشاوية) ظهراً، فتعانق خياشيمك رائحة الطعام الزكية تدغدغ بطنك الخاوية؟

ألم يلفت نظرك قراءة ابنتك الصغيرة للقرآن ، أو لثغة آخر العنقود وهو ويتكلم فلا تتمالك نفسك من أن تلثم فاه كلما لثغ؟

ألم تشعر بالأمان كلما ضمتك ذراعي والدك المحب إلى صدره، أو شيعتك دعوات أمك بالتوفيق والصلاح ورعاية المولى وحفظه؟

ألم يمتلئ قلبك حباً كلما التقت عينك بعيني زوجتك في ساعة ود، أو همس زوجكِ في أذنكِ بكلمة عشق ووله؟

ماذا عن حدب أخوتك وقت الشدائد، وجمَعة الأهل المتآلفين في الأعياد والأفراح، وتفاني زملاء العمل في أعمالهم، وجمال الصداقة الصدوقة في كل وقت؟

بل ماذا عن براعم التذوق (الصاحية) التي تصف الطعوم بدقة، والجسد القوي الذي يحملك ويخدمك دون مساعدة خارجية.. ماذا عن حواجبك ؟

حينما أُصبت بالسرطان وتناولت العلاج الكيماوي صار رأسي لوناً واحداً شاحباً ، لا لون مميز فيه إلا حدقتاي. كنت أرسم حواجبي بالقلم وأضع الكحل لأذكر نفسي بوجود هذين العضوين في وجهي . كنت أنظر إلى وجهي المعدّل بعد ذلك في المرآة وأقول : يا الله ! الحمد لك على نعمة الحواجب .. ماذا عنك أنت ؟ هل شكرت الله قط على نعمة الحواجب؟

هناك الكثير من الجمال في حياتنا ، ولكن مصدر القوة أو الضعف، الإيجابية أو السلبية، العزم أو الإعاقة ، كلها في قلوبنا وعقولنا، وليست في الحياة من حولنا.

أحب أن أجرب الحياة بكافة أشكالها لأستمتع، والقاعدة عندي تقتضي أن ( النكد مش حلو).

أحب أن آكل البيتزا الطازجة حارة جداً فأستمتع بالجبن ( المطاطي) ومذاق صلصة الطماطم الغنية بنكهة الريحان والزعتر البري ، فإذا باتت فضلتها باردة من الثلاجة لأستمتع بالطعم الحقيقي للعجين والجبن الذي حجبه عني حرارة الطعام، ولكليهما طعم خاص.

وكلما لبست الكم الضاغط الذي يغطي جميع ذراعي اليسرى بسبب الليمفاديما (الوذمة) الناتجة عن استئصال الغدد الليمفاوية في الإبط بسبب السرطان ، وضاقت به نفسي ذكرتها بأن وجودها في يدي خير من وجودها في ساقي مثلاً حين تنتفخ فتكبر قدمي مقاساً أو مقاسين فأضطر لشراء زوجين من نفس الحذاء بمقاسين مختلفين !

وعندما فقدت شعري بعد الكيماوي اعتبرت ذلك (نيولوك) جديداً، تحديت قريباتي وصديقاتي –مازحة- أن يأتين به، وأنى لهن .

أحب – كلما واجهتني أيام عصيبة _ أن أمني نفسي وأهدئها : هناك حكمة، هناك لطف، هناك رحمة ولابد ، فهذا القدر المؤلم هو من الحكيم اللطيف الرحيم.. ابحثي عن الجمال.. ارفعي بساط الألم وفتشي عن النعم الباهرة أسفله.

كم كان جميلاً لو اجتمعت كل المتع بكمالها لدى المرء ، ولكن هذا أمر غير واقعي ، فكان لابد أن نتعلم كيف نثمّن كل ما لدينا ونستمتع بجمال الحياة كما هي – إذا أخفقنا في تعديلها- وهكذا فقط سندرك أن الحياة جميلة، وأنها مثل لعبة الكمبيوتر : كلما سبرت أغوار المرحلة واستكشفت خباياها، وجدت هدايا صغيرة وستُفتح لك مراحل جديدة و (عوالم) مثيرة بعد قضائك على ( الوحش الأخير) : السلبية ..

العب بذكاء !

Advertisements

Read Full Post »

حين أنهيت علاجاتي الأساسية من مرض سرطان الثدي في شهر ذي القعدة من عام 1431هـ ، بدأت في تناول العلاج الهرموني Tamoxifen لمدة خمس سنوات . ولأن الوظيفة الأساسية للإستروجين هو الإسراع في عملية تكاثر الخلايا ، فإن بإمكان الإستروجين تنشيط نمو الخلايا السرطانية ساعة ظهورها ، فإذا كان ورم الثدي يعتمد على هرمونات الجسد الطبيعية للنمو فعندها يوصف الورم بأنه مستقبل إيجابي للإستروجين أو البروجسترون ، وهذا يعني أن أي خلية سرطانية تبقى بعد العملية قد تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم . فكانت مهمة العلاج الهرموني – بإذن الله – التقليل من كمية الهرمونات الطبيعية في الجسم ، أو منع الهرمونات من وصولها إلى أية خلية سرطانية باقية .

إلا أن العلاج الهرموني كأي علاج آخر له آثار جانبية غير محمودة ، وقد كان من الآثار الجانبية لذلك الدواء بالذات احتمالية حدوث جلطات بالساق ، أو نشوء سرطان آخر في الرحم ، ناهيك عن إبطاء نزول الوزن ، مما كاد يسبب لي الجنون أن أقوم بعمل رياضة بشكل شبه يومي وألتزم بحمية غذائية مناسبة ولا ينزل وزني في سنتين إلا ست كيلوات فقط .

مرت سنتان وبدأت بعض التغيرات تطرأ ، وقرر طبيبي تغيير عقار Tamoxifen إلى عقار آخر وهو Femara ، والذي خلا عن تلك الآثار الجانبية السيئة ، إلا أنه يسبب هشاشة للعظام . ولأجل ذلك كان علي تناول إبرة مضادة لهشاشة العظام مرتين في السنة ..

اتجهت في الثامن من شهر ذي الحجة الماضي إلى مستشفى الملك خالد للحرس الوطني لتناول هذه الإبرة .

علاقة عجيبة تربطني بهذه المستشفى .. أحبها جداً ، ولا أعرف لذلك سبباً .. ألا يفترض أن أكرهها حيث شهدت أيام الكيماوي الغثيث والعملية المؤلمة والإشعاعي المزعج ؟

ولكني أحبها ، وأجد قلبي معلقاً بها بشكل مضحك ومثير للاستغراب .. معها يصلح القول بأن حب الديار هو الذي سكن قلبي وليس حب من سكن الديارا .

ومع هذا الحب ، فإني لا أزال ، كلما دخلت من الباب الرئيسي لمركز الأميرة نورة للأورام بمستشفى الحرس وأشم رائحة القهوة تصدح في الأرجاء حتى يبدأ الغثيان لعبته السخيفة في مؤخرة حلقي وهم يبتسم : فاكرة ؟

توجهت أولاً إلى المختبر لإجراء بعض تحاليل الدم المهمة ، وانتظرت بعض الوقت في غرفة الانتظار ..

 هي غرفة انتظار فعلاً حيث تضطر أحياناً لانتظار موعدك لمدة ساعتين أو أكثر ..

وحينما نودي على اسمي راعني أني أتوجه إلى قسم العلاج الكيماوي ، وهنا أخذ الغثيان بالتقافز كالمجانين .

دخلت عنبر الكيماوي وأخذت أقلب ناظري في أرجائه ؛ الحجيرات الصغيرة المغطاة بالستور القماشية ، أصوات الطنين الصادرة من أجهزة المحاليل ، أصوات تأوه خافتة تنبعث من بعض الحجيرات ، وأنا أمشي ، عيناي تدمعان وأنا أذكر تلك الأيام الخوالي ، كيف منّ الله تعالى علي بالشفاء ، وتتحرك شفتاي بالدعاء لمن هم بالداخل لا يزالون في بداية مشوارهم . دخلت إحدى الحجيرات ، يتوسطها كرسي كذلك الذي تجده في عيادة طبيب الأسنان ، جهاز المحاليل ، طاولة صغيرة وتلفاز معلق .

في نفسي توجس ، فعلى الرغم من أني قضيت الليلة الماضية في تصفح المواقع الأمريكية للتعرف على هذا العقار المسمى Zometa ، إلا أن بقايا خوف قديم لا زال معششاً في صدري ..

لم أقرأ أية أعراض (سيئة ) لهذا العقار إلا أنه قد يؤدي إلى أعراض كأعراض الانفلونزا في اليوم الأول ..

أعراض الانفلونزا ؟ الأمر سهل إذن ..

توكلت على الله وبدأ العقار بالولوج داخل عروقي ببطء ..

الخوف .. الخوف فقط هو المزعج .. بقايا التجارب السابقة ، ذكريات الكيماوي القديم في ذات الحجيرات ، و الخوف من المجهول الجديد كانت كفيلة بتضخيم بعض المشاعر السلبية .

ربع ساعة ثم صدر الطنين المزعج المؤذن بانتهاء كل شيء .. قمت وأنا لا أكاد أصدق نفسي . أهذا كل شيء ؟

لحقتني الممرضة وبيدها علبة قائلة : نسيتي تناول وجبتك .. وكأنما كانت تمسك بعلبة فيها ثعبان الكوبرا ، لوحت لها بيدي وأسرعت للخارج وأنا أقول : لا ، شكرا لا أريد .. طبعاً لا أريد .. لو كان بك بعض من فضول فاقرأ كتابي تعرف السبب  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي..

طوال الطريق إلى المنزل جلست أفكر وأستعيد ذكريات المرض .. ثلاث سنوات مرت حتى الآن .. نسيت تقريباً كيف كانت مشاعر الألم والخوف و الترقب .. لا أظنها كانت بذاك السوء ..

وهنا ورد ذهني خاطر : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بثقة : لو عاد ، فسأصمد بإذن الله كما صمدت سابقاً.

مر يومي على ما يرام ، واختفى الغثيان حال خروجي من المستشفى وظللت أرقب أعراض الانفلونزا فلم أجد شيئاً .

أويت إلى سريري مبكرة في تلك الليلة ، فاستيقاظي فجراً ، والتوتر الذي لحقني في عنبر الكيماوي كان كفيلاً بإصابتي بالإرهاق في العاشرة والنصف مساء .

تمددت في فراشي وأخذت أداعب تويتر قبل النوم ، ولا أعرف كم مرة ( تمطعت ) خلال ربع ساعة ..  ( ما مرادف هذه الكلمة في اللغة الفصحى ؟)

هنا أحسست أن هناك شيئاً غريباً .. هل من الطبيعي أن يتمطع الشخص أربعاً أو خمساً في ربع ساعة فقط ، تمطعاً عميقاً من القلب ؟ وضعت سؤالاً في تويتر : هل التمطع الكثير يمكن أن يكون إشارة إلى خلل ما ؟ وكنت آمل أن ينتبه إلى هذا السؤال بعض متابعيّ من الأطباء ، ولكني لم أتلق إجابة سريعة إذ سرعان ما غرقت في نوم عميق ..

أفقت في وقت ما من الليل وأنا أرتجف ارتجافاً شديداً من البرد.. كانت أسناني تصطك بشكل مزعج ..

ناديت ابنتي لطيفة مراراً ولكنها كانت نائمة فلم تعر لي بالاً ، ثم ناديت شمس النائمة إلى جواري فاستيقظت وطلبت منها أن تتمدد فوقي لتدفئني .. التصاق جسمها الصغير بجسمي بث في أوصالي شيئاً من حب ودفء ، ولكن شعوري بالبرد كان أعظم من ذلك . كانت شمس قصيرة جداً لتصل إلى مفتاح الحرارة في المكيف لتخفض البرودة  ، وصغيرة جداً لتحضر لي غطاء آخر تلقيه علي ، فاكتفيت باحتضانها . ثم أني أشفقت عليها فأعدتها إلى فراشها ، وعدت إلى ارتجافي .

عظامي تؤلمني بشدة ، حرارة قوية تشع من رأسي ، فكّاي يصطكان بصوت مزعج ، وأنا أتألم .. نعم .. أتألم من البرد ، و الحرارة ، والوحدة ، و الهواجس .. هذه – يا هناء – الأعراض الشبيهة بالانفلونزا ..

حاولت أن أقوم لأخفض برودة المكيف ولكني كنت أشعر ببرد شديد وضعف في عظامي منعاني من التحرك .. رحمة الله أرسلت لي أخي الذي سمعته يتحرك بالخارج فناديته ليساعدني .. غطاني بغطاء آخر ، وأحضر لي مسكناً ، ورقاني ، وعرض عليّ الذهاب للطوارئ ولكني رفضت لأني أعرف أن هذه آثار الزوميتا الجانبية .

نصف ساعة مرت علي كنصف قرن حتى صرت أهذي :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل        بصبح وما الإصباح منك بأمثل

 حتى بدأت أتصبب عرقاً ، وشيئاً فشيئاً خف البرد وخفت الحرارة ونمت .

كنت أحسب أني سأستيقظ نشيطة بعد المسكن ، ولكني استيقظت بنفس حال الليل : الارتجاف والبرودة والحرارة العالية .. واستمر هذا الوضع معي أربعاً وعشرين ساعة كاملة ، ما بين كمادات تثير الرجفة في أوصالي ، وآلام مبرحة في العظام ، وضعف شديد في الجسم ، وشهية معدومة ، ونوم مستمر شبيه بالإغماء ، ونهمة قوية لتناول المسكن كل أربع ساعات أو أقل لو سمحت لي أمي  .

وهنا لسبب أجهله تذكرت ما كنت أفكر فيه البارحة :

” وهنا ورد ذهني خاطر : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بثقة : لو عاد ، فسأصمد بإذن الله كما صمدت سابقاً”.

علمت في ذلك اليوم رحمة الله تعالى بعباده بنعمة النسيان .. فعلى الرغم من معاناتي لعام كامل من السرطان إلا أني الآن وبعد مرور ثلاث سنوات نسيت كل شيء عنه ..

وعلمت سرعة غرور العبد حالما ينجلي البلاء .. جاءت هذه الأعراض لتذكرني أن الأمر ليس إليّ ، وأن ثباتي ليس بكسب يدي وإنما هو توفيق من الله . المرض كان عارماً ، ذكرني بتعب الكيماوي .. الألم في عظامي كان قوياً .. تشوش الذهن كان جارفاً وكأني في وسط دوامة أصارع الموج ، فأطفو تارة وأغطس تارة ، وما بيت هذا وذاك أبتلع وأتنفس الكثير من الماء !

 عندها سألت نفسي مرة ثانية : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بانكسار : لو عاد ، فأنا تحت رحمة الله ، أرجو أن يساعدني ويلطف بي ..

فاتني صوم عرفة  تلك السنة .. ولكني أدركت درساً جيداً في الاعتماد على الله لا على النفس .

Read Full Post »

هل فكرت يوماً أنه قد يصيبك أي شيء من هذه الأمور السيئة ؟ يموت أحد أولادك ؟ تعلن شركتك إفلاسها الشديد ؟ ماذا عن الغرق في أحد السيول المنتشرة بكثرة في هذه الأيام ؟ تصاب بالسرطان ؟ حسناً .. لم يكن يخطر في بالي أنا أيضاً .. هذه الأمور تحدث للآخرين فقط كما تعلم ..  فقط عندما رأيت الشكل البيضاوي ذي القرنين في الأشعة الصوتية التي أجريتها في شهر ذي القعدة عام 1430 علمت أني أنا أيضاً يمكنني أن أصاب بمثل “هذه الأمور”.

ومع أنه يمكنني تصنيف نفسي من  فئة المثقفات إلى حد ما إلا أن ثقافتي لم تكن لتنال شيئاً من علم السرطان حتى ذلك الوقت . عندها سعيت حثيثاً أبحث وبشكل محموم في المواقع الأمريكية عن السرطان وكل ما يخصه من قريب أو بعيد . في مثل معركتي مع السرطان كان لزاماً عليّ أن أتسلح بسلاح العلم لمعالجة القلق الناجم عن الخوف من الإصابة. العلم هو ثاني أهم سلاح في هذه المعركة. السلاح الأول هو الإيمان القوي بالله وأقداره وحكمته .

تعلمت أن أغلب أورام الصدر ليست سرطانية ، ولمزيد من الدقة فإن 12 ورماً من 13 لا تكون سرطانية ، وأن الأورام السرطانية تتميز بكونها صلبة جداً وليست قابلة للتحرك كما أنها لا تكون مؤلمة . همممم ، ألهذا كنت أشعر أن ورمي قاسٍ كالجزرة ؟

تعلمت أيضاً أن الأسباب الرئيسية للإصابة بسرطان الثدي :

  • ·       الجنس ، فيكثر انتشاره بين النساء ، ومقابل 250 ألفاً من النساء المصابات في الولايات المتحدة يصاب 1900 رجلاً فقط .

  • ·       السن : فكلما زاد عمر المرأة ازدادت فرصة إصابتها بالمرض .

  • ·       الوراثة : حيث أن 10% من حالات سرطان الثدي تكون بسبب توارث جينات مختلة.

كما أن هناك أسباب ثانوية للإصابة بالمرض كزيادة التعرض للهرمونات والسمنة والتعرض للمواد الملوثة في الغذاء والشراب والتدخين .

دعني أؤكد لك أن السبب الأعظم الذي لم تذكره هذه الدراسات هو قضاء الله . فكثير من النساء أصبن بالمرض وهن بعد في العشرينيات ، أو ليس لهن تاريخ مرضي عائلي ، أو يحافظن على صحتهن بممارسة الرياضة وتناول الغذاء الصحي والامتناع عن التدخين . تشعر أنه لا سبب للإصابة إلا مجرد تقدير الله لك بالإصابة .. وأنعِم به من تقدير لو تفكرت فيه .

إذن كيف نشأ السرطان بعد تقدير الله تعالى له ؟

سأشرح لكم باختصار شديد ..

 تنقسم خلايا الجسم وتتكاثر بطريقة منظمة لتنتج المزيد من الخلايا لوقت الحاجة فقط .

وكل خلية خلقها الله تعالى تسير وفق نظام خاص يتحكم في حياتها وموتها ، هذا النظام يعمل على بقاء الجسم سليماً، إلا أنه في بعض الأحيان يقدّر الله تعالى أن يختل هذا النظام عند بعض الخلايا فتأخذ بالانقسام دون حاجة ولا تموت في الوقت المناسب ، مما يسبب تكون فائض من الأنسجة والتي يتكون بمجموعها ورم ، قد يكون حميداً وقد يكون خطيراً.

الأورام الخطيرة هي السرطان .. وتتكاثر الخلايا السرطانية خارج النظام الرئيسي لها ، كما أنها تتحور لتفقد الخصائص المميزة لها ، وتتخذ شكلاً مغايراً للأنسجة الأصلية التي تكونت منها .

بإمكان الخلايا السرطانية أن تغزو الأنسجة والأعضاء المجاورة وتدمرها ، كما أن بإمكانها أن تنفصل عن الورم الأصلي وتدخل في مجرى الدم أو الجهاز الليمفاوي وتنتشر لتكون أوراماً ثانوية في أجزاء أخرى من الجسم .

كلما تفكرت في عملية انقسام السرطان وانتشاره ازداد يقيني بوجود الله تعالى . هذه الانقسامات العشوائية والتي تدل على حدوث “انقلاب” أو “خروج” على النظام الأصلي لهو دليل على روعة ودقة النظام الأصلي الذي أبدعه العليم الحكيم . هذا الانقلاب لم يأت عبثا أو من فراغ ، وإنما هو تقدير العزيز العليم ، شاءه أن يكون ليختبر به العباد ..

بالتأكيد يحتاج السرطان لكثير من الاستعانة والصبر .. فهو وإن كان قد بدأت الحُجب عنه تتكشف إلا أن الغموض لا يزال يكتنف كثيراً من جوانبه .. لا تنسوا أنّا عن السرطان نتحدث .

* العنوان مقتبس من قصة ” عن الطيور نتحدث ” للكاتب أحمد خالد توفيق .

Read Full Post »

في عام 1985م تحالفت مجموعة من المنظمات الأمريكية لإقامة حملة وطنية كبرى ( أصبحت عالمية فيما بعد ) للتوعية بسرطان الثدي National Breast cancer awareness Month (NBCAM).كان من أهداف هذه الحملة : توعية النساء حول أهمية الكشف المبكر ، وجمع الأموال اللازمة لتمويل الأبحاث والدراسات المتعلقة بسرطان الثدي ، بالإضافة إلى إمداد المرضى بالدعم والمعلومات الضرورية ، إلا أن الهدف الأصلي لهذه الحملة كان تعزيز دور أشعة الماموغرام كوسيلة أساسية لمحاربة سرطان الثدي .

وفي عام 1993 قامت إيفيلين لودر ، نائب رئيس مجلس إدارة شركات إستي لودر المشهورة في مجال التجميل والعطور بإنشاء مؤسسة أبحاث سرطان الثدي وجعلت من الشريط الوردي علامة لها .

وفي كل عام تقام في المدن العالمية في شهر أكتوبر النشاطات التي تذكر بهذا المرض والجهود المبذولة في التوعية على مدار العام . فتقام سباقات الماراثون والبازارات ، وتكتسح الأسواق المنتجات الوردية أو التي تحمل الشريط الوردي والتي تجعل جزءاً من ريعها لتمويل الأبحاث وترتيب زيارات مجانية للنساء لإجراء الماموغرام ، وتضاء بعض المباني المشهورة باللون الوردي كالبيت الأبيض  ومبنى الإمباير ستيت في الولايات المتحدة ، وقصر باكنغهام البريطاني وبرج العرب الإماراتي ، وغيرها من المعالم العالمية المشهورة .. كم اشتهيت أن أرى قصر المصمك أو برج المملكة يضاءان بالوردي ..

وفي عام 2004  قامت هند البرعي الطالبة في مدرسة ثانوية في ولاية ميزوري الأمريكية بإنشاء ما يسمى بيوم الحجاب الوردي شاركت فيه مع مجموعة من الناشطات ( والناشطين ) في الفعاليات القومية للتوعية بسرطان الثدي مرتديات حجاباً (وطواقي) وردية في محاولة جيدة لإثارة فضول الشعب الأمريكي للسؤال عن هذه الشعيرة وعن الإسلام .

الكثير والكثير يتم ترتيبه من أجل التوعية في مجال سرطان الثدي والذي أدى إلى زيادة الوعي بأهمية الكشف المبكر وبالتالي سرعة معالجة المرض وانخفاض معدل الوفيات بإذن الله تعالى .

في شهر ذي القعدة من عام 1430هـ وأثناء قيامي بالكشف المنزلي للثدي اكتشفت ورماً صغيراً  بحجم حبة الليمون بنزهير أو كرة الطاولة . كان ورماً صلباً  كحبة الجزر لا رخواً ولا ليناً ، ثابتاً لا يتحرك تحت أصبعي . لم يكن ثمة ألم ولا إفرازات .. ورم فقط ، كان اكتشافي لذلك الورم  بوابة لدخولي عالم جديد ..

حينما زرت الطبيب ليشخص الورم سألته : هل سأعيش إلى سنة ؟ فضحك الطبيب وقال : يا شيخة أذكري الله .

بعد ذلك بثلاثة أسابيع دخلت دوامة مرض السرطان من فحوصات وعلاجات . كان لا بد لي أن أواجه هذا الشبح المروع الذي يجثم على (صدور) النساء ، وفي ذهني الآلاف من الصور السلبية التي تلقيناها من الإعلام والناس من حولنا والتي مفادها شيء واحد : السرطان يعني الموت .

 لوهلة كدت أنجرف وراء ذلك التفكير إذ لم تكن لدي معلومات كافية عن السرطان أبداً –وأنا التي كنت أعد نفسي من فئة المثقفين –  كما أن فكرة الإصابة بالسرطان لم تكن واردة في ذهني ألبتة ، فهذه الأمور السيئة تحدث للآخرين فقط ، فلم يكن ثمة داع للقراءة فيها . ولكني لما شُخص ورمي تأكدت أن هذه الأمور قد تصيبني أنا أيضاً ، وكان علي أن أختار أحد طريقين : إما الاستسلام للنظرة السوداوية السائدة  – وقد كدت بالفعل حين كففت عن شراء أي شيء شخصي حتى لا أبدد أموال (الورثة) – أو أن أقف لأحارب المرض وأنقذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى لي من أيام قلّت أو كثرت .

 قرأت في إحدى الكتب مقولة أرشدتني للطريق الصحيح : لا يختار المرء متى يموت وكيف ، ولكن يمكنه أن يختار كيف يعيش.

 اخترت أن أعيش في نور العلم ، إذ أن ظلام الجهل يعطي تصورات خاطئة وقد يعطي أبعاداً للمرض أكبر من حجمها. بعض الناس يموتون لا لأجل المرض ولكن لأجل الخوف والجزع والوهم الذي يقتل ببطء .

من قال أن السرطان يميت بالضرورة ؟ أنظر حولي وأرى الكثير والكثير من النساء اللاتي تجاوزن هذه القنطرة بسلام واستعدن حياتهن الطبيعية . علمت أن المشكلة في مجتمعنا في الموروثات التي تجعل السرطان عند الناس البعبع المخيف الذي يخشى الناس من ذكر اسمه صريحاً فيكتفون بالإشارة إليه (بالخبيث) كما يسمون الجن (بسم الله) .

كل يوم يمر أقرأ فيه الجديد من المعلومات والتلميحات المفيدة في مواقع السرطان الأمريكية كان يشعرني بحاجة مجتمعنا الشديدة إلى نشر ثقافة السرطان بطريقة أكثر جدية وفائدة من بيع الدبابيس الوردية الأنيقة في البازارات وتسلق جبل إيفرست وإنشاء أكبر شريطة وردية في العالم ..

كل يوم أطلع في الانترنت على إلمام المريضات الأمريكيات بأنواع العلاجات التي يتناولنها ومراحل مرضهن وتشاورهن مع أطبائهن بشأن خطط العلاج وتعامل الأهل والأقارب مع المرض ، والمئات من الكتب التي تتكلم عن السرطان في جميع مجالاته وجزئياته بلغة موجهة للعوام ، والآلاف من مقاطع الفيديو المعدة بعناية لتثقيف المريض ومن يرعاه في كل شيء يمكنك أن تتخيله ، كل ذلك كان يصيبني ببعض الإحباط أن لا زال الوضع في مجتمعي مبهم وعائم .

 أين الجهود الحثيثة في التوعية ؟ أين دور مراكز الأورام في التثقيف الصحي ؟ أين دور رجال الأعمال والبنوك والشركات في خدمة مجتمعاتهم ؟ ما هو دور الجامعات في التوعية ؟ ماذا عن الإعلاميين؟ حينما أقيم ملتقى المتعافين من السرطان في الرياض في شهر جمادى الثاني عام 1433 هـ عبّر في تويتر الدكتور عصام مرشد @emurshid  رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للأورام وأحد الأطباء المنظمين للملتقى عن ضيقه وخيبة أمله من رفض بعض المشهورين لتقديم فقرة إلا بمبلغ مالي لا يتناسب مع طبيعة الملتقى الخيرية غير الربحية ، في الوقت الذي قام فيه  بعض الأطباء بالتبرع من أموالهم للمساهمة في إقامته !!

نساؤنا يرفضن إجراء الكشف المبكر خشية اكتشاف المرض ، المتعافيات لا يردن الحديث عن  تجاربهن لأنهن يتمنين طي هذه الحقبة من حياتهن للأبد ( مع أنهن بالأمس القريب كن يبحثن عمن يقدم لهن الأمل ) ، السرطان لا يزال يرتبط في أذهان الناس بالموت ، المكتبات العربية تعاني من القحط والتصحر في الكتب التي تتحدث عن السرطان بشكل مبسط يفهمه العامة ، والمريض الذي أصيب يتخبط بحثاً عن المعلومة الموثقة بلغة يفهمها لأنها عربية أولاً وسهلة ثانياً .

أنا أتقن الانجليزية وأعرف كيف أستخرج المعلومات التي أحتاجها من مظانها ، ولكن ماذا عن الآلاف من النسوة اللاتي لا يكدن يجدن المعلومة بسبب انشغال الأطباء بالكم الهائل من المرضى الذين ينتظرون خارج العيادات ، وبسبب ضعف الإعلام في تغطية هذا المجال مقارنة بمجال الرياضة ( وكرة القدم على وجه التحديد) والفن  ، وبسبب اقتصار دور المستشفيات ومراكز الأورام على تقديم العلاج وبعض النصائح داخل المركز وعلى نطاق ضيق .

سنة كاملة عايشت فيها الفحوصات المختلفة والعلاج الكيماوي وعملية استئصال الثدي والعلاج الإشعاعي . كان رفيقي في هذه السنة : مواقع السرطان الأمريكية ، وكتب كنت أشتريها عبر موقع أمازون والتي تتحدث عن شتى المجالات، فهناك كتب كاملة ومفصلة للعوام عن العلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي ، وأخرى عن العملية الجراحية ، وثالثة مصورة عن التمارين الرياضية  التي تحتاجها المرأة بعد إجراء عمليات الاستئصال والترميم ، بل واشتريت كتاب طبخ خاص بمرضى السرطان يذكر فيه الكثير من المعلومات الغذائية الهامة ووصفات صحية تناسب مرضى السرطان في إخراج فني احترافي راق. كما رافقتني في تلك الفترة المدونة التي أنشأتها في البداية والتي كنت أصب فيها مشاعري وأحداثي اليومية لأتلقى الدعم المعنوي من الأهل والأصدقاء.

 تغيرت حياتي كلية بعد الشفاء .. فبعدما أحسست أن الحياة تتفلت من يدي صرت أبحث عن أشياء مثيرة لأستمتع بها. صرت أهتم بالتثقيف والتوعية ، ولذلك حولت مدونتي تلك إلى كتاب أسميته  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ،  وضعت فيه كل ما مررت به من فحوصات وعلاجات وآثار حتى تطلع المرأة العربية على ما اطلعت عليه لعلها تستفيد كما استفدت، وصرت أهتم بالرياضة والتزام الطعام الصحي قدر الإمكان  ، استأنفت دراستي الجامعية عن بعد وصرت أبحث عن نشاطات تشعرني بالإنجاز ، كل إنجاز أقوم به ولو كان تدوينة تلقى إعجاباً من القراء ، ولو كان كيلوغراماً أفقده من وزني ، ولو كان جزءاً من القرآن أنهي مراجعته ، أي إنجاز كان يشعرني بالرغبة في الحياة التي كدت أفقدها لولا أن منّ الله علي .

ولا زلت أتساءل بحسرة : متى تنتشر ثقافة السرطان بشكل جاد ومدروس في بلادنا ؟ متى نجد أطفالنا وشبابنا يفهمون تداعياته ، ويجد المريض فرق الدعم support groups  منتشرة في كل مكان ، وتقام الفعاليات المستمرة ويعتاد الناس سماع اسمه حتى لا يعود شبحاً مرعباً ترتعد له الفرائص وتنقبض منه القلوب  ، وتمتلئ أرفف المكتبات بالكتب التي تتناول جوانب هذا المرض حتى لا يعود مريض السرطان يشعر بالغربة ، فهاهو الكتاب الذي يخصه جنباً إلى جانب كتاب يتحدث عن الروماتويد أو تصلب الشرايين أو السكري .. أمراض مزمنة وخطيرة ، لكنها ليست قاتلة بالضرورة . متى تجد المريضة المحلات المتخصصة في بيع مستلزمات (السرطان) متاحة في جميع الاسواق ، وتقيم المستشفيات ومراكز الأورام الدورات لعامة الشعب للتثقيف في هذا المرض وطرق التعامل مع المريض . متى يتمكن المريض من الاستمتاع – ولو جزئياً- بحياته ويقيم إنجازاته بعيداً عن الهموم والمخاوف  في مجتمع واعٍ ومثقف.

متى سيتعاون الجميع للتصدي لهذا العمل البطل وتحقيق أحلامنا ؟

من سيجعل حياة نسائنا وأُسَرهم وردية ؟

Read Full Post »

تقدمت لخطبة فتاة كاملة الأوصاف فيما يبدو لك ولكن أهلها ردوك ؟ ورثت مبلغاً لا بأس به وأردت أن تستثمره ففشلت وضاعت أموالك ؟ أردت السفر لعمل فمنعتك أمك فأطعتها وجلست وخسرت الصفقة ؟

ضاعت عليك الفرص ؟

 في الأسبوع  الماضي شاهدت لقاءاً تلفزيونياً في قناة الناس طالما انتظرته مع الشيخ المحدث أبي إسحاق الحويني ، والذي يأتي في الدرجة الثالثة من مراتب العلماء في قلبي بعد شيخيّ عبد العزيز بن باز ومحمد العثيمين .

حينما رأيته في اللقاء اعتصر قلبي مشهده .. بدا ضعيفاً ، هزيلاً ، وإن كنت لا زلت أتلمس في صوته قوة الحق .

لمن لا يعرف ، فإن قدم الشيخ قُطعت منذ أكثر من شهر بسبب الإصابة بالسكري .

أذكر جيداً في تلك الفترة كيف تألم أهل بيتي للشيخ ألماً شديداً ، فقطع العضو ليس أمراً هيناً .. لكني وحدي لم أشعر بمثل شعورهم . يومها قلت لأحدهم : إن الله تعالى ينزل ألطافه بالعبد المبتلى حتى إنه لا يشعر بالبلاء ويكاد من حوله يقتل نفسه حزناً عليه ..

اسألوني ..

كان الزوار يأتونني وقلوبهم ملأى شفقة وغماً ، كيف لا وهم يقولون : سنذهب لزيارة هناء التي استؤصل ثديها .

حتى وقع الجملة موحش ومزعج !

ولكني كنت ذاهلة عن كل تلك الغموم بلطف من الله ؛ فمن الخدر العنيف الذي أصاب منطقة الغدد الليمفاوية المستأصلة ، إلى انشغال ذهني بألم أصاب أمي والتي يزامن مرضها مرضي إلى نجاح في التفكر في آلاء الله وإنعامه عليّ بالإصابة بهذا المرض الذي يكفر السيئات ويرفع الدرجات .. بلاء هو ، نعم ، ولكنه بلاء محتمل .

كنت دائماً اتفكر كيف أثابني الله غماً بغم .. كنت أشعر بنعمة هذه الغموم التي صرفت عني غماً أعظم .  

كنت أشعر بلطف الله عليّ .

حينما سأل مقدم البرنامج الشيخ عن اسم الله الذي شعر به جلياً في محنته ، كنت متيقنة من الاسم الذي سيتفوه به . أنا أعلم .. أنا مثله ..

قال : “في هذه المنحة الأخيرة ارتبطت باسم الله اللطيف “، عندها ذرفت عيناي دمعاً غزيراً فقد ذكرني بالذي مضى .

ذكرني بتلك الأيام التي واجهت فيها ، وفي وقت واحد محنتين عظيمتين : المرض والمشاكل الزوجية ، ولكني مع ذلك كأني كنت أغرف من بحر اللطف والنعيم .لم أكن أشعر أبداً بأني أمر في كوارث متتالية .. كنت أبكي أحياناً قليلة ، ولكن لفترة وجيزة جداً وكأنما أنفس بعض ما في صدري ، ثم ينحبس دمعي حينما أتمثل اسم الله اللطيف .

حتى الشيخ سماها “منحة” وليس محنة .. كأنما تلمس فيها فيوضاً من عطاء ونِعم .

كم نغفل عن هذا الاسم العظيم الذي بإمكانه أن يزيل عنا كثيراً من الوصب .

انظر إلى ذاك الذي تقدم لخطبة من ظنها مناسبة له ولكنه رُفض ، فاسودت الدنيا في عينيه ومضى يلوك أحزانه ، فما يفجؤه إلا خبرٌ عنها بعد شهور أو سنين يجعله يخبط جبهته ويحمد الله أن زواجه بها لم يتم .

وذاك الذي وضع كل أمواله في تجارة فشلت وضاع حلمه في أن يكون “هاموراً” وضاعت معه أحلامه ، هل كان يدري حين انهار منتحباً أنه لو لم يخسر أمواله لربما أفسدته وقسّت قلبه وأورثته أشراً وبطراً كما فعل قارون ؟

والثالث الذي هَمّ بسفر عمل فانقبض قلب أمه فترجته أن يعدل علن السفر فأطاعها بانكسار قلب لئلا يكسر قلبها فوقع زلزال في المدينة التي قصدها ونجا ؟ وغيرها من القصص التي تدل كلها على لطف خفي من رب وصف نفسه باللطف .

كثيراً ما يسيء البشر بالله ظنونهم لأنهم لا يرون أبعد من أنوفهم ، فيتطيرون للحوادث السيئة التي يواجهونها ولا يحاولون إدراك مراميها ، لعل بعضها يقود إلى قدر أفضل أو يمنع من قدر أسوأ ، لعل بعضها كفارات ورفع درجات ، المهم أن درجة تقبلها في نهاية المطاف تنبئ عن حجم الإيمان بالله في القلب .

تعجبني مقولة لابن مسعود رضي الله عنه قرأتها قبل سنين وعيتها ونقشتها في قلبي : “إن الرجل ليهم بالأمر من الإمارة أو التجارة حتى إذا لم يكن بينه وبينه إلا ذراع نظر الله تعالى إليه وقال : اصرفوا عبدي عنه فإني إن مكنته منه أدخلته النار ، فيصرفه الله عنه ، فيظل العبد يتطير ويقول: سبقني فلان ، دهاني فلان .. وما هي إلا رحمة الله ! ”

نعم ..ذاك لطف الله ، وهو اللطف الخفي الذي ربما أدركته بصيرة العبد أو لم تدركه إذ كانت عمياء ، والقصص الثلاث التي وردت عن الخضر مع موسى عليهما السلام في سورة الكهف مثال جلي لذلك .

حينما أصبت بالسرطان هالتني ألطاف الله وأعشت عيني عن رؤية البلاء . كان الناس يحسبونني صبورة متجلدة ، وما علموا أن ربي اللطيف قد تداركني بلطفه فأسندني حين ظننت أني سأسقط .

كل المؤشرات كانت تدل على الانهيار . أترى فقد العضو سهلاً ؟ تساقط الشعر ، انقطاع الدورة الشهرية للأبد بسبب الكيماوي ( دائماً أقول أن مرضنا هذا يسيء إلى سمعتنا كإناث ). أترى الآلام الناتجة عن العلاج هينة ؟ التعري أمام الأطباء والأخصائيين ، الاكتئاب ، فقدان التلذذ بالطعام وبالحياة بأكملها أحياناً .

التفكير المنطقي والعقلي يؤكد أن هذا المرض كارثة بجميع المقاييس .

ولكن من قال أن المعايير الإلهية ترضخ للتفكير المنطقي والعقلي .. هناك أمور غيبية قائمة بذاتها ، تسيّرها  حكمة إلهية عظيمة .

حين أصبت بكل ما سبق أحاطني الله بمجموعة رائعة من فرق التشجيع كانت تبجلني وتسبغ علي محبة منها جعلتني أحلق عالياً في السماء .. أولادي وصديقاتي وبنات أخواني ومعجبون من هنا وهناك لا أعرف من أين جاءوا .

حينما أصبت تعرفت على الله . كنت أجد لذة رقيقة في مناجاته كل ليلة ، أطلب منه العافية واللطف .. كأني أشعر برحماته تتنزل على قلبي فتمسح عنه كل خوف وغم . صادفتني أيام كنت أبدأ الدعاء بالثناء عليه فتنهمر دموعي ولا أتمكن من قول أي شيء إلا : سبحانك سبحانك سبحانك ! كان قلبي يشعر بالامتنان له أن اختارني لهذا البلاء وأعانني عليه بالصبر ، بل الرضا ، بل الشكر ، ورجوت أن أكون حصلت على الكفارات ورفع الدرجات ببلاء قوي ، ولكنه محتمل .

في حين أرى كثيراً غيري فشلوا في الصبر على أقدار الله فضلاً عن الرضا والشكر ، فظلوا في تسخط وتوجع مع أنهم في الحقيقة كانوا يتقلبون في النعيم .

هل تعتقد أني أهذي ؟ هل تعتقد أني أقول كلاما مغرقاً في المثالية ؟

لا ألومك ، فقد كنت كذلك حينما كانت تحدثني صديقتي عن كل تلك المشاعر وقد أصاب ابنها الصغير مرض الصرع.

كنت أرخي زاوية فمي اليمنى بخفية وأقول : ما هذه المبالغة ؟

ولما أُصبت بالمرض علمت تمام اليقين أنها لم تكن مبالغة ، فقد عشت في هذا اللطف .

آمنت أنه ما من بلاء إلا وينزل معه لطف من الرحمن. لطف غامر يماثل البلاء أو يفوقه ، ولكن المشكلة تكمن في بصائرنا ، إذ بعضنا لا يملك من قوة البصيرة ما يمكنه من رؤية هذا اللطف ، فيظل متسخطاً متذمراً ، ولطف الله تحت ذقنه .

صدقوني ، ليس البلاء ما نزل به الله تعالى من القدر الموجع ، وإنما البلاء أن تعمى بصائرنا عن رؤية الكثير من جمال وحسن أسماء الله وصفاته كاسمه اللطيف والودود والعليم ، والقدير والجبار وغيرها ، إما خذلاناً من الله –ونعوذ بالله من ذلك – أو جهلاً بأهمية تعلم تلك الأسماء ومدى ارتباط ذلك بسعادتنا ، أو ببساطة لأنه لا يَعتبر ذلك من “الكوالة “..

اسمع كلام مجرب ، وتفكر في نفسك كم من ألطاف الله مرت عليك ، فإذا رأيتها فاعمل على أن تدرب نفسك على البحث عن اللطف مع أي بلاء أو حادث سيء يصيبك ، فحين يكون ربك لطيفاً ، فكيف تتوقع أن تكون  الحياة؟

Read Full Post »

كنت في الخامسة والعشرين من  عمري حينما قابلت مرة ابنة خالتي التي تعيش في مدينة ثانية . كانت تكبرني بست عشرة سنة ، وكانت قد اتبعت حمية غذائية ورياضة مستمرة ، صبغت شعرها وارتدت ثوباً جميلاً فهتفت بها : إيش الحلاوة دي يا أبلة ما شاء الله ؟ فقالت لي ضاحكة : الحياة تبدأ بعد الأربعين .

علقت جملتها هذه في ذاكرتي طويلاً ولا أدري ما السبب ، فأنا في ذلك الوقت كنت بعيدة جداً عن الأربعين .. أو على الأقل يُخيل إلي ذلك . وتمضي الأيام سريعة إلا أنها لم تكن بالسرعة الكافية التي تلهيني عن رؤية الخطوط الدقيقة التي بدأت بالظهور على جانبي عيني ، ولا غزو الشعيرات البيضاء لرأسي ، ولا ظل ظهري المحني قليلا على أرض الممشى ، ولا اضطراري لخلع النظارة كلما أردت أن أقرأ شيئاً قريباً. لم تفُتْني كل هذه المظاهر التي يؤكدها نداء حفيدتيّ ” يا جدة ” وكتابتي في خانة العمر في استمارة عبأتها قريباً : 46 سنة .

لسبب ما تذكرت جملة ابنة خالتي : الحياة تبدأ بعد الأربعين ، فهل بدأت حياتي أم أنها قاربت على الانتهاء ؟

تحرياً للدقة فإني أقول إن حياتي شارفت على الانتهاء قبل سنتين ونصف حينما أصبت بسرطان الثدي , إلا أنها بدأت من جديد بعد الشفاء . لا أخفيكم أني أدندن كثيراً على تقدمي في السن ، ولعل مرد ذلك اعتقادات مسبقة سببتها الرسوم الكاريكاتيرية والإعلام أن من تعدى الأربعين فقد بدأت رحلة نهايته .

 في الأدب الانجليزي –وأعتقد في كل الآداب – نجدهم يمثلون الشباب بفصل الصيف وشمس الظهيرة ، والكهولة بفصل الخريف والشمس الآفلة  .

حسناً ، قد يكون في تلك الاعتقادات بعض الصحة ، ولكن هذا لا ينبغي أن يحملنا على ترك الحياة ، بل العمل للآخرة مع عدم نسيان النصيب من الدنيا.. على الأقل هذا ما فهمته مؤخراً .

لماذا يسود هذا الظن عند الكثير من الناس ؟ لماذا يربط بعض الناس التقدم في السن بالعجز الجسدي والفكري ، فتجدهم تلقائياً يغلقون نوافذ التطور والتجديد في حياتهم بحجة السن ؛ النساء يرفضن ارتداء الألوان الزاهية ( عشان إيش يقولوا الناس ؟) والرجال لا يكادون يفلحون إلا في خوض غمار المراهقة المتأخرة واللحاق بما فاتهم من المتع . كلا الجنسين لا يحاولون تطوير أنفسهم في مجال العمل مكتفين بإنجازات الشباب ، عدم مواكبة العصر الحديث تقنياً وثقافياً، فقدان الرغبة في تغيير نمط الحياة مفضلين البقاء على روتينهم المعتاد ، عدم القدرة على التوافق مع شريك الحياة وكثرة الخلافات الزوجية بسبب عزوف المرأة عن الرغبة الجنسية إما زهداً فيها أو انصرافاً عنها إلى الأولاد والأحفاد ، وإقبال الرجل على ذلك في محاولة للتشبث بالشباب المتفلت ، العناد بدلاً من التفكير ، والسخرية من المخالف بدلاً من محاورته، والانغلاق على النفس أو على فئة معينة من الأصدقاء بدلاً من الانفتاح وتجربة مذاقات جديدة للحياة .

أليس من المفترض أن تكون الأربعين نقلة إلى حياة أفضل ، حيث تزداد الحكمة ويستقر الفكر ويستفاد من الخبرات والتجارب ؟

باعتقادي أن ما نراه من بعض النماذج السلبية يرجع سببها إلى الشخصية أولاً ، إذ أن الشخصية ؛ عيوبها ومحاسنها تتضخم بتقدم المرء في السن ، فإذا كان سلبياً فلن تزال سلبيته تتضاعف حتى تنسد السبل في وجهه وتضيق عليه الدنيا برحابتها ، ومثل هذا يكون عجوز القلب ولو كان في ربيع العمر ، أما لو كان إيجابياً فسيعيش في ظلال إيجابيته حياة معطاءة وسينعم بنجاحات متوالية  تنسيه سنه الحقيقي فيبقى قلبه في شباب دائم .

إلا أن الشخصية ليست هي العامل الوحيد ، فهناك الثقافة التي تحدد توجهات الفرد ، و المجتمع الذي يثبط أو يشجع .

حين ننظر إلى كبار السن في الدول الأمريكية والأوروبية نجد أن حياتهم الحقيقية تبدأ بعد الأربعين ، حين يكبر الأولاد وتتحقق الإنجازات وتنضج الشخصية عندها يركن الفرد إلى الاستمتاع بالحياة ، إما عن طريق تجربة أشياء جديدة لم يجربها من قبل ؛ سفر ، طعام جديد ، مزاولة رياضات ، أو عن طريق إنجازات تعيد الحيوية إلى عروقه كالأعمال التطوعية وخدمة المجتمع ، وهو إن فعل ذلك فإنه يجد المجتمع الذي يشجع ويكافئ مادياً ومعنوياً على هذا التوجه فيستمر في العطاء حتى يصاب بالعجز أو الزهايمر !

أذكر أن والد امرأة أخي الهولندية كان يزاول رياضة التنس وهو في الثمانين من عمره ولم يتوقف عن ذلك إلا حين أصيب بمرض السرطان الذي توفي به ، بل كان يقود دراجته بعد أن أصيب بالزهايمر ويضيع أحياناً عن منزله ، ونحن نعد من يحافظ على رياضة المشي فينا وهو في الخمسين شخصاً “رياضياً” !

إلا أن الوضع ليس بهذا السوء عند الجميع ، إذ لا ينحى كل الأربعينيين والخمسينيين ومن فوقهم منحى ( كذب الكذبة وصدقها) ، وإنما كثير منهم بدأت حياته الحقيقية عندما أسن . هم أولئك الذين يعتقدون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ) رواه أحمد وصححه الألباني . هم أولئك الإيجابيون الذين يرون أنه طالما بقي في الصدر نفس يتردد ، وفي الجسد بقايا من قوة ، فلابد من  العطاء . هم الأشجار التي تحب أن تموت و اقفة  .

حدثتني صديقتي اليوم عن قريبة زوجها ، طبيبة تخصصت في الأشعة ، وبعد التقاعد من العمل الحكومي وتزويج الأبناء عملت لفترة في القطاع الخاص ، ثم انخرطت في العمل مع الجاليات ومكاتب الدعوة . هذه امرأة لم تدع سنها يقهرها ، وإنما هي من اتخذت المبادرة وجعلت فراغها من شغلها ومن مسؤولية الأطفال ميزة أحسنت استغلالها .

كل يوم أرى في الممشى نماذج جميلة لكبار في السن يمشون يومياً ، وبعضهم يمشي ( كالطلقة ) في سرعته ونشاطه مما يجعلني أتمتم بالتبريك عليه ، ولم يحملهم سنهم على الخلود في المنزل انتظاراً لهجمة الروماتويد .

ابنة خالتي إياها ، أنشأت مواقع على الشبكة العنكبوتية للتعريف بالمملكة العربية السعودية ودين الإسلام باللغة الانجليزية وموقعاً آخر لأشغالها الفنية . كما أنها ناشطة اجتماعياً في حيها السكني حيث تقوم بتعليم الانجليزية لفتيات الحي عن طريق المحادثة والمحاورة ، ولها حلقة تحفيظ قرآن في أحد المساجد .

 أذكر جيداً كم كان يلفت نظري مشهداً كنت أراه أيام سكني في عنيزة في العقد الماضي .ففي الحين الذي كان يخرج (الشيّاب) من بعد صلاة العصر ليجتمعوا أمام أحد البيوت ( يتقهوون ويسولفون) حتى صلاة العشاء ، كان الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله –وهو في مثل سنهم- يجد الخطا على رجليه غالباً من بيته إلى الجامع الكبير حيث يقوم بتدريس طلبة العلم بعد صلاة العصر والمغرب والعشاء يومياً . كنت أرى هذه الفروق في النفسيات ، ففي حين كان الشيبان يبدون كما لو أنهم فرغوا من مهامهم في الكد لتحصيل لقمة العيش وتزويج الأولاد وأحيلوا إلى التقاعد وجلسوا ينتظرون الموت ، كان الشيخ رحمه الله كأنه يخطو في كل يوم خطوة إلى الجنة ، يعلم الناس ، ويصل رحمه ، ويشفع للمحتاج ، حتى بعد أن مرض كان يصر على التعليم كلما وجد في نفسه قوة على الكلام حتى كان آخر درس ألقاه في رمضان ليلة العيد وهو لا يكاد يتكلم من التعب ، وتوفي بعد ذلك بأسبوعين .

هل أذكر أمي الحبيبة التي كانت تستغل مواهبها الفنية فتشتري الصوف لتصنع منه قمصاناً وبناطيل ترسلها لنا لنوزعها على طلبة العلم المحتاجين في عنيزة ، وكانت تصنع بكلات الشعر وتبيعها ثم تضع ثمنها في صندوق جعلته قرب باب الدار لجمع التبرعات والصدقات . كانت تتسلى وتتصدق ولم تدع فرصة في يوم لأن يثنيها السن أو آلام الكهولة عن ممارسة الحياة . والآن حين وهن عظمها وثقلت عليها الأشغال الفنية أصبحت أكثر تطوراً وقامت بنقلة نوعية هائلة في التجديد ، إذ انضمت إلى فيس بوك وفتحت حساباً في انستاغرام وأخيراً في تويتر ، وأصبحت أمي الجدة الكول.

أعود إلى نفسي وأقول : نعم ، كنت عجوزاً قبل السرطان ، فلما مرضت أحسست أن هناك  الكثير من جمال الحياة قد فاتني ، لعل أعظمها : الإحساس بالإنجاز .

ما ذلك الوهم الذي عشت فيه ؟ أني كبرت لمجرد أني تعديت الأربعين ؟ أني صرت جدة فعليّ أن أتصرف كما تتصرف الجدات : يسيطر عليهن الضعف والوهن والصوت المرتعش .. أني سأموت قريباً .. ومن يدري متى سيموت .

حين أصبت بالسرطان وشارفت على الموت فعلاً ثم ردني الله تعالى إلى الحياة قررت أن أعيش الحياة .

كان أول ما قمت به هو تأليف الكتاب الذي يحكي قصتي مع المرض : الحياة الجديدة .. نعم .. كانت بداية حياة جديدة . حياة مليئة بالتطلعات لإنجاز شيء جديد كل يوم . ألفت الكتاب أثناء المرض ، تعلمت مبادئ التصوير الاحترافي ( وأنا التي كان عقلي ينغلق تلقائياً لأي كلام في التقنية ) ، ساهمت في إنشاء مجتمع طهر لمرضى السرطان وقمت بترجمة العديد من المقالات التي تهتم بالسرطان من المواقع الأمريكية المعتمدة ، عدت إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد انقطاع دام 27 سنة  وصرت طالبة في سن جدتي ! زاولت رياضة  المشي يومياً ، استمتعت بركوب الدباب في البر ، والأدهى من ذلك أني ركبت القارب في ينبع أخيراً . أنا التي كنت أرفض رفضاً قاطعاً ركوب القارب لخوفي الشديد من البحر وعدم اتقاني السباحة ، وأؤكد لكم أن تلك الرحلة كانت من أمتع الرحلات في حياتي .. كادت أنفاسي تتقطع من الإثارة .. ها أنا الآن أتغلب بفضل الله على خوفي القديم . أواه كم من المتع ضيعت على نفسي .

والآن أشعر بفخر شديد وأنا أصف نفسي في تويتر بأني الجدة الكول . صدقوني ، كم هو جميل أن يكون المرء كبيراً و كول في الوقت ذاته !

أستطيع أن ألحظ بجانب عيني فخر أولادي بي .

أسعد كلما وصلني تعليق يثني على كتابي ، أو أقوم بتصوير صورة جميلة تلقى إعجاباً ، أو أنهي جزءاً متقناً من القرآن وتثني شيختي على أدائي في درس السند الذي بدأته العام الماضي ، أو أفقد كيلاً من وزني كل أسبوعين ، أو تشكرني إحدى المريضات على استشارة طبية سرطانية ..

بقي لي من المتع ما أسأل الله أن يقر عيني به قبل أن ألقاه : أن يسلم بسببي وعلى يدي بعض الأشخاص ، أسمع شهادتهم بأذني ، وأمسح دموع الفرح بيديّ ، هنا أكون قد عشت الحياة الحقيقية بعد الأربعين .

Read Full Post »

هذه التدوينة يجدر بي أن أسميها : “مادة الهروب” المستوى الثالث ، أو : الهروب 301 ، إذ أنني أمارس فيها عادتي السيئة بالهروب من المذاكرة ، فالاختبارات كما قد لا تعلمون بعد ثلاثة أيام .

في الحقيقة أنا بحاجة إلى بعض الراحة ، إذ بدأ النعاس يداهمني  وآلمني فكي لكثرة التثاؤب فآثرت ( تغيير الجو ) عبر كتابة تقرير لما حصل معي في رحلتي لحضور اليوم العالمي للمتعافين من السرطان ..

والآن ، هل تودون معرفة التفاصيل المملة للزيارة ، وكما يقولون : من طأطأ لسلامو عليكو ، أم تريدون تلميحات سريعة؟

بما أني لم أعرف ماذا اخترتم فسأكتب كيفما اتفق ونرى ماذا ستخرج يديّ  الماهرتان .

سافرت للرياض يوم الأربعاء 11/6/1433 مع ابني خالد ، وكانت الرحلة طيبة بفضل الله إلا بقايا ذكريات أصابتني ببعض الحسرة حينما أجريت مقارنة سريعة بين مستوى الخطوط السعودية قبل ثلاثين عاماً ومستواها الآن .

هذه المقارنة تمت حين رأيت “علبة ” الإفطار والتي حوت ” عينات ” من الطعام ، وعلى الفور توافدت إلى ذهني صور قديمة لطعام الخطوط السعودية المشهور آنذاك . الصينية التي تحتوي على عصير وكوب للشاي/القهوة والأطباق الفاخرة التي تحوي على مقادير جيدة من الطعام المعد والمزين بعناية ، فتأكل عيناك قبل أن يتذوق لسانك . وتذكرت الكراسي التي كانت أكثر راحة وتعامل المضيفين الراقي ..

أقول لكم ؟ لا داعي لأن نفتح هذا الموضوع وإلا فسيتحول التقرير إلى : الخطوط السعودية وأثرها على الفرد والمجتمع !

حينما وصلنا للرياض كنت مبتهجة لأننا سندخل إلى المطار عن طريق الممرات المتحركة الموصلة بالطائرة والتي يسميها البعض ” خراطيم” .

 كنت أشعر أني “متحضرة ” وأنا أمشي بزهو في هذه الخراطيم ذات الأرضية المنقشعة والتي يصنف لونها من درجات البني أو ربما الأحمر .. وقد يكون البرتقالي ، فهو لون كما تلحظون : دقيق للغاية !

العجيب أنه عُرضت في ذهني صور فلاشية لأرضيات الخراطيم في مطارات أوروبا  وأمريكا كما رأيتها منذ 27 سنة .. ولا أعرف ما السبب !!

 ودعوني أؤكد لكم .. كانت أرضيات مرتبة ، وقد لا أكون مخطئة لو قلت أنها مكسوة بالبساط .

المضحك في الأمر أننا بعد أن دخلنا المطار صعدنا ونزلنا وذهبنا يمنة ويسرة متتبعين الأسهم ثم وجدنا أنفسنا فجأة خارج المطار مرة أخرى لنركب باصاً ..

لا.. ( ورايا ورايا ) الباص ؟ في جدة ، والمدينة وحتى الرياض ؟

ركبنا الباص لننتقل من مبنى الرحلات الدولية ( والتي لا أعرف لم توقفنا في مواقفها ) إلى مبنى الرحلات الداخلية ، فشعرت فعلاً بما شعر به صاحب المثل الأشهر : فين إذنك يا جحا !

ما علينا .. لابد أن أقاوم بشدة الرغبة في حش الخطوط السعودية ومطاراتنا المهيبة لئلا أُتهم ( بالفقعنة ) و( البطرنة) وكل ما كان على وزن ( فعلنة ) ..

 والسؤال هو : هل هناك وزن فعلنة أصلاً ؟

في الثانية عشر والربع بدأنا رحلة البحث عن مركز الملك فهد الثقافي والذي أقيمت فيه هذه الفعالية الرائعة .

 بلا شك كانت الطرقات ممتلئة بالسيارات فهو وقت الذروة ، أضف إلى ذلك أنه الأربعاء الجميل .

وصلنا أخيراً .

 

من الداخل كان المركز راقياً ، مرتباً ، ومرة أخرى تداعت صور استاد الأمير عبد الله الفيصل بجدة إلى ذهني . فقبل 28 سنة أقامت مدرستي دار الحنان فيه يوماً رياضياً كان من أجمل أيام حياتي المدرسية ..

كان المركز خلية نحل ، يغص بالعاملين والمتطوعين والأطباء والمرضى في خليط متناغم  ومرتب ويبعث البهجة في القلوب فعلاً ..

تستطيع للوهلة الأولى أن تدرك ضخامة الجهد المبذول ليبدو المكان بهذا التنظيم والأناقة .

البالونات الملونة في كل مكان .. الأركان المختلفة موزعة في نظام .

المكيفات تعمل بكفاءة ممتازة وضوء النهار البهيج يغمر المكان .

استلمت طاولتي وعليها لوحة تعرف بي ، ورصصت كتبي التي كنت أعرضها للبيع وجلست أنتظر .

كنت أطالع المكان بانبهار ، فأنا أحب هذه الأجواء للغاية .. وكوني آتي إلى هنا بصفة رسمية كمتعافية تحكي للناس قصتها مع المرض لتبث الأمل في القلوب بالنجاة والشفاء ، لا شك أنه كان أمراً غاية في الإثارة .

كنت مهتمة – طبعاً – ببيع كتابي والتوقيع عليه لمن يرغب ، ولكن اهتمامي الأول كان منصباً على فكرة ( بث الأمل) ومساعدة الأطباء والمهتمين بمعرفة المشاعر التي مررت بها أثناء مرضي ، خاصة إذا علمنا أنه ليس كل المرضى تواتيهم الجرأة في طرح مشاعرهم للتداول والنقاش ، وأن أكثرهم يفضلون الاختباء والانزواء إما خشية العين  ، أو رغبة في نسيان هذه الحقبة الزمنية المؤلمة.

بعد أن استقريت في مكاني بلحظات زارتني مجموعة من متابعاتي الجميلات في تويتر ، طلبن الكتاب وطلبن توقيعي عليه. وأؤكد لكم .. كانت لحظات سعيدة ..

أحسست أن دعائي الذي توجهت به إلى الله تعالى بإعجاب الناس بالكتاب قد أخذ في التحقق شيئاً فشيئاً.

نعم .. شعرت ببعض الأهمية .

قابلت كذلك إحدى الأخصائيات النفسية والتي أجرت معي حديثاً مطولاً عن أهمية مجموعات الدعم لمريض السرطان وكم أسعدني حين قابلت عندي مسؤولة القسم النسائي في الجمعية الخيرية لمكافحة السرطان وتفاهمتا بشأن التعاون على إنشاء هذه المجموعات .. شعرت أنني ( وفقت بين راسين بالحلال ) .

بلغت الإثارة أوجها حين طلبت مني صحفية بجريدة الشرق الأوسط إجراء مقابلة صحفية معي .

مرحى مرحى .. أنت تخطين نحو العالمية يا هناء .

وبوجل جلست أراقب بعض العمال وهم يحملون السماعات الضخمة ليضعوها في بهو المركز حيث كانت طاولتي ، ودق قلبي بعنف .. أعلم أن هناك عروضاً موسيقية ولكن هل تكون هنا؟

وصرت أتمتم بشدة  وأدعو الله ألا تكون هنا حتى لا أضطر لمغادرة المكان ، فلست في حاجة ولا ضرورة لأمكث في المكان وسط المنكر .

ولكن ربك حميد .. كانت هذه السماعات لمقدم الحفل الذي ظل يعلن عن الفعاليات والمشتركين فيها عدة مرات ليلفت نظر الزوار إليها .

كان هناك ركناً لأحد المصورين ، وركناً آخر لأحد رسامي الكاريكاتير ، وإحدى الفنانات التشكيليات ، كما كان ثمة ركن للمأكولات الشعبية ، والتي – حتى هذه اللحظة – أعض على أناملي ندماً أني لم أتذوق المرقوق والجريش بسبب يبوسة  قشرة المخ عندي !

في الحقيقة وددت لو أني استطعت التجول في أنحاء المركز والمرور بأركان الجمعيات والتي كانت توزع أكياساً تحوي أشياء  لا أعرف كنهها ..

 أحب تجميع العينات والكتيبات التعريفية ، لأعود بها إلى المنزل كتذكارات ولكني لم أتمكن من القيام عن مقعدي .. شيئ ما كان يشدني للجلوس ، فاكتفيت بالنظر هنا وهناك فقط .

قدمت جهة ما طعام الغداء للمحاضرين ولكني لم أتمكن من تناوله في الوقت المناسب نظراً لانشغالي بالحديث مع طالبات التوقيع أو مع بعض المريضات اللاتي أتين يستفسرن عن مرضي والعلاج .

حين وجدت فسحة من الوقت هرعت سريعاً لتناول ما يمكن تناوله من الغداء والذي كان قد برد وتلاشى من الحافظات الضخمة ، ولكنك تراه للأسف في الأطباق التي انتشرت على الطاولات كعادة السعوديين الشهيرة التي تنص على ملء الأطباق بجميع أنواع الطعام المقدمة وتذوق لقمة من كل نوع وترك الباقي ، فلا هم أكلوا ما حملوا ، ولا أنهم تركوه غيرهم يأكل .

عدت سريعاً لطاولتي لأتلقى المزيد من المستفسرات وطالبات الكتاب والتوقيع .

وبدأ عرض القبة الفلكية والذي كنت أتطلع لحضوره ، ولكني لسبب أجهله لم أفعل ..

أشياء كثيرة فاتني رؤيتها , ففي الحقيقة أستطيع أن أؤكد لكم أن هذا التقرير المزيف الذي تقرؤونه هو تقرير قاصر بكل معاني الكلمة .

ولكن عموماً ، أنتم تقبلونني بكل قصوري ، أليس كذلك ؟

أمامي في  بهو المركز كان فريق هارلي ديفدسون مع أربع أو خمس دراجات بخارية ، تتراوح أسعارها فيما أعلم بين 40000- 90000 ريال . أتاحوا الفرصة للحضور في امتطائها والتصور معها .

وللحق أني لم أعلم السر في إصرار الفريق على الظهور بمظهر غربي بحت : التي شيرتات الغريبة والبندانات وبعض السلاسل والتي أظهرتهم كقراصنة .

أحدهم كان ينقصه عصابة العين السوداء أو الذراع المنتهية بخطاف حديدي ضخم ..

همممم ، ربما لو أحضر ببغاء ليقف على كتفه لوفى ذلك بالغرض .

نعم .. أعترف .. لست “كولاً” لهذه الدرجة التي تتيح لي تقبل الكثير من المشاهد التي رأيتها أمامي في ذلك اليوم .

مع أنني أدعي ” الكوالة ” إلا أني أقيدها على الدوام بكونها من الطراز القديم .

لذلك لم أتقبل أبداً رؤية ” التميلح”  الذي انتهجه الشباب والشابات الإعلاميين والمتطوعين أمامي ..

أنا في البهو – كما أخبرتكم – فكانت كاميرات القنوات التلفزيونية الفضائية وكمية هائلة من الناس كلهم يحملون الكاميرات الاحترافية يقومون بالتصوير والتميلح في الوقت ذاته ، وصراحة أني أعد الجمع بين ذلك عبقرية !

انزعجت جداً من رؤية مظاهر تراجع الدين المعروفة .. وأرجو أن لا يأتي أحد ويتهمني بالتدخل في النوايا .

أنا أتكلم عن أمور ظاهرة وبعيدة عن الخلاف الفقهي .

أفهم أن هناك خلافاً في كشف الوجه وغطاءه ..

أفهم أن هناك خلافاً في مفهوم الاختلاط ، مهما بلغ قوة الخلاف أو ضعفه .

ولكني لم أفهم بم يمكننا تفسير تخلي الكثير من النساء عن غطاء الشعر إما جزئياً أو كاملاً ،  ووضع مساحيق التجميل والعطور التي كانت تصلني لأنفي مخترقة نقابي .

لم أفهم لم تجاوز الأمر حد الاختلاط المحترم ليصل إلى الضحك الرقيع وهذا التميلح والتلامس أحياناً .

كنت أنظر إلى إحداهن وقد بدا من وجهها أكثر مما خفي ، لأنها كانت ( منقبة )!

الحق أن فمها فقط هو الذي كان مغطى !!

كانت تضحك مع مجموعة من الرجال بصوت عال وتصورت معهم ، وأنا أحدث نفسي : لعله أخوها ، لعله قريبها ..

حتى رأيتها تتصور مع أحدهم وهي تربت على ظهره وكتفه !!!

لم أفهم السبب في أن الموسيقى والرقص غدا أمراً عادياً دالاً على الرقي والتحضر ، حيث أن  ايقاعات الموسيقى الغربية التي رقص عليها  بعض مقدمي العروض كانت تصلني من المسرح المجاور .

لم أفهم لم تغيرت المفاهيم بهذا الشكل السريع والمزعج ..

لم تعد المسألة خلافات فقهية ، إذ ليس كل خلاف له حظ من الاعتبار .

نحن نتكلم الآن في مسائل  دلت النصوص الشرعية الواضحة على تحريمها  ، فما بال الناس ؟

ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ؟

هذه المشاهدات كانت كفيلة بإفساد استمتاعي بذلك اليوم .

لم أبع نسخاً كثيرة كما كنت أرجو ، ولكن أعتقد أن اللقاءات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي أجريت معي ، كانت كافية للتعريف بكتابي في الأوساط المختلفة .. أضف إلى ذلك مقابلتي للعديد من المرضى والمتعافين واستماعي إلى شيء من تجاربهم جعلني أسترجع ذكرياتي الشخصية مع المرض ليلهج لساني بحمد الله على منّه عليّ وعليهم بالعافية .

يوم الخميس في التاسعة صباحا كانت مغامرتي المضحكة المحزنة وللمرة الثانية مع مطار الملك خالد  .

المطار الذي من “المفترض ” أن يكون مطار عاصمة البلد الذي ” يفترض ” أن يكون أغنى بلد في العالم !

جملة ركيكة هي الجملة السابقة أليس كذلك ؟

نعم .. ولكن صدقوني الوضع الركيك لا يمكنك أن تعبر عنه بجملة مستقيمة أبداً .

إذ حتى لو استقامت لفظاً ، فإنها لن تستقيم معنى .

ركبت الباص محوقلة ومسترجعة ، ومتذكرة من جديد خراطيم مطارات أوروبا وأمريكا قبل أكثر من 27 سنة ، وانتظرنا في الباص ما يقارب العشر دقائق ليمتلئ ، فانتهزت الفرصة لكتابة بعض التغريدات .

أغلق الباب وتحرك الباص ، وبعد 30 ثانية بالضبط توقف ..

رفعت رأسي لأرى أننا نقف أمام سلم الطائرة ..

نعم .. الطائرة تبعد عن باب المطار أقل من خمسين متراً .

يبدو أن الخطوط تحب أن تريح ركابها لأقصى درجة ..

أخذنا أماكننا ، ولا تزال الصور من حفل البارحة تتوارد على ذهني .. الجميلة منها والسيئة .

وبعد تأخير استمر أكثر من ثلث ساعة نظراً لازدحام المدرج بالطائرات المقلعة والهابطة ( هل يملكون مدرجاً واحداً فقط ؟ ) طارت الطائرة أخيراً ..

بعد ساعة لاحت لي الحرة التي تحيط بالمدينة ، فنبض خافقي بحب المدينة .

المدينة التي دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حبا ” .

تمتت شفتاي ودمعت عيناي :  اللهم اكتب لي فيها معيشة ووفاة ..

هذه مدينتي ، فمن له بمدينة مثل مدينتي ؟

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: