Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘متع’

هل تصبرون معي لقراءة ذكريات لن تهمكم ، لعلكم تجدون في بعضها بعضاً منكم ، فالذكريات كثيراً ما تتشابه ، وما ألذ حديث الذكريات السعيدة ، وهي لعمر الله من المتع المبهجات..

إن لم تطلع على الجزء الأول من  استجلاب الذكريات ، فلعلك تفعل الآن ..

في الإجازة الصغيرة منتصف الفصل الدراسي ذهبت في زيارة شائقة إلى الذكريات .. إلى مسقط رأسي .. إلى الخبر الجميلة على الساحل الشرقي .

كانت هذه المرة الأولى التي تجتمع فيها كل هذه العوامل معاً منذ 31 سنة : أذهب أنا وأمي أخي إلى الخبر لأرى جميع أهلي هناك .

هل لي أتحدث عن انطباعاتي عن تغير الدرجة الأولى في الخطوط السعودية عنها قبل ثلاثين سنة وتردي خدماتها ومقاعدها ووجباتها أم أجعل التدوينة خالصة لسرد الذكريات ؟

لا داعي لحرق الدم ، أليس كذلك ؟ حسناً , لننطلق إلى الساحل الشرقي .

حين هبطت في المطار الجديد – بالنسبة لي –  هالني حجمه ورقيه مقارنة بمطار جدة التعيس في جميع نواحيه ..

يكفي الخراطيم التي تنقل المسافرين من وإلى الطائرة  في حين لا يزال مطار جدة يعيش على الباصات والسلالم .

عذراً عذراً ، وعدتكم أن لن أتكلم بما يحرق الدم ..

تذكرت وأنا أمشي في مطار الملك فهد مطارَ الظهران القديم .. شعرت أن طعم الذكريات في حلقي .. أحسست بالروائح والمشاعر تتلبسني . هل تعرف هذا الشعور ، حينما تستغرق في تفاصيل ذكريات قديمة ، وتنفصل عن الواقع تدريجياً حتى لتكاد تشعر بحرارة الهواء آنذاك على جلدك ، تستنشق تلك الروائح وتسمع تلك الأصوات ..

كنت أمشي كالمغيبة ، منبهرة ومنتشية ، لا من هذا المطار الجديد ، وإنما من ذاك الذي برز في مخيلتي ، حين كان أبي رحمه الله يأخذني وأنا صغيرة لنقضي بعض الوقت نتفرج على الطائرات وهي تصعد وتهبط ريثما تقضي أمي زيارتها لصديقتها التي كانت تسكن في سكن المطار الفاخر . كان المدرج قريباً ومتاحاً ويحكي لي أخي أنه كثيراً ما أفلح حين كان طفلاً في الإفلات من بين قضبان السور ليمشي بحرية في مدرج المطار .. أخبرته أني لا زال أذكر في المطار وجود حديقة ما تنضح بعشب قوي الرائحة ، وفيها مراجيح معلقة ، فأطرق بذاكرته إلى خمسين سنة مضت ليقول بصوت حالم : كانت تلك حديقتي المفضلة حينما كنا نسكن في المطار قبل انتقالنا إلى الخبر ..

كلما شممت الآن رائحة العشب الأخضر تدرج ذاكرتي تلقائيا صورة تلك الحديقة التي كنت ألعب فيها وأنا ابنة الخامسة  ، أتمرجح عالياً مع أطفال آخرين لا أعرفهم ، لا يجمع بيننا إلا  صخب الطفولة ..

من قال أن أطفال الخامسة والسادسة تكون ذاكرتهم قصيرة ولا تسعفهم بتفاصيل تلك الحُقب حين يشيبون ..

لو قال بذلك قائل فأنا أؤكد له أنه مخطئ بجدراة .

كان اجتماعنا ليلة الوصول في بيت خالتي لتناول العشاء . دخلت البيت الجديد وتذكرت ذلك البيت القديم الذي كنا نقضي فيه أعيادنا بعد انتقال عائلتي للسكن في جدة قبل أربعين سنة .

كان العيد في جدة مؤلماً وكئيباً وموحشاً حيث لم يكن لدينا هناك إلا بيوت أخوالي فقط ، الذين لم ننشأ معهم ولم نألفهم بعد . كم حاولت أمي تزيين عيدي بفساتين جميلة وزينات مزركشة وأنوار ملونة ، وتأخذني في زيارة لملاهي لونا بارك عصر يوم العيد ، ولكن ما كان ذلك ليفلح في إسعادي وإبعاد ذكريات أعياد الخبر عن ذهني .

إلى أن قررت أن نذهب بعد ذلك لقضاء العيد مع الأهل ..

 الأهل .. يالها من كلمة جميلة عظيمة .. عندها شعرت أن العيد قد عاد له رونقه وبهاءه وجماله .

كنت أجمع من مصروفي الشهري طوال السنة لأشتري به هدايا العيد البسيطة لخالاتي وبنتي خالتيّ اللتين كانتا – ولا زالتا- أختين حين منعني الله الأخوات الحقيقيات .

كان  العيد في بيت خالتي من أجمل ما يمكن أن يحدث لي .. اجتماع العائلة الممتع ، إفطار اليوم الأخير من رمضان، إعداد الزينة من ورق الكريشة الملونة ، والإحساس بالأهمية وسط كل هؤلاء الكبار ، محاولات إخفاء الهدايا المغلفة سلفاً عن أعين الفضوليين من الصغار .. حتى غسل الصحون هائلة العدد كان ممتعاً ما دام مع القوم .

والان أنا أدخل الدار التي فيها نفس الأشخاص الذين كنت أقضي معهم أعيادي القديمة .. إلا أن الدار غير الدار .. هل أزعم أن قيساً كذب بعض الشيء ليضفي نوعاً من الرومانسية على قصته حين قال :

وما حب الديار شغفن قلبي                     ولكن حب من سكن الديارا

هذه دار جديدة ، أنيقة ولكن ليس فيها أياً من الذكريات . ليس فيها تلك المخابئ التي احتوتنا صغاراً ، ولا بقايا اللصاق الذي ثبتنا به زينة العيد ، ولا الجدران التي كانت تسترق السمع لأحاديثنا ليلاً بعد أن ينام الكبار .

كذب قيس – غفر الله له – فحب الديار له شغف ووجد ، خاصة لو حَوَت لحظات جميلة .

في اليوم التالي اصطحبني أخي في الصباح المبكر مع بناتنا لنبحث عن ذكرياتنا القديمة .. مررنا بشارع الأمير خالد ، شارع السوق الكبير في زمني .. رأيت هذا المحل الجميل الذي كان يجلب البضائع المستوردة ، ومنه كانت أمي تشتري ألعابي الفاخرة  . تذكرت للحال لعبة  طابور البطات الصغيرات اللاتي يمشين وراء البطة الأم ، والتلفزيون الصغير الذي يعرض صوراً متحركة بأناشيد الأطفال الانجليزية  المشهورة : ماري عندها حمل صغير ، وجسر لندن يسقط ويسقط  .. رأيت الشارع الضيق الذي كنت أراه كبيراً ، وما علمت إذ ذاك أن عيون الأطفال ترى كل شيء كبيراً .

مشينا قليلاً فإذا بي أمام مدرستي .. صارت الآن مأوى لعمالة ما ، مهدمة ومرقعة ، ولكني أبحرت في فصولها ودهاليزها بذاكرتي .. هنا كان فصلي .. وهنا مستودع الكتب الدراسية التي كانت تسحرني رائحتها .. وهذا المسرح الذي كنت أقف عليه لأنشد في الحفلات .. أما هنا فحجرة التدبير المنزلي .. أتذكر جيداً حين كان موقد حجرة التدبير يعطب فينادونني من فصلي لآخذ صينية البشاميل لبيتنا الذي لا يفصله عن المدرسة إلا شارع صغير ضيق ، فأعطيها لأمي مصحوبة بسلام المعلمة كي تضعها في فرننا حتى تنضج .. لا تسل عن اعتزازي وشعوري بالخطورة وأنا أخرج أمام صديقاتي شامخة الرأس ، فخورة للعبي دور المنقذة من هذا الموقف السخيف الذي سببه الفرن الكهل .

جلت ببصري أبحث عن بيتنا فارتد إلي بصري خاسئاً وهو حسير .. ما وجدت إلا دكاكين صغيرة تتثاءب استعداداً لبداية يوم جديد .. أحسست بشيء من القهر .. أين ذكرياتي ؟ هنا كان بيتنا .. أذكر في فنائه بيت أرانب صغير، وحجرة إخواني بالطابق العلوي ملأها أخي الماهر بالرسم رسوماً متقنة للشخصيات الكارتونية المعروفة آنذاك ، أذكر القطط التي كانت تجول ، ومن هناك نما شغفي بالقطط . أذكر شجرة الفل والتي كانت تهبني يومياً فلة ضخمة عبقة أهديها لمعلمتي في الصف الأول الابتدائي ..

شعرت بشيء من الإحباط وخيبة الأمل ، ولكني سرعان ما نفضته عن ذهني قائلة : أصلا عادي !

أما عن زيارتي لشواطئ الخبر فتلك حكاية أخرى .. شواطئهم غاية في الروعة والجمال .. شواطئ “متعوب عليها” ، والجميل أنها للشعب .. لكل الشعب .. كل الشعب يستطيعون أن ينزلوا في الشاطئ ويستمتعوا بالبحر والرمل ..

هنا ، في شاطئ العزيزية أو في شاطئ نصف القمر والذي لا نزال نسميه بتسميته القديمة جداً Half Moon Bay ، كنا نقضي أول يوم من أيام عيد الأضحى قبل أكثر من ثلاثين سنة .. نبحث عن بقعة فارغة ، غالباً خلف أحد الطعوس المجاورة للشاطئ ونخيم مع عائلة خالتي .. نسبح  ونشوي ونتسامر و ( نشب الضو ) ونقضي أجمل الأوقات دون أن يتطفل علينا أحد من الخارج .. كنا إذا وصلنا انطلق زوج خالتي في ممارسة هوايته في المشي ، فيمشي حتى يغيب عن أنظارنا .. قد ألحق يه إلى مسافة معينة ، أبثره بأسئلتي وثرثرتي ولكنه كان دائماً يجيب بابتسامة عذبة وصدر رحيب .. كم تمنيت أن أراه هذه المرة .. ولكن الزهايمر ثم الموت غيّباه عنا ، فتوفي قبل أن ألقاه لأذكّره بكل ما مضى.

حديث أيام الطفولة عذب .. ذكراها لذيذة ، ونشواها تفرح القلب الحزين .. وعلى آثارها نعيش لحظات جميلة .

 غادرت الخبر آسفة .. كم تمنيت لو جلست هناك أسابيع ..

يومها قلت لإحداهن  : لولا أني في المدينة ، ولا أرضى لها بدلاً لرجعت أعيش في الخبر ..

أطلت عليكم ، سامحوني ، ولكن يخفف عني أني أعلم يقيناً أن بعضكم كان له ذكريات تشبه ذكرياتي . وسأحب حتماً لو شاركتموني بهذه المتعة :  استجلاب الذكريات .

Read Full Post »

يقولون أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ، ويقولون : جنة بلا ناس ما تنداس .

ما الذي يمنع من أن أضع بصمتي كذلك في عالم الأقوال ،  فأقول : إذا أردت أن تستمتع بحياتك فأحط نفسك بفرقة تشجيع Cheerleaders .

حينما أُصبت بالسرطان قبل سنتين ، أحاطني الله بمجموعة جميلة من فرق التشجيع ..

كنت أحياناً أعاني من الغثيان ، أو الألم بسبب عقار التاكسوتير ، أو الإحباط حينما أرى رأساً كالبيضة يتوسط كتفي ، أو أنظر إلى وجهي فلا أجد رموشاً ولا حواجب ، أو يقرصني الجوع ويرفض لساني بعناد قبول أي طعم .

لم أكن أترك لنفسي العنان للانسياق في المشاعر السلبية ، فكنت كلما حشرني موقف صعب استعنت بالله وتجلدت له ورميته وراء ظهري فقد كنت موقنة أنه لا ينبغي لي أن أبكي .

ربما لأني شعرت أن البكاء فيه نوع تسخط على قضاء الله عليّ، على الرغم من محاولات صديقاتي المستميتة في إقناعي بأن البكاء لا يتنافى مع الرضا ، ولكن هيهات ، يبدو أن الكيماوي سبب لي بعضاً من الثخانة في قشرة الدماغ الخارجية.

ربما لأني كنت أكره أن تراني أمي أبكي فيألم قلبها لي ، أو تراني شمس فتنزوي في رعب حين ترى الجبل الشامخ يهتز.

ربما لأني أعلم أني لو بكيت فلربما لن أتوقف إلا بعد ساعتين وقد انتفخت أجفاني واحمر وجهي ، وارتفعت درجة حرارتي.

فكنت أفضل تجاهل الأمور ، وتمثيل اللامبالاة وكأن الأمر لا يعنيني ، وكأن غيري أصيبت بالسرطان، وكأن غيري استؤصل ثديها ، وكأن غيري أصيبت بالصلع ، وكأن غيري ابتعدت عن أبنائها لتتلقى العلاج ، وكأن غيري انفصلت عن زوجها.

ولكني رغم كل شيء كنت – ولا زلت – بشراً  يعتريني من لحظات الضعف ما يعتري الآخرين ، فأتخاذل ، إلا أنني بحمد الله كنت دائماً أتخاذل أمام الناس ( الصح ) .

أمام بنات أخواني اللواتي يسكنّ مع أمي في ذات العمارة حيث أقمت لتلقي العلاج . كثيراً ما كنت أسمع ثناءهن على حكمتي ، كثيراً ما أشعرنني بأنني ملكة ، لا تحتاج إلا أن تشير فيخدمها الجميع ، كثيراً ما كن يستشرنني في أمورهن الخاصة ، كثيراً ما كن يدفعنني للحديث عن نفسي لأن النفس تحب ذلك ، كثيراً ما  أوحين إلي بحب الحياة ، فعلمتني إحداهن التصوير ، وأهدتني أخرى دفتراً ملوناً وقلماً جميلاً استعداداً للدراسة  الجامعية ، وأنا التي كدت أن ألغي شراء حقيبة  أوصيت بها قبل معرفتي  بتشخيص المرض لأني لم اشأ أن أضيع أموال ( الورثة ) .

كثيراً ما كنت أتهاوى لثقل ما  أتحمله فأبكي لأجدهن يبكين معي ، حتى إذا ما  أفرغت انفعالاتي المضطرمة  في دقائق وسكتُّ ، سكتن كذلك وغيرن الموضوع في مرح ، وكأنهن لا يحتجن إلا إلى ضغطة زر ليتقمصن المزاج الذي كنت فيه فيوافقنني ، وكانت الصغريات منهن يستمتعن بالمسح على شعري النامي القصير ، ويراقبن بفرح وحماس نموه يوماً بعد يوم .

معهن شعرت أني في عوالم رحبة ، لا أني مريضة سرطان على وشك أن تموت كما يوحي إلينا اسم ( السرطان ) .. شعرت وأنا في تلك الفترة الحرجة بأني أريد أن أعيش لأسعدهن كما أسعدنني .

وفي المدينة كانت هناك فرق تشجيع أخر ترسل الطعام لأولادي بين الحين والآخر ، غداء أو عشاء ، أو مجرد فطائر وكيك، من نادية وعائلتها المباركة ، من لينا ، من لمياء ، وتصلني الأنباء من الأولاد ، ويمتلئ قلبي شكراً لله ثم لهؤلاء الأخوات الرائعات اللاتي ما فتأن يرسلن رسائل مخبأة في ( البريك المديني ) أو ( الرز الكابلي ) أو ( البيتزا ) بأننا هنا فلا تشيلي هم !

وقبل أشهر ألقيت  دورة مكثفة في أحد المعاهد العلمية في فن مصطلح الحديث استمرت شهراً . ولما كنت – بطبعي-لا أستطيع أن أظل جادة جداً لأكثر من ربع ساعة ، فكثيراً ما كنت أخرج عن الموضوع الأصلي لألقي طرفة هنا أو قفشة هناك وكونت الطالبات عني بعض الأفكار .

في يوم كنت ألقي الدرس أمام 24 طالبة وفجأة انتبهت أن في الصف الأيمن جلست ست طالبات متجاورات يرتدين ثياباً بدرجات البنفسجي المختلفة ، فقطعت الدرس وقلت : ” الله ، هذي الناحية لونها جميل” ، وأدرت نظري إلى الجهة الأخرى لأرى نفس المنظر ، وحينما أمعنت النظر وجدت أن 18 من الأربع والعشرين يرتدين اللون البنفسجي والذي علمن بمحض الصدفة ولعي به ( و لا ، لا يترتب على الدراسة أي درجات ، لو تفهمون قصدي ) .

تصايحت الطالبات : ( توك يا أبلة تنتبهي ؟ ) .. نعم لا أتمتع بقوة الملاحظة فلم أنتبه إلى هذا التوافق اللوني إلا  في المحاضرة الثانية بعد الفسحة ، وعلمت باتفاقهن على ارتداء البنفجسي إدخالاً للسرور على نفسي .

لم أتمالك نفسي ودمعت عيناي . هاهنا رسائل حب مغلفة بالبنفسجي أعطتني دفعة أقوى للحياة في الوقت الذي كنت أحاول أن أتكيف مع خروج سهل من البيت ، شكرتهن وأخبرتهن أنهن فرقة من فرق التشجيع التي وهبني الله إياها بعد انتهاء فترة علاجي وابتعادي عن بنات إخواني .

أما الحفل الختامي فكان حكاية أخرى : هدايا بنفسجية وكلمات رقيقة وحب جارف ملأ قلبي حبوراً .

وفي هذه الأيام أقيمت مسابقة في عالم تويتر الأخاذ لأكثر من يُرشح متابعته هذا الأسبوع .

فوجئت بمن يرشحني مع سبع متسابقين آخرين .

لن أكذب وأقول أن الأمر لم يهمني أو أن ترشيحي وعدمه سواء .

بالعكس ، فرحت وتحمست للأمر ومن باب ( البهللة ) قمت بحملات انتخابية ودعائية وكم كانت سعادتي بتلقي كماً هائلاً من التشجيع والحب من أناس لا أعرفهم ولم أقابلهم في حياتي ، وإنما كان هذا العالم الافتراضي هو مكان لقاءاتنا المتكررة .

وسبحان الله ، مرة ثانية تكون فرق التشجيع هذه شاغلاً لذهني عن البلاء الجديد الذي اقترب موعده ( فضلاً مراجعة التدوينة التي تحمل هذا الاسم ) .

أحياناً حينما ( يكبس ) عليّ مود الحزن يهتف صوت عميق في داخلي محاط بموسيقى تصويرية مأساوية ، يقول : هناء، احزري .. بقي عشرة أيام فقط على سفر سهل إلى أمريكا ، ولن تريه إلا بعد سنة .. سنة .. سنة .. سنة ..

الله العالم من سيموت ومن سيعيش في هذه السنة .. سيتركك الابن البار .. سنة .. سنة .. سنة ..

وتدمع عيناي وأبدأ في الاندماج في هذا ( المود) لأسمع صوت ( المنشن ) في الآيباد وأجد رسالة تشجيع جميلة من أحد المتابعين ودعاء بالفوز في هذه المسابقة ، فأكفكف دمع قلبي وأنهمك في حملاتي الانتخابية والتصويت .

واليوم انتهت المسابقة ولم تعلن النتيجة بعد .

إلا أن الحب والتشجيع والكلمات الدافئة التي أحاطني بها المتابعون الأعزاء أضفت سروراً عطراً على حياتي  لم يعد يهمني معه على أي مركز حصلت .

أشعر أني بكل تلك المشاعر الدفاقة قد حصدت أعلى النتائج .

سبحان الله ، كم من الكلمات والتصرفات والهدايا البسيطة التي يمكننا أن نقدمها ولا نلقي لها بالاً يمكنها  أن ترفع أناساً إلى قمة السعادة .

لماذا نعاني من البخل في الألفاظ والمشاعر مع أنها قد تقلب كيانات لأناس كثيرين ، وقد يكونون  بأهمية  بالغة في حياتنا كآباء أو أبناء أو أزواج ، أو مجرد أصدقاء .

العلاقة الطيبة تحتاج إلى وقود يبقيها مضرمة .. الكلمات الرقيقة والمشاعر الصادقة خير وقود لهذه العلاقة .

متابعي الأعزاء .. لا أملك إلا أن أشكركم على دعمكم وتشجيعكم ، أسعدتم قلبي الكهل بالفعل ، ورسمتم البسمات المتتاليات على شفتي ، ووهبتموني بكرم أخلاقكم وجميل خصائلكم سويعات غاية في الإمتاع .

أسأل الله أن يتولاكم برحمته ويرزقكم من فيض خزائنه .

Read Full Post »

في إحدى التعليقات التي تلقيتها مشكورة ، ذكرت ريم أنها تفضل وجود بعض الصور بين الحين والآخر .

حسناً .. لست مصورة ماهرة ، ولكن ( يجي مني أحياناً ) .

أحب التصوير جداً ، إلا أني لا أرغب في تعلم أساسياته ومهاراته ، ربما بسبب السن ، وصراحة (ماعاد ليّ خلق ) .

أهاا ..

( على طاري السن ) عندي موضوعان الآن يمكنني أن أتحدث فيهما وأرجو أن تكفيني المساحة لذلك ( وأشك في أن تكفي 3 صفحات لذلك ، فأنا ثرثارة كما تعهدونني ) .

ختمت إجازتي الصيفية برحلة إلى مكة ..

بدأ الأمر حينما فتحت التلفاز وشاهدت الحرم ( الفاضي نسبياً ) .

هاج في قلبي الحنين إليه وتاقت نفسي لزيارته .

صحيح أني لن أتمكن من القيام بعمرة لأن الحر يتفاعل مع جسمي تفاعلاً غير محمود العواقب خاصة تحت تأثير العلاج الهرموني الذي يعطيني – أنا على الأقل – نتائج تماثل ( الحرمة القاطعة ) فيغلي جسمي أحياناً بسبب الحر ، وأشعر بقرصات في مختلف أنحائه ، فأي خشوع سأخشع في العمرة والحال ما ذكرت  .

لذا فقد تفتق الذهن عن قضاء ليلة بجوار الحرم وأستمتع بالصلاة فيه على الأقل ، وشجعني على ذلك محفظتي المتخمة بالعيديات ..

اتفقت مع مجموعة الدعم الحبيبة ( بنات إخواني ) على قضاء ليلة في فندق فيرمونت برج الساعة .

هل أقوم الآن بعمل دعاية له ؟

طيب ، لنتفق مبدئياً أنني لا أقوم بعمل أي دعاية ، ولا أتقاضى أي أجر ( ووددت لو أني فعلت)، ولكني شُجعت على الككتلة ( من كوكتيل ) في الموضوع السابق وتنويع المواضيع ، كما طُلب مني وضع صور ، لذا كانت هذه الوقفة .

انطلقنا في يوم الأحد الأخير من الإجازة إلى مكة ..

لم نحتج أن نحجز مسبقاً فموسم العمرة والحج مغلق الآن والأسعار تعتبر ( لقطة) بتسكين القاف ، وليس بفتحها !

اقتربنا من الموقع نوعاً ما فكانت هذه الصورة ، واعذروني أن كانت صوري كلها غير احترافية ، وإنما بالآيفون ، إذ لا زلت أجد حرجاً في الإمساك بآلة التصوير في وسط الشارع والتقاط الصور .

الفندق حسب ما أعتقد يتكون من 14 طابقاً في برج الساعة ..

نعم ، برج الساعة ( ما غيره ) ، الذي يضيء هلاله أثناء الأذان مذكراً إياك بالعيد ، أو قاعات الأفراح .

هذه الأدوار الأربعة عشر تعلو ستة عشر دوراً  لا أعرف ماذا تحتوي  .

فحين كانت حجرتي في الدور الرابع عشر من الفندق ، فإنها في الحقيقة كانت في الدور الثلاثين من المبنى .

الردهة ( اللوبي ) فاخرة ..

أظنها فاخرة ، لعلي لم أزر فنادق فاخرة في المملكة إلا هذا الفندق فلن أتمكن من المقارنة ، وأرجو ألا أُتهم ( بالهياط ) لأجل هذه الجملة ..

صدقوني ، أنا أتكلم معكم على طبيعتي !!

اختار لي خالد حجرة ثنائية تطل اطلالة مباشرة على الكعبة .

الحجرة لا بأس بها على الإطلاق .. السرير واسع  ووثير فعلاً .

هنا مرآة ذات إطار جميل ، وهذه السماعات تنقل لك  الأذان والصلاة من الحرم  مباشرة .

غرفة فاخرة بالفعل ، لكني لا أعرف لماذا يرون أن وضع علب المناديل في الغرفة لا يعد من ” الكوالة ” .

كلما أردت منديلاً ذهبت إلى الحمام !!

والآن .. إليكم هذا الجمال و الروعة ..

الإطلالة  !!

هذه كلفتني قرابة الخمسمئة ريال زيادة على ثمن غرف رفيقاتي ..

محفظتي تئن بلا شك .. لكن لا بأس .. في سبيل هذه الإطلالة  قد يفيدك بعض البنادول يا محفظتي الغالية .

اعذروني على عدم دقة هذه الصورة بالذات ، لكن الزجاج من الخارج كان مغبراً ..

أعتقد أنهم يجدون بعض الصعوبة في تنظيف الزجاج في الدور الثلاثين .

جلست على الأريكة أتناول قهوة مجانية صنعتها ، وأخذت أراقب الحركة في الحرم .

تخيلت نبي الله إبراهيم عليه السلام يمضي منفطر قلبه على ابنه إسماعيل الرضيع وزوجه هاجر تتشبث به وتقول : يا إبراهيم ، أين تتركنا في هذا الوادي الذي لا أنس فيه ولا شيء ، فيمضي في طريقه ولا يلتفت إليها .

حتى إذا خرج عن مكة التفت إليها ودعا :” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقميوا الصلاة ، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم “.

أنظر إلى الصحن الممتلىء بالطائفين والركع السجود .

في هذه الساعة من العصر ، الجو لا يزال حاراً ، والناس لا يزالون يملؤون الحرم دون اكتراث .

 قد هوت أفئدتهم إلى بيت الله الحرام قبل أبصارهم وتعلقت قلوبهم بهذا البنيان البسيط العظيم دون أن يتنبه أكثرهم أنهم يحققون دعاء إبراهيم عليه السلام .

انتقل ناظري إلى الجالسين على البسط ينتظرون الصلاة .

هززت رأسي متعجبة من فشل كثير منا في التجارة ..

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في المسند من حديث جابر : ” صلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه ” .

ويقول كما في البخاري من حديث أبي هريرة : ” ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ” .

كم من الحسنات نضيع بحسنا التجاري الخائب ؟

نعد بعضها ؟

صلاة الضحى التي تعدل صدقة عن كل مفاصل الجسم والبالغ عددها 360 .

السحور الذي يصلي الله وملائكته على فاعله .

قيام رمضان إيمانا و احتساباً ( وهذه أهديها لأبنائنا الذين قتلهم الكسل والصوارف ) .

ركعتا الفجر اللتان هما خير من الدنيا وما فيها ، والتي يقصد بهما راتبة الفجر لا الفرض ، ( وهدية أخرى لأبنائنا ) .

قول “سبحان الله وبحمده ” مئة مرة ، لا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق ولكنها تحط الخطايا وإن كانت مثل زبد البحر ..

كفاية ؟؟

هذا أفضل ..

انتهت مساحتي ..

نكمل معكم في مساحة قادمة بإذن الله لأخبركم عن إعتراف خطير ..

ابقوا معنا !

Read Full Post »

كنت قد عزمت على أن أخصص لرمضان تدوينة واحدة لأني لا أعرف ما الذي يمكنني أن أكتب فيه أكثر من ذلك ، وعندما قرأت تعليق فاطم على التدوينة السابقة ، ذكرتني برمضاناتي الفريدة مع أولادي حينما كانوا صغاراً .

كان الثلاثة الكبار يساعدونني دائماً في المطبخ – في رمضان وغيره – حينما كنت أكثر شباباً وأطول نفساً في توجيههم و الصبر على أخطائهم ..

كانوا يساعدونني في تقشير البصل ودق الثوم ، وطقطقة المفرومة ، وتنقية الرز ( في العصور التي كان الرز يأتينا مسوساً أحياناً أو به حبات سمر لا تزال بأغلفتها ) وإحضار ما يلزمني من الثلاجة أو الدولاب ، ولما كان أحدهم يعترض بأن ذلك ليس هو نوع المساعدة التي كان يتخيلها ويأملها كنت أجيب بحكمة أن الطاهي المحترف ( الشيف) لا يصبح طاهياً محترفاً في يوم وليلة ، وإنما يبدأ من الصفر : من غسل الصحون وتقشير البطاطس ويظل يترقى حتى يبدأ في الطهي الفعلي وينتهي به المطاف ليصبح ( شيفاً ) ذا خمسة نجوم ..

لا أدري من أين أتيت بهذه المعلومات ومدى صحتها ..

ربما أكون قرأتها في إحدى قصص ميكي وبطوط ..

المهم أنك يا بني تحتاج للمرور بكل هذه المراحل لتصير (شيفاً ) ممتازاً .

وأكاد أقرأ أفكارهم وهم يتسائلون بحيرة : ومن قال أني أريد أن أصبح شيفاً ؟!

قبل رمضان بعشرة أيام تقريباً أقوم في كثير من الأحيان بإعداد كميات من السمبوسك وكنزها في الفريزر تحسباً للأيام التي أكون فيها متعبة ولا أتمكن من إعدادها .

كما أني أنتهز فرصة رخص البقدونس قبل رمضان والذي يقفز سعره 300% في أول يوم من رمضان .. فالحزمة التي تباع عادة بريال ، نشتريها في رمضان بثلاثة ريالات !

فإذا كانت الليلة الثلاثين من شعبان تسمرنا أمام التلفزيون ( هذا في أيام قنوات المجد والفلك ، أما قبل ذلك فكنا نتسمر أمام المذياع ) ونضطر للاستماع إلى كل البرامج حتى يخرج لنا المذيع الذي يعلن نبأ دخول رمضان ، فيتقافز صغاري فرحين ..

سبحان الله .. حتى الصغار يحبون هذا الشهر العجيب ، ولا أظنه بسبب الشوربة و السمبوسك ، فهذه أطعمة صرنا نعدها في غير رمضان .

لابد أن لرمضان سحراً خاصاً يفتن البشر .

حينها أعد السحور التقليدي والذي عودتنا عليه أمي مذ كنا صغاراً : الاسباجيتي وصلصة البولونيز. والسر في اختيار هذه الأكلة هو سهولة إعداد الصلصة من وقت مبكر ، فلو أعلن عن رمضان فلا نحتاج إلا إلى إعداد الاسباجيتي وتسخين الصلصة للسحور ، وأما لو أكملنا شعبان ثلاثين فبإمكاننا حفظ الصلصة في الثلاجة لغد .

وفي يوم رمضان فإنا نستيقظ جميعاً عند صلاة الظهر لأداء الصلاة ثم نقرأ شيئاً من القرآن قبل العصر ..

يمكنني بمزيد من الدقة أن أقول ( أقرأ ) شيئاً من القرآن ، وذلك لأن أولادي يتجهون مباشرة إلى محاريبهم الخاصة : أجهزة الكمبيوتر والتي تنوعت في بيتنا : ابتداء بكمبيوتر ( صخر ) ومروراً بالأحدث تقنية كالننتيندو بأنواعه وانتهاء بالإكس بوكس ، في حين أظل أذكرهم بفضل قراءة القرآن في رمضان وأجره ، وأحياناً إذا ما ثارت ثائرتي أمنعهم من اللعب حتى يقرؤوا جزءاً واحداً على الأقل .

ولايزال سهل مثار تندرنا جميعاً عليه حينما اعترف لنا أنه قرأ ما بين العصر والمغرب في أحد الأيام من سورة آل عمران إلى سورة يوسف !

أفهم أن يكون المرء سريع القراءة ، لكن يقرأ في ساعتين عشرة أجزاء ، فهذا ما يسمى بالقراءة النووية .. لو كان ثمة قراءة بالفعل .

طبعاً كل ذلك في الأيام التي كنا ننعم فيها بالإجازة الصيفية ، أما إذا وافق رمضان الدوام المدرسي فيكون عذاباً بحق ، إذ كنت أستيقظ مرة قبل الفجر لأدس في أفواه أولادي التمر وأجرعهم الماء وهم يبتلعون كل ذلك آلياً وأعينهم مغمضة بشدة في محاولة يائسة للإبقاء على الأحلام التي انتزعتهم منها .

ثم أوقظهم مرة ثانية ليقوموا فعلياً للذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر ، ثم أوقظهم مرة ثالثة في الثامنة و النصف للذهاب إلى المدرسة ، ثم أستيقظ للمرة الأخيرة في الثانية عشر لبدء اليوم .

(وعلى طاري ) إيقاظ الأطفال ، فكم أضحك من أفعال بعض من أوقظهم لأداء الصلاة ، أو للذهاب إلى الحمام قبل أن يحدث مالا تحمد عقباه..

أحدهم حينما أوقظته نظر إلي بعينين فارغتين ثم مد يده وهمهم بكلمات سريعة : أديني أديني ، وكأنه يأخذ كتاباً من شخص مجهول ثم يقلب صفحات الكتاب ، فأنبهه مرة أخرى فينظر إلي ثانية ، ليعود إلى الوسادة من جديد .

وآخر أوقظه لصلاة الفجر فيقوم ويتجه على الحمام فيجده مغلقاً فيحتار قليلاً ، ثم لا يلبث – تحت وطأة النوم – أن ييمم وجهه شطر باب الحمام ويكبر ويصلي ركعة واحدة ويقفل راجعاً إلى فراشه !

قبل صلاة العصر يبدأ الإعداد لطعام الإفطار ..

وكل يوم تقريباً أفكر بنفس السؤال : أمكث في المطبخ كل هذا الوقت لإعداد إفطارنا والذي لا يتجاوز غالباً الشوربة والسمبوسك والفول ( أو سلطة التونة ) وما يماثل وجبة غداء عادية ( رز وإيدام) لزوجي الذي تربى على هذه النوعية من الإفطار الدسم وصنف واحد فقط من الحلويات أحياناً ، فكم تقضي النساء اللاتي يقمن بإعداد نوعين أو ثلاثة من المعجنات وأنواع الحلويات ونوعين من الشوربة للإفطار ، ثم طعاماً آخر للعشاء ، ثم السحور ؟

ماذا يمكننا تسمية هذا الإهدار للوقت في رمضان ؟

أشعر أن رمضان له عند الناس جاذبية خاصة في ما يتعلق بأنواع المأكولات ، والبرامج التلفزيونية .

كل يوم رمضاني أفتح إذاعة القرآن عصراً أثناء إعداد الإفطار لأستمتع بقراءة الشيخ محمد أيوب ، والذي صار بالنسبة لي علماً على رمضان ، حتى إذا ما سمعت قراءته في أي وقت آخر تلتقي نظراتي بنظرات فاطم ويبتسم قلبانا ثم تتداعى على ذهني فوراً بقية المكونات لأصنع في خيالي يوماً رمضانياً مجيداً : رائحة الشوربة على النار ، والبقدونس المقطع ، واللحم المفروم ( وهو يتطقطق ) ، وماء الزهر في طبق الحلوى ، وهدير المكيف ، والحلق الناشف ، و الطاقة التي بدأت تخور في نهاية اليوم .

وهنا يأتي دور الذكور في المساعدة : أناديهم لتعبئة دوارق المياه ، وشيء خاص بزمزم بعد تبخيره بالمستكة ، وثالث لمشروب الفيمتو الرمضاني الشهير ، ورابع حديث أضفناه مؤخراً لتانج البرتقال كل ذلك نرصه بحرص في الفريزر الكبير ليكون مثلجاً عند الإفطار ..

وبعد ذلك يأتي دور تعبئة التمر .. أنا أحب الصقعي أو سكري عنيزة الضخم لو توفر ، وأولادي يحبون السكري ( المرقد ) فنعبئ من النوعين لإرضاء كافة الأذواق .

وبين هذا وذاك يهربون لإكمال لعبة الكمبيوتر التي ( حطوها على ستارت ) دون إتمام عملهم فأناديهم مرة ثا*نية لإعطائهم محاضرة في إتقان العمل وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه..

في العصر الرمضاني يأتيني كل يوم الابن الصغير الذي بدأ للتو في التعود على الصيام مخبراً أنه بدأ منذ اللحظة في الصوم !!

ومنذ أن يخبرني هذا الولد بذلك إلى أن يؤذن المغرب ، يكون قد طلب مني ما لا يقل عن خمس مرات أن ( يكنسل ) صيام اليوم ويبدأ من غد ، فقط ليشرب فنجاناً من الفيمتو البارد ، أو تتناول ملعقة من مفرومة السمبوسك ، أو لأنه عطشان ، أو لأنها نسيت أن ( تتسحر ) قبل العصر !

وأظل في أخذ ورد مع هذا الصغير إلى أن يؤذن المغرب فأتنفس الصعداء أن : هذا يوم آخر انقضى.

في المساء يكون الجو الرمضاني الرهيب بسماع أصوات الأئمة في المساجد المجاورة تختلط في قراءات مختلفة في صلاة التراويح ، كثيرمنه اقراءات سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة حتى يبدؤوا بدعاء القنوت ، ويتخلل ذلك كله أصوات الألعاب النارية ( الطراطيع ) التي يبدأ موسمها في أواخر شهر شعبان ، وأصوات الأطفال وهم يتجمعون في الشارع أمام لعبة ( الفرفيرة ) التي نصبها أحدهم ليلعب أطفال الحي ومراهقوه ( وربما بعض الزائرين من الأحياء المجاورة ) مقابل مبلغ مالي بسيط ، أو أمام عربية لبيع البليلة والذرة .

رمضان هو الشهر الوحيد الذي لا أجد فيه غضاضة من إرسال ولدي الصغير الذي يبلغ العاشرة إلى البقالات المجاورة في الثانية عشر ليلاً ، إذ جميع الدكاكين مفتوحة ، وحركة الشارع مستمرة ، وكأن الوقت لا يزال الثامنة مساء .

كم من أشياء لا نجد لذتها ولا فرحتها إلا في رمضان .

يكفيني الشعور بالسلام النفسي ..

أتراه من إحساسي الشخصي بتصفيد الشياطين ؟

أم أن هناك سكينة فعلاً في رمضان ، تجعلنا نتمنى لو كانت أيامنا كلها رمضان ؟

رمضان اقترب ..

فاللهم سلمنا إلى رمضان وتسلمه منا ..

Read Full Post »

بدأ العد التنازلي لوصول شهر رمضان ..

الحبيب المرتقب ، الذي يحل علينا ونحن في أوج حاجتنا إليه ، ويرحل عنا ونحن لا نزال نتمسك به ونريده ، وهذا من أسرار مكانته العظمى في قلوبنا : التغلي !!

شوفوا ..

لن أتكلم عن روحانيات رمضان لأن ليس من منهجي إلقاء محاضرات في مدونتي ، وإنما هي خواطر وبعض الهراءات التي أجد فيها نوع من المتعة لتذكرها واستطعام طعومها في حلقي ، ولعل كثيراً منكم يشاركني هذه المتع .

اقترب شهر رمضان ، وبدأت الذكريات والخيالات  بالتزاحم عل عقلي..

هناك أشياء معينة مرتبطة برمضان لا تكاد تجدها إلا فيه .

في ذهني أنا هناك ومضات رمضانية تنتمي إلى زمن الطفولة لا أزال أذكرها بحذافيرها رغم تقادم الزمان.

تبدو في عقلي كصور بالأبيض والأسود ..

ولكن من يخالفني في أن صور الأبيض والأسود هي الأجمل على الإطلاق ، خاصة ولو كانت مقضومة الأطراف وتحمل في أركانها عبق الماضي وعبيره ، حينما كنا صغاراً .

أحب أن أقوم بعملية تنشيط الذاكرة في استجلاب مثل هذه الذكريات ، فبعد الكيماوي يُعد ذلك عملية هامة جداً .

في رمضان الطفولة كنا نستيقظ بعد الظهر بقليل لنصلي ونقرأ شيئاً من القرآن ثم نمضي فترة العصر في مشاهدة برامج الأطفال الرمضانية : جراندايزر و الدوق فليت ، شركان شركون ( الي له أربع عيون ، لخزّك ، وتقول له : ممنون ممنون ) ، و( أقشر أقيشر يبي مصباحه ، راح وتعنى لقى تفاحة ) في حين تتعالى رائحة شوربة الكويكر والتي كانت أمي قلما تصنعها إلا في رمضان ، فأصبحت معروفة عندنا باسم : شوربة رمضان .

في رمضان الطفولة كانت رائحة السمبوسك واللقيمات تطيش عقولنا قرب المغرب حين يبلغ منا الجوع والعطش مبلغه ، فنصبح بالفعل مثل ( توم القط ) حين يسيل لعابه على صدره إذا ما رأى طعاماً شهياً ..

كانت أمي تعد السمبوسك عصراً ( وللعلم فإن هناك أكلة هندية تماثلها تدعى samosa وتحشى بالخضار المفلفلة ، ولا أعلم أهي أصل السمبوسك التي نعرفها أم أنها شبيهتها فقط ) وكنت أساعدها بطريقتي الخاصة : أرص حبات السمبوسك في الصينية ، وأناولها ما تحتاجه من الأدوات ،  وآكل اللحم المفروم كلما غفلت عيناها عني !!

 وكانت أمي تحب الاستماع إلى الإذاعة أثناء إعداد وجبة الإفطار ، وكان يبث فيها في ذلك الوقت من اليوم البرنامج الاجتماعي الفكاهي ” عباس وعباسية ” فأظل أستمع له بشغف وأغفل عما تطلبه مني أمي .

وأحياناً كان أبي رحمه الله يفاجئني برحلة إلى ( البلد ) لشراء الفول ..

حسناً .. لا أريد أن أبدو مبالِغة للضرورة النثرية ، وفي الحقيقة أن هذا الأمر حدث فيما تعترف به ذاكرتي مرة واحدة فقط .

ذهبت إلى ( البلد ) وهناك كان الانبهار التام ..

روائح اللقيمات والسمبوسك تختلط مع رائحة عوادم السيارات ، الحلاوة اللوزية والحمصية الملونة معروضة بشكل يغري قلوب الأطفال الصغار على شاكلتي ، البسطات التي تبيع المأكولات الشعبية  المختلفة ، جرار الفول الساخن بالسمن البري  ، ودكاكين الشريك ..

في رمضان الطفولةكانت تعرض الفوازير التي كنت أشترك فيها سنوياً ولم أفز فيها قط ، ولا أدري هل هذا لأن حظي كان يخونني ، أو لأني لم أكن أرسل الإجابات أصلاً .

فوازير رمضان الطاهرة البريئة ، البعيدة عن الإسفاف والمجون الذي نراه في الفوازير الحديثة ..

فوازير رمضان التي تكاد تكون قمة في السذاجة إذا ما قورنت بما يُعرض الآن في ( شهر الخير ).

هل من قرائي من هو من جيل : ( شي مدور فيه حب أحمر يطلع إيه ؟ رمانة رمانة ) ؟

جيل الفساتين المنفوشة زاهية الألوان وحركات اليد التي لا تكاد تختلف في جميع الأناشيد : الأصبع الذي ينزلق طولياً على الخد ( دلالة على جمال الشيء ) ، واليد التي تنفتح يمنة أو يسرة ( دلالة على : هنا وهناك ) ، واليدان اللتان تنفتحان معاً ( للدلالة على اتساع العالم ) !!

في بيتنا كان نظام الإفطار كالتالي : تناول الماء المبخر بالمستكة و التمر فقط قبل أداء صلاة المغرب جماعة مع أبي رحمة الله عليه ، ثم مشاهدة برنامج محمد علي الطنطاوي ..

وعلى الرغم من حبي لهذا البرنامج لعفوية الشيخ المحببة إلا أن الأصوات التي كانت تصدر من بطني الصغيرة تمنع ذهني في كثير من الأحيان من متابعة ما يقول ..

وأظل أتململ وأقطع الوقت ذهاباً وإياباً إلى المطبخ للتأكد من عدد حبات السمبوسك ومقدار الشوربة وعصير قمر الدين وسلامة كؤوس الكسترد والجيلي في الثلاجة .

وفي المساء كانت أصوات الأئمة في قراءة التراويح تتعالى في الأجواء لتبث الرهبة في القلوب ، ويالها من روحانية .

لكن يغفر الله لنا ، كنا نمضي هذه الأوقات أمام جهاز الكمبيوتر ( الأتاري وقتئذ ) أو العروض السخية من البرامج الرمضانية ( المخصوصة لشهر الخير ) ..

فإذا ما حل الليل الموغل في ( الليلية والوقت المتأخر ) أصدرت أمي أوامرها بالخلود للنوم ..

طبعا كان ذلك في السن الذي كنا لا نزال ننصاع فيه للأوامر ، وأما حين راهقنا ، فقد نفضت أمي يدها عنا وصارت تتركنا لتنام هي مع الوعيد الشديد ألا نصدر أصواتاً تزعجها في نومها الخفيف ، فقط لنمضي الوقت في أشياء أكثر إثارة : المزيد من اللعب بالأتاري ، ومشاهدة المزيد من البرامج الرمضانية والتي اقتصرت في بيتنا على برامج القناة السعودية الأولى نظراً للطف الله بنا وعدم قدرتنا على استقبال القنوات المصرية التي كان يستقبلها عامة أهل جدة في ذلك الوقت بواسطة المستقبلات المقوية .

وقبل الفجر بساعة كانت أمي توقظنا لتناول طعام السحور ، والذي كان يعد بمثابة الغداء في الأيام العادية : رز وإيدام وسلطة وما إلى ذلك ..

حتى اليوم لا أعرف كيف كنا نستطيع تناول طعاماً دسماً فور الاستيقاظ من النوم .

ولكني أعتقد أن سن الطفولة والشباب يفعل الكثير من الأعاجيب .

يكفي أنه يفلح في تحسين أي ذكرى أو أكلة أو أو مناسبة .

هل لي أن أطمع في أن تكتبوا لي تعليقاتكم عن رمضان زمان بالنسبة لكم ؟

Read Full Post »

أعتذر إليكم ، أعلم أني قد تأخرت عليكم ولكن تعلمون ظروف الإجازة ، والأعذار المتكررة في مثل هذه الظروف .

كما أعلم أني ربما أكون قد ( غثيتكم) بالحديث عن نفسي وذكرياتي التي قد لا تهم أحداً ، ولكنا اتفقنا من قبل أن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم ، فبعضها قد لا يهمكم ألبتة ( مثل الحديث عن نفسي وذكرياتي ) إلا أنها تدخل على نفسي بعض المتعة ، وقد أتحدث عن أشياء لا تهمني كثيراً ولا تروقني ولكني أفعله لأجلكم – صدقوني J –

يكفي هذا الهراء الذي لابد منه لصنع مقدمة لا بأس بها حين تفتقر إلى مقدمات مناسبة .

هذه الحلقة الأخيرة من استجلاب الذكريات السعيدة عن مدرستي دار الحنان .

سنوات الثانوي كانت حافلة بالعديد من النشاطات التي كانت لا تكاد توجد إلا في دار الحنان في تلك الفترة من الزمان .

لا أعرف في الحقيقة عم أتحدث وماذا أدع .. لا أكاد أذكر شيئاً سيئاً في تلك الفترة ..

قد يكون هناك شيئاً سيئاً وأسقطه عقلي من الذاكرة ، لكن فيما أراه ماثلاً في ذهني فلا أكاد أذكر أي مرارة أو أسى .

وإنما أذكر أشياء كثيرة أنظر إليها الآن ، وأحللها فقط لأكتشف نعم الله عليّ .

فمثلاً ، كانت من أنشطة دار الحنان رعاية المواهب الموسيقية ، وكانت لدينا مدرسة موسيقى تجيد العزف على البيانو ( الذي كنت أعشقه ) وتجيد قراءة النوتة الموسيقية ، وحين قررت مع بعض صديقاتي إنشاد أغنية وداعية استقيناها من إحدى الأفلام الأمريكية  على أن تعزف مقطوعتها هذه المدرّسة إلا أن الفريق الغنائي الذي كان معي لم يكن متقناً جداً فألغت الإدارة هذه الفقرة لعدم الإتقان . والآن أفكر في لطف الله بي إذ صرف عني الغناء والموسيقى في وقت كنت أحبهما وأجيدهما جداً ، والله وحده يعلم لو لم يصرف عني ذلك ماكان حالي الآن ؟

هل أخبرتكم من قبل عن مكتبة المدرسة ؟

كانت لدى المدرسة مكتبة كبيرة مرتبة ومنظمة ، ومنيرة بشكل مريح ، باردة ، واسعة ، وباختصار: مبهجة . وكان يعجبني منذ سني الابتدائية أن أزورها باستمرار لاستعارة الكتب ..

كنت أجد نهمتي البالغة للقراءة في قصص الأطفال المتينة نوعاًما ..

 كنت أستعير الكتاب في الفسحة وأشرع في قراءته بين الحصص ، وفي الباص ، وبعد تناول الغداء لأعيده في اليوم الثاني مع تعجب أمينة المكتبة ، فقط لأستعير كتاباً آخر .

 أين قرأت قصة بنوكيو وروبنسون كروزو و جزيرة الكنز وكتب نجيب الكيلاني إلا في مكتبة مدرستي؟

في علية المكتبة كانت غرفة السينما ، حيث تقبع آلة عرض الأفلام وكمية من الأفلام التعليمية والوثائقية التي كنا نتفرج عليها في بعض حصص الفراغ ..

نحن نتحدث عن أحداث تمت منذ قرابة الثلاثين سنة .. في تلك الفترة كان التفرج على الأفلام في المدرسة يعد ضرباً من الترف والرفاهية ، خاصة لو كان المكان نظيفاً وبارداً ..

حتماً كان ينقصنا بعض الفيشار والمرطبات .

في السنة الأولى الثانوي كان الذهاب إلى معامل الكيمياء والفيزياء من المتع كذلك ..

الخروج من الفصل الروتيني في طابور منظم لمعمل الكيمياء حيث تحاول غالبيتنا الجلوس في المقاعد الخلفية والعلوية من مدرج المعمل ، أو بجانب النافذة حيث تقتنص نظرات الجالسة هناك الرائحات والغاديات في الفناء ، وقد تكون إحداهن صديقتها فتظل ترسم وجوهاً مضحكة لتضحكها بها فتوقعها في شراك المدرّسة .

لا أنسى التجارب المعملية التي كانت تكلفنا بها المدرّسة أحياناً ، والتفاعلات الكيميائية ، والأدخنة المتطايرة ، والتعامل مع المجاهر ( الميكروسكوب ) . حقاً كانت متع لا تنسى .

كانت سنوات الثانوي حافلة بالمسابقات ، وكنت دائماً في الفرق المشاركة ..كانت هناك المسابقات الثقافية بين الفصول والتي كانت بمثابة اختبارات لمعرفة جودة الدراسة ، إذ أنها مراجعة على جميع المناهج الدراسية ، إضافة إلى سرعة البديهة في كثير من الأسئلة .

كما كانت تقام المساجلات الشعرية ، فكنا نحفظ مئات من أبيات الشعر والتي كنت أستخرجها من الدواوين الشعرية التي اكتظت بها مكتبة والدي رحمه الله ، نكتبها في أوراق كثيرة ، ونحفظها في عدة أسابيع لتعقد المساجلات بين الفرق : حيث يأتي كل فريق ببيت يبدأ بالحرف الأخير من البيت الذي ذكره الفريق الذي قبلنا .

أستغفر الله ، كنا نقوم أحياناً بعملية غش صغيرة إذا ما ( تورطنا ) ببيت نحتاج أن يبدأ بحرف الواو أو الفاء أحياناً ، فكنا نأتي بالبيت الذي يبدأ بأي حرف ، ونضيف إليه واواً زائدة أو فاء زائدة ، (ولا من شاف ولا من دري ) .

طبعاً لم نكن نستطيع أن نقوم بهذه الحركة مع كل الأبيات ، فمثلاً لو قلت :

“و” على قدر أهل العزم تأتي العزائم    وتأتي على قدر الكرام المكارم

لانكشفت حيلتك مباشرة..لعل شمسي تحفظ هذا البيت ، فلا يمكنك بحال تغيير أي شيء فيه .

لكن لو قلت :

“و”ما جال بعدكِ لحظي في سنا القمر          إلا ذكرتكِ ذكر العين بالأثر

فمن بربك يحفظ ديوان ابن زيدون ليكتشف غشنا ؟؟

من ابن زيدون أصلاً ؟؟

في السنةالأولى ثانوي انتقلنا إلى مبنى المطار القديم نظراً لوجود ترميمات في مبنى المدرسة الذي بلغ من العمر قريباً من العشرين سنة أو يزيد وبالتأكيد كانت سنة متميزة ..

أقيمت الفواصل في إحدى مباني المطار لتكون فصولاً دراسية ، وكانت مدرسة الأحياء تشرح درساً في الفصل المجاور فيطغى صوتها على صوت مدرسة اللغة العربية في فصلنا ، فتقع النوادر والقفشات.

كنت نصطحب معنا الزلاجات إذ لا يمكن أن تجد مكاناً أنسب من أرض  مبنى المطار الناعمة والانسيابية للتهادى بالزلاجات عليها ، وكانت بعض الفتيات يستعرضن مهاراتهن في التزلج والتي اكتسبنها من سفرهن للخارج .

قاربت السنة على الانتهاء .. واقترب التخرج .

أقامت المدرسة يوما مفتوحاً ، مفاده أن تقوم من أحبت من طالبات الصف الثالث الثانوي بتقمص أدوار من تشاء من ا لمدرسات و الإداريات بعد استئذانهن .

انطلقت جرياً إلى وكيلة المدرسة الأثيرة لدي : أبلة فايزة كيال ، والتي كانت معروفة عندنا بأناقتها وقربها من قلوب الطالبات واستأذنتها في أداء دورها فوافقت .

وفي صباح ذلك اليوم ، دخلت في أول الدوام المدرسي مكتب أبلة فايزة .. وجلست على مكتبها..

جاءتني وعلمتني كيفية استخدام الهاتف ( السنترال ) وسمحت لي بفتح أدراجها والاطلاع على الأوراق الموجودة واشترطت ألا أفشي سراً وخرجت .

كان من أمتع الأيام إلى قلبي . استمتعت فعلاً بقراءة الملفات الموجودة ، والاتصال على بعض صديقاتي ممن آثرن أن يتقمصن دور المديرة أو الناظرة ..

كنت أؤدي دور أبلة أحبها وهذا يكفيني .

وكنت أحياناً أتصل على ( غرفة الخالات ) لتحضر لي إحداهن كوباً من الماء أو فنجاناً من القهوة.

للأسف لم تستمر هذه المتعة لأكثر من أربع حصص ، ورجعنا بعدها طالبات مرة أخرى .

في إحدى الأيام مررت ببعض الأبلات وهن يتحدثن ، كان منهن أبلة فايزة ، وأبلة ميسر رحمها الله ولما اقتربت سمعت إحداهن تقول بصوت منخفض : شش جاءت جاءت .

تحدثت معهن لبرهة ثم انصرفت وفي قلبي نما أمل ما ، حاولت طرده لئلا أنساق في الأحلام السعيدة .

وأخيراً حان يوم حفل التخرج . في ذلك اليوم ذهبت إلى مصففة الشعر وارتديت فستاناً أبيض أشبه ما يكون بفساتين الزفاف ، وعليها العباءة العودية والشريط والوشاح الورديين ، وكانت المسيرة على أنغام أغنية وطنية : بلادي بلادي منار الهدى .

اصطففنا على المسرح الذي أقيم في ساحة المدرسة وأدينا السلام الملكي ونشيد المدرسة ..

كنت أودع المدرسة التي قضيت فيها أجمل سنوات عمري ، والتي تعلمت فيها مهارات أجني ثمارها ونتائجها الآن :حيث تعلمت اللغة العربية السليمة ، وإلقاء الكلمات أمام الجماهير ، والتحدث باللغة الانجليزية بطلاقة ، وقراءة القرآن بأحكام التجويد الأساسية ، باختصار ، كنت أفعل كل شيء بثقة تامة ، وكلها أمور تفيدني الآن في المحاضرات الدعوية العربية والانجليزية على حد سواء ، وفي درس القرآن الأسبوعي الذي أنال به السند ..

ماذا ؟ لم أخبركم أني آخذ السند ؟

في تدوينة أخرى إن شاء الله ، ولكن دعوني أنهي هذه الآن .. أشعر أني قد أطلت فيها كثيراً .

غنينا معاً وبحزن نشيد المدرسة ، حتى وصلنا إلى مقطع مؤثر :

هنا في الحنان مشينا سوى         وسرنا معاً في رحاب الوفا
لنرفع أوطانــــــــــــــــــــنا للسما           ونسمو بها نحو فجر جديد

شعرت بالغصة  تخنقني ، ودمعت عيناي ، ولم أستطع إكمال النشيد ..

شعرت بشعور العروس السعيدة بزفافها ، ولكن مغادرة مرابع صباها حيث أجمل الذكريات لابد أنه
كان يكدر عليها شيئاً من فرحها ..

انتهت المسيرة وابتدأ الحفل الفعلي ، كلمة الخريجات التي ألقتها إحدى صديقاتي ، ثم التكريم ..

كانت ثمة فعاليات كثيرة طوال السنة الدراسية ، والآن حان وقت الحصاد .

حصدت في تلك الليلة ست شهادات تقدير ، لمشاركتي في جمعية الصحافة والإذاعة والمكتبة ..

مهلاً ، المكتبة ؟ كيف ؟

منذ أن دخلت الثانوية قلّت استعارتي للكتب من مكتبة المدرسة جداً لاعتمادي على شراء الكتب التي أود قراءتها ، لكن أمينة المكتبة أبلة مشيرة أشارت لهم بوضع اسمي ضمن المتفوقات في استعارة الكتب بناء على ما سبق .

ست مرات صعدت على خشبة المسرح لأستلم شهادات التقدير من الأميرة لولوة الفيصل .. وفي المرة الثالثة بدأت تهمس : ما شاء الله كلما رأتني .. وفي قلبي يتضخم الزهو والفرح ويتحرك لساني “ما شاء الله ” وبالحمد ..

بعد أن تم توزيع شهادات التقدير  ، استلمت درع التفوق الذهبي مكتوب عليه اسمي بمناسبة حصولي على المركز الأول على فصول الأدبي .

ولا يزال الفرح ينمو ويزهو ، حتى حُبست الأنفاس للإعلان عن الطالبة المثالية لذلك العام .

فلما تردد اسمي هاجت الساحة تصفيقاً وتصفيراً وصياحاً باسمي وأنا كالمذهولة ..

حقاً اختاروني الطالبة المثالية ؟

وهنا تداعت إلى ذهني الأحداث التي لم افهم مغزاها في وقتها : لم كانت الأبلات يسكتن إذا قدمت عليهن في اجتماعهن مع أبلة فايزة أو الناظرة أبلة هيام ، لم خبأت أبلة فايزة الكأس المكتوب عليه اسم الطالبة المثالية لما دخلت عليها أسألها عن شيء ما . لم كانت أبلة فايزة تضحك بمكر كلما سألتها أن تغششني وتخبرني عن الفائزة بلقب الطالبة المثالية .

قمت وسط صياح الجمهور واعتليت خشبة ا لمسرح ، وهنا سمعت الأميرة تقول بصوت واضح : ما شاء الله ، مبروك !!

استلمت الكأس واستدرت إلى صديقاتي والجمهور ورفعت الكأس عالياً فوق رأسي وسط الصياح والتصفير لأنال نفس فرحة رئيس الفريق الفائز بكأس الدوري .

وفي اليوم الأخير الاختبارات ، كان الأسى مخيماً على المدرسة ..

نعم ، كان هناك بعض الفرح بمناسبة التخرج والانتقال من مرحلة المدرسة على مرحلة الجامعة ، ولكن كانت هناك الغصة في الحلوق .

بعض البنات قذفن بالكتب عالياً في صراخ فرح لتسقط وتتشقق في حركة غير حضارية ألبتة .

وبعضهن طفقن يكتبن على قمصان بعضهن البعض العبارات الوداعية التذكارية ، في حين التقطت الكثير والكثير من الصور التذكارية .

مشيت مع صديقتي لنودع المدرسة ..

أقبل ذا الجدار وذا الجدار ..

تعانق عيني الفناء الواسع .. صالة الألعاب .. فصلي الذي درست فيه الثاني والثالث الثانوي .. المعامل العلمية ، غرفة الممرضة والتي كنا ننام فيها إذا ما باغتت إحدانا الدورة الشهرية ، النخلة العجوز التي تستقبلنا في مدخل المدرسة ، غرف الإداريات ..

مشيت أنظر وأتذكر ، وكأني أسمع الأصوات ، وأشم الروائح ..

خرجت من المدرسة ، ولكن المدرسة لم تخرج من قلبي ، ولا زلت أحتفظ عنها بأحلى الذكريات ، ولا زلت أكتب فيها أجمل السطور .

قد أكون أخفقت في توصيل مشاعري حرفياً إليكم ، ولكن فقط أقول : كلما شممتم رائحة  عطر جميلة ، أو اصطبحت أعينكم بمنظر طبيعي فريد ، أو غمرتكم السعادة في أوقات ما ، فاعلموا أن هذه المشاعر العذبة التي تجدونها هي ما يملأ قلبي كلما تذكرت مدرستي ..

إنها قصة حب ، سطرتها بقلبي قبل أصابعي ..

أشكركم كثيراً على صبركم عليّ وتحملكم قراءة كلمات قد لا يعنيكم شأنها في شيء .. ولكن حسبكم أنكم أتحتم لي سعادة غامرة وأنا أسطر هذه الأحرف .

أشكركم ..

Read Full Post »

حسناً يا سادة ..

دعوني أعدل من جلستي قليلاً ، أحضر كوب الماء إلى جانبي ، أمد ساقيّ المتعبتين أمامي ..

أسند ظهري وأغمض عيني وأحلق في جو الذكريات السعيدة لأعود إلى دار الحنان .

هلا بدأنا ؟

حسن ، ماذا لدي الليلة ؟

كنت قد ختمت المرة الماضية بذكر اليوم الرياضي .

في الحقيقة ، هناك أشياء لا أكاد أذكر تفاصيلها لأن ذاك عهد قديم وانقضى .. فقد أخطئ في ذكر بعض التفاصيل ولكن أعتقد أنه لا بأس بذلك .. فنحن لا نؤرخ للدولة السعودية ، أليس كذلك..

أقامت المدرسة يوماً ما يسمى باليوم الرياضي .

كانت هناك بعض المسيرات والتشكيلات بالرايات الملونة ولا أذكر فعلياً ما كان فحوى هذا اليوم..

لكن الاستعدادات التي سبقته لا تكاد تمحى من ذهني .

اتفقت المدرسة مع إدارة الاستاد الرياضي في طريق مكة والمعروف باستاد الأمير عبد الله الفيصل لإقامة اليوم الرياضي فيه .. وليومين متتاليين كنا نذهب من العصر وحتى المساء لأداء البروفات اللازمة لهذا الاحتفال .

غني عن الذكر أن الاستاد كان فارغاً تماماً إلا منا .

كان بارداً واسعاً لم تنله يد البلى والأنوار الكاشفة في كل مكان .

كان مثيراً بحق ، إذ أن هذه المرة الأولى التي ندخل فيها إلى مكان رياضي مرتب كهذا ..

حجرات تغيير الملابس ، المغتسلات ذات الفواصل و ( الأدشاش ) القوية .

الأرضية الناعمة التي تسمح لنا بممارسة التزلج عليها بسهولة ونعومة .

و لاداعي أن أذكر أن وجبات الغداء والتي كانت تتكفل بها المدرسة لكامل الفريق كانت من ..

نعم .. البروست !!

وفي يوم الحفل كان علي أن أرتدي إلى جانب اللباس الرياضي المقرر : قفازات بيضاء ( كتلك التي يرتديها رجال الشرطاة الملكية البريطانية ) ، وحذاء رياضيا أبيض .. ذلك الخاص براقصي الباليه ، والذي كنا نشتريه من محلات الفالح للرياضة .

لكني لا أعرف كيف ، نسيت حذائي ولم أكتشف ذلك إلا بعد أن قارب الحفل على البدء وقد خرجت أمي من بيتها ، ولم تكن الجوالات قد اخترعت بعد ..

فكان علي أن أؤدي الاستعراض مرتدية شرابي الأبيض فقط ، داعية الله أن لايلحظ الجمهور أني الوحيدة بين الطالبات من كانت ترتدي شراباً وليس حذاء !

وكالعادة ، فإن ( من على رأسه بطحة ، يحسس عليها ) . كنت أشعر أن كل الأنظار اجتمعت لتنظر إلى قدمي ، وأن تلك الأم التي كانت تضحك في الصف العاشر إنما كانت تضحك سخرية مني لأني أؤدي استعراضي بالشراب لا بالحذاء .

لم تفلح محاولات أمي في إقناعي أن الناس لن ينتبهوا إليّ بالذات من بين خمسين طالبة كانت تشاركني  الاستعراض ، ولكن لم تكن بيدي حيلة .. فصرت أؤدي دوري وأنا بكامل ( فشالتي ) .

والآن ، كلما يخبرني أحد أولادي أنه لن يستطيع تأدية صلاة الفجر في المسجد لأن ثوبه مبقع قليلاً أو ( مكرمش ) أبدأ في إعطائه المحاضرة إياها : أن الناس ( يا دوب ) يفتحون أعينهم في هذا الوقت فلن يهتموا بمراقبة فلان الفلاني كيف هو ثوبه .. ولكنه لايقتنع ويظل متبرماً متسخطاً إلى أن ألزمه إلزاماً بالذهاب إلى المسجد ، وصوت ما يهتف في ذهني : ألا يذكرك بنفسك في تلك الحادثة؟ فأتنهد وأقول وقد جف ريقي من مهاترته :  الله يرحم أمهاتنا ويجزيهن عنا خيراً .

حصص النشاط كانت مثيرة عندنا . كان علينا  أن نختار من عدة ( جمعيات ) لننضم إليها ..

حاولت معي مدرسة الانجليزي أن أنخرط معهن في جمعية ( الباسكت ) أو كرة السلة طمعاً في طولي، ولكني لم أحب هذه اللعبة أبداً ، وأعدّ نفسي من أفشل خلق الله في إصابة الأهداف ، فكنت أرفض على الدوام كل محاولاتها .

كنت دائماً أعتقد أن المدرسة المكان المثالي للطلاب لتنمية المهارات الفردية . لذا فقد اخترت جمعية الصحافة .

كنت دائماً أطمح لأن أكون صحفية .

ولعل إصابتي بالسرطان كانت إحدى ثمار هذا الطموح ، إذ أني اطلعت مرة على تحقيق صحفي لرجل أصيب بسرطان في وجهه وأجريت له عمليات عدة حتى عوفي وشفي . فدعوت الله – بكل حماس المراهقة التي كانت تعتمل فيّ ( وغبائها كذلك ) – أن أصاب بالسرطان وأشفى منه لأكتب عنه !

وها أنا الآن ، أصبت بالسرطان ، وكتبت عنه في كتاب لعله يولد قريباً بإذن الله ، وأسأل الله أن يتمم دعائي ويكتب لي الشفاء التام .

في جمعية الصحافة مارست أشياء لم أفكر أن أمارسها أبداً . تعلمت الكتابة بالآلة الكاتبة ، وكنا نكتب المقالات لمجلة  المدرسة ، ونجري اللقاءات الصحفية مع بعض المدرسات ، ثم أطبعها على الآلة الكاتبة ، ونصف الورق ، ونقطعه بالقطاعة الضخمة – والتي لم أفلح يوماً في عملي بها .

وفي معرض الكتاب السنوي كنا نبيع هذه المجلة للزائرات ، والآن أستحضر تلك اللحظات ولا أعرف لماذا أتذكر في الوقت ذاته باعة اللبان والمناشف قريباً من المراكز التجارية.

في إحدى الأيام جاءتني أبلة رابحة النقادي إحدى إدرايات المدرسة وطلبت مني أن أحضر للمدرسة عصراً للتعليق على عرض الأزياء الشعبية والذي ستقيمه المدرسة لمجموعة من النساء الغربيات .

حضرت عصراً بالتأكيد ، واطلعت على الملبوسات والمجوهرات الشعبية التي تقلدتها مجموعة من الطالبات من بعض البيوتات الكبيرة المعروفة في جدة والمدينة .

ثم كان التعليق .. حاولت استحضار كل الكلمات المناسبة لوصف الأزياء والمجوهرات ، والعارضات أحياناً إذا ما خانتني الأفكار ..

لماذا تخونني الأفكار ؟ لأن التعليق كان باللغة الانجليزية ، والخطأ أمام هذا الكم من النساء الأوروبيات والأمريكيات ، لم يكن شيئاً مشرفاً بالتأكيد .. ولكن الحمد لله ، مرت تلك الليلة بسلام.

لا شك أن هذه النشاطات المسائية في المدرسة كانت مثيرة وممتعة لأقصى حد ، إذ فيها كم كبير من الإثارة والخروج عن رتابة وروتين البيت .

وعلى الرغم من موافقة أمي شبة الدائمة على اشتراكي في كل النشاطات إلا أنها رفضت وبشكل قاطع انضمامي للزهرات ( الكشافة ) .

وحتى اليوم لا أعرف سبب هذا الرفض .

أحاول أن أقلب ذلك في ذهني فلا أجد سبباً ظاهراً لذلك .

كنت أفعل في النشاطات المسائية ما كنت سأفعله لو كنت في فرقة الزهرات ، من تأخر في الرجوع إلى البيت مساء ، والقيام بزيارات مدرسية إلى مدراس أخرى ، فلم كانت ترفض الزهرات بالذات؟ هذا ماينبغي لي أن أسألها عنه في لقائي بها في المرة القادمة .. إن لم أنس، وإن هي تذكرت .

كان لباسهن يبهرني .. الطاقية العودية اللون تقبع بدلال على جانب الرأس ، تتوسطها شارة الكشافة .. التحية العسكرية ، و ( الصفقة ) المميزة والتي كانت بمثابة ( صيحة ) من صيحات الكشافة.

عالم ممتع مثير لا أعرف عنه شيئاً ..

ولكني لا زلت أظن أن أقدار الله خير .. ومادام الله تعالى قد صرفه عني ، فلا بد أن له حكمة في ذلك .

هل لي أن أختم حلقة اليوم من الذكريات ؟

قبل أن أودعكم أردت أن أخبركم بخاطرة خطرت لي بعد كتابة التدوينة السابقة عن أبلة ميسر .

أخبرتكم أني دهشت وذهلت ووجمت بعد سماعي بالخبر ..

تعلمون لماذا ؟

جلست قبل أيام أحلل سبب مشاعري تلك ..

أنا لا أعرف أبلة ميسر إلا وقد تجاوزت الثلاثين من عمرها .. حينها كنت أنا في السابعة عشر .

ثم توقف بي الزمن وتجمدت تلك الذكريات حتى سمعت نبأ وفاتها بعد 27 سنة من تركي لها .

وجومي ذلك كان لأني تعجبت من وفاتها وهي بتلك السن الصغيرة ..

ولما أفقت ، بعملية حسابية صغيرة انتبهت إلى أنها لم تكن صغيرة جداً لما توفيت ..

كانت قد جاوزت الستين على الأقل .

وهنا كان وجومي الثاني ..

أنا بالذات يتوقف الزمن عندي في مرحلة الشباب ، لذا أجد نفسي دائماً أنادي بعض النساء ممن يبدو عليهن آثار الزمن أناديهن : يا خالة .

ثم أتنبه إلى أنني خالة كذلك ، وأن المرأة التي ( خلخلتها ) لا تكبرني في الحقيقة بأكثر من عشر سنوات .

هممم .. هذا ما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : يبصر أحدكم القدى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه !

أفلح بأن أرى الخطوط الدقيقة على جانبي العينين والفم لتلك ( الخالة ) المسكينة ، وأنسى خصلة الشعر البيضاء السميكة في مفرق رأسي ..

عندما سمعت بخبر وفاة أبلة ميسر ، كأني تخيلتها صغيرة ، لأني تخيلت نفسي صغيرة ..

فلما حسبت عمرها تعجبت من مرور الزمن علينا ونحن غافلون .

وأتساءل .. ترى ، هل سيمضي وقت كالذي مضى لأفيق بعد ثلاثين سنة وأنا في الخامسة والسبعين ، وأبنائي الكبار في الخمسين ؟

اسمعوا ..

كأني أصبت بصدمة نوعاً ما .. أعتقد أن من الأفضل لي أن أختم التدوينة ..

أفضّل أن تكون تدوينتي مرحة ومليئة بالذكريات العذبة ، وما أقوله الآن لا يخدم قضيتي .

إلى لقاء قريب بإذن الله مع التدوينة الأخيرة – مبدئياً – ، وأعدكم إن شاء الله أنها ستكون جميلة .

لا لأني مغرورة بكتاباتي والعياذ بالله ، ولكن لأن الكاتب حينما يصف امرأة رائعة الحسن فلن يصفها إلا بحسنها .

ودار الحنان ، في تلك الفترة لاشك أنها كانت غادة  المدرسات وواسطة العقد .

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: