Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘السفر’

هل تصبرون معي لقراءة ذكريات لن تهمكم ، لعلكم تجدون في بعضها بعضاً منكم ، فالذكريات كثيراً ما تتشابه ، وما ألذ حديث الذكريات السعيدة ، وهي لعمر الله من المتع المبهجات..

إن لم تطلع على الجزء الأول من  استجلاب الذكريات ، فلعلك تفعل الآن ..

في الإجازة الصغيرة منتصف الفصل الدراسي ذهبت في زيارة شائقة إلى الذكريات .. إلى مسقط رأسي .. إلى الخبر الجميلة على الساحل الشرقي .

كانت هذه المرة الأولى التي تجتمع فيها كل هذه العوامل معاً منذ 31 سنة : أذهب أنا وأمي أخي إلى الخبر لأرى جميع أهلي هناك .

هل لي أتحدث عن انطباعاتي عن تغير الدرجة الأولى في الخطوط السعودية عنها قبل ثلاثين سنة وتردي خدماتها ومقاعدها ووجباتها أم أجعل التدوينة خالصة لسرد الذكريات ؟

لا داعي لحرق الدم ، أليس كذلك ؟ حسناً , لننطلق إلى الساحل الشرقي .

حين هبطت في المطار الجديد – بالنسبة لي –  هالني حجمه ورقيه مقارنة بمطار جدة التعيس في جميع نواحيه ..

يكفي الخراطيم التي تنقل المسافرين من وإلى الطائرة  في حين لا يزال مطار جدة يعيش على الباصات والسلالم .

عذراً عذراً ، وعدتكم أن لن أتكلم بما يحرق الدم ..

تذكرت وأنا أمشي في مطار الملك فهد مطارَ الظهران القديم .. شعرت أن طعم الذكريات في حلقي .. أحسست بالروائح والمشاعر تتلبسني . هل تعرف هذا الشعور ، حينما تستغرق في تفاصيل ذكريات قديمة ، وتنفصل عن الواقع تدريجياً حتى لتكاد تشعر بحرارة الهواء آنذاك على جلدك ، تستنشق تلك الروائح وتسمع تلك الأصوات ..

كنت أمشي كالمغيبة ، منبهرة ومنتشية ، لا من هذا المطار الجديد ، وإنما من ذاك الذي برز في مخيلتي ، حين كان أبي رحمه الله يأخذني وأنا صغيرة لنقضي بعض الوقت نتفرج على الطائرات وهي تصعد وتهبط ريثما تقضي أمي زيارتها لصديقتها التي كانت تسكن في سكن المطار الفاخر . كان المدرج قريباً ومتاحاً ويحكي لي أخي أنه كثيراً ما أفلح حين كان طفلاً في الإفلات من بين قضبان السور ليمشي بحرية في مدرج المطار .. أخبرته أني لا زال أذكر في المطار وجود حديقة ما تنضح بعشب قوي الرائحة ، وفيها مراجيح معلقة ، فأطرق بذاكرته إلى خمسين سنة مضت ليقول بصوت حالم : كانت تلك حديقتي المفضلة حينما كنا نسكن في المطار قبل انتقالنا إلى الخبر ..

كلما شممت الآن رائحة العشب الأخضر تدرج ذاكرتي تلقائيا صورة تلك الحديقة التي كنت ألعب فيها وأنا ابنة الخامسة  ، أتمرجح عالياً مع أطفال آخرين لا أعرفهم ، لا يجمع بيننا إلا  صخب الطفولة ..

من قال أن أطفال الخامسة والسادسة تكون ذاكرتهم قصيرة ولا تسعفهم بتفاصيل تلك الحُقب حين يشيبون ..

لو قال بذلك قائل فأنا أؤكد له أنه مخطئ بجدراة .

كان اجتماعنا ليلة الوصول في بيت خالتي لتناول العشاء . دخلت البيت الجديد وتذكرت ذلك البيت القديم الذي كنا نقضي فيه أعيادنا بعد انتقال عائلتي للسكن في جدة قبل أربعين سنة .

كان العيد في جدة مؤلماً وكئيباً وموحشاً حيث لم يكن لدينا هناك إلا بيوت أخوالي فقط ، الذين لم ننشأ معهم ولم نألفهم بعد . كم حاولت أمي تزيين عيدي بفساتين جميلة وزينات مزركشة وأنوار ملونة ، وتأخذني في زيارة لملاهي لونا بارك عصر يوم العيد ، ولكن ما كان ذلك ليفلح في إسعادي وإبعاد ذكريات أعياد الخبر عن ذهني .

إلى أن قررت أن نذهب بعد ذلك لقضاء العيد مع الأهل ..

 الأهل .. يالها من كلمة جميلة عظيمة .. عندها شعرت أن العيد قد عاد له رونقه وبهاءه وجماله .

كنت أجمع من مصروفي الشهري طوال السنة لأشتري به هدايا العيد البسيطة لخالاتي وبنتي خالتيّ اللتين كانتا – ولا زالتا- أختين حين منعني الله الأخوات الحقيقيات .

كان  العيد في بيت خالتي من أجمل ما يمكن أن يحدث لي .. اجتماع العائلة الممتع ، إفطار اليوم الأخير من رمضان، إعداد الزينة من ورق الكريشة الملونة ، والإحساس بالأهمية وسط كل هؤلاء الكبار ، محاولات إخفاء الهدايا المغلفة سلفاً عن أعين الفضوليين من الصغار .. حتى غسل الصحون هائلة العدد كان ممتعاً ما دام مع القوم .

والان أنا أدخل الدار التي فيها نفس الأشخاص الذين كنت أقضي معهم أعيادي القديمة .. إلا أن الدار غير الدار .. هل أزعم أن قيساً كذب بعض الشيء ليضفي نوعاً من الرومانسية على قصته حين قال :

وما حب الديار شغفن قلبي                     ولكن حب من سكن الديارا

هذه دار جديدة ، أنيقة ولكن ليس فيها أياً من الذكريات . ليس فيها تلك المخابئ التي احتوتنا صغاراً ، ولا بقايا اللصاق الذي ثبتنا به زينة العيد ، ولا الجدران التي كانت تسترق السمع لأحاديثنا ليلاً بعد أن ينام الكبار .

كذب قيس – غفر الله له – فحب الديار له شغف ووجد ، خاصة لو حَوَت لحظات جميلة .

في اليوم التالي اصطحبني أخي في الصباح المبكر مع بناتنا لنبحث عن ذكرياتنا القديمة .. مررنا بشارع الأمير خالد ، شارع السوق الكبير في زمني .. رأيت هذا المحل الجميل الذي كان يجلب البضائع المستوردة ، ومنه كانت أمي تشتري ألعابي الفاخرة  . تذكرت للحال لعبة  طابور البطات الصغيرات اللاتي يمشين وراء البطة الأم ، والتلفزيون الصغير الذي يعرض صوراً متحركة بأناشيد الأطفال الانجليزية  المشهورة : ماري عندها حمل صغير ، وجسر لندن يسقط ويسقط  .. رأيت الشارع الضيق الذي كنت أراه كبيراً ، وما علمت إذ ذاك أن عيون الأطفال ترى كل شيء كبيراً .

مشينا قليلاً فإذا بي أمام مدرستي .. صارت الآن مأوى لعمالة ما ، مهدمة ومرقعة ، ولكني أبحرت في فصولها ودهاليزها بذاكرتي .. هنا كان فصلي .. وهنا مستودع الكتب الدراسية التي كانت تسحرني رائحتها .. وهذا المسرح الذي كنت أقف عليه لأنشد في الحفلات .. أما هنا فحجرة التدبير المنزلي .. أتذكر جيداً حين كان موقد حجرة التدبير يعطب فينادونني من فصلي لآخذ صينية البشاميل لبيتنا الذي لا يفصله عن المدرسة إلا شارع صغير ضيق ، فأعطيها لأمي مصحوبة بسلام المعلمة كي تضعها في فرننا حتى تنضج .. لا تسل عن اعتزازي وشعوري بالخطورة وأنا أخرج أمام صديقاتي شامخة الرأس ، فخورة للعبي دور المنقذة من هذا الموقف السخيف الذي سببه الفرن الكهل .

جلت ببصري أبحث عن بيتنا فارتد إلي بصري خاسئاً وهو حسير .. ما وجدت إلا دكاكين صغيرة تتثاءب استعداداً لبداية يوم جديد .. أحسست بشيء من القهر .. أين ذكرياتي ؟ هنا كان بيتنا .. أذكر في فنائه بيت أرانب صغير، وحجرة إخواني بالطابق العلوي ملأها أخي الماهر بالرسم رسوماً متقنة للشخصيات الكارتونية المعروفة آنذاك ، أذكر القطط التي كانت تجول ، ومن هناك نما شغفي بالقطط . أذكر شجرة الفل والتي كانت تهبني يومياً فلة ضخمة عبقة أهديها لمعلمتي في الصف الأول الابتدائي ..

شعرت بشيء من الإحباط وخيبة الأمل ، ولكني سرعان ما نفضته عن ذهني قائلة : أصلا عادي !

أما عن زيارتي لشواطئ الخبر فتلك حكاية أخرى .. شواطئهم غاية في الروعة والجمال .. شواطئ “متعوب عليها” ، والجميل أنها للشعب .. لكل الشعب .. كل الشعب يستطيعون أن ينزلوا في الشاطئ ويستمتعوا بالبحر والرمل ..

هنا ، في شاطئ العزيزية أو في شاطئ نصف القمر والذي لا نزال نسميه بتسميته القديمة جداً Half Moon Bay ، كنا نقضي أول يوم من أيام عيد الأضحى قبل أكثر من ثلاثين سنة .. نبحث عن بقعة فارغة ، غالباً خلف أحد الطعوس المجاورة للشاطئ ونخيم مع عائلة خالتي .. نسبح  ونشوي ونتسامر و ( نشب الضو ) ونقضي أجمل الأوقات دون أن يتطفل علينا أحد من الخارج .. كنا إذا وصلنا انطلق زوج خالتي في ممارسة هوايته في المشي ، فيمشي حتى يغيب عن أنظارنا .. قد ألحق يه إلى مسافة معينة ، أبثره بأسئلتي وثرثرتي ولكنه كان دائماً يجيب بابتسامة عذبة وصدر رحيب .. كم تمنيت أن أراه هذه المرة .. ولكن الزهايمر ثم الموت غيّباه عنا ، فتوفي قبل أن ألقاه لأذكّره بكل ما مضى.

حديث أيام الطفولة عذب .. ذكراها لذيذة ، ونشواها تفرح القلب الحزين .. وعلى آثارها نعيش لحظات جميلة .

 غادرت الخبر آسفة .. كم تمنيت لو جلست هناك أسابيع ..

يومها قلت لإحداهن  : لولا أني في المدينة ، ولا أرضى لها بدلاً لرجعت أعيش في الخبر ..

أطلت عليكم ، سامحوني ، ولكن يخفف عني أني أعلم يقيناً أن بعضكم كان له ذكريات تشبه ذكرياتي . وسأحب حتماً لو شاركتموني بهذه المتعة :  استجلاب الذكريات .

Read Full Post »

 لازالت بعض بقاياه هنا ..

قشور الفصفص ، أثر من عطر بولغاري ، صدى صوته وهو يصرخ ” ناندا” ، صور  التقطتها بآلة التصوير التي يمتلكها .

ولكنه ليس هنا ..

خرج بعدما جاءني إلى حجرتي ليودعني ..

ضممته إلى صدري ..

استنشقت عطره ومسحت على ظهره ..

غالبت دموعي ولكنها أبت إلا أن تنهمر .

كتمت شهقتي ولكنها أبت إلا أن تنفلت ..

بكيت ..وبكيت .. وبكيت ..

همس في أذني بصوت واجف : ادعي لي ..

وتملص من بين يديّ وأسرع يحمل حقيبته وغادر ..

غادر يسابق أحزاني أن تدركه ، ومخاوفه أن تتلبس به .

جريت إلى المطبخ لا أكاد أرى من بين دموعي المنهمرة ..

فتحت الثلاجة وأخرجت المهدئ : خبزاً وجبناً ..

خشيت أن أجرح نفسي بالسكين ..

قلبي أصابه خفقان قوي ، وعلى عينيّ غشاوة .

صوت باب حجرتهم يغلق بعنف .. هاهو عبد الله يعبر عن حزنه بطريقته الخاصة ..

في حين أطفئ أنا حزني بتناول سندوتش سريع ، يطفئ هو أساه بمغادرة شريكه في الحجرة لمدة 15 سنة باللعب بالكمبيوتر هرباً من البكاء والمشاعر السلبية الأليمة ..

هذا هو عبد الله كما عرفته منذ أيام مرضي .. يكره الوداع ويكره مشاعر الحزن .. أما ما في القلب فلا يعلمه إلا الله .

عدت إلى حجرتي ألوك شطيرة جبن بطعم الدموع والأسى ..

الخفقان يزداد قوة ، وقلبي لا يزال يعتصر ..

ندت مني آهة حرى وثالث أولادي يغادر عشي ..

هو الثاني خلال سنة واحدة ..

كم هو مقدار الألم أن تصطبح الأم برؤية أولادها السنين الطوال ، ولا تنام إلا بوجودهم ، صراخهم موسيقاها ، وعراكهم تسليتها .. ثم تفاجأ بأن عليهم أن يغادروا ..

قبل قليل أرسلت تغريدة في هاشتاق يوسفيات : ” ( وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ) .. ثلاث كلمات فقط ، وفي القلب تناثرت مئات السطور تحكي لوعة وفقداً وألماً وأملاً .. لله در قلب الأب ” .

ولم أشأ أن أكتب ( والأم ) فدون أساها تتهاوى أعتى القلاع .

كم هائل من الأناشيد ستحمل لي رائحته كلما سمعتها .. الممشى الذي واظب على اصطحابي إليه ، سريره الفارغ ، وشمس التي ستأتيني غداً لتسألني عنه بلهجة باكية كما فعلت من قبل مع سهل .

الأغنية البغيضة لا تزال تحوم في ذهني كالذبابة اللزجة ..

أغنية البيتلز العتيقة عن الفتاة التي غادرت بيت أبويها .. ذلك البيت الذي عاشت فيه سنين طويلة ..

أغنية تراجيدية  تأبى إلا أن تزورني كلما غادر أحد أولادي البيت .

في البدء كان خالد ، ثم سهل مرتين ، والآن عبد الرحمن ..

في انستغرام وضعت هذه الصورة

وكتبت تحتها ذلك المقطع الملحاح :

He’s leaving home after living along for so many years ..

He’s leaving home .. Bye bye ..

تنهدت وهتف قلبي : يارب .. فرجك قريب وقاصدك ما يخيب ..

اللهم إني استودعتك ابني عبد الرحمن ، ومن قبله ابني سهل : دينهما وأمانتهما وخواتيم أعمالهما ..

اللهم احفظ أولادي من بين أيديهم ومن خلفهم ،  وعن ايمانهم وعن شمائلهم ، ومن فوقهم وأعوذ بعظمتك  اللهم أن يغتالوا من تحتهم ..

Read Full Post »

هذه التدوينة يجدر بي أن أسميها : “مادة الهروب” المستوى الثالث ، أو : الهروب 301 ، إذ أنني أمارس فيها عادتي السيئة بالهروب من المذاكرة ، فالاختبارات كما قد لا تعلمون بعد ثلاثة أيام .

في الحقيقة أنا بحاجة إلى بعض الراحة ، إذ بدأ النعاس يداهمني  وآلمني فكي لكثرة التثاؤب فآثرت ( تغيير الجو ) عبر كتابة تقرير لما حصل معي في رحلتي لحضور اليوم العالمي للمتعافين من السرطان ..

والآن ، هل تودون معرفة التفاصيل المملة للزيارة ، وكما يقولون : من طأطأ لسلامو عليكو ، أم تريدون تلميحات سريعة؟

بما أني لم أعرف ماذا اخترتم فسأكتب كيفما اتفق ونرى ماذا ستخرج يديّ  الماهرتان .

سافرت للرياض يوم الأربعاء 11/6/1433 مع ابني خالد ، وكانت الرحلة طيبة بفضل الله إلا بقايا ذكريات أصابتني ببعض الحسرة حينما أجريت مقارنة سريعة بين مستوى الخطوط السعودية قبل ثلاثين عاماً ومستواها الآن .

هذه المقارنة تمت حين رأيت “علبة ” الإفطار والتي حوت ” عينات ” من الطعام ، وعلى الفور توافدت إلى ذهني صور قديمة لطعام الخطوط السعودية المشهور آنذاك . الصينية التي تحتوي على عصير وكوب للشاي/القهوة والأطباق الفاخرة التي تحوي على مقادير جيدة من الطعام المعد والمزين بعناية ، فتأكل عيناك قبل أن يتذوق لسانك . وتذكرت الكراسي التي كانت أكثر راحة وتعامل المضيفين الراقي ..

أقول لكم ؟ لا داعي لأن نفتح هذا الموضوع وإلا فسيتحول التقرير إلى : الخطوط السعودية وأثرها على الفرد والمجتمع !

حينما وصلنا للرياض كنت مبتهجة لأننا سندخل إلى المطار عن طريق الممرات المتحركة الموصلة بالطائرة والتي يسميها البعض ” خراطيم” .

 كنت أشعر أني “متحضرة ” وأنا أمشي بزهو في هذه الخراطيم ذات الأرضية المنقشعة والتي يصنف لونها من درجات البني أو ربما الأحمر .. وقد يكون البرتقالي ، فهو لون كما تلحظون : دقيق للغاية !

العجيب أنه عُرضت في ذهني صور فلاشية لأرضيات الخراطيم في مطارات أوروبا  وأمريكا كما رأيتها منذ 27 سنة .. ولا أعرف ما السبب !!

 ودعوني أؤكد لكم .. كانت أرضيات مرتبة ، وقد لا أكون مخطئة لو قلت أنها مكسوة بالبساط .

المضحك في الأمر أننا بعد أن دخلنا المطار صعدنا ونزلنا وذهبنا يمنة ويسرة متتبعين الأسهم ثم وجدنا أنفسنا فجأة خارج المطار مرة أخرى لنركب باصاً ..

لا.. ( ورايا ورايا ) الباص ؟ في جدة ، والمدينة وحتى الرياض ؟

ركبنا الباص لننتقل من مبنى الرحلات الدولية ( والتي لا أعرف لم توقفنا في مواقفها ) إلى مبنى الرحلات الداخلية ، فشعرت فعلاً بما شعر به صاحب المثل الأشهر : فين إذنك يا جحا !

ما علينا .. لابد أن أقاوم بشدة الرغبة في حش الخطوط السعودية ومطاراتنا المهيبة لئلا أُتهم ( بالفقعنة ) و( البطرنة) وكل ما كان على وزن ( فعلنة ) ..

 والسؤال هو : هل هناك وزن فعلنة أصلاً ؟

في الثانية عشر والربع بدأنا رحلة البحث عن مركز الملك فهد الثقافي والذي أقيمت فيه هذه الفعالية الرائعة .

 بلا شك كانت الطرقات ممتلئة بالسيارات فهو وقت الذروة ، أضف إلى ذلك أنه الأربعاء الجميل .

وصلنا أخيراً .

 

من الداخل كان المركز راقياً ، مرتباً ، ومرة أخرى تداعت صور استاد الأمير عبد الله الفيصل بجدة إلى ذهني . فقبل 28 سنة أقامت مدرستي دار الحنان فيه يوماً رياضياً كان من أجمل أيام حياتي المدرسية ..

كان المركز خلية نحل ، يغص بالعاملين والمتطوعين والأطباء والمرضى في خليط متناغم  ومرتب ويبعث البهجة في القلوب فعلاً ..

تستطيع للوهلة الأولى أن تدرك ضخامة الجهد المبذول ليبدو المكان بهذا التنظيم والأناقة .

البالونات الملونة في كل مكان .. الأركان المختلفة موزعة في نظام .

المكيفات تعمل بكفاءة ممتازة وضوء النهار البهيج يغمر المكان .

استلمت طاولتي وعليها لوحة تعرف بي ، ورصصت كتبي التي كنت أعرضها للبيع وجلست أنتظر .

كنت أطالع المكان بانبهار ، فأنا أحب هذه الأجواء للغاية .. وكوني آتي إلى هنا بصفة رسمية كمتعافية تحكي للناس قصتها مع المرض لتبث الأمل في القلوب بالنجاة والشفاء ، لا شك أنه كان أمراً غاية في الإثارة .

كنت مهتمة – طبعاً – ببيع كتابي والتوقيع عليه لمن يرغب ، ولكن اهتمامي الأول كان منصباً على فكرة ( بث الأمل) ومساعدة الأطباء والمهتمين بمعرفة المشاعر التي مررت بها أثناء مرضي ، خاصة إذا علمنا أنه ليس كل المرضى تواتيهم الجرأة في طرح مشاعرهم للتداول والنقاش ، وأن أكثرهم يفضلون الاختباء والانزواء إما خشية العين  ، أو رغبة في نسيان هذه الحقبة الزمنية المؤلمة.

بعد أن استقريت في مكاني بلحظات زارتني مجموعة من متابعاتي الجميلات في تويتر ، طلبن الكتاب وطلبن توقيعي عليه. وأؤكد لكم .. كانت لحظات سعيدة ..

أحسست أن دعائي الذي توجهت به إلى الله تعالى بإعجاب الناس بالكتاب قد أخذ في التحقق شيئاً فشيئاً.

نعم .. شعرت ببعض الأهمية .

قابلت كذلك إحدى الأخصائيات النفسية والتي أجرت معي حديثاً مطولاً عن أهمية مجموعات الدعم لمريض السرطان وكم أسعدني حين قابلت عندي مسؤولة القسم النسائي في الجمعية الخيرية لمكافحة السرطان وتفاهمتا بشأن التعاون على إنشاء هذه المجموعات .. شعرت أنني ( وفقت بين راسين بالحلال ) .

بلغت الإثارة أوجها حين طلبت مني صحفية بجريدة الشرق الأوسط إجراء مقابلة صحفية معي .

مرحى مرحى .. أنت تخطين نحو العالمية يا هناء .

وبوجل جلست أراقب بعض العمال وهم يحملون السماعات الضخمة ليضعوها في بهو المركز حيث كانت طاولتي ، ودق قلبي بعنف .. أعلم أن هناك عروضاً موسيقية ولكن هل تكون هنا؟

وصرت أتمتم بشدة  وأدعو الله ألا تكون هنا حتى لا أضطر لمغادرة المكان ، فلست في حاجة ولا ضرورة لأمكث في المكان وسط المنكر .

ولكن ربك حميد .. كانت هذه السماعات لمقدم الحفل الذي ظل يعلن عن الفعاليات والمشتركين فيها عدة مرات ليلفت نظر الزوار إليها .

كان هناك ركناً لأحد المصورين ، وركناً آخر لأحد رسامي الكاريكاتير ، وإحدى الفنانات التشكيليات ، كما كان ثمة ركن للمأكولات الشعبية ، والتي – حتى هذه اللحظة – أعض على أناملي ندماً أني لم أتذوق المرقوق والجريش بسبب يبوسة  قشرة المخ عندي !

في الحقيقة وددت لو أني استطعت التجول في أنحاء المركز والمرور بأركان الجمعيات والتي كانت توزع أكياساً تحوي أشياء  لا أعرف كنهها ..

 أحب تجميع العينات والكتيبات التعريفية ، لأعود بها إلى المنزل كتذكارات ولكني لم أتمكن من القيام عن مقعدي .. شيئ ما كان يشدني للجلوس ، فاكتفيت بالنظر هنا وهناك فقط .

قدمت جهة ما طعام الغداء للمحاضرين ولكني لم أتمكن من تناوله في الوقت المناسب نظراً لانشغالي بالحديث مع طالبات التوقيع أو مع بعض المريضات اللاتي أتين يستفسرن عن مرضي والعلاج .

حين وجدت فسحة من الوقت هرعت سريعاً لتناول ما يمكن تناوله من الغداء والذي كان قد برد وتلاشى من الحافظات الضخمة ، ولكنك تراه للأسف في الأطباق التي انتشرت على الطاولات كعادة السعوديين الشهيرة التي تنص على ملء الأطباق بجميع أنواع الطعام المقدمة وتذوق لقمة من كل نوع وترك الباقي ، فلا هم أكلوا ما حملوا ، ولا أنهم تركوه غيرهم يأكل .

عدت سريعاً لطاولتي لأتلقى المزيد من المستفسرات وطالبات الكتاب والتوقيع .

وبدأ عرض القبة الفلكية والذي كنت أتطلع لحضوره ، ولكني لسبب أجهله لم أفعل ..

أشياء كثيرة فاتني رؤيتها , ففي الحقيقة أستطيع أن أؤكد لكم أن هذا التقرير المزيف الذي تقرؤونه هو تقرير قاصر بكل معاني الكلمة .

ولكن عموماً ، أنتم تقبلونني بكل قصوري ، أليس كذلك ؟

أمامي في  بهو المركز كان فريق هارلي ديفدسون مع أربع أو خمس دراجات بخارية ، تتراوح أسعارها فيما أعلم بين 40000- 90000 ريال . أتاحوا الفرصة للحضور في امتطائها والتصور معها .

وللحق أني لم أعلم السر في إصرار الفريق على الظهور بمظهر غربي بحت : التي شيرتات الغريبة والبندانات وبعض السلاسل والتي أظهرتهم كقراصنة .

أحدهم كان ينقصه عصابة العين السوداء أو الذراع المنتهية بخطاف حديدي ضخم ..

همممم ، ربما لو أحضر ببغاء ليقف على كتفه لوفى ذلك بالغرض .

نعم .. أعترف .. لست “كولاً” لهذه الدرجة التي تتيح لي تقبل الكثير من المشاهد التي رأيتها أمامي في ذلك اليوم .

مع أنني أدعي ” الكوالة ” إلا أني أقيدها على الدوام بكونها من الطراز القديم .

لذلك لم أتقبل أبداً رؤية ” التميلح”  الذي انتهجه الشباب والشابات الإعلاميين والمتطوعين أمامي ..

أنا في البهو – كما أخبرتكم – فكانت كاميرات القنوات التلفزيونية الفضائية وكمية هائلة من الناس كلهم يحملون الكاميرات الاحترافية يقومون بالتصوير والتميلح في الوقت ذاته ، وصراحة أني أعد الجمع بين ذلك عبقرية !

انزعجت جداً من رؤية مظاهر تراجع الدين المعروفة .. وأرجو أن لا يأتي أحد ويتهمني بالتدخل في النوايا .

أنا أتكلم عن أمور ظاهرة وبعيدة عن الخلاف الفقهي .

أفهم أن هناك خلافاً في كشف الوجه وغطاءه ..

أفهم أن هناك خلافاً في مفهوم الاختلاط ، مهما بلغ قوة الخلاف أو ضعفه .

ولكني لم أفهم بم يمكننا تفسير تخلي الكثير من النساء عن غطاء الشعر إما جزئياً أو كاملاً ،  ووضع مساحيق التجميل والعطور التي كانت تصلني لأنفي مخترقة نقابي .

لم أفهم لم تجاوز الأمر حد الاختلاط المحترم ليصل إلى الضحك الرقيع وهذا التميلح والتلامس أحياناً .

كنت أنظر إلى إحداهن وقد بدا من وجهها أكثر مما خفي ، لأنها كانت ( منقبة )!

الحق أن فمها فقط هو الذي كان مغطى !!

كانت تضحك مع مجموعة من الرجال بصوت عال وتصورت معهم ، وأنا أحدث نفسي : لعله أخوها ، لعله قريبها ..

حتى رأيتها تتصور مع أحدهم وهي تربت على ظهره وكتفه !!!

لم أفهم السبب في أن الموسيقى والرقص غدا أمراً عادياً دالاً على الرقي والتحضر ، حيث أن  ايقاعات الموسيقى الغربية التي رقص عليها  بعض مقدمي العروض كانت تصلني من المسرح المجاور .

لم أفهم لم تغيرت المفاهيم بهذا الشكل السريع والمزعج ..

لم تعد المسألة خلافات فقهية ، إذ ليس كل خلاف له حظ من الاعتبار .

نحن نتكلم الآن في مسائل  دلت النصوص الشرعية الواضحة على تحريمها  ، فما بال الناس ؟

ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ؟

هذه المشاهدات كانت كفيلة بإفساد استمتاعي بذلك اليوم .

لم أبع نسخاً كثيرة كما كنت أرجو ، ولكن أعتقد أن اللقاءات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي أجريت معي ، كانت كافية للتعريف بكتابي في الأوساط المختلفة .. أضف إلى ذلك مقابلتي للعديد من المرضى والمتعافين واستماعي إلى شيء من تجاربهم جعلني أسترجع ذكرياتي الشخصية مع المرض ليلهج لساني بحمد الله على منّه عليّ وعليهم بالعافية .

يوم الخميس في التاسعة صباحا كانت مغامرتي المضحكة المحزنة وللمرة الثانية مع مطار الملك خالد  .

المطار الذي من “المفترض ” أن يكون مطار عاصمة البلد الذي ” يفترض ” أن يكون أغنى بلد في العالم !

جملة ركيكة هي الجملة السابقة أليس كذلك ؟

نعم .. ولكن صدقوني الوضع الركيك لا يمكنك أن تعبر عنه بجملة مستقيمة أبداً .

إذ حتى لو استقامت لفظاً ، فإنها لن تستقيم معنى .

ركبت الباص محوقلة ومسترجعة ، ومتذكرة من جديد خراطيم مطارات أوروبا وأمريكا قبل أكثر من 27 سنة ، وانتظرنا في الباص ما يقارب العشر دقائق ليمتلئ ، فانتهزت الفرصة لكتابة بعض التغريدات .

أغلق الباب وتحرك الباص ، وبعد 30 ثانية بالضبط توقف ..

رفعت رأسي لأرى أننا نقف أمام سلم الطائرة ..

نعم .. الطائرة تبعد عن باب المطار أقل من خمسين متراً .

يبدو أن الخطوط تحب أن تريح ركابها لأقصى درجة ..

أخذنا أماكننا ، ولا تزال الصور من حفل البارحة تتوارد على ذهني .. الجميلة منها والسيئة .

وبعد تأخير استمر أكثر من ثلث ساعة نظراً لازدحام المدرج بالطائرات المقلعة والهابطة ( هل يملكون مدرجاً واحداً فقط ؟ ) طارت الطائرة أخيراً ..

بعد ساعة لاحت لي الحرة التي تحيط بالمدينة ، فنبض خافقي بحب المدينة .

المدينة التي دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حبا ” .

تمتت شفتاي ودمعت عيناي :  اللهم اكتب لي فيها معيشة ووفاة ..

هذه مدينتي ، فمن له بمدينة مثل مدينتي ؟

Read Full Post »

 للمرة الثالثة على التوالي الخطوط السعودية التي تتشرف بخدمتنا تصكني بمقلب سخيف مستظرفة على عملائها .

اليوم رحلتي إلى المدينة بعد أسبوع قضيته في جدة بسبب موعدي مع طبيب الأورام .

استخرجت بطاقة صعود الطائرة من الرابعة والنصف عصراً ، وفي الثامنة كنت أجلس مع سهل وشمس في صالة الانتظار بانتظار إقلاع رحلتي في التاسعة  .

أخرجت مذكرة التفسير وبدأت أذاكر قليلاً ، في حين كانت شمسي تتجول حولنا بفضول القطط الصغيرة ، تتأمل عن كثب بعض الأشخاص الجالسين بالقرب .. تقف أمام مقهى كوستا كافيه وتتطلع بنهم إلى chocolate chip cookies ، تقترب  من سيدة وطفلها الصغير لتنظر ماذا يفعلان ، وسهل إلى جواري يقرأ في كتاب ما .

مرت الدقائق والنداءات تتوالى رحلة رقم ( …) والمتجهة إلى الرياض ، وأخرى إلى تبوك ، وجازان ، وسنغافورة ،والنداء الثاني ، والنداء الأخير ، ولم أسمع النداء إلى رحلة المدينة .

قمت لأخذ شمس إلى دورة المياه ومررت بشاشة عرض الرحلات فوجدت النداء الثاني على رحلة المدينة مكتوباً وتعجبت : لم يناد النداء الأول بعد ، ما هذا التخريف ؟

عدت إلى مقعدي وأكملت انتظاري ولا زالت النداءات الأولى والثانية والأخيرة لكل الرحلات .. كل الرحلات ما عدا المدينة ، وبدأت أتميز غيظاً : لم يكلفوا على أنفسهم عناء الاعتذار عن تأخير الرحلة كل ذلك هرباً من توزيع العصير والكعك ،وفي ذهني لا زالت صور التأخير الأخير والذي ذكرته في تدوينة ” تأملات في المطار “.

قام سهل ليسألهم فأجابه أحدهم : تأجلت ..

وأرسلت شمسي لتسأل آخر فأجابها : شوفي بوابة 4 !

من حظي أن شمس نامت في الظهيرة ساعتين ، فهي الآن ( مصحصحة ) جداً ، وانبرت ( تزن ) علي : يللا ، متى نروح الطيارة ، متى حنسافر ، ليش جالسين ؟

بدات أتململ وأتوجس فأرسلت سهلا ليسأل عن الرحلة ، فجاءني ( مستصيباً ) أن : طارت الطيارة !!

ماذا ؟ لا بد أنك تمزح .. طارت ونحن هنا بانتظارها من الثامنة ؟

قال الرجل أن 220 راكباً سمع النداء وركب الطيارة فكيف لم نسمعها ؟

هيا هيا ..

لم يسمع سهل النداء … وأنا ؟؟!!

كلانا أصم ؟ سمعنا كل الندءات لكل الرحلات ولم نسمع من يذكر اسم المدينة بكلمة ؟ أم أنهم نادوا على الرحلة بجانب البوابة ،ومن كان بعيداً مثلنا فحظاً أوفر يا سادة !

أكاد لا أصدق حقيقة ..

ثلاث تدوينات متقاربة أتغنى فيها بمآثر الخطوط السعودية. ماهذه الدعاية ؟

بدأ دمي يفور كعادتي الجديدة جداً  ..

لا أحب الاستهبال .. كن معي وقحاً فأستعين بالله عليك ، ولكن لا تستهبل ..

الموقف السابق حينما احتلت مقاعدنا بالاستهبال ، والآن يقولون لنا : فينكم ؟ نادينا والناس سمعوا والطيارة طارت ..

استهبال ، ويقين أني لن أجد مقاعد أخرى لامؤكدة ولا انتظار ، والاختبار ينتظرني ضاحكاً باستهزاء يوم السبت ..

الغليان بدأ يتجه للقمة شيئاً فشيئاً ..

ولكن فجأة ..

 الله تعالى ألهمني : أليست مقولتك المأثورة : أقدار الله خير ؟لم تغضبين ؟

 وسبحان الله كأن ما كان في نفسي نار أطفأها صيب من الله ، فاسترجعت واستغفرت ، وشهدت تناقص ميزان الحرارة القلبي  العجيب ، وقلت : لعله خير .. يمكن الطيارة كانت حتطيح !!

أستغفر الله .. قتلت 220 راكباً لأجد لنفسي عزاء لفوات الرحلة علي ..

وياله من موقف ساخر : تفوتني الطائرة وأنا أشرب القهوة في صالة الانتظار !

ذهب سهل ليبحث عن حجز آخر ، وذهبت مع شمسي إلى المصلى لأصلي العشاء ولعلي أحظى بتمديدة مريحة وغفوة لذيذة .

كان المصلى فارغاً ،. خلعت نقابي وقفازي ، وطرحتي ، وانطرحت على الأرض ومددت رجلاي وبدأت أهرش رأسي كمن أصابه جرب ..

في جو جدة الرطب وفي المباني التي يتخيل مديروها أننا نسكن في أوروبا فلا يشغلون المكيفات بطاقتها القصوى ، ومع التغيرات الجديدة التي بدأت أشهدها مع العلاج الهرموني يضحى غطاء الرأس إذا طال زمنه متعباً بحق .( أرجو أن لا أسمع من يقول : بسيطة ، اخلعي حجاب الرأس )

في البداية فرحت شمس بالمصلى الواسع الفارغ ، ففرشت بعض السجادات ، وفردت بعض الكراسي المطوية ، ثم أنها بدأت تشعر بالملل فصارت تخرج بين الحين والآخر لتتفرج على الناس الذين يمشون في الخارج .. وأنا أخاف أن يسرقها أحد فأقوم لأبحث عنها وأستعيدها .

بدأ التعب ينال مني ، فأنا مستيقظة منذ الثامنة للذهاب إلى موعدي مع طبيبي ، وشمس أرهقتني بأسئلتها وتململها ، وعندي دوار منذ ثلاثة أسابيع لحظت أنه يزيد كلما تعبت وأُرهقت .

صليت العشاء ثم  تمددت وتوسدت حقيبة كمبيوتري ، وبدأ جفناي يرتخيان ، وأنا أحمد الله أني لست من دعاة المساواة ، وإلا لوجدتني الآن ( متشحططة ) بين الرجال أبحث لنفسي وعائلتي على مقعد  ، إذ لا بد أن تدفع المطالِبة بالمساوة الثمن كاملاً  ، لا أن تكون مجحفة وانتقائية ..

عن نفسي : يكفيني ما تفعله بي شمس الآن !

ماهذا المنظر ؟ من بين رموشي المتشابكة ( بسبب النوم لا لأنهما كثيفان مثلاً ) رأيت هذا المنظر.. منظري وأنا متمددة يشبه تماماً الناس الممددين الذين كنت أراهم في الحرم وفي مصليات المطارات والذين كنت أنظر إليهم وفي أقصى ذهني يهتف صوت ضعيف خافت باستنكار ( إيش هذا المنظر غير الحضاري ) !!

يا الله على ابن آدم .. كم من  المرات يسخر من أحد أو ينتقده أو يحتقره  ، ثم هو يقع في ذات الشيء الذي سخر منه.

ولا نتعلم !

أذكر أننا نزلنا إلى جدة بالسيارة قبل 6 أسابيع تقريبا ، وفي الطريق مررنا بإحدى السواهر .كان سهل يحفظ مكانها فهدّأ السرعة وأعطى إشارة لمن حولة منبهاً لوجود هذا الساهر ،وضحكت في سري : هذا من باب ” وتعاونوا على البر و التقوى ” مثلا ؟

لكن سيارة مسرعة لم ينتبه سائقها إلى إشارة سهل تخطانا وهو يجري بسرعة 150كم /ساعة ، وهنا لمع الفلاش العتيد .. فضحكت ساخرة ومتشفية . وما هي إلا يومين وتصلني رسالة بأن سيارة سهل قد ( كفشها ) ساهر !

لا أحد يتتريق على أحد !

ألم تلحظ كم من المرات سخرتَ من غثاثة عيال أحدهم ، ثم يبتليك الله بطفل غثيث !

فإن لم يكن لديك أطفال ، فصدقني ستجده في أحفادك .

ألم تنتبه كم من المرات ( حشّيت ) في طبع رديء لشخص ما ، فلما كبرت وجدت نفسك متحلياً بهذا الطبع ( كما الشطار ) !

تعلّم ألا تسخر من أحد ،ولا تستهزئ حتى بقلبك ، فالله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . وسيعاملك بالمثل ، لا عقاباً ، ولكن تأديباً ، ولئلا ترى لنفسك فضلاً على غيرك من الخلق ، خاصة فيما لا يكون فيه مجال للتفاضل .

قامت شمس وأغلقت أنوار المصلى لأنام على حد زعمها ولكن أنى لي بالنوم وعين نائمة والأخرى ترقب شمساً لئلا تخرج ويسرقها أحد !

مر الوقت ليتصل علي سهل بأنه لم يجد مقاعد فارغة في رحلة الواحد والنصف فجراً .

وهكذا رجعنا إلى بيت أمي بسيارة تاكسي لابد أن دخان السجائر قد التهم نصف رئة سائقها لأنه كاد أن يلتهم ربع رئتي .

وشمسي  بدأ النوم يزحف إلى عقلها وأخلاقها ( ألم تسمع بأخلاق النعسان من قبل ؟ ) ولا تزال تسأل : لماذا لم نسافر ، أين الطيارة ، متى سنذهب إلى المدينة ، أين حقيبة الملابس ؟

ويرجع  حنقي ثانية على الخطوط السعودية التي كانت في يوم من  الأيام درة فاخرة من درر خطوط الطيران . إهمال رهيب ، وتجاهل تام لمشاعر من يدفع الكثير لأنه لا يجد غيرها ( ألا يذكركم هذا بشركة الاتصالات ؟ ) ، واستخفاف بالمنتظرين .

أتعلمون كم دفعت في هذه الزيارة للمطار غير تذاكر السفر ؟

دفعت 320 ريالا بين زيارتين للمقهى جهنمي الأسعار ، و( غرامة ) عدم السفر والتاكسي الذي أوصلنا لبيت أمي .. وفي حلقي تلك المرارة : خطأ من هذا الي تحملته ؟

أهو خطئي لأني وثقت بهم وجلست بعيداً عن البوابة  المقصودة أتناول قهوتي وأنا أحسبهم أهلاً للثقة وهم قد خدموا في هذا المجال عقوداً ؟

في التويتر أرسلت تغريدة : للمرة الثالثة على التوالي الخطوط السعودية  تصكنا بمفاجآتها ..هين يالسعودية .. موعدنا في التدوينة الجديدة إن شاء الله .

لم أكن حقيقة ارغب في أن أذكر الخطوط السعودية بسوء ، فأنا تصيبني أحياناً (لوثة ) الوطنية ، لكن ما حصل اليوم كان ملوثاً طغى على لوثتي .

قبل قليل أرسلت لي أروى على الواتس أب : عن سبب بقائي مستيقظة حتى الساعة الثالثة صباحا، فقلت : أكتب التدوينة الجديدة !!

فضلاً : ريتويت !!

Read Full Post »

 هذه الجملة باتت تتردد كثيراً في ذهني في الآونة الأخيرة ..

لمن لا يعرف ، فهذه جملة غابرة اختتمت بها ممثلة شهيرة فيلمها الذي شاهدته قبل 27 سنة تقريبا، ولن أذكر من الممثلة ولا اسم الفيلم لئلا أكون شيطانة !!

ولكن الجملة منذ ذلك الزمان تعجبني .

ما السبب يا هناء الذي جعل هذه الجملة تتردد في ذهنك ؟

أمور كثيرة ، لعل أبرزها حادثتين مررت بهما أثارتا في نفسي تساؤلات ..

على الأقل ، هما حادثتان أذكرهما ..

 لعل هناك غيرها في تلافيف الذاكرة ، ولكنها في التلافيف ولا أريدأن أنقب عليها حالياً .

أنا أحكي لكم ، وأنتم تحكمون ، لعلي أكون مخطئة في تفكيري أو تصرفي فتقوموني .

الحادثة الأولى : وقعت قبل شهر ونصف تقريباً ..

أحسست أني انضغطت قليلاً في الدراسة طوال الأيام الماضية وكعادتي حينما تحاصرني الضغوط أحب أن أسري عن نفسي بطعام لذيذ ، فقمت بدعوة سهل وفاطم إلى مطعم ما لتناول طعام الغداء في حين جلس الباقون في البيت مفضلين تناول الكنتاكي واللعب في الإكس بوكس عن مرافقتي ، فوافق ذلك في نفسي راحة لرغبتي في الجلوس بهدوء بدون : ( بس يا بنت ، وطي صوتك يا ولد ) المعهودة .

في الطريق اقترحت فاطم مطعماً ما ، ولم أكن جربته من قبل وألحت علي به فوافقت على مضض.. لم يعجبني كثيراً في الحقيقة ..

 كان أحد المطاعم التي تعد من فئة المطاعم الفاخرة في مجمع الراشد ..

 لم تعجبني جلساته غير الساترة ، ولا البنات اللاتي كن يدخنّ في قسم غير المدخنين . ولكني جلست وطلب سهل من النادل أن يكلم هؤلاء الفتيات ليكففن عن التدخين ..

طلبنا الطعام ( اللذيذ بصراحة ) ولكن حدثت ( لخبطة ) فجاء فاطمة طبق مختلف ..

طلب سهل من النادل تغيير الطبق والمجيء بالطبق المطلوب ، فكأنه وافق على مضض ..

طبعا الشيطان ظل يوسوس لي : أكيد يوافق على مضض ، ألست تلبسين العباءة على الرأس والقفازات ، بل وابنتك كذلك ، وابنك لا يتحدث الانجليزية ؟ فأنتم إذا مجموعة من .. لن أقول من رقيقي الحال لأن رقيقي الحال لا يأتون إلى هذا المطعم ، ولكن مجموعة من الناس ال .. ال ..

ال ( لو كلاس ) إن جاز لي القول.. النادل يريد أن تقبلي بالطبق الذي أتى به ، انظري إليه كيف مضى متبرماً ..

كان هذا النفخ في الرأس ، مع عدم رضاي بالوضع العام للجلسات في المطعم ، إضافة إلى اغتياظي من أولئك الفتيات اللواتي كن يدخن وفي مكان خاص بغير المدخنين ويضحكن بصوت مرتفع وبتغنج وكأنهم في حجرات نومهن لا في مكان عام ، وزادتني فاطم بتسخطها من تأخر الطعام ، ومن البنات ، وقومي يا أمي واطلبي منهن التوقف عن التدخين ..

كل ذلك جعلني أجلس على حافة  البركان ..

 أنهيت طعامي ولم يأت طعام فاطم بعد ، وبل ولم يصل طبق سلطة السيزر الذي طلبته إلا بعد أن انتهيت بعشر دقائق .

وبكل برود وجه جاء النادل بطبق فاطم وبالسلطة ..

عندها انفجرت بالكلام كالمدفع الرشاش .. وتطايرت الكلمات من فمي .

فوجئ النادل بهذه المتلففة بالعباءة وهي ترغي وتزبد بالانجليزية ولا تدع له فرصة إلا ليقول : سوري مدام .. هذي غلطة من الطاهي .. سوري مادام .. بيغ سوري مدام .. سوبر سوري مدام .. آسف مدام ( لعلني ألين إذا تكلم بالعربية ) ..

حاولت كبح جماح نفسي ،  ولكن لم أستطع إلا بعد أن افرغت كل ما في نفسي من غضب ..

هل سأدفع الآن ثمن طبق فاطم التي شبعت من كثرة الجوع وثمن السلطة لنأكلهما مساء بعد أن يذبل الخس و( يبوش ) الخبز في السلطة ؟

ألحت علي فاطم أن أرفض دفع سعر الطبقين .. ولكني صراحة رثيت لحال الطاهي الذي ( لخبط ) الطلب ، والنادل الذي نسي طبق السلطة ، وقلت لابد أنهما مسلمين فلا داعي لمعاقبتهما بعدم الدفع لأنهما في الغالب من سيدفع ثمن هذا الخطأ ، ويعلم الله كم تبلغ مرتباتهما .

ولكني حلفت ألا أطأ هذا المطعم مرة ثانية وأن أحذر منه كل من يسألني ، بل وأرسلت بريداً الكترونياً للشركة الأم أخبرها عن هذا الخطأ ..

وللأسف ، كما كانت حماتي رحمها الله تقول : لو ردت الشركة عليكم كانت ردت عليّ !

السؤال الآن .. هل أخطأت ، وأين كان خطئي بالضبط ؟

هل خطئي في أني تكلمت وأحرجت الرجل ، أم لأني لم أرفض دفع ثمن الطبقين ، أم لأني لم أفتعل مشكلة أكبر ..

الحادثة الثانية  وقعت أثناء عودتي من جدة قبل 4 أيام .

كنت قد طبعت بطاقة الصعود إلى الطائرة في الليلة التي تسبق سفري ( لنكون في السليم ) .

مضينا إلى المطار ودخلنا في  الوقت الصحيح ، ووقفنا كلنا هذه المرة في الحافلة ، ولعل إدارة مطار جدة رأت ألا تضع مقاعد في الحافلات لئلا يجلس النساء دون الرجال مادمن أنهن يردن المساواة ( لو لم تعلم عماذا أتحدث فلعلك لم تقرأ التدوينة السابقة ، فراجعها فضلا ) .

دخلنا الطيارة الواسعة والباردة على غير العادة واتجهنا إلى مقاعدنا لنفاجأ بأنها محتلة من قبل أشخاص ..

أمعنت النظر في بطاقة صعود الطائرة لأتأكد ، ولكن فعلاً ، كان مقعدينا محتلين من قبل بعض الأشخاص الذين ظلوا ينظرون إلينا في برود وكأن الأمر لا يعنيهم .

ظللنا واقفين في منتصف الطائرة لا نعرف كيف نتصرف حتى جاءت المضيفة لترى ما الخبر فرأت المشكلة ، فحادثت أحد الرجال الجالسين فقال لها : نريد أن نبقى متجاورين ..

عندها نظرت للمرة الثانية لبطاقتي ثم إلى رقم المقعد لأتأكد أني لم أخطئ السمع .. ولا الفهم ..

هذه المجموعة تريد أن تجلس متجاورة فتحتل مقعدي ؟

ماهؤلاء الناس ؟

أخذت المضيفة أرقام مقاعدهم الأصلية واختفت لتكلم شخصاً ما وتركتني وعبد الله في نفس الحال واقفين دون أن ترشدنا إلى ما يجب علينا فعله .

والله العظيم أني سمعت أحد هؤلاء الأشخاص يخبر جليسه أن أرقام مقاعدهم متفرقة ، وأنه أخطأ حينما رضي بها ولم يدقق كثيراً في كونهم متجاورين أو لا  .

هل تتخيلون أنه قال هذا الكلام وأنا أقف بجواره أستمع إليه ؟

غلى الدم في رأسي ، وكدت أوجه إليه كلاماً قاسياً ولكن منعني كبر سنه من فعل ذلك..

ما بالي .. صرت حادة الطبع ..

لم أكن بهذه الطباع قبل المرض ..

أهو المرض والعلاجات ؟

أهو السن ؟

ما الذي يجري في شخصيتي ؟

أهو الإحساس بالظلم والاستغفال ؟

بقيت واقفة وعبد الله حتى أتت مضيفة أخرى وجهتنا للرجوع إلى مؤخرة الطائرة ريثما يتم البت بأمرنا ..

وفي المؤخرة وجدت امرأة واجهت نفس حالنا .. وجدت رجلاً يجلس في مقعدها فأخروها وتركوها واقفة تحمل ابنتها الصغيرة في حين كان الرجل ينعم بقراءة كتابه على مقعدها !!

كان ميزان القهر في رأسي يزداد حرارة ، والدم يزداد غلياناً ..

وبدأت الكلمات تتناثر من فمي بالعربية والانجليزية ، وصوتي يرتفع متبرماً متسخطاً  ، وعقلي يعمل بسرعة : هل أكلم قائد الطائرة ؟ هل أفتعل مشكلة ؟  هل آخذ أسماءهم وأكتب فيهم تقريراً وأنشره في الاقتصادية ؟

ولكني للأسف لم أفعل شيئاً .. فقط اكتفيت ( بالبربرة ) حتى جاء المضيف المسؤول فلما شكوت له قال أنهم ربما كانوا يجلسون معاً في صالة الانتظار !!!! فهم مقدّمون على غيرهم !!!!!!!!!

ماهذا الكلام ؟

قلت له : لكني أصدرت بطاقة الصعود منذ البارحة ..

فرسم على وجهه تعبيراً بمعنى : والله ما أدري !!

وغاب قليلاً ثم عاد بعد أن طلب من أحد المسافرين تغيير مقعده لأتمكن من الجلوس وبجواري عبد الله .

جلست وقلبي يدق بعنف ، والغضب بلغ مني أقصاه ..

هل صار المتمسك بالنظام خاسراً  أمام من يتعامل بمنطق ( خذوهم بالصوت ) ؟

هل كان خطئي أني احترمت شيبة الرجل وسكت ؟

هل كان ينبغي علي أن أرفض وأقف وأصر على مقعدي بعناد كالبغل ثم إذا أرادوا مني أن أقوم فليطلبوا مني ذلك بأدب واحترام ولا يتركوني أرضخ للأمر الواقع ؟

هل المؤدب والمتسمك بالنظام أهبل ؟

لذلك قفزت في ذهني كلمة تلك الممثلة : ما يضيعش حق وراه  مطالب ..

هل علينا أن نسكت عن حقوقنا لنكون ظرفاء وحبوبين وطيبين ومسالمين ؟

هل سنكون فعلاً أشراراً وقليلي أدب لو طالبنا بحقوقنا وتمسكنا بها ؟

أنا في حيرة ..

Read Full Post »

أكتب لكم هذه التدوينة من قاعة الانتظار في مطار المدينة إلى أن يتم النداء على رحلتي المتجهة إلى جدة لزيارة أمي الحبيبة قبل أن تبدأ الاختبارات ، فالطالبة التي في سن جدتي في شغل دائم هذه الأيام .. لم أكتب لكم شيئاً عن مذاكرتي بعد ، ولكني أعدكم بتدوينة قريبة عن هذا الأمر إن شاء الله ..

حضرنا في الوقت المناسب ، وكنت قد طبعت بطاقة الصعود إلى الطائرة منذ البارحة لئلا نتأخر .

عبد الله فرح للغاية ، بل يصدق عليه التعبير : يكاد يتشقق من الفرح .. يحب السفر بالطائرة جداً ، وكلما سافرنا إلى جدة بالسيارة يظل يندب حظه أن لم نسافر بالطائرة . اليوم حققت له أمنيته واتخذته محرماً لي .

حتى الآن فالخطوط السعودية التي تفخر بخدمتنا كانت دقيقة في موعدها ، وفي السابعة وخمس دقائق تم النداء على الرحلة ..

تعمدت التأخير حتى ينادى للرحلة النداء الثاني ، إذ أن كافة الركاب يتدافعون بعد النداء الأول للصعود إلى الطائرة وتمتلئ الحافلات ذات المقاعد القليلة . فاتقت مع عبد الله ألا نتجه إلى بوابة  الخروج إلا بعد أن يتم النداء الثاني أو الأخير للرحلة .

فعلاً ، تدافع كافة الركاب إلى البوابة بعد النداء الأول ، وبقي نزر قليل للنداء الثاني ، فتوجهنا للصعود ..

ركبت الحافلة وبفضل الله وجدت في المؤخرة ثلاثة أماكن فارغة جلست في أحدها وبجواري عبد الله . نظرت حولي ، وفي المقاعد الأخرى وجدت بعض النساء مع رجالهن من جنسيات غير عربية ، وبعض الرجال السعوديين .

بعد قليل دخلت امرأة وزوجها فهب رجلان من مقعديهما لتجلس المرأة ، فجلست ، وبعد قليل جلس بجوارها زوجها .

ثم دخلت امرأتان تسافران بمفرديهما ، ولبثا برهة ينظران حولهما ، هل من مقعد فراغ ؟ فاصطدمت أعينهما بمقاعد مليئة بالنساء وبعض الرجال الذين ظلوا ينظرون إليهما ببرود وبلا اكتراث ، فوكزت عبد الله بمرفقي وقلت له : قم لتجلس المرأتين ..

اعترض قليلا لكني قلت له بحزم : قم الآن بسرعة . فقام متبرماً وأشرت للمرأتين لتجلسا بجواري .

وهناألحت في ذهني فكرة المساواة .. سبحان الله ، النساء في بلدي لا تعجبهن فكرة خصوصية المرأة ، ويعتبرنها تخلفاً ، ويطالبن بالمساواة التامة بين الجنسين ! كل هذا ليتمكنّ من الخروج إلى المحافل والاختلاط بالرجال ، وقيادة السيارة !!

هناء !! انتبهي .. أنت الآن تتحدثين كما يتحدث المشايخ : اختلاط ، ومساواة وقيادة السيارة .. انتبهي ، فطريقة كلامك لن تعجب الكثيرين ، وقد يتوقفون عن قراءة مدونتك بعدما تتضح لهم ( توجهاتك الفكرية ) .

ولكن دعوني أخبركم شيئاً ..

بغض النظر عن  توجهاتي الفكرية  التي لن أناقشها الآن ، ولا فيما بعد ، فقد فكرت أننا قد نكون البلد الوحيد التي تقدم النساء في الأماكن العامة على الرجال .

كان في رحلتي جماعة ممن لا تخطئ الأذن لهجتهم البريطانية ، ولا العين لباسهم الهندي ، وربما بعض الأتراك أو الأجناس غير العربية الأخرى ، ومع ذلك لم يقم أحد من رجالهم للنسوة الواقفات ، في حين قام أولئك السعوديين ، ولامرأة غير عربية ، ثم هي من فئة ( الخالات ) إياهن ( حتى لا نتهم أحداً أنه فعل ذلك محابة لعيونها الجميلة التي تختبئ خلف نظارة  الشمس !!)

في إحدى تغريدات  التويتر كتب ابني مرة أننا البلد الوحيد في العالم الذي يمكن للمرأة أن تتخطى طابور الرجال في البيك لتأخذ طلبها ، ويمرر رجال المرور السيارة  عند نقاط التفتيش إذا كان فيها امرأة .. وأضيف ويقوم لها الرجال في حافلات المطار ، وتفتح لها الأبواب المغلقة في الدوائر الحكومية ..

لم أحك لكم ماذا جرى معي عندما أخذت الفسح الإعلامي لكتابي ؟

طيب ، سأحكي لكم طالما أني أنتظر ..

 لماذا أنتظر ؟ لأننا بعدما اتخذنا مقاعدنا وربطنا الأحزمة ، ووزعت الصحف ، أخبرونا أن ثمة عطل في الطائرة قد يؤخر الرحلة لساعة تقريباً ، ونزلنا مرة أخرى ..

ويا فرحة بدقة مواعيد الخطوط السعودية ما تمت ..

المهم أني اتجهت بعد ذلك إلى قاعة الانتظار ( وأسميها قاعة لتفخيمها وإلا فهي حجرة واسعة ذات أرضيةمن الباركيه ، تطقطق فيها الكعوب بشكل مزعج ، فتضطر للمشي فعلاً على أطراف الحذاء الأمامي ) .

اتجهت إلى قاعة الانتظار لأجلس بحريتي ، أكشف وجهي وأخلع قفازي وحذائي إن شئت وأتسلى بكتابة هذه التدوينة إلى أن يحين وقت الإقلاع مجدداً .

اعذروني على تشتت المواضيع ، ولكن عندي عادة سيئة ( هل انتبهتم ما أكثر هذه العادات السيئة التي أحظى بها  ) أني أكتب كما أتحدث ..

فلو كنتم أمامي أكلمكم شفهياً ، لكنت تنقلت بكم عبر المواضيع المختلفة في ذات الوقت . نحن نثرثر عموماً إلى أن يحين وقت إقلاعنا الجديد .

أعود إلى موضوع الفسح الإعلامي .. توجهت إلى مكتب وزارة الإعلام للمطبوعات مع ابني خالد ومعي نسختين من كتابي فطلبوا مني تعبئة استمارة ما في الدور السفلي .. وقفت برهة لم تتجاوز الربع دقيقة أنظر إليه وكأني بي ذهول .. أنزل مرة ثانية ؟ والله تعبت .. ثم هذا الحذاء يطقطق في الأرض السيراميك ويتردد صداه في أرجاء المبنى .. لا أحب ذلك .. ولا أعلم مالذي دعاني إلى ارتداء هذا الحذاء اليوم . فاستدرت لأخرج ،  عندها نادى الرجل خالداً وقال له : طيب تعالوا هنا .

وفتح لنا حجرة جانبية صغيرة جداً بها مكتب ، وأعطانا قلماً ، ثم أغلق علينا الباب بعد أن قال : تفضلوا ، خذوا راحتكم .

عبأت البينات المطلوبة ، ورجعنا إلى مدير قسم المطبوعات الذي تصفح الكتاب سريعاً وقال سأحاول أن أنهيه لكم في يومين لتستلموه قبل أن تسافروا إلى المدينة .

انصرفنا وأنا متعجبة من هذه السرعة في سير الأمور . قلت لخالد ونحن نتجه إلى السيارة : الآن كيف يقولون أن المرأة مهانة ومهمشة في السعودية  ؟ أنظر كيف تيسرت أمورنا بفضل الله تعالى ، هذا وأنا امرأة مسنة ولست شابة من ذوات العباءات المخصرة واللثام الذي يبدي أكثر مما يخفي ، والتغنج والتكسر في الحديث .

رجعنا إلى البيت ، وما أن خلعت العباءة حتى تلقيت اتصالاً من مدير مكتب المطبوعات يخبرني أنه قد تم مراجعة الكتاب وصدر الفسح الإعلامي !!

رباه !! هذا الذي أخبرونا أنه يستغرق أحياناً الشهرين ؟

لم يستغرق معي أكثر من نصف ساعة ..

أين دعاة المساواة من النساء ..

اخرجن للعمل في الكاشيرات وسكك الحديد ، وقدن السيارات ، وابقين واقفات في طوابير الفول والبيك والصراف ، وفي حافلات المطار.. وما رأيكن بإدراك الصلاة جماعة في المسجد ؟ أما عن نفسي ، فطالما أني لم أحتج إلى الوظيفة حاجة فعلية فأنا أفضل أن يقوم ذكور عائلتي بفعل كل الأشياء المتعبة خارج المنزل في حين أظل أنا في جو البيت المكيف ويكفيني من الهموم : ما أصنع على الغداء اليوم ؟

عفوا .. سأضطر للمغادرة ، فقد أُعلن عن طائرتي ..

Read Full Post »

%d مدونون معجبون بهذه: