Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘بنات’

 وأكاد أسمع بعضكم يقول باستهزاء : ومن أنت لتكون لك تجارب شخصية تهديننا عبرها إلى النجاح .

فأقول  : نجحت في أشياء كثيرة من فضل الله علي : نجحت في دراستي ، وفي بحوثي وفي طلبي للعلم ، نجحت في زواجي وفي طلاقي وفي تربيتي لأولادي بفضل الله . ولعل أعظم ما نجحت فيه هو اجتيازي لمرحلة مرضي بالسرطان .. لا أدعي أني شفيت منه تماماً ، فنتيجة ذلك تظهر بعد مضيّ خمس سنوات من الشفاء ، ولكني على الأقل أفلحت بتوفيق الله لي في جعلها ذكريات سعيدة أشتاق إليها أحياناً ، واستطعت أن أتغلب على خجلي وسكوتي فأخرجت للعالم كتاباً أزعم أنه الأول من نوعه في العالم العربي-فيما أعلم- يتحدث بالتفصيل عن فترة المرض .

النجاح يا سادة هو كل شيء تم على وجهه الصحيح مهما صغر أو قلت قيمته . وحين أذكر عنواناً فخماً كعنوان تدوينتي فلا أعني بالضرورة نجاحاً اقتصادياً أو علمياً أو اجتماعياً هائلاً ، وإنما – ببساطة – تحقيق أهدافك التي وضعتها لنفسك على الوجه الذي يرضيك .

سأذكر لك خطوات ثمانية من خلال تجربتي الخاصة ، لعلك تجد فيها قبساً من نور يضيء لك بعضاً من حلكة ظلام، ولكني أحذرك أنك ستطلع على الكثير من الحديث عن النفس في هذه التدوينة ، وهذا مؤكد كوني قد نصصت على أن هذه الخطوات مستوحاة من تجاربي . هذا التحذير ضروري لئلا ينبري لي البعض في التعليقات : لماذا تتحدثين عن نفسك كثيراً ؟ أنت متكبرة !!

1-              اعرف حجمك وقدراتك ثم انطلق .. ويمكن التعبير عن هذه النقطة : احلم ولكن بواقعية .. قد تجد كماً لا بأس به من الناس يثبطك حينما تحدثهم عن طموحاتك وأفكارك ، وهذه نقطة تضعها دائماً في الحسبان: العاجزون عن العمل يكرهون الناجح ومن له أحلام قابلة للتحقيق فينبرون بدافع من العقل الباطن إلى تثبيطه ووضع العراقيل أمامه . دعهم يهرفون بما لا يعرفون ، واحلم ، إذ بدون الأحلام لا يزهر واقع ، ولكن لتكن أحلامك واقعية قابلة للتحقيق حتى لا تتحطم . أمي امرأة فنانة ، تهوى الأعمال الفنية وبارعة في الطبخ ، ومدرستي من أفضل المدارس في جدة في تلك الفترة ولكن لا أمي ولا مدرستي أفلحتا في صنع الفنانة في داخلي . كنت ولا زلت أهوى كل ما يتعلق بالكتب والتعليم والقراءة . كانت علاماتي في حصص الفنية والتدبير المنزلي شبه كاملة ، وقمت بصنع كل الأعمال الفنية بنفسي ولكنها لم تكن أبداً هواياتي فاكنت نهاية علاقتي بها بتخرجي من مدرستي . وكم حاولت أمي معي أن أستمر ، وكم حاولت أن أتشبه بالنساء في هذه الهوايات ولكني أخفقت، كم تمنيت أن أبدع في مجال صناعة الكب كيك وتزيينه وإنتاج مشروع تجاري منه ولكن حماسي لا يلبث أن ينطفئ ، إذ أن جيناتي الأدبية التي ورثتها من أبي رحمه الله كانت طاغية . وحتى الجينات الأدبية كان لها تخصص دقيق وهو المقالة والقصة، لا الشعر ولا المسرحية مثلاً . أعتقد أني عرفت حجمي وحلمت بأن أكون كاتبة لأبهر الناس . صحيح أني مرضت بالسرطان بسبب هذا الحلم ولذلك قصة يعرفها من قرأ كتابي ، ولكني حققت بعضاً من حلمي .

2-  أحسن الظن بالله : وكم من التدوينات يمكنني تسطيرها في هذا الشأن الذي غض الناس أعينهم عنه . عليك أن تبادر بتنفيذ مشروعك بعد أن توفيه حقه من الدراسة ، ثم تلجأ بقلبك إلى الله بالدعاء وإحسان الظن به أن يوفقك ويسددك . لا تعرّض مشروعك للفشل بسبب سوء الظن ، إذ أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي : “أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء “. فإذا رجوته كان لك فوق ما تريد ، وإذا حام بذهنك خاطر الفشل على الرغم من اتخاذك أسباب النجاح التامة فسيكون الله تعالى عند ظنك ، وستفشل . عندما مرضت بالسرطان وبدأت في الاطلاع على المواقع والكتب الأمريكية التي تتكلم عن السرطان خطرت في بالي فكرة تأليف الكتاب لنفع من يبحث عن المعلومة الشافية ممن لا يتقن الانجليزية . انهمكت في الكتابة ، ورغبتي في نفع الناس تنمو يوماً بعد يوم ، وكنت أدعو الله في صلاتي أن يشفيني ويسهل خروج الكتاب ، بل وجعلته سبباً أتشبث به للحياة فكنت أرجو أن أُشفى لأرى بعيني نجاح كتابي ، حتى بدأت في إجراءات النشر . مررت بمواقف عجيبة تجدها في تدوينتيّ : جارٍ تطبيق الهروب وتدوينة حكاية الحكاية .لم يسُأ ظني بالله يوماً ، وكنت متأكدة من الشفاء ، وكنت متأكدة من النجاح . لا لثقتي بأسلوبي وموهبتي وحاجة المجتمع لكتابي ، وإنما لثقتي بالله في استجابة دعائي .

3-              ضع هدفاً كبيراً توصل إليه أهداف أخرى صغيرة : خطأ شائع يقع فيه الكثير من الناس هو تحديد هدف كبير بعيد المنال يطمحون للوصول إليه ويجعلونه وحده بغيتهم .. ولا يزالون حتى الآن لم يصلوا . أخبرتني إحدى الطبيبات أن عليّ أن أفقد 20كيلو من وزني لأتمكن من إجراء عملية شد عضلات البطن . تعرفون أن إنجاب سبعاً من الولد تكون بعض عواقبه وخيمة . ثم أعطتني القاعدة الذهبية : كثير من الناس يضعون في أذهانهم أن عليهم أن يفقدوا 20 كيلو ويعملون لذلك جاهدين ، ولكنهم لا يضعون (نقاط تفتيش ) أو أهدافاً صغيرة  لذلك الهدف . وأرشدتني أن عليّ أن أضع أهدافاً معقولة أبلغها كل فترة وأعيد تقييم هدفي ، مثلاً : أهدف إلى فقدان كيلو واحد في الأسبوع ، أي أربعة كيلوات في الشهر وعلى هذا فإن بإمكاني أن أفقد العشرين كيلو في خمسة أشهر فقط .. إذن عليّ أن أنسى العشرين كيلو مؤقتاً وأركز على هذا الكيلو الأسبوعي وأعمل عليه ، وشيئاً فشيئاً سأبلغ الهدف الأكبر . كان هذا الكلام من سنة ونصف تقريباً ، ولم أفقد منذ ذلك الوقت إلا ثمان كيلوات ، لا لأني لم التزم بهذه النقطة وإنما لأن الأهداف التي وضعتها لم تكن واقعية تماماً .. فقدان كيلو واحد في الأسبوع كان أكبر من طاقتي خاصة وأنا أتناول العلاج الهرموني للسرطان مما يبطئ نزول الوزن .. فلبثت شهوراً تلو الشهور لا يتزحزح مؤشر الميزان عن مكانه إلا بعناد شديد مما يصيبني بالإحباط فأترك العمل لأستعيد ما فقدته من وزن. ولما تنبهت إلى هذه النقطة وعدلت أهدافي بحيث جعلتها ملائمة لوضعي الصحي واحتياجاتي النفسية ( المتمثلة في الرغبة في الاستمتاع بالطعام في الجمعات العائلية وحالات الحزن والقلق ) بدأ وزني بالنزول ولله الحمد .

4-  استخر واستشر : فالاستخارة طلب التوفيق والسداد من الله تعالى علام الغيوب ، والاستشارة استنارة بآراء العقلاء والحكماء ، ومساعدة على النظر على الموضوع بكافة زواياه و التي قد تغيب عنك أحياناً . ولكن احذر أن تستشير أي شخص وإنما تذهب لذوي الاختصاص .. قد يكون الشيخ أو العالم مُجيداً في فتواه ولكنه لا يصلح في الأمور الأدبية ، وقد يكون الطبيب بارعاً ولكنه إداري فاشل وهكذا .. لا تكاد تجد شخصاً (بتاع كله) فهذا عملة نادرة ، لذا فتعنّ قليلاً من أجل نجاح مشروعك واستشر ذوي الخبرة . بل وأدمن على طرق الأبواب، إذ الناس ليسوا فارغين على الدوام وعندهم مشاغل ، وأنت صاحب حاجة ، وعلى صاحب الحاجة أن يسعى لحاجته ، وعلى صاحب الحاجة أن يتحمل ذل السؤال ليبلغ مراده .. ولقد رأيتني وأنا أرسل برواياتي التي كتبتها في سن المراهقة إلى الأستاذ الأديب عبد الله الجفري وكان صديقاً للوالد رحم الله الجميع فيعلق بما لا يوافق هواي غالباً ، ولكني أضع تعليقاته في الحسبان ، وعندما فكرت في تأليف كتابي استشرت والدتي – حفظها الله – وآخرين فأشار عليّ أكثرهم بالمضي قدماً في هذا الشأن ، وحبطني البعض وثبطني . ولما كتبت الكتاب دفعت به إلى بعض المقربين ليقرؤوه وينقدوه من حيث اللغة والتراكيب الأدبية والأفكار ، واستفدت كثيراً من تعليقاتهم ونقدهم ، ونجح بفضل الله . صحيح أني لم أنل جائزة نوبل أو جائزة بوكر الأدبية بعد ، ولكن استفادة الناس من كتابي هو معيار نجاحه في نظري .

5-  تعلم ثم تعلم ثم تعلم : لا ينتهي إبداع المرء في تنفيذ مشروعه ، وإنما عليه أن يتعاهده بزيادة التعلم والاطلاع. التعلم نفسه حسنة عظيمة لا يتقنها الكثير بعزوفهم عن القراءة ( التي هي أساس التعلم ) وكسلهم عن البحث على الرغم من وفرة المصادر وسهولتها . انظر كيف فضّل الله تعالى الكلب المعلَّم على غير المعلم ، فأباح الأكل من صيد الأول وحرّم الثاني ، وكلاهما حيوان نجس . بل إن دراسة عجيبة من الأكاديمية الأمريكية لطب الألم تقترح أن البالغين الحائزين على شهادات البكالريوس فما فوق أقل عرضة للإصابة بالشقيقة وآلام أسفل الظهر والعنق والألم في الوجه الفكين من البالغين الذين لم يتخرجوا من الثانوية.

http://www.painmed.org/patientcenter/facts_on_pain.aspx#hhs

عندما أصبت بالسرطان ، كان في المواقع العربية البُلغة من المعلومات .. القدر الضروري فقط لأعرف ما السرطان  وما علاجاته وما الآثار الجانبية تلك العلاجات . ماذا عن طرق التعامل مع هذه الآثار الجانبية ، وما أتوقع أن أقابله أثناء إجراء الفحوصات ، والمتاعب النفسية والقلق .. ماذا عن بعد العملية ؟ أسئلة كثيرة لم أكن أجد جوابها إلا في المواقع الأمريكية للأسف ، فكنت أحرص على تثقيف نفسي كل يوم وقبل كل إجراء طبي لأكون على بصيرة . ولو كان بك فضول لمعرفة حادثة وقعت لي لم أتعلم قبلها فعليك بقراءة فصل : “يوم مثير” من كتابي .. لا بد من بعض التشويق والتسويق ! هذا التعلم أفادني كثيراً في توقّع ما سيحدث لي عند كل إجراء .. كنت دائماً أقول أن نصف الخوف من التجارب الجديدة سببه الجهل بها ، فإذا تعلم شيئاً عنها زال نصف الخوف .

6-  إذا وافقك الخير فوافقه : تعرض على المرء أحياناً فرص عظيمة لا تكاد تتكرر ، والفطن هو من يقتنص هذه الفرص  ويوظفها لمصلحته . ولقد رأيت الكثيرين تُعرض لهم فرص مذهلة لتعلم مهارة أو لغة أو تطوير ذات فيعرض عنها لأنه لا يرى نفسه محتاجاً إليها .. ومن قال أن على الإنسان أن يتعلم ما يحتاج إليه في ساعته؟ إن هذا لمن العجز .. بل عليه أن يتعلم كل ما يمكنه فليس كل يوم تتاح الفرص ، وقد يأتيه الوقت الذي يندم فيه على أنه لم يستفد من فرصة عُرضت عليه ولكنه ركلها بتأفف . كانت مدرستي دار الحنان رائدة المدارس في جدة قبل ثلاثين سنة وأكثر .. فيها كل مقومات المدرسة الناجحة والمثالية والتي لا تكاد تجدها في هذا الزمن . في مدرستي أقبلت على الرياضة فكنت في فريق الفصل للكرة الطائرة ، ولعبت تنس الريشة وبعض الجمباز ، وانخرطت في جمعية الصحافة وتعلمت الكتابة على الآلة الكاتبة لأكتب مقالات الجمعية وبحث الفصل المشارك في المسابقة الثقافية السنوية الكبرى ، ومواضيع المجلة السنوية التي تصدرها المدرسة ، وكنت عضواً فاعلاً في الإذاعة المدرسية والتي كان يشرف عليها أستاذات سوريات قديرات قوّمن ألسنتنا في حصص القرآن واللغة. لم أكن لأدع مسابقة إلا وأشترك فيها وكان بإمكاني ألا أفعل كل ذلك ، فكثير من البنات فضلن الجلوس في الفسح والتلذذ بشطائرهن، أو الاتكال على الطالبات المتفوقات لرفع أسهم الفصل ، أو ببساطة : الاكتفاء بالبلادة  . بل إن هناك من المتفوقات من لم تشأ أن تنخرط في هذه النشاطات لأنها لا تكسبهن درجات ولا تزيدهن حباً من المعلمات . ولكن  تلك الحكمة التي أخبرتك عنها كانت تلازمني دائماً بفضل الله ، فكلما وجدت فرصة كنت أتلقفها بنشاط مما أثّر على شخصيتي وأكسبني الجرأة واستقامة اللسان العربي وحب الرياضة والقدرة على التعامل مع لوحات المفاتيح،  وكلها أمور استفدت منها في حياتي : في الكتابة الكمبيوترية السريعة – نوعاً ما خاصة وأنا في هذا السن – وإلقاء المحاضرات الدعوية والتأليف بل والقيادة أحياناً .. قيادة المجموعات لا السيارات فتنبه !

7-              أنشئ فرق التشجيع : لابد لكل ناجح مشجعون ، يستثيرون همته إذا فتر ، ويرفعون سقف عطائه إذا نجح , يلجأ إليهم إذا ادلهمت به الخطوب ، ويحتفل معهم إذا حالفه النجاح ، فالسعادة لا تحلو إلا بجمع من الأحبة . حينما مرضت بسرطان الثدي ، تكونت على الفور وبفضل من الله فرق التشجيع .. تكونت وحدها ولم أسع إليها . وجدت صديقاتي في المدينة ، وأولادي ، وبنات إخواني في جدة حيث كنت أتواجد كثيراً لظروف العلاج . كان التناغم بيني وبين بنات إخواني مثيراً ، ومعهن فهمت كيف يتحرك فريق الطيور متناغمين مع قائدهم .. كنت أجدهن أو إحداهن دائماً وقت الحاجة.. يضحكن إذا علقت على صلعتي ويمتدحن شجاعتي وصمودي ، وإذا ما ضعفت في لحظة يأس وبكيت لدقيقتين وجدتهن يبكين معي ، ويسكتن – ياللعجب- إذا ما أفرغت انفعالاتي وكففت عن البكاء . شعرت أني أريد أن أسعدهن كما أسعدنني .. شعرت أني أريد أن أعيش ، من أجلهن ..

8-              إذا سقطت من الحافلة فاركب مجدداً : هذه الجملة كنت أقرؤها دائماً في المواقع الأمريكية التي تعنى بشأن الوزن والرياضة . قد يعتري المرء الضعف أحياناً فيتخاذل ويضعف عن العمل و( يخرب الدنيا ) ، أو قد لا تمشي الرياح بما تشتهي سفنه فينقطع .. لا بأس . أعط نفسك حقها الطبيعي في الفتور ، ولكن لا تتمادَ وانهض سريعاً واستأنف العمل . كنت أحياناً أقسو على نفسي في الحمية والرياضة لرغبتي في فقدان أكبر كمية ممكنة من الوزن ، ولكن نفسي تمل سريعاً فينتهي بي الأمر أن أتهاوى أمام أول دعوة على العشاء أو وسوسة من ابنتي في شراء طعام (جنكي) سريع ، وافقها شعور بالملل أو ضيق أو حزن ، وبعد أن أنتهي من (جريمتي) يعلو صوت الضمير المؤنب: ( إيش سويتي ؟؟) هنا عندي طريقين عليّ أن أختار أحدهما : إما أن أدندن ( خاربة خاربة ) وأمضي في طريقي الجديد ، أو أن أعدّ هذا التخريب بمثابة إجازة عارضة وأتجه لركوب الحافلة مرة أخرى وأستأنف العمل ابتداء من الوجبة التالية .. نعم ، الوجبة التالية ، لا الأسبوع التالي ، بل ولا اليوم التالي .. وبالطبع فإن هذا الاختيار الأخير هو الاختيار الصحيح .

 

هذه ثمان خطوات للنجاح من تجاربي الخاصة ، هي غيض من فيض .. ولكلٍ نظرته ورؤيته .. اكتب لي هنا تجاربك وخطواتك .. لتمتلئ صفحة التعليقات بالأفكار الإيجابية ، وأعدكم أني سأهدي صاحب إحدى هذه التعليقات نسخة موقعة من كتابي إذا وفّر لي صندوق بريد مناسب أرسله إليه ، أما إذا كان خارج السعودية فله نسخة اليكترونية .. من هو ذاك المحظوظ ؟ قد يكون صاحب أفضل تعليق يصلني خلال أسبوع ، وقد يكون صاحب حظ سعيد حالفه في القرعة . لا تبالِ بذلك كثيراً.. اكتب فقط والله يجيب مطر !

 

شكر خاص للدكتور معن القطان @mkattan35 استشاري التخدير وعلاج الأمراض المزمنة .

Read Full Post »

كالعادة .. فقاعة كبيرة تطير في السماء لم تلبث أن انفقعت وتناثرت أشلاؤها على المجتمع السعودي ، تلكم هي فتنة فتيات الأولمبياد .

لا , ليست تدوينة اليوم شرعية ، بمعنى أني لن أحرر فيها حكم خروج فتياتنا إلى الأولمبياد ، إذ أن مشايخنا الأفاضل الأمناء قد كتبوا في ذلك وتكلموا فيه كثيراً ونصحوا جزاهم الله خيرا . ولكني رأيت في تويتر ما لا قبل لي بالسكوت عنه ، فكانت هذه التدوينة نصيحة لبني قومي ، وأعلم أنها لن تعجب الكثيرين ، ولكن هذا رأيي ومن حقي أن تحترم رأيي أو تناقشه بأدب الخلاف  ، وسأجعلها في نقاط .

1-              لاحظت من خلال التغريدات أن غالب الناس طرفي نقيض ؛ فمنهم الرافض لفكرة مشاركة الفتيات رفضاً تاماً – بغض النظر عن سبب هذا الرفض- ومنهم المؤيد والمشجع . فأما الرافض فقد قاده رفضه إلى البذاءة كوصفهن بأنهن عاهرات الأولمبياد أو إلى العنصرية المقيتة بأن لمزوا إحدى الفتيات بأنها لا تمثل الشعب السعودي لأنها غير سعودية ، أو ( طرش بحر ) في محاولات مستميتة لإظهار شناعة الأمر ، وأما المشجع فقد صفق وزمر وطالب بإقامة حفل استقبال يليق بها وأُرسلت مئات التغريدات المؤازرة .

2-              أما المخالف فأقول له :

 أوردها سعد وسعد مشتمل          ما هكذا يا سعد تورد الإبل

          سواء كان سبب الرفض شرعياً أو غير ذلك فإن البذاءة غير مسوغة بأي حال من الأحوال . وهؤلاء الفتيات وإن أخطأن بخروجهن إلا أن هذا سبب لا يبيح التكلم في أعراضهن . إن نبز الآخرين بلا مسوغ شرعي فيه تزكية للنفس وتحقير للمخالف فكيف إذا كان النبز كلام في العرض ووصف بصفة لا تطلق إلا على البغايا ؟

أفهم أن دافعك قد يكون غالباً من الغيرة على محارم الله ، ولكنك باستخدام هذه الكلمة انتهكت حرمة من محارم الله ، ويبدو أنك ( لخبطت ) ، فالحديث النبوي ( البذاذة من الإيمان ) أي التواضع في اللباس وترك التبجح به وليست : البذاءة من الإيمان ، فتنبه يا رعاك الله . أما كون المشاركات أو إحداهن ليست من أصول سعودية ، فهذا الكلام من السخف العقلي والاجتماعي والشرعي ما أعجب معه كيف نعيش في مجتمع يتعلم الدين من السنة الأولى الابتدائية ثم لا يزال يتكلم بمثل هذه الكلمات المخزية والتي تفصح في العادة على مقدار ما في القلوب من سوء التربية والكبر والفوقية التي أهلكت الأمم من قبلنا . كيف تصدر هذه الكلمات ونحن نسمع الأحاديث تلو الأحاديث في ذم العنصرية كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري حين عاير رجلاً بأمه ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ، ولما اختلف مهاجري وأنصاري في إحدى المرات نادى أحدهما : يا للمهاجرين ، ونادى الثاني : يا للأنصار ، غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ) . وعلى الرغم من أن الدعوى لم تكن بالقبائل والجنسيات إلا أن دافع الاستنصار لم يكن على أساس شرعي وهو الإسلام ، وإنما حركته نوازع عنصرية جاهلية وإن كانت المسميات شرعية (الهجرة والنصرة ).

3-              وأما الموافق فله أوجه تدوينتي في المقام الأول ، وأقول له :  إنكاري على مشاركة الفتيات في  الأولمبياد يعود أولاً وأخيراً إلى الأخطاء الشرعية التي ستقع في الوقت الحاضر فضلاً عما ستقوده إليه هذه المشاركة في المستقبل القريب . وقبل أن أسترسل فإن مشكلتي لا تنحصر على الفتيات السعوديات لئلا ينبري إليّ فاضل ويقول : لأنهن سعوديات ولا تمانعين في الجنسيات الأخرى ، فإن مشكلتي لا تكمن في الجنسية وإنما في الحكم الشرعي ، فمادامت المشاركة مسلمة فإن اشتراكها في الاولمبياد بوضعه الحالي غير مقبول . ولئلا ينبري فاضل آخر يهاجم : ومن تكونين أنت لتوافقي أو ترفضي ؟ أقول : أنا إنسان أكتب في مدونتي الخاصة رأيي الخاص . فإذا وافقتني فالحمد لله ، وإن لم توافق فمن حقك أن تخالف كما أن من حقي أن أطالب بأن يكون النقاش بيننا هادئاً وراقياً ومحترماً .

4-               بعض المغردين كان يهاجم بأن إحدى الفتيات شاركت بوجه خال من المساحيق و”بالحجاب” فلماذا تنكرون عليها والإعلام يغص بالمغنيات والممثلات السعوديات ، أو أن العلماء سكتوا عن كذا وكذا وقامت قيامتهم عند مشاركة فتيات الأولمبياد الخ .

 فقط أطالب ببعض الإنصاف وتذكروا معي : هل مر عليكم موقف قط من ” تلكم ” المواقف لم تجدوا فيها عالماً ينافح وينصح ويذكر ، ثم يتلقى السخريات والتهكمات من الذين لا يعجبهم ذلك ؟ شخصياً لا أعلم أن أي جديد أُحدث إلا وتكلم فيه المشائخ بدءاً من ظهور الإعلانات في التلفزيون السعودي ، مروراً بالتساهل في ظهور المرأة في التلفزيون إلى ظهور القنوات الفضائية وكل شيء آخر نسمع فيه لغطاً ولكن الأيام تمر ، ومن بيده القرار يصر على موقفه يشجعه في ذلك الكثير ممن ناسبت القرارات الجديدة هواه فتُنسى القضايا في نفوس العامة ويعتقدون أن العلماء ساكتون وراضون ، وليسوا كذلك .. لماذا قضايا المرأة بالذات ؟ لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بأن ( أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) وأعتقد أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام حاكماً وقاضياً .

5-              أما عن منافحة البعض بأن فتيات الاولمبياد كن يرتدين الحجاب  فهذه مصيبة أخرى . شاهدت مشاركة إحداهن لأطلع على الحجاب الذي فرح به المشجعون . لم تكن صدمتي من المشارِكة فقد لا تكون متحجبة في الأصل ، ولا من بعض المغردين الذين لا يملكون خلفية شرعية قوية ، وإنما الصدمة العظمى كانت من تشجيع بعض المنتسبين للكليات الشرعية ..تساءلت في تعجب : أين العلم الذي تعلمتموه ؟

قالت إحداهن : إن حجاب فلانة ممتاز !! غطت شعرها جيداً حتى لم يبد منه شيء . فلما اطلعت على المقطع وجدت ثغرات في الحجاب .. نعم ارتدت طاقية أخفت كل شعرها ، ولكن هل الحجاب يقتصر على غطاء الشعر ؟ ثم أن (سوالفها) لم تختبئ تحت الطاقية فظهرت واضحة جلية على جانبي وجهها. ماذا عن الرقبة ؟ إذا تغاضينا عن الوجه باعتباره أمراً مختلفاً فيه ، وعن القدمين باعتبار أن الكثيرين لا يولون للقدمين أي اهتمام ، فإن حجاب المشاركِة لا يزال غير مقبول ، دعك عن الانبطاح وما قد تتعرض له من الانكشاف عند الالتحام أو السقوط أو ما يظهر من تحرك ( أعضائها) عند العدو . ورحم الله تلك المرأة السوداء التي كانت تصرع فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها لئلا تتكشف . لم هان أمر الحجاب في نفوس الناس ؟ لم صارت النساء ( المتحجبات ) يتهاونّ في ظهور بعض الشعر من مقدمة الرأس ، وأنصاف أذرعتهن بل وارتداء البنطلونات الضيقة وعليها قميص بالكاد يغطي مؤخراتهن ؟ من أفتى لهن هذه الفتوى .. هل هذا الحجاب أدى الغرض منه ؟ هل يعرفن ما الغرض من الحجاب أصلاً ؟

ثم أرسلت لي إحدى المتابعات تحتج بمشاركة الصحابيات في الحروب ، فأسألها : هل يستويان ؟ وهل كانت الصحابية تخرج بأجزاء من جسمها لتعدو أمام المتفرجين أو (تنبطح) أم انها كانت  تدافع عن حمى الإسلام بخدمة المقاتلين وتطبيبهم ؟ يا جماعة .. ركزوا شوية !

6-              ذكر أحد المغردين أن دخول المرأة في الأولمبياد كان ( اضطرارياً ) لئلا يتم حرمان الرجال من المشاركة في الدورات القادمة من قبل اللجنة الأولمبية الدولية ، وأن ثمة ضغوط من قِبل منظمة حقوق الإنسان الدولية لإجبار السعودية على مشاركة النساء وإلا سيتم إيقاف السعودية على كافة المستويات الرياضية إن لم تستجب . أتساءل : هل هذه ضرورة شرعاً تسري فيها قاعدة : الضرورات تبيح المحظورات ؟ لا أحب نظرية المؤامرة ، ولكن هذه النظرية تكون أحياناً السبب المعقول الوحيد . وإلا لِم لم نر أي تحرك لمنظمة حقوق الإنسان بشكل فعال حيال قضايا العضل ومنع المرأة من ميراثها وحقوق المطلقات وغير ذلك من القضايا التي تغم المرأة فعلاً .

7-              كرد على سؤال أُرسل إلي في تويتر عن رأيي في السماح بالرياضة للنساء في المدارس أقول : نعم ، أنا مع ذلك وبقوة ، وأدعو إلى السماح بذلك في المدارس والنوادي النسائية لحاجتهن الملحة إلى ذلك خاصة وأني تربيت على حصة رياضية في الأسبوع في فناء مدرستي دار الحنان منذ 35 سنة إضافة إلى المباريات التي كانت تقام في الفسحة في كرة الطائرة وكرة السلة ، وبعضاً من تنس الريشة بين الحين والآخر في جو نسائي بحت . المرأة تحتاج للرياضة المنظمة بشدة صحياً ونفسياً ، و لا ، لا تقوم الأعمال المنزلية مقامها إذ أن تلك الأخيرة يمكن استخدامها كوسيلة تعذيب أو عقاب خاصة مع التربية الخاطئة التي تقضي بأن الرجل لا يشارك في داخل البيت إلا في زيادة الطلبات والأعباء ! وأما عن منعها بحجة أن اللاعبات سيرتدين البنطلون أقول : طيب ؟ ما المشكلة ؟ ليرتدين البنطلون الرياضي الواسع وعليه قميصاً طويلاً . أما منع الرياضة بالكلية بسبب اللباس ، فإننا نرى التعري الشنيع والقصير الفاضح المحرم شرعاً بلا خلاف في قصور الأفراح ولم نسمع مطالبة بمنع الأفراح أو إغلاق قصورها .

8-               خلاصة رأيي في الموضوع : نعم , أنا ضد اشتراك النساء في الأولمبياد ولست فخورة بهن ولا يمثلنني ، لأن مقياس الخطأ والصواب عندي هو الشرع وليس ما يقوم في أذهان الناس من الأفكار أو ما يقوله عنا الغرب. هؤلاء الفتيات أخطأن شرعاً بخروجهن في الأولمبياد ، وكذا أخطأ من سمح لهن بالخروج بحجة أن ذلك  سيكون بموجب ( الضوابط الشرعية ) ونرى الآن أن حكاية الضوابط الشرعية أصبحت فضفاضة مهلهلة كثياب الدراويش حتى صار كل من هب ودب يتكلم فيها مع أنها مختصة بأهل العلم الذين أفنوا شبابهم وأعمارهم في تعلم العلم الشرعي .  نحن نسير في سفينة المجتمع ، يخطئ بعضنا فيقومه الآخر لئلا تغرق بنا السفينة ، ولكن يكون ذلك بأسلوب حسن رحيم شفيق ، فكلنا ذوو خطأ . ومن الأخطاء العظيمة التي انتشرت التهاون بأمر الدين وتعظيمه في النفوس حتى إنه ليكاد يقتصر على ( الملتزمين والمطاوعة ) أو ينحصر في الطقوس التعبدية وما عدا ذلك فعنده أن الخلاف لا يسوغ الإنكار فيه .. ومن قال هذا ؟ إن أغلب مسائل الشرع فيها خلافات بعضها لا يستقيم ولا تقوم له حجة فلا يلتفت إليها . لِم هان أمر الدين في النفوس حتى صار لا يُحتكم إليه إذا تضاربت الأفكار والآراء ؟ ألا يستبين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة , فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها , فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة ) .

مرة ثانية ، أذكركم ونفسي بقوله تعالى : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون ) .. لا تدري ، لعل يوم البعض يكون قريباً !

Read Full Post »

 بعدما  لاقت تدوينتي السابقة في أسباب طلاق الفتيات  بعض النجاح بفضل الله تعالى ، كان من اللازم ذكر الأسباب التي يطلق فيها الشباب بعد زواجهم بمدة قصيرة .

لا أدعي أني أتقنت كتابة هذه التدوينة ربما لأني لست (شاباً ) فلن أجيد فهم ولا تخيل المشاعر والدوافع كما حصل في تدوينة الفتيات ، ولكن حسبي أنها محاولة بسيطة وخطوة من مئات الخطوات نحو الإصلاح ، قابلة للتصحيح والنقد والتغيير .

لذا كان لابد من الاستعانة – بعد الله تعالى – بصديق ، بل أصدقاء ، وكالعادة يممت وجهي شطر العصفور الأزرق ( المزعج أحياناً ، المفيد أحياناً أخرى ) تويتر ، وتوجهت بسؤالين نحو الشباب :

الأول : لماذا تقدمون على الزواج ، ما السبب الدافع للزواج ؟

الثاني : برأيك ما سبب طلاق الشاب لزوجته التي تزوجها قريباً ؟

أما عن إجابة السؤال الأول فتلخصت دوافع الشباب على الزواج في الرغبة في : إكمال نصف الدين ، العفاف ، إنشاء أسرة ، ليكون أباً ، الحاجة الفطرية ، والحصول على راتب الزوجة !

في الحقيقة اعترتني الدهشة من هذه الإجابات الجادة ، ولا زلت أجهل هل هذه الإجابات “نموذجية” وتعبّر حقيقة عن الواقع ، أم أنها “مثالية” تعبر عن الرغبة في أن يكون الواقع هكذا .

وسبب دهشتي أني لم أتخيل مدى جدية الشباب في تكوين بيت وأسرة ، وكأن هذه الفكرة مقتصرة في ذهني على الفتيات ولا تسألوني لماذا أرجوكم .

وحين سألت السؤال الثاني توافدت إليّ الكثير والكثير من الإجابات من الشباب والبنات على حد سواء ، ولكن رأي الشباب هو ما كان يهمني حقاً ، فالأمر يخصهم في المقام الأول .

حاولت لملمة أطراف التغريدات التي وردتني ، واستطعت حصرها في بضع نقاط  :

–       عدم  التصور الصحيح لمفهوم الزواج ، مثل ما هو الحال عند كثير من الفتيات . فبعض الشباب يقدمون على الزواج وفي رأسه آمال وأحلام بتكوين “عش” الزوجية وبإنجاب عدد من الأطفال الظرفاء ، وربما يكونون في خيالاته شقراً ذوي غمازات وعيون زرقاء ( طبيعي ، وإلا فكيف يكونون ظرفاء! ) نظيفين على الدوام ومبتسمين و ( عُقّال) مهذبين ، ويتخيل نفسه بعد عناء يوم طويل في العمل يدخل بيتاً مكيفاً ، محملاً بأكياس البقالة التي حوت على أطايب الأسواق ، فيجد امرأته الجميلة النظيفة المرتبة تحمل عنه حمله وتهمس له بصوت كتغريد العنادل : هات عنك يا حبيبي ! وقد يمر بفترة ( ملكة ) مثالية ، غارقاً في الوسامة والأناقة وتبادل الهدايا ومعسول الكلام ، فإذا ما تم الزواج وجاء الأطفال كانت الفاجعة ، فهو لم يصدق أبداً أن يكون وحم الحمل بهذا الإزعاج لزوجته وله على حد سواء ، ولم ينم من قبل في غرفة واحدة مع طفل يعوي طوال الليل بسبب المغص ، ولم يخطر بباله أن المرأة بشر وليست ملاكاً أو مخلوقاً أسطورياً ، وإنما كائن ضعيف ليس  في شدة الرجل وقوة أعصابه ، ويعتريها ما يعتري البشر من التعب والملل والإرهاق ، فينعكس ذلك على أدائها الوظيفي من جميع جوانبه ..

–        البعض لا يفهم من معاني الزوجية والقوامة إلا فرض قوانين صارمة لا تعرف المرونة ، تعتمد على رعاية الفتاة لبيتها بالمعنى الحرفي القديم ، وتخاطبه بذات الاحترام الذي تعاملت به الجدات ، في حين لا يلزم نفسه بالتصرف كما تصرف جده الأول ، فتجد معاني الشهامة والرجولة بل و الفروسية مغيبة  تماماً عن خاطره ، وما في ذهنه من معاني القوامة إلا الأمر والنهي والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه مخالفة القوانين ، فيقع في ذات الشرَك الذي وقع فيه والداه من قبله وكأن المسألة وراثية أو عدوى ..

–       الإغراق في المثالية ، فهو يريدها كما يذكرون في المجالس : جميلة ، بيضاء ، دعجاء العينين ، في صوتها بحة ، وفي وجهها وسامة ،  أديبة تقنع بالقليل ، إذا تكلمت بالكاد أسمعت ، وإذا قهقهت تبسمت ، تضربها فتقول لك (كمان ) ، وتشتمها فتقول لك : (هل من مزيد ) الخ …

وهو مع هذا كله إذا نظر إلى المرآة لم يجد في خلقته ولا في حسن هندامه عشر ما يطلب ، وكأن الهيئة الحسنة مطلب مقصور على الرجال دون النساء . ولا أنسى امرأة كانت تشتكي إليّ من زوجها أنه يطلبها أحياناً إلى الفراش وهو في حال مزرية من الشعث والحاجة إلى الاغتسال والتنظف ، ويعتذر لها بتعبه وإرهاقه الشديد لتأمين لقمة العيش ، وعليها الآن أن تهيأ له نفسها كي يصيب منها ما يريد ويخلد للنوم .

لا بأس ؟ لا ترون في ذلك غضاضة ؟ نعم قد يكون الرجل متعباً أحياناً فلا نكلفه ما لا يطيق ، ولكن ما باله يرى العود في عين امرأته ولا يرى الجذع في عينه ؟

وقد لا يطالب بجمال زائد أو صفات خلقية معينة ، ولكنه يتمثل فيها أمه .. فينشد في طعامها نَفَس والدته ، وفي تعاملها خلق أمه ، وصبرها ، وحلمها وسعة صدرها وعقلها ومرحها وذكاءها ووو ، وينسى أن لكلٍ شخصية وصفات تتعلق بالمراحل العمرية المختلفة .

–        المطالبة بالحقوق دون إعطاء الواجبات . فتجد الكثيرين لا يفتئون يتغنون بصفات الزوجة الصالحة وحقوق الزوج على زوجته ويحشد الأحاديث في فضل الزوج وعظيم حقه ، ويغض الطرف عن واجباته تجاهها المادية والمعنوية والجسدية ، فيطالِب ويرفض أن يطالَب ، ويحاسِب ويأبى أن يحاسَب ، وقد يسايره المجتمع في هواه في الكثير من الأحيان لأنه على هذا قام في كثير من الأنحاء : المجد للرجل ، وللمرأة الفضلة  . وإنّ شركة لا تقوم على أساس العدل والإنصاف واحترام المتعاقدين لبعضهما البعض وإعطاء كل منهما الآخر حقه كاملاً لهي شركة خاسرة ، متهاوية ولو بعد حين . وأشد ما يؤسف له أن كثيراً من هذه الشركات تسقط بعد عقود من الزمان ـ لأن ما بُني على أساس ضعيف فإن مصيره إلى الاضمحلال .

–       ومثل الفتيات بعض من الشباب : لم يتحمل أي مسؤولية منذ صغره ، وكل مبلغه من العلم بالمسؤولية : الإتيان ببعض مستلزمات البقالة ، وحماية اسم أمه وأخته من الانتشار بين الشباب . فإذا تزوج وعلم أن الأمر أكبر من ذلك : المسؤولية العظمى هي كونه راعياً لرعيته .. كانت الصدمة ..

بعض الشباب لم يسمع أن من صفات القادة والرعاة على حد سواء : الرفق والصبر والحزم وتقديم الصالح العام على الصالح الخاص . لم يعرف أن من المسؤولية تقديم الدعم المادي و المعنوي لأفراد أسرته ومساعدتهم بشتى الطرق ، وأنه – في سلم الدرجات – لابد أن يأتي في المرتبة الأخيرة ، وإنما حسِب أن الدنيا تؤخذ غلاباً ، وما دام أنه الأقوى جسداً والأرفع صوتاً والأثبت جناناً – في غالب الأحيان – فليأخذ بسيف السُلطة – أو الحياء-  ما خف وزنه من الحقوق وغلا ثمنه ، وعذره في ذلك : أنه الأقوى ، والقائم على أمور أهله ، و(الرجّال) ولا بأس بترك الكثير من ( الفتات ) ذراً للرماد في الأعين.

–       عدم فهم طبيعة الزوجة ، كامرأة أولاً ( هل أنصح بقراءة كتاب : الرجال من كوكب ما ، والنساء من الكوكب الآخر ؟) ، وكزوجة بالذات ثانياً ، ومن لا يعرف آلام الحيض والولادة وتعب الحمل فلا يحق له التفوه بكلمة واحدة متذمراً من تعبها . وأعجب حين أسمع رجلاً يشتكي من دلع امرأته ، وقلة صبرها ، وسوء إدارتها للمنزل، في حين تجده ينهار إذا ما أصابته الانفلونزا وربما استأذن من العمل وأقحم بالمنزل في حالة استنفار لرعايته ، كما تجده يتصرف ببعض من الخراقة في كثير من الأوقات وهو في ذلك معذور إذ لم يسبق له الزواج من قبل ، ولكن ما باله يفرق بين حاله وحال زوجته .. هي لم تتزوج من قبل أيضاً فلماذا لا تُعذر .

–       التهاون بموضوع الطلاق أحياناً ، فهو لم يتكلف شيئاً ذا بال .. ( والله يخلي البابا ) الذي دفع المهر واستأجر الشقة وفرشها وأبدع ، وأقام حفل الزواج ، أما هو فبطل .. اشترى الشبكة من ماله ! فإذا لم تعجبه في شيء من خُلقها أو خَلقها ، أو سئم منها أو ذهبت الشهوة التي لأجلها أقدم على الارتباط بها ، فما أسهل الطلاق عندئذ ، والمجتمع سيكون في صفه ولا شك ، إذ أن المطلقة هي التي عليها العين وتُنسج ضدها الأساطير ، أما المطلق فمسكين مظلوم ، ولا يعيب الرجل إلا جيبه !

–       ولا ننسى أن للأهل نصيباً . فبعض الأهل يحثون ابنهم على الزواج ( لعله يعقل ويركز ) أو لرؤية أحفادهم قبل أن يدركهم الموت ، أو يجبرونهم على الارتباط من بيئة أو عائلة معينة لظروف اجتماعية محددة ولا يراعى في ذلك النظر إلى مدى تحملهم للمسؤولية ، وبعض الشباب يكونون ( أبناء أمهاتهم ) فيتركون الأم تدير أمور بيتها وبيته ، فتتحكم في تربية أولاده وأثاث بيته ، وعلاقته بزوجته وتطالب وتشدد وترغي وتزبد لو خالف ، وينصاع هو لئلا يكون عاقاً ، أو لعله خائف من تحمل المسؤولية الجديدة فيلقيها على عاتق أمه ، ويغفل أن الفتاة إنما تزوجته هو ولم تتزوج أمه ، فيقع الصدع والنفور وتكون الصدمة .

قد يتساءل أحدكم : ألم تشدي الوطأة على الشباب بعض الشيء  ؟ ألم تقسي عليهم ؟

فأقول : ربما .. ولكني فعلت ذلك لأنه الجانب الأقوى في هذه الشركة . هو من بيده أن ينفق أو يبخل ، من يمسك أو يطلق ، من يكرم أو يهين ..

وفي كثير من الحالات كما هو مستفيض عند الناس يكون الرجل مسكوناً  بقهر الزوجة ، ولعاً بإشباع رغبات غير سوية في ضربها أو إذلالها أو تعذيبها جسدياً ومعنوياً ، ومن هنا نفهم سر توصية النبي صلى الله عليه وسلم : ” اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ” ، فأمر بتقوى الله فيهن وجعلهن بمنزلة الأسير العاني الذي لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة .

لا أدعي أني حصرت جميع الأسباب ، وإنما هي – كما ذكرت – محاولة لوضع اليد على الأسباب ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .

وأرجو أن لا يفهم من تدوينتي أني ألقي باللائمة كاملة على الشباب في موضوع الطلاق .. ليس كذلك ألبتة .. فقط أردت أن أبين أن بعض هذه الأسباب تؤدي – متضافرة مع بعض الأسباب من جهة البنات – إلى الطلاق  ، وعلينا جميعاً أن ندرس هذه الظاهرة وننتقدها ، ونبحث عن آثارها في حياتنا  كطريق أولي لتفاديها .

 

 

Read Full Post »

اتصلت بي إحدى الأمهات يوماً وفي صوتها قهر وعجز وحنق .

تقول لي وهي تكاد تصرخ : يا أم خالد ، هل من الطبيعي أن يخاطب الزوج ابنتي إذا غضب منها ويقول لها يا حيوانة تعالي ويا حيوانة هاتي .

لماذا يا أم خالد ؟ لماذا تهدر كرامة البنت .. هل زوجتها وأخرجتها من بيتها حيث كانت عزيزة إلى بيت غريب لتهان فيه؟

عقد الألم لساني فحرت بم أرد عليها .

نعم .. هذه ليست الشكوى الأولى التي تلقيتها .. ولن تكون الأخيرة .

صادف ذلك اليوم أن كتبت إحدى المغردات في تويتر عن صدمتها من فتاة حاورتها فأخبرتها كم هي متشوقة للزواج ، لتصل إلى حقبة ( الفلة ) والإثارة المصاحبة للزواج : الفستان و( الدبش) وشهر العسل ..

ختمت تغريداتها بقولها : سامحوني على الفلسفة بس من جد مقهورة ،. فلوس تنصرف وأهل ينحرق قلبهم على كسرة فرحتهم والبنات أكثر همهم فستان وزفة !

ربطت بين الحادثتين : اتصال صديقتي وهذه التغريدة .

رجعت بذهني إلى الماضي القريب ..

حين قلت للأم قبل زواج ابنتها : البنت صغيرة وأخشى أنها تريد أن تتزوج فقط لتخرج من البيت وتتخلص من ضغوط الأهل .

على الفور طرحت تساؤلاً في تويتر : ما سبب تفاهة تفكير الكثير من البنات في موضوع الزواج وعدم تقديره حقه ؟

انهالت عليّ العديد من الإجابات ، ملخصها أن الفتاة مسكونة بأحد أمور كلها تجتمع تحت مظلة واحدة : عدم التصور التام والصحيح لمفهوم الزواج .

فتظل الفتاة  تغرق في الأحلام حتى إذا ما طرق الباب طارق يبدو أنه مناسب لها أو لأهلها ، وقد لا يكون مناسباً على الإطلاق إلا أن قدومه يحمل بعض الإثارة ، سارعت الفتاة بنسج بعض الأحلام :

المهر في الصندوق النحاسي : بضع عشرات من أوراق الخمسمئة الجديدة ( المنشّاة ) ، والعربية الفاخرة من باتشي والمحملة بأنواع العطور الفاخرة والمكياج غالي الثمن ، وأخشاب العود .. الفستان الوردي الجميل ..

 المئات من الزيارات للأسواق وشراء الثياب والأحذية الجديدة .. كم تنعشها رائحة الثياب الجديدة ، تشعرها أنها ملكة.

زيارات متكررة لصوالين التجميل ..

شراء الحقائب الكبيرة وملئها بالثياب ..

رحلة البحث عن الفستان الأبيض والحذاء الأسطوري وخيالات سندريلا والأمير تراودها بأشكال شتى ، “هي” الآن سندريلا ، و”هو”الأمير، وتخشى أن تكون من المدعوات من تقوم مقام ” الأختين الحاسدتين ” ! لكن حتى هذه الخشية لها طعمها الأخاذ !

وأخيراً حفل الزواج وما يتبعه من اختيار القاعة والكوشة ، والزفة ، والبوفيه ،  ثم الطيران ( غالباً) إلى أسبوع عسل أو أكثر إلى الخارج ، ليبدأ بعده العد التنازلي لأيام البصل في كثير من الأحيان .

يا سلاااام .. يا لها من خيالاات جميلة ..

أعجبتني في الواقع حتى أني وددت أن أرجع عروساً لأستمتع بها .

ولكن مهلاً .. أهذا هو كل شيء ؟

أهذه هي فكرة الزواج في عقول بناتنا ، وشبابنا ؟

لا أعرف عن الشباب ، فلم يشملهم تساؤلي في تويتر ولا أستطيع أن أتخيل موقفهم ونظرتهم إلى الزواج ، ولكني أتحدث الآن عن البنات .

لم ينحصر مفهوم الزواج عند البنات كما ذكرت تلك المغردة في الفستان والزفة والطقاقة  ؟

برأيي أن الأسباب كثيرة أذكر بعضاً منها :

– الرغبة في التخلص من أوامر البيت خاصة لو كانت في منزل محافظ وهي لا تتبع  الأسلوب  الفكري أو الديني السائد في المنزل ، فالوالدان ملتزمان (أو) متزمتان ، لا يحبان النقاش ولا الحوار وقد يغلقان منافذ الهواء الآسن والنقي على حد سواء ، ويغفلون ( أو يتغافلون ) أن الأولاد ( ذكوراً وإناثاً ) لا يعدمون حيلة للوصول إلى مبتغاهم ، إما بطرق شرعية أو غير شرعية ، ولعل أفضل الطرق الشرعية في تحصيل المشتهى : القبول بأي زوج يسمح لها الحصول على ما تريد ، حتى إذا ما تم الزواج ، كانت الصدمة !

– أن تسبقها أخت أو قريبة بزواج ومرت بالمرحلة الوردية الحالمة ، مرحلة التجميل والتمشيات والهدايا ، فتحسب الفتاة أن مفهوم الزواج يتلخص في هذه الأمور ، خاصة وأنها لم تر بعد في قريبتها الجانب الآخر للزواج ، وأعرف بعض الحكايات عن ذلك حكتها لي صاحبة الحكاية ، حتى إذا ما تم الزواج ، كانت الصدمة !

– ربما كانت مدمنة روايات رومانسية تجيد ( الروايات لا البنت ) وصف الحب والوله والإغداق بين المتحابين ، فلا تتخيل أن تكون العلاقة بين الجنسين إلا بهذه الطريقة ، خاصة وأن هذه الروايات تبرُع في تجميل هذه العلاقة حتى أنها لتجعل من الخصام والشجار بين المحبوبين ضرباً من الرومانسية العذبة التي تصدع القلب الغض المرهف ..

والناظر في قصص الأطفال الأجنبية والوافدة إلينا بشكل مزعج فإنه سيرى قصة حب في كل كتاب تقريبا ، فمن الذي لا يعرف سندريلا وبياض الثلج ، وبوكاهونتس ، والجميلة والوحش و رابونزل، وفي أفلام الكرتون هناك قصص الحب حتى بين الحيوانات ، فتتربى الصغيرات على هذه الرومانسية الزائفة ، وإذا كبرت تلقفتها الروايات الغرامية الثقيلة والمسلسلات المدبلجة ( التركية والمكسيكية ) فتعزز الفكرة في العلاقة بين الجنسين، وتحصرها في هذا الجانب .

أقول لكم على شيء ولا تضحكوا علي ؟

أذكر أني كنت أقرأ كثيراً  في مراهقتي القصص الرومانسية بالعربية والانجليزية ، وكانت تروق لي كثيراً روايات المؤلفة  باربرا كارتلاند والتي تدور في القصور الملكية البريطانية بين اللوردات والليديات ( تروق لي لأنها محافظة مقارنة بباقي القصص “قليلة الأدب”) ، وكنت كلما حانت لحظة المصالحة الحاسمة بعد الشجار العنيف أو الهجر المؤلم بين البطلين ..

تعرفون تلك اللحظة ؟

تلك التي تلتقي فيها الأعين وتخفق القلوب وتتطاير الخصلات الشقراء في نسمات الهواء اللطيفة فتهمس باسمه ويصرخ باسمها ويجريان ( بالحركة البطيئة ) لبعضهما و…

كنت دائماً أغلق الرواية وأضمها إلى صدري وأتنهد بفرح بعد انحباس أنفاسي وتدمع عيناي وأبتسم بسعادة وكأنني البطلة !! انتهى موضع الاستشهاد !

فمن اقتصرت قراءاتها على هذه النوعية من الكتب فكيف يمكنها أن تتصور الحياة الزوجية ؟ وإذا ما تم الزواج ، فكيف تكون الصدمة ؟

الحمد لله أن قراءتي لم تقتصر على هذه النوع من القصص فقط !

 – لعلها تشتكي من الروتين الخانق واللون  الباهت لحياتها ، فترى أن حياتها مصبوغة بالكامل بدرجات اللونين الأسود والأبيض ، فهناك الأبيض الغامق ، والأسود الفاتح والمشجر بهما ، والكاروهات والمخطط . كل الأشكال المتاحة ولكن بنفس اللونين : لون العمل أو الدراسة ، الدردشة اليومية على شاي العصر مع الوالدين ، التمشية المتكررة في المخططات أو الأسواق ، الزيارات الروتينية للصديقات .

تريد أن تصبغ حياتها ببعض الألوان المثيرة ، تريد بيتاً تؤثثه بمزاجها ، وزوجاً تشتري له ثيابه وتختار له شماغه ، تريد حياة تخطط لها : أسفار ، عطلات ، زيارات ، مطاعم ، تكون هي سيدة المواقف ، تريد أطفالاً تسميهم بمزاجها وتلبسهم (ماركات ) ولكن في كل هذه الأفكار لم تدرج فكرة “المسؤولية “ وكأن الزواج لعبة من ألعاب الفيس بوك ، حتى إذا ما تم الزواج ، كانت الصدمة !

–       بعض الفتيات تشتكي جفافاً عاطفياً رهيباً .. لا تكاد تسمع الكلمة الحلوة من أهلها .. تلبس فلا يثني عليها أحد ، وتتزين فلا ينظر إليها أحد . بل ربما يسخر منها بعض أخوانها إرضاء لغروره وساديته.

 الوالدان لا يكادان يرضيان ، والأخوة الذكور تسلطت عليهم ثقافة المجتمع الذكوري فانحصرت علاقتهم بالفتاة بمبدأ ( أمسك لي ، أقطع لك ) : الفتاة تؤدي لهم بعض الأعمال مقابل أن يقوموا ببعض الأعمال .

نفسها المرهفة تتوق إلى بعض الحب ، إلى شيء من حنان ، إلى ضمة ، إلى نظرة ، إلى ما يشعرها بأنوثتها .

فإذا طرق ذلك الفارس الذي لا تدري أهو راكب فرساً أو حمار سارعت بالموافقة لعله يحتملها ويطير بها إلى عالم الرومانسيات والهمسات ، فإذا تم الزواج ، كانت الصدمة !

وللأمهات يد في ضحالة تفكير البنات بأمر الزواج ، فالكثير منهم يقصرن بشكل حاد في إعداد البنت نفسياً وتعليمياً للزواج ، فقد يهملن تعويدهن على تحمل بعض مسؤوليات البيت من رعاية الأخوة الصغار أو إعداد الطعام أو المشاركة في تنظيف المنزل اعتماداً على العاملة المنزلية ، أو رغبة في التخلص من ( المناحلة ) ، خاصة لو كانت الأم ذات ( قلب حار) والبنت تفتعل البرود هرباً من العمل الممل .

ويستمر مسلسل الإجرام حين تنعدم ثقافة  الحوار بين الأم وابنتها في موضوع الزواج ، فلا تفهمها حقوق الزوج ولا المسؤولية الملقاة على عاتقها والتي يجب أن تفكر جيداً قبل أن تقدم على هذه الخطوة ، و( عيب يا بنت تتكلمي عن الزواج ، لسه صغيرة ، لما كنا قدك كنا نستحي ) فتتراكم الاستفهامات في ذهنها الصغير ولا تجد لها جواباً ، وتحملها روحها الوثابة المغامرة ( بحكم السن ) إلى خوض التجربة وحل الاستفهامات عملياً .

وقد ترشد الأم ابنتها إلى حق الزوج وتشدد عليه ، بحكم أنها من جيل يقدس الذكور ويعليه ويعظمه مقابل القبول بتحقير الأنثى ( وأرجو قراءة العبارة السابقة مراراً لئلا أتهم بأشياء غريبة )  ، ولكنها تنسى أن تعلمها أن لها حقوقاً هي كذلك ، وعليها أن لا تتنازل عن حقوقها بدعوى الرغبة في الحصول على لقب ( زوجة صالحة) أو الحب أو احترام الزوج أو العشرة إلا بنفس طيبة منها ولم يكن يؤثر عليها سلباً . بل وقد تعلمها كل شيء بالطريقة الصحيحة إلا الثقافة الجنسية ( ذات الأهمية البالغة جداً في الحياة الزوجية ) تهمل الأم تعليمها لابنتها ، فيختل توازن المركب اختلالاً شديداً ، قد لا يظهر أثره إلا بعد سنوات من العشرة ..

ويبلغ الإجرام ذروته حين لا يكون للبنت يد في هذا الزواج ، وإنما كل ذنبها أنها وثقت في والديها اللذين أساءا التقدير فزوجوها ولما تتهيأ بعد لهذه المهمة العظيمة ، رغبة منهم في كف ( أي مصيبة قد تحدث بسببها ) أو لأنها لو تزوجت (حتعقل ) أو لخشيتهم من انحرافها ( في هذا الزمن المليء بالفتن ) وكأن كل الانحراف هو ما يحدث بسبب الشهوة ، وغفلوا عن أن ( البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، و الذي خبث لا يخرج إلا نكداً ) .

 

تدوينتي هذه دعوة لنفسي وللقارئ الكريم في التريث وإعادة النظر في تربية البنات ، ومنها بعض التلميحات والإشارات يفهمها اللبيب فيما يخص الشباب .

لا أدعي أني استوفيت جميع النقاط في هذه المسألة ، فإنما أعرض شيئاً وأترك لكم شيئاً تعرضونه في التعليقات .

Read Full Post »

عندي قناعة شبه أكيدة أن التدوينات التي تكتب عن الأطفال هي من أجملها على الإطلاق ، على الأقل في نفس كاتبها .

أولئك مخلوقات طاهرة بريئة (مهما بلغ خبث أحدهم ومكره ) ، ماهرة في انتزاع البسمات والضحكات من قلوب (الطبيعيين ) من الناس .

تذكرون تدوينتي بعنوان : ” حكاية ما قبل النوم ، بطولة شمس !” ؟

كانت هذه من أنجح التدوينات التي نالت استحسان القراء الأعزاء .

الأطفال نعمة من الله .

وأحدد الأطفال ممن لم يتجاوزوا السادسة من  العمر ..

فإذا كبروا  فإنهم قد يتحولون تدريجياً ( بقصد أو بدون قصد ) إلى أدوات تعذيب لآبائهم .

أما قبل ذلك فذاك عالم باهر من الروعة والبهاء .

كلما أردت استجلاب شيء من السعادة أتذكر شيئاً من أولادي حينما كانوا صغاراً ..

أحاول أن أتذكر ما لا يستدر دمعي في الحقيقة، فأنا بعد سفر سهل زادت شهيتي نحو البكاء !

كم أتوق للأيام التي كنت فيها ( كل ) عالمهم  .

يكفي الرضيع فيهم أن يغرق في عينيّ فيشعر أنه في الجنة ذاتها .

وصغيرهم كان يعتقد أني أعلم من في الأرض .

لمساتهم حنان دفاق .

ونظراتهم وله وعشق .

حسن .. أحاول أن لا أخرج عن الخط المعتدل إلى خط الحزن والدراما بهذه التدوينة .. يكفي تدوينة سهل أليس كذلك؟

في الواقع أشعر أني بتدوينة ” رحلة إلى عالم النسيان ” قد قدمت جرعات مأساوية تكفي لعدةأشهر قادمة .

لكن ما أثار هذا الموضوع قبل قليل أن شمساً كانت تمشط شعري..

قررت أن تلعب دور مصففة الشعر ( أبلة ميرفت ) فأخذت تمشط شعري وتفرقه يمنة ويسرة ، ثم تنظر إلي وتقول :

 يا ناااااس ..

وتكرر العمل ، وتغير ( التسريحة ) وفي كل مرة تختم ذلك بأن تنظر إلى وجهي وتقول : يا نااااس .

اقتربت لطيفة منا بفضول ، وظلت تنظر إلى ما تفعله شمس ، ثم أعطتها بعض التوجيهات لتخرج منها بنتيجة مفادها أني أشبه ( دانة ) .

قالت شمس : ( ايوة صح ، زي دانة ) !

ثم سكتت برهة وقالت : مين دانة ؟

ضحكت عالياً .. ولبثت أفكر .. كم من الجمال يراه الأطفال في أمهاتهم وآبائهم .

كم من الحب يغمرون أهليهم به بكل أريحية  ، في لمساتهم ، في كلماتهم ، في نظراتهم ..

حينما سقط شعر رأسي بعد الجرعة الأولى من العلاج الكيماوي كان شكلي غريباً بالتأكيد .

مهما حاول مَن حولي إقناعي بأن شكلي ( عادي ) إلا أن لي عينين في رأسي أبصر بهما شكلي وأستطيع التفريق جيداً بين ما كان يبدو ( عادياً ) وما لم يكن كذلك .

أتخيل وجود رجل أصلع .. فهذا عادي فعلاً بسبب العمرة والحج .

أما امرأة صلعاء ، فهي غريبة بغرابة لفظ الكلمة : ( امرأة صلعاء ) !

كانت شمسي رفيقتي في فترة المرض والعلاج ..

وكانت تحب دائماً أن تحتضن رأسي من خلفي وتمسح عليه بيديها معاً .

لم تكن تخاف من شكلي ولاتنفر منه ..

بل كان يستهويها جداً أن تضم رأسي إلى صدرها وتقبله ..

كنت أشعر أن هذه الحركة نعمة من الله ، تعيد إلى قلبي بعضا ً من الحياة .

حينما كان عبد الله في الابتدائية كان يستلم مكافأة التحفيظ ويلفها بورقة كتب فيها رسالة حب وشكر على ( تعبي في تربيتهم ) ويضعها بجانب سريري .

وحين كان الثلاثة الكبار صغاراً كانوا يحبون أن يفاجئوني بترتيب البيت ترتيباً متقناً نظيفاً ، أو يأتي أحدهم ليلعب بشعري وهي حركة نسميها ( حَبّو ) فتسترخي أعصابي .

الأطفال تظل أعينهم على آبائهم ، يرصدون حركاتهم وأقوالهم ويتعلمون منهم .

قبل الاختبارات كنت في جدة لمدة أسبوع بسبب موعدي مع طبيب الأورام .

خرجت في إحدى الليالي ورجعت متأخرة ولما تنم شمسي بعد .

وضعتها في فراشي وأنا متيقنة أنها ستنام خلال خمس دقائق ، ولكنها تأخرت عن ذلك كثيراً .

أصابني الملل وأدركت أني طالما كنت معها في الحجرة فلن تنام ، لذا أخبرتها أني سأذهب إلى دورة المياه كي أتوضأ وأغسل أسناني ، وأن عليها ألا تقوم من فراشها حتى أعود .

خرجت وكلي أمل أن تنام خلال هذه الفترة ..

وبعد خمس دقائق مررت بالحجرة فسمعتها تغني فقررت أن أتأخر عن الدخول إليها قليلاً ريثما تنام .

وذهبت إلى الصالة وفتحت كمبيوتري لأتفقد أحوال المنتدى .

وجدت مواضيع تحتاج إلى رد فاستغرقت في الكتابة لأفاجأ بعد قليل بصوت من ورائي يقول : الكذب حرام !

كاد قلبي يتوقف ..

ففي هدأة الليل ، والسكون المزعج خرجت شمس من الحجرة لما انتبهت إلى تأخري عنها ، ومشت بخطوات صغيرة رقيقة على الأرض المكسوة بالبساط في بيت أمي لتكتشفني جالسة أطقطق على الكمبيوتر وأنا التي وعدتها أن أرجع إليها بعد انتهائي من طقوس ما قبل النوم .

اقشعر جلدي ، وبردت أطرافي ، وأكاد أجزم أن الأدرينالين قارب على أن ( يخبط ) السقف برأسه .

التفت إليها سريعاً ، وقبل أن أتكلم ، دخلت بهدوء وهي تنظر إلي نظرة جانبية ، وقد ارتسمت الجدية الصارمة على وجهها ، وكررت بصوت حازم : الكذب حرام ..

هنا تداعت إلى ذعني كل مقاطع الرعب التي شاهدتها حين كنت أمثل ( الكوالة ) في مراهقتي .

لوهلة خاطفة تخيلت أني سأسمع صوتاً عميقاً يخرج من جوفها ليقول : الكذب حرام .

أنتم لم تروا النظرة ..

ولم تسمعوا النبرة  ..

كانت خطيرة بالفعل ..

وللمعلومية .. شمسي ممثلة بارعة ، وتتقن جداً تمثيل هذه النظرات لتشعرك بالذنب أو الخوف أو الاحتقار ، أو ما شاءته وكان مناسباً للظرف .

كانت ترتدي قميص نوم طويل ، وظلام البيت من خلفها ، فبدت بالفعل وكأنها خارجة من أحد أفلام الرعب التقليدية.

انتبهت من فزعي وقلت : بسم الله ، فجعتيني ..

فقالت وقد لانت نظرتها بعض الشيء : الكذب حرام .. ما قلتي حترجعي ؟ كيف قاعدة ع الكمبيوتر ؟

قمت إليها وأمسكت يدها الصغيرة وقدتها إلى الحجرة وعقلي يفكر : أوه الحمد لله . تتكلم بطريقة عادية .. لم تخرج إذن من أفلام الرعب .

شرحت لها أني قصدت فعلاً الرجوع إليها بعد انتهائي من الوضوء ، ولكني أتيت إلى الصالة لأرى شيئاً سريعاً فانتهى بي المقام إلى التطويل ، وأخبرتها أن : أمي لا تكذب ..

أعترف أني اخطأت نواعترف أني لم أقصد خداعها ، وإنما كان قصدي ألا أتواجد معها لتتمكن من النوم سريعاً .

وأعترف أنها منذ ذلك اليوم صارت تفسر كل ما لا يحدث (حرفياً ) مما أخبرها به أنه كذب ، ولو كان في الحقيقة سوء فهم أو خطأ غير مقصود . وصارت تكرر لي : الكذب حرام يا أمي.

ماكان موضوع هذه التدوينة بالضبط ؟

لا أعرف .. لا شيئ محدد هناك .

فقط أحببت ان أشارككم خواطري بشأن هؤلاء الأحبة ..

لا أعني بها شمس فقط .. وإنما شموس حياتي أجمعين .

Read Full Post »

أعتذر إليكم ، أعلم أني قد تأخرت عليكم ولكن تعلمون ظروف الإجازة ، والأعذار المتكررة في مثل هذه الظروف .

كما أعلم أني ربما أكون قد ( غثيتكم) بالحديث عن نفسي وذكرياتي التي قد لا تهم أحداً ، ولكنا اتفقنا من قبل أن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم ، فبعضها قد لا يهمكم ألبتة ( مثل الحديث عن نفسي وذكرياتي ) إلا أنها تدخل على نفسي بعض المتعة ، وقد أتحدث عن أشياء لا تهمني كثيراً ولا تروقني ولكني أفعله لأجلكم – صدقوني J –

يكفي هذا الهراء الذي لابد منه لصنع مقدمة لا بأس بها حين تفتقر إلى مقدمات مناسبة .

هذه الحلقة الأخيرة من استجلاب الذكريات السعيدة عن مدرستي دار الحنان .

سنوات الثانوي كانت حافلة بالعديد من النشاطات التي كانت لا تكاد توجد إلا في دار الحنان في تلك الفترة من الزمان .

لا أعرف في الحقيقة عم أتحدث وماذا أدع .. لا أكاد أذكر شيئاً سيئاً في تلك الفترة ..

قد يكون هناك شيئاً سيئاً وأسقطه عقلي من الذاكرة ، لكن فيما أراه ماثلاً في ذهني فلا أكاد أذكر أي مرارة أو أسى .

وإنما أذكر أشياء كثيرة أنظر إليها الآن ، وأحللها فقط لأكتشف نعم الله عليّ .

فمثلاً ، كانت من أنشطة دار الحنان رعاية المواهب الموسيقية ، وكانت لدينا مدرسة موسيقى تجيد العزف على البيانو ( الذي كنت أعشقه ) وتجيد قراءة النوتة الموسيقية ، وحين قررت مع بعض صديقاتي إنشاد أغنية وداعية استقيناها من إحدى الأفلام الأمريكية  على أن تعزف مقطوعتها هذه المدرّسة إلا أن الفريق الغنائي الذي كان معي لم يكن متقناً جداً فألغت الإدارة هذه الفقرة لعدم الإتقان . والآن أفكر في لطف الله بي إذ صرف عني الغناء والموسيقى في وقت كنت أحبهما وأجيدهما جداً ، والله وحده يعلم لو لم يصرف عني ذلك ماكان حالي الآن ؟

هل أخبرتكم من قبل عن مكتبة المدرسة ؟

كانت لدى المدرسة مكتبة كبيرة مرتبة ومنظمة ، ومنيرة بشكل مريح ، باردة ، واسعة ، وباختصار: مبهجة . وكان يعجبني منذ سني الابتدائية أن أزورها باستمرار لاستعارة الكتب ..

كنت أجد نهمتي البالغة للقراءة في قصص الأطفال المتينة نوعاًما ..

 كنت أستعير الكتاب في الفسحة وأشرع في قراءته بين الحصص ، وفي الباص ، وبعد تناول الغداء لأعيده في اليوم الثاني مع تعجب أمينة المكتبة ، فقط لأستعير كتاباً آخر .

 أين قرأت قصة بنوكيو وروبنسون كروزو و جزيرة الكنز وكتب نجيب الكيلاني إلا في مكتبة مدرستي؟

في علية المكتبة كانت غرفة السينما ، حيث تقبع آلة عرض الأفلام وكمية من الأفلام التعليمية والوثائقية التي كنا نتفرج عليها في بعض حصص الفراغ ..

نحن نتحدث عن أحداث تمت منذ قرابة الثلاثين سنة .. في تلك الفترة كان التفرج على الأفلام في المدرسة يعد ضرباً من الترف والرفاهية ، خاصة لو كان المكان نظيفاً وبارداً ..

حتماً كان ينقصنا بعض الفيشار والمرطبات .

في السنة الأولى الثانوي كان الذهاب إلى معامل الكيمياء والفيزياء من المتع كذلك ..

الخروج من الفصل الروتيني في طابور منظم لمعمل الكيمياء حيث تحاول غالبيتنا الجلوس في المقاعد الخلفية والعلوية من مدرج المعمل ، أو بجانب النافذة حيث تقتنص نظرات الجالسة هناك الرائحات والغاديات في الفناء ، وقد تكون إحداهن صديقتها فتظل ترسم وجوهاً مضحكة لتضحكها بها فتوقعها في شراك المدرّسة .

لا أنسى التجارب المعملية التي كانت تكلفنا بها المدرّسة أحياناً ، والتفاعلات الكيميائية ، والأدخنة المتطايرة ، والتعامل مع المجاهر ( الميكروسكوب ) . حقاً كانت متع لا تنسى .

كانت سنوات الثانوي حافلة بالمسابقات ، وكنت دائماً في الفرق المشاركة ..كانت هناك المسابقات الثقافية بين الفصول والتي كانت بمثابة اختبارات لمعرفة جودة الدراسة ، إذ أنها مراجعة على جميع المناهج الدراسية ، إضافة إلى سرعة البديهة في كثير من الأسئلة .

كما كانت تقام المساجلات الشعرية ، فكنا نحفظ مئات من أبيات الشعر والتي كنت أستخرجها من الدواوين الشعرية التي اكتظت بها مكتبة والدي رحمه الله ، نكتبها في أوراق كثيرة ، ونحفظها في عدة أسابيع لتعقد المساجلات بين الفرق : حيث يأتي كل فريق ببيت يبدأ بالحرف الأخير من البيت الذي ذكره الفريق الذي قبلنا .

أستغفر الله ، كنا نقوم أحياناً بعملية غش صغيرة إذا ما ( تورطنا ) ببيت نحتاج أن يبدأ بحرف الواو أو الفاء أحياناً ، فكنا نأتي بالبيت الذي يبدأ بأي حرف ، ونضيف إليه واواً زائدة أو فاء زائدة ، (ولا من شاف ولا من دري ) .

طبعاً لم نكن نستطيع أن نقوم بهذه الحركة مع كل الأبيات ، فمثلاً لو قلت :

“و” على قدر أهل العزم تأتي العزائم    وتأتي على قدر الكرام المكارم

لانكشفت حيلتك مباشرة..لعل شمسي تحفظ هذا البيت ، فلا يمكنك بحال تغيير أي شيء فيه .

لكن لو قلت :

“و”ما جال بعدكِ لحظي في سنا القمر          إلا ذكرتكِ ذكر العين بالأثر

فمن بربك يحفظ ديوان ابن زيدون ليكتشف غشنا ؟؟

من ابن زيدون أصلاً ؟؟

في السنةالأولى ثانوي انتقلنا إلى مبنى المطار القديم نظراً لوجود ترميمات في مبنى المدرسة الذي بلغ من العمر قريباً من العشرين سنة أو يزيد وبالتأكيد كانت سنة متميزة ..

أقيمت الفواصل في إحدى مباني المطار لتكون فصولاً دراسية ، وكانت مدرسة الأحياء تشرح درساً في الفصل المجاور فيطغى صوتها على صوت مدرسة اللغة العربية في فصلنا ، فتقع النوادر والقفشات.

كنت نصطحب معنا الزلاجات إذ لا يمكن أن تجد مكاناً أنسب من أرض  مبنى المطار الناعمة والانسيابية للتهادى بالزلاجات عليها ، وكانت بعض الفتيات يستعرضن مهاراتهن في التزلج والتي اكتسبنها من سفرهن للخارج .

قاربت السنة على الانتهاء .. واقترب التخرج .

أقامت المدرسة يوما مفتوحاً ، مفاده أن تقوم من أحبت من طالبات الصف الثالث الثانوي بتقمص أدوار من تشاء من ا لمدرسات و الإداريات بعد استئذانهن .

انطلقت جرياً إلى وكيلة المدرسة الأثيرة لدي : أبلة فايزة كيال ، والتي كانت معروفة عندنا بأناقتها وقربها من قلوب الطالبات واستأذنتها في أداء دورها فوافقت .

وفي صباح ذلك اليوم ، دخلت في أول الدوام المدرسي مكتب أبلة فايزة .. وجلست على مكتبها..

جاءتني وعلمتني كيفية استخدام الهاتف ( السنترال ) وسمحت لي بفتح أدراجها والاطلاع على الأوراق الموجودة واشترطت ألا أفشي سراً وخرجت .

كان من أمتع الأيام إلى قلبي . استمتعت فعلاً بقراءة الملفات الموجودة ، والاتصال على بعض صديقاتي ممن آثرن أن يتقمصن دور المديرة أو الناظرة ..

كنت أؤدي دور أبلة أحبها وهذا يكفيني .

وكنت أحياناً أتصل على ( غرفة الخالات ) لتحضر لي إحداهن كوباً من الماء أو فنجاناً من القهوة.

للأسف لم تستمر هذه المتعة لأكثر من أربع حصص ، ورجعنا بعدها طالبات مرة أخرى .

في إحدى الأيام مررت ببعض الأبلات وهن يتحدثن ، كان منهن أبلة فايزة ، وأبلة ميسر رحمها الله ولما اقتربت سمعت إحداهن تقول بصوت منخفض : شش جاءت جاءت .

تحدثت معهن لبرهة ثم انصرفت وفي قلبي نما أمل ما ، حاولت طرده لئلا أنساق في الأحلام السعيدة .

وأخيراً حان يوم حفل التخرج . في ذلك اليوم ذهبت إلى مصففة الشعر وارتديت فستاناً أبيض أشبه ما يكون بفساتين الزفاف ، وعليها العباءة العودية والشريط والوشاح الورديين ، وكانت المسيرة على أنغام أغنية وطنية : بلادي بلادي منار الهدى .

اصطففنا على المسرح الذي أقيم في ساحة المدرسة وأدينا السلام الملكي ونشيد المدرسة ..

كنت أودع المدرسة التي قضيت فيها أجمل سنوات عمري ، والتي تعلمت فيها مهارات أجني ثمارها ونتائجها الآن :حيث تعلمت اللغة العربية السليمة ، وإلقاء الكلمات أمام الجماهير ، والتحدث باللغة الانجليزية بطلاقة ، وقراءة القرآن بأحكام التجويد الأساسية ، باختصار ، كنت أفعل كل شيء بثقة تامة ، وكلها أمور تفيدني الآن في المحاضرات الدعوية العربية والانجليزية على حد سواء ، وفي درس القرآن الأسبوعي الذي أنال به السند ..

ماذا ؟ لم أخبركم أني آخذ السند ؟

في تدوينة أخرى إن شاء الله ، ولكن دعوني أنهي هذه الآن .. أشعر أني قد أطلت فيها كثيراً .

غنينا معاً وبحزن نشيد المدرسة ، حتى وصلنا إلى مقطع مؤثر :

هنا في الحنان مشينا سوى         وسرنا معاً في رحاب الوفا
لنرفع أوطانــــــــــــــــــــنا للسما           ونسمو بها نحو فجر جديد

شعرت بالغصة  تخنقني ، ودمعت عيناي ، ولم أستطع إكمال النشيد ..

شعرت بشعور العروس السعيدة بزفافها ، ولكن مغادرة مرابع صباها حيث أجمل الذكريات لابد أنه
كان يكدر عليها شيئاً من فرحها ..

انتهت المسيرة وابتدأ الحفل الفعلي ، كلمة الخريجات التي ألقتها إحدى صديقاتي ، ثم التكريم ..

كانت ثمة فعاليات كثيرة طوال السنة الدراسية ، والآن حان وقت الحصاد .

حصدت في تلك الليلة ست شهادات تقدير ، لمشاركتي في جمعية الصحافة والإذاعة والمكتبة ..

مهلاً ، المكتبة ؟ كيف ؟

منذ أن دخلت الثانوية قلّت استعارتي للكتب من مكتبة المدرسة جداً لاعتمادي على شراء الكتب التي أود قراءتها ، لكن أمينة المكتبة أبلة مشيرة أشارت لهم بوضع اسمي ضمن المتفوقات في استعارة الكتب بناء على ما سبق .

ست مرات صعدت على خشبة المسرح لأستلم شهادات التقدير من الأميرة لولوة الفيصل .. وفي المرة الثالثة بدأت تهمس : ما شاء الله كلما رأتني .. وفي قلبي يتضخم الزهو والفرح ويتحرك لساني “ما شاء الله ” وبالحمد ..

بعد أن تم توزيع شهادات التقدير  ، استلمت درع التفوق الذهبي مكتوب عليه اسمي بمناسبة حصولي على المركز الأول على فصول الأدبي .

ولا يزال الفرح ينمو ويزهو ، حتى حُبست الأنفاس للإعلان عن الطالبة المثالية لذلك العام .

فلما تردد اسمي هاجت الساحة تصفيقاً وتصفيراً وصياحاً باسمي وأنا كالمذهولة ..

حقاً اختاروني الطالبة المثالية ؟

وهنا تداعت إلى ذهني الأحداث التي لم افهم مغزاها في وقتها : لم كانت الأبلات يسكتن إذا قدمت عليهن في اجتماعهن مع أبلة فايزة أو الناظرة أبلة هيام ، لم خبأت أبلة فايزة الكأس المكتوب عليه اسم الطالبة المثالية لما دخلت عليها أسألها عن شيء ما . لم كانت أبلة فايزة تضحك بمكر كلما سألتها أن تغششني وتخبرني عن الفائزة بلقب الطالبة المثالية .

قمت وسط صياح الجمهور واعتليت خشبة ا لمسرح ، وهنا سمعت الأميرة تقول بصوت واضح : ما شاء الله ، مبروك !!

استلمت الكأس واستدرت إلى صديقاتي والجمهور ورفعت الكأس عالياً فوق رأسي وسط الصياح والتصفير لأنال نفس فرحة رئيس الفريق الفائز بكأس الدوري .

وفي اليوم الأخير الاختبارات ، كان الأسى مخيماً على المدرسة ..

نعم ، كان هناك بعض الفرح بمناسبة التخرج والانتقال من مرحلة المدرسة على مرحلة الجامعة ، ولكن كانت هناك الغصة في الحلوق .

بعض البنات قذفن بالكتب عالياً في صراخ فرح لتسقط وتتشقق في حركة غير حضارية ألبتة .

وبعضهن طفقن يكتبن على قمصان بعضهن البعض العبارات الوداعية التذكارية ، في حين التقطت الكثير والكثير من الصور التذكارية .

مشيت مع صديقتي لنودع المدرسة ..

أقبل ذا الجدار وذا الجدار ..

تعانق عيني الفناء الواسع .. صالة الألعاب .. فصلي الذي درست فيه الثاني والثالث الثانوي .. المعامل العلمية ، غرفة الممرضة والتي كنا ننام فيها إذا ما باغتت إحدانا الدورة الشهرية ، النخلة العجوز التي تستقبلنا في مدخل المدرسة ، غرف الإداريات ..

مشيت أنظر وأتذكر ، وكأني أسمع الأصوات ، وأشم الروائح ..

خرجت من المدرسة ، ولكن المدرسة لم تخرج من قلبي ، ولا زلت أحتفظ عنها بأحلى الذكريات ، ولا زلت أكتب فيها أجمل السطور .

قد أكون أخفقت في توصيل مشاعري حرفياً إليكم ، ولكن فقط أقول : كلما شممتم رائحة  عطر جميلة ، أو اصطبحت أعينكم بمنظر طبيعي فريد ، أو غمرتكم السعادة في أوقات ما ، فاعلموا أن هذه المشاعر العذبة التي تجدونها هي ما يملأ قلبي كلما تذكرت مدرستي ..

إنها قصة حب ، سطرتها بقلبي قبل أصابعي ..

أشكركم كثيراً على صبركم عليّ وتحملكم قراءة كلمات قد لا يعنيكم شأنها في شيء .. ولكن حسبكم أنكم أتحتم لي سعادة غامرة وأنا أسطر هذه الأحرف .

أشكركم ..

Read Full Post »

حسناً يا سادة ..

دعوني أعدل من جلستي قليلاً ، أحضر كوب الماء إلى جانبي ، أمد ساقيّ المتعبتين أمامي ..

أسند ظهري وأغمض عيني وأحلق في جو الذكريات السعيدة لأعود إلى دار الحنان .

هلا بدأنا ؟

حسن ، ماذا لدي الليلة ؟

كنت قد ختمت المرة الماضية بذكر اليوم الرياضي .

في الحقيقة ، هناك أشياء لا أكاد أذكر تفاصيلها لأن ذاك عهد قديم وانقضى .. فقد أخطئ في ذكر بعض التفاصيل ولكن أعتقد أنه لا بأس بذلك .. فنحن لا نؤرخ للدولة السعودية ، أليس كذلك..

أقامت المدرسة يوماً ما يسمى باليوم الرياضي .

كانت هناك بعض المسيرات والتشكيلات بالرايات الملونة ولا أذكر فعلياً ما كان فحوى هذا اليوم..

لكن الاستعدادات التي سبقته لا تكاد تمحى من ذهني .

اتفقت المدرسة مع إدارة الاستاد الرياضي في طريق مكة والمعروف باستاد الأمير عبد الله الفيصل لإقامة اليوم الرياضي فيه .. وليومين متتاليين كنا نذهب من العصر وحتى المساء لأداء البروفات اللازمة لهذا الاحتفال .

غني عن الذكر أن الاستاد كان فارغاً تماماً إلا منا .

كان بارداً واسعاً لم تنله يد البلى والأنوار الكاشفة في كل مكان .

كان مثيراً بحق ، إذ أن هذه المرة الأولى التي ندخل فيها إلى مكان رياضي مرتب كهذا ..

حجرات تغيير الملابس ، المغتسلات ذات الفواصل و ( الأدشاش ) القوية .

الأرضية الناعمة التي تسمح لنا بممارسة التزلج عليها بسهولة ونعومة .

و لاداعي أن أذكر أن وجبات الغداء والتي كانت تتكفل بها المدرسة لكامل الفريق كانت من ..

نعم .. البروست !!

وفي يوم الحفل كان علي أن أرتدي إلى جانب اللباس الرياضي المقرر : قفازات بيضاء ( كتلك التي يرتديها رجال الشرطاة الملكية البريطانية ) ، وحذاء رياضيا أبيض .. ذلك الخاص براقصي الباليه ، والذي كنا نشتريه من محلات الفالح للرياضة .

لكني لا أعرف كيف ، نسيت حذائي ولم أكتشف ذلك إلا بعد أن قارب الحفل على البدء وقد خرجت أمي من بيتها ، ولم تكن الجوالات قد اخترعت بعد ..

فكان علي أن أؤدي الاستعراض مرتدية شرابي الأبيض فقط ، داعية الله أن لايلحظ الجمهور أني الوحيدة بين الطالبات من كانت ترتدي شراباً وليس حذاء !

وكالعادة ، فإن ( من على رأسه بطحة ، يحسس عليها ) . كنت أشعر أن كل الأنظار اجتمعت لتنظر إلى قدمي ، وأن تلك الأم التي كانت تضحك في الصف العاشر إنما كانت تضحك سخرية مني لأني أؤدي استعراضي بالشراب لا بالحذاء .

لم تفلح محاولات أمي في إقناعي أن الناس لن ينتبهوا إليّ بالذات من بين خمسين طالبة كانت تشاركني  الاستعراض ، ولكن لم تكن بيدي حيلة .. فصرت أؤدي دوري وأنا بكامل ( فشالتي ) .

والآن ، كلما يخبرني أحد أولادي أنه لن يستطيع تأدية صلاة الفجر في المسجد لأن ثوبه مبقع قليلاً أو ( مكرمش ) أبدأ في إعطائه المحاضرة إياها : أن الناس ( يا دوب ) يفتحون أعينهم في هذا الوقت فلن يهتموا بمراقبة فلان الفلاني كيف هو ثوبه .. ولكنه لايقتنع ويظل متبرماً متسخطاً إلى أن ألزمه إلزاماً بالذهاب إلى المسجد ، وصوت ما يهتف في ذهني : ألا يذكرك بنفسك في تلك الحادثة؟ فأتنهد وأقول وقد جف ريقي من مهاترته :  الله يرحم أمهاتنا ويجزيهن عنا خيراً .

حصص النشاط كانت مثيرة عندنا . كان علينا  أن نختار من عدة ( جمعيات ) لننضم إليها ..

حاولت معي مدرسة الانجليزي أن أنخرط معهن في جمعية ( الباسكت ) أو كرة السلة طمعاً في طولي، ولكني لم أحب هذه اللعبة أبداً ، وأعدّ نفسي من أفشل خلق الله في إصابة الأهداف ، فكنت أرفض على الدوام كل محاولاتها .

كنت دائماً أعتقد أن المدرسة المكان المثالي للطلاب لتنمية المهارات الفردية . لذا فقد اخترت جمعية الصحافة .

كنت دائماً أطمح لأن أكون صحفية .

ولعل إصابتي بالسرطان كانت إحدى ثمار هذا الطموح ، إذ أني اطلعت مرة على تحقيق صحفي لرجل أصيب بسرطان في وجهه وأجريت له عمليات عدة حتى عوفي وشفي . فدعوت الله – بكل حماس المراهقة التي كانت تعتمل فيّ ( وغبائها كذلك ) – أن أصاب بالسرطان وأشفى منه لأكتب عنه !

وها أنا الآن ، أصبت بالسرطان ، وكتبت عنه في كتاب لعله يولد قريباً بإذن الله ، وأسأل الله أن يتمم دعائي ويكتب لي الشفاء التام .

في جمعية الصحافة مارست أشياء لم أفكر أن أمارسها أبداً . تعلمت الكتابة بالآلة الكاتبة ، وكنا نكتب المقالات لمجلة  المدرسة ، ونجري اللقاءات الصحفية مع بعض المدرسات ، ثم أطبعها على الآلة الكاتبة ، ونصف الورق ، ونقطعه بالقطاعة الضخمة – والتي لم أفلح يوماً في عملي بها .

وفي معرض الكتاب السنوي كنا نبيع هذه المجلة للزائرات ، والآن أستحضر تلك اللحظات ولا أعرف لماذا أتذكر في الوقت ذاته باعة اللبان والمناشف قريباً من المراكز التجارية.

في إحدى الأيام جاءتني أبلة رابحة النقادي إحدى إدرايات المدرسة وطلبت مني أن أحضر للمدرسة عصراً للتعليق على عرض الأزياء الشعبية والذي ستقيمه المدرسة لمجموعة من النساء الغربيات .

حضرت عصراً بالتأكيد ، واطلعت على الملبوسات والمجوهرات الشعبية التي تقلدتها مجموعة من الطالبات من بعض البيوتات الكبيرة المعروفة في جدة والمدينة .

ثم كان التعليق .. حاولت استحضار كل الكلمات المناسبة لوصف الأزياء والمجوهرات ، والعارضات أحياناً إذا ما خانتني الأفكار ..

لماذا تخونني الأفكار ؟ لأن التعليق كان باللغة الانجليزية ، والخطأ أمام هذا الكم من النساء الأوروبيات والأمريكيات ، لم يكن شيئاً مشرفاً بالتأكيد .. ولكن الحمد لله ، مرت تلك الليلة بسلام.

لا شك أن هذه النشاطات المسائية في المدرسة كانت مثيرة وممتعة لأقصى حد ، إذ فيها كم كبير من الإثارة والخروج عن رتابة وروتين البيت .

وعلى الرغم من موافقة أمي شبة الدائمة على اشتراكي في كل النشاطات إلا أنها رفضت وبشكل قاطع انضمامي للزهرات ( الكشافة ) .

وحتى اليوم لا أعرف سبب هذا الرفض .

أحاول أن أقلب ذلك في ذهني فلا أجد سبباً ظاهراً لذلك .

كنت أفعل في النشاطات المسائية ما كنت سأفعله لو كنت في فرقة الزهرات ، من تأخر في الرجوع إلى البيت مساء ، والقيام بزيارات مدرسية إلى مدراس أخرى ، فلم كانت ترفض الزهرات بالذات؟ هذا ماينبغي لي أن أسألها عنه في لقائي بها في المرة القادمة .. إن لم أنس، وإن هي تذكرت .

كان لباسهن يبهرني .. الطاقية العودية اللون تقبع بدلال على جانب الرأس ، تتوسطها شارة الكشافة .. التحية العسكرية ، و ( الصفقة ) المميزة والتي كانت بمثابة ( صيحة ) من صيحات الكشافة.

عالم ممتع مثير لا أعرف عنه شيئاً ..

ولكني لا زلت أظن أن أقدار الله خير .. ومادام الله تعالى قد صرفه عني ، فلا بد أن له حكمة في ذلك .

هل لي أن أختم حلقة اليوم من الذكريات ؟

قبل أن أودعكم أردت أن أخبركم بخاطرة خطرت لي بعد كتابة التدوينة السابقة عن أبلة ميسر .

أخبرتكم أني دهشت وذهلت ووجمت بعد سماعي بالخبر ..

تعلمون لماذا ؟

جلست قبل أيام أحلل سبب مشاعري تلك ..

أنا لا أعرف أبلة ميسر إلا وقد تجاوزت الثلاثين من عمرها .. حينها كنت أنا في السابعة عشر .

ثم توقف بي الزمن وتجمدت تلك الذكريات حتى سمعت نبأ وفاتها بعد 27 سنة من تركي لها .

وجومي ذلك كان لأني تعجبت من وفاتها وهي بتلك السن الصغيرة ..

ولما أفقت ، بعملية حسابية صغيرة انتبهت إلى أنها لم تكن صغيرة جداً لما توفيت ..

كانت قد جاوزت الستين على الأقل .

وهنا كان وجومي الثاني ..

أنا بالذات يتوقف الزمن عندي في مرحلة الشباب ، لذا أجد نفسي دائماً أنادي بعض النساء ممن يبدو عليهن آثار الزمن أناديهن : يا خالة .

ثم أتنبه إلى أنني خالة كذلك ، وأن المرأة التي ( خلخلتها ) لا تكبرني في الحقيقة بأكثر من عشر سنوات .

هممم .. هذا ما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : يبصر أحدكم القدى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه !

أفلح بأن أرى الخطوط الدقيقة على جانبي العينين والفم لتلك ( الخالة ) المسكينة ، وأنسى خصلة الشعر البيضاء السميكة في مفرق رأسي ..

عندما سمعت بخبر وفاة أبلة ميسر ، كأني تخيلتها صغيرة ، لأني تخيلت نفسي صغيرة ..

فلما حسبت عمرها تعجبت من مرور الزمن علينا ونحن غافلون .

وأتساءل .. ترى ، هل سيمضي وقت كالذي مضى لأفيق بعد ثلاثين سنة وأنا في الخامسة والسبعين ، وأبنائي الكبار في الخمسين ؟

اسمعوا ..

كأني أصبت بصدمة نوعاً ما .. أعتقد أن من الأفضل لي أن أختم التدوينة ..

أفضّل أن تكون تدوينتي مرحة ومليئة بالذكريات العذبة ، وما أقوله الآن لا يخدم قضيتي .

إلى لقاء قريب بإذن الله مع التدوينة الأخيرة – مبدئياً – ، وأعدكم إن شاء الله أنها ستكون جميلة .

لا لأني مغرورة بكتاباتي والعياذ بالله ، ولكن لأن الكاتب حينما يصف امرأة رائعة الحسن فلن يصفها إلا بحسنها .

ودار الحنان ، في تلك الفترة لاشك أنها كانت غادة  المدرسات وواسطة العقد .

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: