Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘نعم الله’

حينما كنت أتعالج بالعلاج الكيماوي ، كان يصيبني إرهاق شديد ، وتحولات عجيبة في براعم التذوق في لساني ، فكنت لا أجد للطعام طعماً أحياناً ، وأحياناً أخرى أجده متنكراً ، فالحلو يضحى مالحاً ، والمالح يصبح مراً ، وأنا بين هذا وذاك أبحث عن الحل الصحيح .

غني عن الذكر أن ذاكرتي وذهني كانا يعملان بفوضى بسبب وطأة الكيماوي ، فإما بطئاً ، أو تشويشاً أو أي شيء لا يمت بصلة إلى الذهن الذي كنت أعهده فيّ قبل المرض ..

كل الملابسات كانت محبطة ، ولكني وجدت لذلك مخرجاً .

أدمنت في تلك الفترة لعبة كمبيوترية اسمها Cooking Dash ، وهي عن فتاة تبني مطعمها الخاص بالتدريج ، تبدأ بكراسي بسيطة وأثاث متواضع ، بل ووجبات محدودة .. تدور لتخدم زبائنها المتطلبين وتحاول ألا تخلط بين الطلبات وإلا فستتعرض لغضبهم وخروجهم من المطعم وبالتالي خسارتها .

كان عليها أن تحقق هدفاً يومياً لتحرز المزيد من النقود التي تمكنها من شراء أفران جديدة أسرع ، وتقديم وجبات أكثر تنوعاً ، وتغيير الأثاث بآخر أكثر فخامة ليجتذب الزبائن .

كنت أبدأ اللعبة حالما أتمكن من الجلوس في سريري بعد جلسة الكيماوي ، وقد أستغرق في اللعب بها لمدة ساعتين متواصلتين دون أن أشعر بنفسي ، ثم أختم المرحلة الخمسين في خلال الخمسة أيام الصعبة بعد تناولي للكيماوي .

كنت لا أتمكن من فعل أي شيء مفيد في تلك الأيام شديدة الوطأة ، أتكلم قليلاً وآكل قليلاً وأتحرك قليلاً . حاولت أن أراجع محفوظاتي من القرآن فكان ذهني لا يستقيم لي ، وكانت ذاكرتي تضحك من سذاجتي . فلما اكتشفت اللعبة ، أحسست أن هناك آفاقاً واسعة لا تزال متاحة .

كنت ألعب بتركيز ، أخسر أحياناً فأعيد المرحلة ، وأفوز أحياناً فأقوم بترقية مطعمي . كنت أفرح بكل قطعة جديدة أشتريها وكأني حزتها بالفعل . كنت أنتشي بسماع صوت البطاطس وهو يُقلى ، والستيك وهو يُشوى وأنا المحرومة من مذاق الطعام اللذيذ .

 أصوات ارتطام الملاعق بالصحون والكؤوس بعضها ببعض كان يأسرني وينقلني إلى جو حميمي ساحر ، أتناول فيه طعاماً واضح طعمه ، غير متنكر ، مع رفقة حبيبة في مطعم خافت الأضواء ، لا تسمع فيه إلا همسات المرتادين ، وأصوات ارتطام ملاعقهم بصحونهم وكؤوسهم .. نفس الجو الذي ألعب فيه .

ختمت اللعبة ثمان مرات ، بعدد جلسات الكيماوي ، وكلما وجدت جزءاً جديداً للعبة سارعت بشرائه وتحميله . كنت ألعب وأنا أشعر بنوع من السخافة ، ولكني لم أكن أستطيع أن أقاوم .

وبعد تفكير عميق عرفت سبب هذا الانجذاب للعبة . كانت اللعبة الإنجاز الوحيد الذي كنت أستطيع تأديته في تلك الفترة . كانت تطلق خيالي لبناء مطعمي الشخصي .. كانت تربطني بأمل .. كانت تربطني بالحياة في وقت كنت أشعر فيه أن جميع السبل مسدودة أمامي ..

كل فرد منا – ليس مريض السرطان فقط – بحاجة إلى إنجاز يشعره بأهميته ووجوده ، ولتحلو حياته ويصبح لها معنى .

 لا يشترط أن تكون الإنجازات كبيرة وعظيمة .. قد  تكون مراجعة جزء من القرآن ، أو حياكة قميص جديد ، أو الانتهاء من رسم لوحة فنية أو كتابة شطر من كتاب لطيف..

 يكفي أنه يشعر بالسعادة بعد تحقيقها ..  يكفي أنه يشعر بالإنجاز ..

كنت أنتظر انتهاء علاجي الإشعاعي بفارغ الصبر لأتوجه إلى مقاعد الدراسة الجامعية التي تركتها منذ 27 سنة . فلما فعلت صرت أرتشف لذة التعلم ، واسترجاع المعلومات ، وتلخيص المسائل المهمة ، ثم أستمتع بطعم التفوق في نهاية الفصل الدراسي .

والآن ، يمكنني القول بأنني أنهيت – رسمياً – ثلاث سنوات من الدراسة الجامعية في كلية الشريعة ، وصرت في السنة الرابعة والأخيرة .. أشعرت كيف مرت السنون ، وصار الماضي الأليم ذكريات سعيدة ؟ 

بهذه المناسبة يسرني أن أدعوك إلى مطعمي الافتراضي لتناول وجبة مجانية فاخرة مكونة من البطاطس المقلية والستيك المشوي .. تفضله مشوياً جداً أو متوسطاً ؟

Advertisements

Read Full Post »

في الماضي القريب كان آباؤنا يعملون جاهدين الساعات الطوال لتوفير لقمة العيش في ظروف صعبة ؛ يضطر بعضهم للعمل تحت الشمس من قبيل الفجر وحتى الغروب ، يتسلق النخل ويتعرض لخطر السقوط. أو يعملون في البحار لصيد السمك أو جنى اللؤلؤ ويغيبون عن بيوتهم وأهاليهم أياماً، وقد لا يعودون . أو يسافرون بحثاً عن الرزق في بلاد بعيدة، يقطعون المفاوز ويواجهون قطاع الطرق ثم قد لا تتجاوز غلة أحدهم بعد كل هذه المتاعب العشرة ريالات، أو ما يساوي في زمننا الحاضر ألف ريال.

كانت المراكب الفارهة والبيوت متعددة الحجرات والأثاث المريح يكاد يكون محصوراً على الأثرياء والتجار فقط، وكان كثير من الناس لا يذوقون اللحم إلا في عيد الأضحى وينعدم عندهم التوسع في المآكل والملابس إلا في الأعياد. أما حيازة الخدم فكانت ترفاً بالغاً لا تكاد تجده إلا في بيوتات محدودة.

وانظر إلى أحوالنا الآن. يمكننا أن نقول أن الحال قد انعكست تماماً. الأغلبية تمتلك سيارة أو أكثر، انتشار المطاعم السريعة والبطيئة دليل على كمية وافرة من الرفاهية، شراء الثياب الجديدة لا موسم له، والسفر مقارنة بالأسفار القديمة صار أشبه ما يكون بسرعة انتقال عرش بلقيس للنبي سليمان عليه السلام . الكثير جداً من الناس عندهم خادمات، والأغلب يمتلك جوالات ذكية (وإن اضطر لشرائها مستعملة) .

ومع كل ذلك، لا زال كثير من الناس لا يرى إلا نصف الكوب الفارغ .

لماذا نرفض الاعتراف بأن الحياة جميلة؟

لماذا نصر على أننا (مساكين) و(حالنا تحزّن) ونظل في بؤس، فقط لأننا لم نحقق الكمال في جميع أمورنا. صاحب المازدا يريد ليكزساً فيسخط على (مازدته)، وصاحب الليكزس يريد بِنتلياً فيسخط على ( لِكزسه)،  الطويل يتمنى لو كان قصيراً لأنه أجمل، والقصير يعجبه الطول لأنه (أكشخ) ..الفتاة تتمنى لو كانت ذكراً لتنعم بالحرية، والذكر يتمنى لو كان أنثى ليرتاح (لأن الأنثى عندنا ملكة!)، وبين هذا وذاك تكمن (الحلطمة) والتوجع والشعور بالفقد واليتم والمرارة والنقص..

مشكلتنا أننا لا ننظر إلى التفاصيل الدقيقة التي تجعل الحياة أجمل.

تلفت أنظارنا أحياناً بعض الدور في أناقتها وفخامتها، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن ذلك يعود لتفوقها على غيرها بالاهتمام بالتفاصيل: اللوحات، التحف الصغيرة على الطاولات الجانبية, مفارش الطاولات، زينة الستائر، البسط المتفرقة، الوسائد المتناثرة وغيرها. كلما أمعن المصمم في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة كانت الدار أرقى وأجمل.

ماذا عن حياتك؟ أليس فيها من الدقائق ما يحيل حياتك نعيماً ، لو تفكرت ؟

ألم تلحظ مشاعر الراحة تغمرك حين تدخل بيتك المكيف هرباً من أشعة الشمس ( الشاوية) ظهراً، فتعانق خياشيمك رائحة الطعام الزكية تدغدغ بطنك الخاوية؟

ألم يلفت نظرك قراءة ابنتك الصغيرة للقرآن ، أو لثغة آخر العنقود وهو ويتكلم فلا تتمالك نفسك من أن تلثم فاه كلما لثغ؟

ألم تشعر بالأمان كلما ضمتك ذراعي والدك المحب إلى صدره، أو شيعتك دعوات أمك بالتوفيق والصلاح ورعاية المولى وحفظه؟

ألم يمتلئ قلبك حباً كلما التقت عينك بعيني زوجتك في ساعة ود، أو همس زوجكِ في أذنكِ بكلمة عشق ووله؟

ماذا عن حدب أخوتك وقت الشدائد، وجمَعة الأهل المتآلفين في الأعياد والأفراح، وتفاني زملاء العمل في أعمالهم، وجمال الصداقة الصدوقة في كل وقت؟

بل ماذا عن براعم التذوق (الصاحية) التي تصف الطعوم بدقة، والجسد القوي الذي يحملك ويخدمك دون مساعدة خارجية.. ماذا عن حواجبك ؟

حينما أُصبت بالسرطان وتناولت العلاج الكيماوي صار رأسي لوناً واحداً شاحباً ، لا لون مميز فيه إلا حدقتاي. كنت أرسم حواجبي بالقلم وأضع الكحل لأذكر نفسي بوجود هذين العضوين في وجهي . كنت أنظر إلى وجهي المعدّل بعد ذلك في المرآة وأقول : يا الله ! الحمد لك على نعمة الحواجب .. ماذا عنك أنت ؟ هل شكرت الله قط على نعمة الحواجب؟

هناك الكثير من الجمال في حياتنا ، ولكن مصدر القوة أو الضعف، الإيجابية أو السلبية، العزم أو الإعاقة ، كلها في قلوبنا وعقولنا، وليست في الحياة من حولنا.

أحب أن أجرب الحياة بكافة أشكالها لأستمتع، والقاعدة عندي تقتضي أن ( النكد مش حلو).

أحب أن آكل البيتزا الطازجة حارة جداً فأستمتع بالجبن ( المطاطي) ومذاق صلصة الطماطم الغنية بنكهة الريحان والزعتر البري ، فإذا باتت فضلتها باردة من الثلاجة لأستمتع بالطعم الحقيقي للعجين والجبن الذي حجبه عني حرارة الطعام، ولكليهما طعم خاص.

وكلما لبست الكم الضاغط الذي يغطي جميع ذراعي اليسرى بسبب الليمفاديما (الوذمة) الناتجة عن استئصال الغدد الليمفاوية في الإبط بسبب السرطان ، وضاقت به نفسي ذكرتها بأن وجودها في يدي خير من وجودها في ساقي مثلاً حين تنتفخ فتكبر قدمي مقاساً أو مقاسين فأضطر لشراء زوجين من نفس الحذاء بمقاسين مختلفين !

وعندما فقدت شعري بعد الكيماوي اعتبرت ذلك (نيولوك) جديداً، تحديت قريباتي وصديقاتي –مازحة- أن يأتين به، وأنى لهن .

أحب – كلما واجهتني أيام عصيبة _ أن أمني نفسي وأهدئها : هناك حكمة، هناك لطف، هناك رحمة ولابد ، فهذا القدر المؤلم هو من الحكيم اللطيف الرحيم.. ابحثي عن الجمال.. ارفعي بساط الألم وفتشي عن النعم الباهرة أسفله.

كم كان جميلاً لو اجتمعت كل المتع بكمالها لدى المرء ، ولكن هذا أمر غير واقعي ، فكان لابد أن نتعلم كيف نثمّن كل ما لدينا ونستمتع بجمال الحياة كما هي – إذا أخفقنا في تعديلها- وهكذا فقط سندرك أن الحياة جميلة، وأنها مثل لعبة الكمبيوتر : كلما سبرت أغوار المرحلة واستكشفت خباياها، وجدت هدايا صغيرة وستُفتح لك مراحل جديدة و (عوالم) مثيرة بعد قضائك على ( الوحش الأخير) : السلبية ..

العب بذكاء !

Read Full Post »

حين أنهيت علاجاتي الأساسية من مرض سرطان الثدي في شهر ذي القعدة من عام 1431هـ ، بدأت في تناول العلاج الهرموني Tamoxifen لمدة خمس سنوات . ولأن الوظيفة الأساسية للإستروجين هو الإسراع في عملية تكاثر الخلايا ، فإن بإمكان الإستروجين تنشيط نمو الخلايا السرطانية ساعة ظهورها ، فإذا كان ورم الثدي يعتمد على هرمونات الجسد الطبيعية للنمو فعندها يوصف الورم بأنه مستقبل إيجابي للإستروجين أو البروجسترون ، وهذا يعني أن أي خلية سرطانية تبقى بعد العملية قد تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم . فكانت مهمة العلاج الهرموني – بإذن الله – التقليل من كمية الهرمونات الطبيعية في الجسم ، أو منع الهرمونات من وصولها إلى أية خلية سرطانية باقية .

إلا أن العلاج الهرموني كأي علاج آخر له آثار جانبية غير محمودة ، وقد كان من الآثار الجانبية لذلك الدواء بالذات احتمالية حدوث جلطات بالساق ، أو نشوء سرطان آخر في الرحم ، ناهيك عن إبطاء نزول الوزن ، مما كاد يسبب لي الجنون أن أقوم بعمل رياضة بشكل شبه يومي وألتزم بحمية غذائية مناسبة ولا ينزل وزني في سنتين إلا ست كيلوات فقط .

مرت سنتان وبدأت بعض التغيرات تطرأ ، وقرر طبيبي تغيير عقار Tamoxifen إلى عقار آخر وهو Femara ، والذي خلا عن تلك الآثار الجانبية السيئة ، إلا أنه يسبب هشاشة للعظام . ولأجل ذلك كان علي تناول إبرة مضادة لهشاشة العظام مرتين في السنة ..

اتجهت في الثامن من شهر ذي الحجة الماضي إلى مستشفى الملك خالد للحرس الوطني لتناول هذه الإبرة .

علاقة عجيبة تربطني بهذه المستشفى .. أحبها جداً ، ولا أعرف لذلك سبباً .. ألا يفترض أن أكرهها حيث شهدت أيام الكيماوي الغثيث والعملية المؤلمة والإشعاعي المزعج ؟

ولكني أحبها ، وأجد قلبي معلقاً بها بشكل مضحك ومثير للاستغراب .. معها يصلح القول بأن حب الديار هو الذي سكن قلبي وليس حب من سكن الديارا .

ومع هذا الحب ، فإني لا أزال ، كلما دخلت من الباب الرئيسي لمركز الأميرة نورة للأورام بمستشفى الحرس وأشم رائحة القهوة تصدح في الأرجاء حتى يبدأ الغثيان لعبته السخيفة في مؤخرة حلقي وهم يبتسم : فاكرة ؟

توجهت أولاً إلى المختبر لإجراء بعض تحاليل الدم المهمة ، وانتظرت بعض الوقت في غرفة الانتظار ..

 هي غرفة انتظار فعلاً حيث تضطر أحياناً لانتظار موعدك لمدة ساعتين أو أكثر ..

وحينما نودي على اسمي راعني أني أتوجه إلى قسم العلاج الكيماوي ، وهنا أخذ الغثيان بالتقافز كالمجانين .

دخلت عنبر الكيماوي وأخذت أقلب ناظري في أرجائه ؛ الحجيرات الصغيرة المغطاة بالستور القماشية ، أصوات الطنين الصادرة من أجهزة المحاليل ، أصوات تأوه خافتة تنبعث من بعض الحجيرات ، وأنا أمشي ، عيناي تدمعان وأنا أذكر تلك الأيام الخوالي ، كيف منّ الله تعالى علي بالشفاء ، وتتحرك شفتاي بالدعاء لمن هم بالداخل لا يزالون في بداية مشوارهم . دخلت إحدى الحجيرات ، يتوسطها كرسي كذلك الذي تجده في عيادة طبيب الأسنان ، جهاز المحاليل ، طاولة صغيرة وتلفاز معلق .

في نفسي توجس ، فعلى الرغم من أني قضيت الليلة الماضية في تصفح المواقع الأمريكية للتعرف على هذا العقار المسمى Zometa ، إلا أن بقايا خوف قديم لا زال معششاً في صدري ..

لم أقرأ أية أعراض (سيئة ) لهذا العقار إلا أنه قد يؤدي إلى أعراض كأعراض الانفلونزا في اليوم الأول ..

أعراض الانفلونزا ؟ الأمر سهل إذن ..

توكلت على الله وبدأ العقار بالولوج داخل عروقي ببطء ..

الخوف .. الخوف فقط هو المزعج .. بقايا التجارب السابقة ، ذكريات الكيماوي القديم في ذات الحجيرات ، و الخوف من المجهول الجديد كانت كفيلة بتضخيم بعض المشاعر السلبية .

ربع ساعة ثم صدر الطنين المزعج المؤذن بانتهاء كل شيء .. قمت وأنا لا أكاد أصدق نفسي . أهذا كل شيء ؟

لحقتني الممرضة وبيدها علبة قائلة : نسيتي تناول وجبتك .. وكأنما كانت تمسك بعلبة فيها ثعبان الكوبرا ، لوحت لها بيدي وأسرعت للخارج وأنا أقول : لا ، شكرا لا أريد .. طبعاً لا أريد .. لو كان بك بعض من فضول فاقرأ كتابي تعرف السبب  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي..

طوال الطريق إلى المنزل جلست أفكر وأستعيد ذكريات المرض .. ثلاث سنوات مرت حتى الآن .. نسيت تقريباً كيف كانت مشاعر الألم والخوف و الترقب .. لا أظنها كانت بذاك السوء ..

وهنا ورد ذهني خاطر : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بثقة : لو عاد ، فسأصمد بإذن الله كما صمدت سابقاً.

مر يومي على ما يرام ، واختفى الغثيان حال خروجي من المستشفى وظللت أرقب أعراض الانفلونزا فلم أجد شيئاً .

أويت إلى سريري مبكرة في تلك الليلة ، فاستيقاظي فجراً ، والتوتر الذي لحقني في عنبر الكيماوي كان كفيلاً بإصابتي بالإرهاق في العاشرة والنصف مساء .

تمددت في فراشي وأخذت أداعب تويتر قبل النوم ، ولا أعرف كم مرة ( تمطعت ) خلال ربع ساعة ..  ( ما مرادف هذه الكلمة في اللغة الفصحى ؟)

هنا أحسست أن هناك شيئاً غريباً .. هل من الطبيعي أن يتمطع الشخص أربعاً أو خمساً في ربع ساعة فقط ، تمطعاً عميقاً من القلب ؟ وضعت سؤالاً في تويتر : هل التمطع الكثير يمكن أن يكون إشارة إلى خلل ما ؟ وكنت آمل أن ينتبه إلى هذا السؤال بعض متابعيّ من الأطباء ، ولكني لم أتلق إجابة سريعة إذ سرعان ما غرقت في نوم عميق ..

أفقت في وقت ما من الليل وأنا أرتجف ارتجافاً شديداً من البرد.. كانت أسناني تصطك بشكل مزعج ..

ناديت ابنتي لطيفة مراراً ولكنها كانت نائمة فلم تعر لي بالاً ، ثم ناديت شمس النائمة إلى جواري فاستيقظت وطلبت منها أن تتمدد فوقي لتدفئني .. التصاق جسمها الصغير بجسمي بث في أوصالي شيئاً من حب ودفء ، ولكن شعوري بالبرد كان أعظم من ذلك . كانت شمس قصيرة جداً لتصل إلى مفتاح الحرارة في المكيف لتخفض البرودة  ، وصغيرة جداً لتحضر لي غطاء آخر تلقيه علي ، فاكتفيت باحتضانها . ثم أني أشفقت عليها فأعدتها إلى فراشها ، وعدت إلى ارتجافي .

عظامي تؤلمني بشدة ، حرارة قوية تشع من رأسي ، فكّاي يصطكان بصوت مزعج ، وأنا أتألم .. نعم .. أتألم من البرد ، و الحرارة ، والوحدة ، و الهواجس .. هذه – يا هناء – الأعراض الشبيهة بالانفلونزا ..

حاولت أن أقوم لأخفض برودة المكيف ولكني كنت أشعر ببرد شديد وضعف في عظامي منعاني من التحرك .. رحمة الله أرسلت لي أخي الذي سمعته يتحرك بالخارج فناديته ليساعدني .. غطاني بغطاء آخر ، وأحضر لي مسكناً ، ورقاني ، وعرض عليّ الذهاب للطوارئ ولكني رفضت لأني أعرف أن هذه آثار الزوميتا الجانبية .

نصف ساعة مرت علي كنصف قرن حتى صرت أهذي :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل        بصبح وما الإصباح منك بأمثل

 حتى بدأت أتصبب عرقاً ، وشيئاً فشيئاً خف البرد وخفت الحرارة ونمت .

كنت أحسب أني سأستيقظ نشيطة بعد المسكن ، ولكني استيقظت بنفس حال الليل : الارتجاف والبرودة والحرارة العالية .. واستمر هذا الوضع معي أربعاً وعشرين ساعة كاملة ، ما بين كمادات تثير الرجفة في أوصالي ، وآلام مبرحة في العظام ، وضعف شديد في الجسم ، وشهية معدومة ، ونوم مستمر شبيه بالإغماء ، ونهمة قوية لتناول المسكن كل أربع ساعات أو أقل لو سمحت لي أمي  .

وهنا لسبب أجهله تذكرت ما كنت أفكر فيه البارحة :

” وهنا ورد ذهني خاطر : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بثقة : لو عاد ، فسأصمد بإذن الله كما صمدت سابقاً”.

علمت في ذلك اليوم رحمة الله تعالى بعباده بنعمة النسيان .. فعلى الرغم من معاناتي لعام كامل من السرطان إلا أني الآن وبعد مرور ثلاث سنوات نسيت كل شيء عنه ..

وعلمت سرعة غرور العبد حالما ينجلي البلاء .. جاءت هذه الأعراض لتذكرني أن الأمر ليس إليّ ، وأن ثباتي ليس بكسب يدي وإنما هو توفيق من الله . المرض كان عارماً ، ذكرني بتعب الكيماوي .. الألم في عظامي كان قوياً .. تشوش الذهن كان جارفاً وكأني في وسط دوامة أصارع الموج ، فأطفو تارة وأغطس تارة ، وما بيت هذا وذاك أبتلع وأتنفس الكثير من الماء !

 عندها سألت نفسي مرة ثانية : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بانكسار : لو عاد ، فأنا تحت رحمة الله ، أرجو أن يساعدني ويلطف بي ..

فاتني صوم عرفة  تلك السنة .. ولكني أدركت درساً جيداً في الاعتماد على الله لا على النفس .

Read Full Post »

اليوم فقط شعرت أن إحدى أكبر أمنياتي قد تحققت .

عندما صورت هذه الصورة كنت أشعر فعلاً بالفخر..

أنا أنتسب لهذا الرجل العظيم .. قد لا يعرفه الكثير الآن ، ولكن حسبي أني أعرفه .. أعرفه جيداً .

عندما كتبت كتابي ” الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ” كنت قد عزمت على أن يكون اسمي فيه : هناء بنت لقمان يونس ، وليس هناء الحكيم كما يعرفني أكثر الناس .. لهذه اللحظة فقط ..

ابنة لقمان يونس ، الأديب الساخر ، تحذو حذوه ، وتكون أديبة ساخرة كذلك .

كنت أتمنى لو أني أرى وجهه وهو يستلم مني نسخة موقعة من كتابي ..

أعتقد أنه كان سيفرح للغاية ، وربما شعر بالفخر .

دائماً يحب الآباء أن يحذو أبناءهم حذوهم في ميولهم وهواياتهم ، فكيف لو اكتسبوا بعضاً من إبداعاتهم ؟

بدأت حكايتي مع الورق منذ الصغر . كانت مكتبة والدي الكبيرة تستهويني .

تحوي الكثير من الكتب العربية والانجليزية بشتى الأشكال والأحجام .

وكثيراً ما التقطت لي صور وأنا في الثالثة ، أرتدي نظارة أبي وأقلب في إحدى كتبه وقد ارتسمت على وجهي تعابير الخطورة .

لا أنسى مجلدات قافلة الزيت الرائعة التي كانت تصدرها شركة أرامكو ، وموسوعة المعرفة ، حمراء الغلاف والتي كان يستهويني فيها صور لعملية استئصال الزائدة الدودية ، ومعجم تاج العروس الذي أعجبني اسمه ولكني لم أكن أفهم أين التاج ( في الموضوع ) فأنا لا أرى إلا مجلدات ، لا تيجان ولا عرائس !

لا أذكر أشياء كثيرة عن أبي ، فقد توفي وأنا في العاشرة تقريباً ، ولكني أذكر حبه لثلاث أشياء : الشطرنج ، وتدخين الغليون والقراءة .

أما القراءة ، فهذا شأن الأدباء ، وهو رحمه الله كان مديراً لفرع وزارة الإعلام في الدمام ، وكاتباً في جريدة اليوم ، ولعله كتب أيضاً في البلاد وعكاظ .

وأما الشطرنج فقد كان – غفر الله له – ينصب رقعته أمام فراشه ، ويلعب مع نفسه إن لم يجد رفيقاً مواتياً ، ويدوّن بخطه الأنيق خطوات كل لعبة برموز تبدو لمن لا يعرفها كاللغة الفينيقية.
ولعله رأى عزوف أخواني عن اتخاذ هذه اللعبة هواية كما فعل ، ورأى مني حباً في التقرب إليه والتأسي بما يفعل ابتغاء مرضاته ، فأخذ يعلمني هذه اللغة حتى صرت أتمكن من اللعب ( مع نفسي ) بمساعدة هذه الخطوات .

وأما الغليون فكنت أراقبه وهو يحشوه على مهل ، وقد يقطع ذلك ليقوم بخطوة في لعبة الشطرنج ، ثم يكمل حشوه وقد ارتسمت على وجهه علامات التفكير العميق .

هل أفشي سراً إذا ما قلت أن ( نزعة اللقافة ) تحركت فيّ و حدتني إلى تجريب تدخين الغليون  ؟

انتهزت فرصة غيابه في العمل وانشغال أمي في أمور البيت ، واعتيادهم على جلوسي في غرفته لألعب الشطرنج ، وتناولت الغليون ..

 لكني بمجرد أن وضعته في فمي ، وقبل أن أشعله ، شعرت بقرف شديد من طعم التبغ الذي سرى للساني من مبسم الغليون ، فتركته وعدلت عن فكرتي وأنا أتعجب كيف يدخن الناس ؟

وعندما بلغت التاسعة قررت أن أقرض الشعر ، وأبلغته – رحمه الله – بذلك ، فشجعني ووهبني إحدى دفاتره الفاخرة التي كان يدون فيها خطوات لعبة الشطرنج .

كان دفتراً مستطيلاً ( إلى أعلى ) ، ذا غلاف جلدي فخم .

كتبت فيه بعض قصائد أشبه ما تكون بأناشيد أطفال .

لا أذكرها ، ولم أحتفظ بها للأسف .. ربما رغبة مني في نسيان تلك الحقبة (الي تفشّل).

ولكن هذا  ” البيت ” أذكره جيداً ، ربما لأنه أول بيت من أول قصيدة في الدفتر :

أتمنى أني لا أتمنى           فوق الجبل أحياناً أتثنى

يا سلام !

كتبت عن الدجاجة الحمراء المغرورة والدودة الصغيرة ، وكتبت عن كوكب الشرق أم كلثوم التي يحبها كل من يحب الزبيب، في محاولة خرقاء لإرضاء أبي الذي كان يحتفظ بكل أغانيها في اسطوانات عتيقة ، وربما كتبت أيضاً عن البيتلز وتفاحتهم الخضراء المرسومة على اسطواناتهم ..

 طبعاً لم يكن معروفاً في تلك الفترة حكم الموسيقى ، ولم أكتب تلك القصائد العصماء حباً في الموسيقى ، وإنما كان يهمني أن أكتب عن أي شيء يمكنني رسمه ، واسطوانات أم كلثوم والبيتلز المتوفرة بسخاء كانت من تلك الأمور .

كنت أكتب “القصيدة” وأذيل الصفحة برسمة تعبر عنها ، والمضحك في الأمر أني لم أحب يوماً الشعر ولا الرسم .

فإذا فرغت من قطعتي الفنية أهرع لأبي وأقرؤه إياها ، فيهز رأسه بإعجاب ويشجعني كثيراً ..

أزعم أنه كان يبذل جهداً كبيراً في تشجيعي لأن تلك القصائد بلغت حداً لا يطاق في السذاجة .

وكان دائماً يقول : كويسة ، لكن تحتاج إلى وزن ..

يا حبيبي يا بابا .. أذكر كلامه الآن وأقول : والله كانت تحتاج لنسف لا لوزن .

ولكن في تلك الفترة لم أكن أفهم من كلامه إلا أن آتي بميزان الخضرجي ، العتيق ، ذي الكفتين فأضع دفتري على إحدى كفتيه ولا أعرف ما المفروض أن يكون في الكفة الثانية ، ولكن أبي رحمه الله قال أنه يحتاج لوزن ، وأبي لا يكذب.

أجلس الآن وأفكر في تشجيع والدي لي على الكتابة ..

أكاد أقسم أن كتاباتي كانت سخيفة للغاية ، ولكنه لم يحبطني يوماً من الدهر ، وإنما كان ديدنه التشجيع والتوجيه .. أليس من العجيب أن النفس البشرية تهوى الانتقاد والسخرية وجلد الذات في الغالب ؟

من السهل جداً أن تسخر وتثبّط وتقتل روح الإبداع في قلب ابنك أو زوجك أو صديقك أو من لا تعرف ، فقط إشباعاً لنزعة سادية أو إرضاء لروح السخرية التي تغلي في قلبك  ، أما التشجيع فعسير عسير إلا على من يسره الله له .

كم منا يفكر في ما قد تودي إليه هذه السخرية من نتائج وخيمة قبل أن يصرف كلمته التي قد تكون قاتلة ؟

 شجعني أبي في الشعر ، ولكني لم أستسغه قط ، لا كتابة ولا قراءة .

فاتجهت إلى النثر .. الأسلوب الروائي بالذات .

كنت ماهرة في تحويل مواضيع التعبير المملة إلى قصص مكونة من ثلاث صفحات أو أكثر .. وكان اختبار التعبير هو الاختبار الوحيد الذي أكون فيه آخر من يخرج لانهماكي في صنع أقصوصة لموضوع عن الأمل ، أو الصدق أو الأم .

وحين بلغت سن المراهقة كان البروتوكول يقضي بأن ترتبط مراهقتي بكتابة القصص الرومانسية .

كل المراهقين عندهم رومانسياتٍ ما .. هذه طقوس المراهقين المعروفة ، وأنا لم أبرع في الشعر ، فلا بأس إذاً ببعض من الروايات الرومانسية على غرار روايات عبير ، ولكنها أحشم قليلاً .

أذكر جيداً أني في السادسة عشر عرضت إحدى رواياتي على الأديب عبد الله الجفري رحمه الله تعالى ، والذي كان صديقاً للوالد .

هؤلاء الأدباء يتميزون حقاً بسعة الصدر ، إذ لا أعرف كيف تمكن من قراءة أكثر من سبعين صفحة من الهراءات المستمرة ، والتعليق عليها بخطه ..

مرة أخرى .. التشجيع والثناء مع بعض التوجيهات اللازمة لكتابة أفضل .

وفي الجامعة اشتركت في مسابقة أدبية شملت القصة القصيرة والمقال والشعر ، فحُجب المركز الأول ، وحصلت على المركز الثاني ، وكانت فرحة غامرة ، إذ بدأت أشعر أخيراً بأني ( يجي مني ) .

ثم تركت الكتابة لفترة طويلة ، أو بالأحرى تغيرت النوعية إلى الأبحاث والكتابة الشرعية الجادة ، وحسبت أني قد فقدت الموهبة ، إلا من بعض الخواطر كنت أسطرها في وريقات بين الفينة والأخرى كلما عبثت بقلبي ” ثورة عاطفية ” ( كما كنت أسميها ) من فرح أو حزن أو غضب ..

أخبئها ( الوريقات لا الثورة بالطبع ) في قاع درجي لئلا يطلع عليها أحد .. أخرجها أحياناً ، وأقرؤها ، وأطمئن أني لا زال عندي بقايا من إبداع ، ثم أعيدها بحرص .

فلما أصبت بالسرطان ، كانت هذه الثورة العاطفية الكبرى التي اندلع بعدها سيل الكتابات المكبوتة في السنين الخالية .

ألا ترون أني لهذا أغثكم بتدويناتي الكثيرة ؟ لأني كنت محرومة كتابياً ، والآن قد نشطت من عقال .

وكلما قرأت تدوينة قديمة لي وأُعجبت ببعض التعبيرات أو التراكيب يستنير وجهي وأشعر بالدهشة أني من كتب هذه الكلمات الجميلة ، والتصاوير البديعة .

أكاد أقرأ ما يدور في نفوسكم ..

تقولون أن مادح نفسه كذاب ، أليس كذلك ؟

حسناً ، لا أظن أن هذا أمر مطرد ..

أحياناً يوقن المرء بنجابته في بعض المواطن وبراعته ، فلا أرى بأساً أن يدلل نفسه بثناء عابر يتشجع به ويستمر في العطاء.

صدقوني ، جميل هو الشعور بالإنجاز ، أو الإبداع أو الإحسان والإتقان ..

وجميل أكثر الشعور بجينات أبي الأدبية تجري في عروقي ، فتستخرج من قرائي كلمات الإعجاب والمدح التي تملأ قلبي حبوراً وسعادة.

أبي .. كم تمنيتك لو كنت معي وأنا أشهد ميلاد مستقبلي الأدبي ، تنظر إليّ بفخر ، فأبادل فخرك بفخر .. أني ابنتك أيها العظيم .

اللهم اغفر لأبي لقمان يونس وارحمه وارفع درجته مع المهديين ، آمين .

Read Full Post »

استيقظت لصلاة الفجر ، وشرعت في إيقاظ الأولاد للحاق بالصلاة في المسجد والبنات للمدارس ، وإلى أن يستعدوا للقيام فتحت تويتر لأجد منشناً ورسالة على الخاص تسألني عن خالد ، وهل صحيح ما “سمعوه” ؟

هوى قلبي بين رجلي .. أنا لا أتابع خالداً في تويتر ، فما الذي ” سمعوه ” بالضبط ؟

جريت لحجرة فاطم فوجدتها تجلس على سريرها بذعر تمسك بجوالها وتقرأ .. سألتها عن خالد ، هل قرأت عنه خبراً ؟

أجابتني بالنفي وقالت : لا أعرف .. سألني سهل عنه ، وأرى هناك هشاتاق اسمه #freejst5ald ..

ما هذا الاسم المفجع ؟

وسرعان ما دارت بي الظنون .. هل اعتقل؟ لكني لم أسمع صوتاً في الليل وحجرتي تطل على الباب الخارجي مباشرة .

لِم لم تتصل بي أروى ؟ لِم يعتقل أصلاً ؟

أسرعت بالاتصال بأروى فلم ترد ، ثم بخالد ، فلم يرد .. هل اعتقلا معاً ؟

أفلام هندية انعقدت في مخيلتي على الفور ..

لا زلت تحت تأثير صدمة حمزة كشغري ، والذي تعاطفت مع أمه حتى قبل أن أسمع اتصالها ببرنامج البيان التالي .

فأنا أم ، ولي أبناء يخالفونني في الكثير من الآراء .. وأعلم جيداً كيف هو الشعور الذي يسفر عن التباين الواضح بين تربية الأم الحازمة وتفلت أبناءها من آرائها .

اتصلت بأروى ثانية ، فردت عليّ .

حاولت أن أتلمس في صوتها ذعراً أو خوفاً ، ولكنها كانت تتكلم بهدوء تام .

سألتها عن خالد ، فقالت موجود .. فقط قرر أن يحذف حسابه في تويتر ، وخلد إلى النوم .

كدت أن أسألها : متأكدة أنه موجود ؟ هل هو أمامك ؟

ولكني عدلت عن ذلك لأني اكتشفت أني سأبدو بلهاء لو سألت .

عرفت في  الأخير أنها مزحة من أحد أصدقائه حينما قررخالد إغلاق حسابه لفترة ، فأطلق الهاشتاق مع مزحتين صغيرتين ، لكنها كانت كفيلة بأن تقض مضجعي بسؤال الناس عنه .

نسيت في غمرة ذهولي أن أتابع الأولاد ليذهبوا للصلاة ، وجلست على السرير أحدق في الجدار الذي أمامي ، وذهني فارغ تماماً .

انتبهت متأخرة أن الصلاة قد انتهت وأن الفجر بدأ بالإسفار ، فقمت لأصلي وأعد البنات للمدرسة .

بعد مغادرة من في البيت أمسكت ثانية بالعصفور الأزرق الذي أزعجني تغريده وهز كياني النفسي ، وقرأت التغريدات المكتوبة ، ثم أفرغت بدوري كل ما في جعبتي من زقزقات صارخة وبكيت !

لأول مرة منذ دخولي هذا العالم اُصاب بإحباط عنيف  .

ماذا جنيت من تويتر ؟

قبل يومين يدعو عليّ أحدهم معتبراً إياي مدافِعة عن من انتقص الله تعالى ورسوله ، فقط لأني دعوت له بالهداية ، ولأمه بالربط على قلبها ، واليوم أصطبح بسؤال أثار في نفسي خوفاً ورعباً وبكاء .

ماذا جنيت من تويتر ؟

وسرعان ما انهالت عليّ الردود ..

ردود جميلة ومشجعة بالفعل أرضت الكثير من غروري .

كنت عازمة على إغلاق حسابي في تويتر ..

فلما قرأت هذه التغريدات ، فكرت في أن أعيد نظر في موضوع تويتر بأكمله .. في الحسنات والسيئات ، وبعدها أقرر.

وزادني إصراراً على ذلك تغريدة أخيرة وصلتني تعلن لي إتمامي عامي الأول في تويتر ..

ماذا جنيت من تويتر ؟

حسناً .. أعترف أن هناك بعض السلبيات التي تضايقني ..

هناك ” التميلح ” الذي أراه طاغياً بين النساء والرجال ، وكأنهم أخوة ومحارم .

بعض الناس تعدوا مرحلة النقاش الهادئ المحترم وتجاوزوا الحدود المعقولة في المزاح و “تلقيح الكلام ” حتى صرت أعجب من الأزواج والزوجات .. ألا يغارون ؟

أتراني أضايق أحداً بكلامي هذا ؟

 أدرك أني – كما ذكرت في البايو- مطوعة ، وهذا شأن المطاوعة دائما ً: هدم اللذات وتفريق الجماعات ولكنه يضايقني يا جماعة ولا أستطيع أن أكيّف نفسي لأرضيكم .

شيء آخر ..

بعض الناس يتحسسون من عدم متابعتي لهم أو يؤثر عليهم إلغاء متابعتي خاصة وأن ذلك لا يتم غالباً بعد مشادة ، وإنما سلمياً وحبياً .

فتجدني بين الحين والآخر أضطر إلى إصدار إعلان أبين فيه سبب عدم متابعتي لكل الناس أو إلغاء المتابعة ، وهو أني أجد من الصعوبة بمكان أن أتابع أشخاصاً يخالفوني كثيراً في منهجي وطريقة تفكيري .

عده توحداً ، عده غروراً .. عده تفرداً بالرأي أو أنانية .

ولكني امرأة فقدت – مع تقدمي في السن – أعظم ما يمكن أن يتحلى به الشباب وهو المرونة .

نعم ، لا أريد أن أقرأ مخالفة ساخرة لمنهجي أو للأشخاص الذين  أتبعهم أو أبجلهم ..

من حقي أن أرفض قراءة التغريدات التي تصم بعض مفردات منهجي بالتشدد والانغلاق ..

هذا أو أدأب على مهاجمة المهاجمين ومحاورتهم والرد عليهم ..

ولا أعتقد أن تويتر جُعل من أجل هذا ، فلذا كان إلغاء متابعة البعض ، وعدم متابعة البعض الآخر من الأصل خير الأمور بنظري ، خاصة لو كان هؤلاء من الموغلين والمكثرين في الخوض  وبسخرية .. ولكن بعض الناس حساسون ..

وهذه الحساسية تتعبني ..

في تويتر الكثير من الغيبة وإساءة الظن و( الحش ) وسوء الأخلاق .

في تويتر تصلني الأخبار السيئة التي تتعب قلبي بالفعل .

تصلني بالتفصيل .

أخبار سوريا .. أخبار المعتقلين .. أخبار التيارات الفكرية المناهضة .. أخبار الفساد في البلاد ..

وأظل أنزل كل ما أقرؤه على نفسي وأولادي ..

 ولا تزال الأفلام الهندية تعمل في ذهني ..

وأزداد قهراً وغيظاً .. إذ ليس بإمكاني أن أفعل شيئاً.

ولا تزال نفسيتي تتأثر ، فأنا – كما ذكرت  مراراً – صرت أكثر حساسية بعد السرطان ..

ربما لاقترابي جداً من الموت في فترة من الفترات .. ربما بسبب العلاج الهرموني الذي أتناوله الآن .. ربما أبالغ !

 ما هذا الطائر الأزرق المزعج ؟

عهدي بالعصافير أنها رقيقة ، ولزقزقتها جرس عذب ..

أما تويتر فيكون أحياناً غراباً متنكراً – ببلاهة – بزي عصفور أزرق صغير .

ولعل أكبر المساوئ التي وجدتها لتويتر : سرقة الوقت .

أضحك من نفسي على الأوقات الطويلة التي أمضيها في تويتر ولا يزيد عدد من أتابعهم عن 130 مغرد .

كيف كان الحال لو كنت أتابع 400 مثلاً ؟

فقدت متعة القراءة في الكتب الورقية ذات الرائحة الزكية  بسبب انشغالي في تويتر .

فقدت متعة جلوسي مع عائلتي ، فتجدني أغلب الوقت في حجرتي أبحث عن مصدر من مصادر …. الهواء ؟

لا ، بل مصادر تويتر : آيباد ، آيفون ، لاب توب ..

حتى أني فكرت في تحميل التطبيق في آيبود البنات ، ولكني تراجعت سريعاً بعدما أحسست بغباء الفكرة .

كنت أضطر في أيام الاختبارات إلى الحلف أني لن أمسك تويتر لمدة ساعتين لأتمكن من إنجاز شيء ما ..

يا للهول ! ساعتين !!

هذا إدمان ، لنكن صرحاء ..

وليس دواء للإدمان أفضل من الحزم والصرامة .

ولكن هل هذا كل شيء في تويتر ؟

وعدتكم أن أكون صريحة ..

لا .. هناك خير كثير .. وبرأيي أن الخير يعتمد على المرء : يجلبه لنفسه أو يدفعه .

استفدت من تويتر أن أعرف الشر ..

قد يكون من الشر التعصب لرأي واحد طالما نشأت عليه دون الإصغاء للآراء الأخرى التي قد لا تقل وجاهة وتعقلاً عن رأيي .

تعلمت في تويتر أن أُعمل عقلي وأعترف بالخطأ ..

أعتبر نفسي امرأة عاقلة ، لي من الحكمة التي في اسم عائلتي نصيب .. وعندي بعض العلم الذي اكتسبته من الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله .

قد لا أكون محقة دائماً ، ولكني لن أعدم بعض الحق .

فلأفكر إذن ، ولا أتعصب لرأيي .. المهم أن أفكر ، أن أعمل الأدلة التي طالما درستها .. أن أقلب الأمور في ذهني ، ثم أمضي بما أراه صائباً ، مراقبة الله تعالى في ذلك .

تعلمت في تويتر ضبط النفس ، إذ أن تغريداتي لا تعجب كل الناس بالضرورة ، وهذا حق ، فالناس تتفاوت أذهانهم وآراءهم ، ولا زال الاختلاف من سنن الله في عباده  ، ولكن بعض المتابعين تضيق نفوسهم برأيي المخالف لهم فيسيئون الأدب ويتعدون الحدود ويشعل الشيطان في النفوس نار الجدال والغضب ، فأتذكر ( لا تغضب ) ، فأرد على سفه البعض بتعقل ، فإن استمر في سفهه فإني أعد كلامه السيء لغواً ، أمر عليه قائلة ( سلاماً ) وأترك الجدال وإن كنت محقة .

استفدت من تويتر أجوراً  أرجوها من الله تعالى ، إذ أنه مجال خصب للدعوة والتذكير بالله الجليل بين أناس فيهم الكنوز الهائلة من الخير طمرتها أتربة الغفلة والهوى ..

أذكرهم ، وأذكر نفسي عن طريقهم ، فلا أريد أن أدخل في الوعيد ( كنت تأمر الناس بالمعروف ولا تأتيه ، وتنهاهم عن المنكر وتأتيه ) .

أنشر بينهم حب الله تعالى الذي أراني – حينما مرضت بالسرطان –  منه ما تعجز الألسن عن وصفه من الجمال والجلال والخير .

لا أريد أن يُبتلوا ليشعروا بما شعرت به من نعيم .

استفدت من تويتر حب الناس وجبرهم لخاطري وتشجيعهم لي ..

كاذب من يدعي أنه لا يحب الثناء ، فلو كان المثنى عليه امرأة كان حب ذلك أبلغ !

حقاً إنه شعور موغل في اللذة والسعادة أن تجد من يمدحك ويشعرك بأهميتك ويثني على بعض صفاتك في وسط يحب كثير من أفراده التهجم والانتقاد واللمز .

ثم ترجع وتجدد حمدك لله على هذه النعمة العظيمة .

استفدت من تويتر التسلية الهائلة في الأوقات التي أكاد أن أتشقق فيها من الملل .

في السيارة ، في السفر ، في الأعراس ، في أي مكان غثيث .

هذه الحسنات ، وتلك السيئات ..

ترى أي جانب سيطغى ليؤثر على قراري ؟

Read Full Post »

يقولون أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ، ويقولون : جنة بلا ناس ما تنداس .

ما الذي يمنع من أن أضع بصمتي كذلك في عالم الأقوال ،  فأقول : إذا أردت أن تستمتع بحياتك فأحط نفسك بفرقة تشجيع Cheerleaders .

حينما أُصبت بالسرطان قبل سنتين ، أحاطني الله بمجموعة جميلة من فرق التشجيع ..

كنت أحياناً أعاني من الغثيان ، أو الألم بسبب عقار التاكسوتير ، أو الإحباط حينما أرى رأساً كالبيضة يتوسط كتفي ، أو أنظر إلى وجهي فلا أجد رموشاً ولا حواجب ، أو يقرصني الجوع ويرفض لساني بعناد قبول أي طعم .

لم أكن أترك لنفسي العنان للانسياق في المشاعر السلبية ، فكنت كلما حشرني موقف صعب استعنت بالله وتجلدت له ورميته وراء ظهري فقد كنت موقنة أنه لا ينبغي لي أن أبكي .

ربما لأني شعرت أن البكاء فيه نوع تسخط على قضاء الله عليّ، على الرغم من محاولات صديقاتي المستميتة في إقناعي بأن البكاء لا يتنافى مع الرضا ، ولكن هيهات ، يبدو أن الكيماوي سبب لي بعضاً من الثخانة في قشرة الدماغ الخارجية.

ربما لأني كنت أكره أن تراني أمي أبكي فيألم قلبها لي ، أو تراني شمس فتنزوي في رعب حين ترى الجبل الشامخ يهتز.

ربما لأني أعلم أني لو بكيت فلربما لن أتوقف إلا بعد ساعتين وقد انتفخت أجفاني واحمر وجهي ، وارتفعت درجة حرارتي.

فكنت أفضل تجاهل الأمور ، وتمثيل اللامبالاة وكأن الأمر لا يعنيني ، وكأن غيري أصيبت بالسرطان، وكأن غيري استؤصل ثديها ، وكأن غيري أصيبت بالصلع ، وكأن غيري ابتعدت عن أبنائها لتتلقى العلاج ، وكأن غيري انفصلت عن زوجها.

ولكني رغم كل شيء كنت – ولا زلت – بشراً  يعتريني من لحظات الضعف ما يعتري الآخرين ، فأتخاذل ، إلا أنني بحمد الله كنت دائماً أتخاذل أمام الناس ( الصح ) .

أمام بنات أخواني اللواتي يسكنّ مع أمي في ذات العمارة حيث أقمت لتلقي العلاج . كثيراً ما كنت أسمع ثناءهن على حكمتي ، كثيراً ما أشعرنني بأنني ملكة ، لا تحتاج إلا أن تشير فيخدمها الجميع ، كثيراً ما كن يستشرنني في أمورهن الخاصة ، كثيراً ما كن يدفعنني للحديث عن نفسي لأن النفس تحب ذلك ، كثيراً ما  أوحين إلي بحب الحياة ، فعلمتني إحداهن التصوير ، وأهدتني أخرى دفتراً ملوناً وقلماً جميلاً استعداداً للدراسة  الجامعية ، وأنا التي كدت أن ألغي شراء حقيبة  أوصيت بها قبل معرفتي  بتشخيص المرض لأني لم اشأ أن أضيع أموال ( الورثة ) .

كثيراً ما كنت أتهاوى لثقل ما  أتحمله فأبكي لأجدهن يبكين معي ، حتى إذا ما  أفرغت انفعالاتي المضطرمة  في دقائق وسكتُّ ، سكتن كذلك وغيرن الموضوع في مرح ، وكأنهن لا يحتجن إلا إلى ضغطة زر ليتقمصن المزاج الذي كنت فيه فيوافقنني ، وكانت الصغريات منهن يستمتعن بالمسح على شعري النامي القصير ، ويراقبن بفرح وحماس نموه يوماً بعد يوم .

معهن شعرت أني في عوالم رحبة ، لا أني مريضة سرطان على وشك أن تموت كما يوحي إلينا اسم ( السرطان ) .. شعرت وأنا في تلك الفترة الحرجة بأني أريد أن أعيش لأسعدهن كما أسعدنني .

وفي المدينة كانت هناك فرق تشجيع أخر ترسل الطعام لأولادي بين الحين والآخر ، غداء أو عشاء ، أو مجرد فطائر وكيك، من نادية وعائلتها المباركة ، من لينا ، من لمياء ، وتصلني الأنباء من الأولاد ، ويمتلئ قلبي شكراً لله ثم لهؤلاء الأخوات الرائعات اللاتي ما فتأن يرسلن رسائل مخبأة في ( البريك المديني ) أو ( الرز الكابلي ) أو ( البيتزا ) بأننا هنا فلا تشيلي هم !

وقبل أشهر ألقيت  دورة مكثفة في أحد المعاهد العلمية في فن مصطلح الحديث استمرت شهراً . ولما كنت – بطبعي-لا أستطيع أن أظل جادة جداً لأكثر من ربع ساعة ، فكثيراً ما كنت أخرج عن الموضوع الأصلي لألقي طرفة هنا أو قفشة هناك وكونت الطالبات عني بعض الأفكار .

في يوم كنت ألقي الدرس أمام 24 طالبة وفجأة انتبهت أن في الصف الأيمن جلست ست طالبات متجاورات يرتدين ثياباً بدرجات البنفسجي المختلفة ، فقطعت الدرس وقلت : ” الله ، هذي الناحية لونها جميل” ، وأدرت نظري إلى الجهة الأخرى لأرى نفس المنظر ، وحينما أمعنت النظر وجدت أن 18 من الأربع والعشرين يرتدين اللون البنفسجي والذي علمن بمحض الصدفة ولعي به ( و لا ، لا يترتب على الدراسة أي درجات ، لو تفهمون قصدي ) .

تصايحت الطالبات : ( توك يا أبلة تنتبهي ؟ ) .. نعم لا أتمتع بقوة الملاحظة فلم أنتبه إلى هذا التوافق اللوني إلا  في المحاضرة الثانية بعد الفسحة ، وعلمت باتفاقهن على ارتداء البنفجسي إدخالاً للسرور على نفسي .

لم أتمالك نفسي ودمعت عيناي . هاهنا رسائل حب مغلفة بالبنفسجي أعطتني دفعة أقوى للحياة في الوقت الذي كنت أحاول أن أتكيف مع خروج سهل من البيت ، شكرتهن وأخبرتهن أنهن فرقة من فرق التشجيع التي وهبني الله إياها بعد انتهاء فترة علاجي وابتعادي عن بنات إخواني .

أما الحفل الختامي فكان حكاية أخرى : هدايا بنفسجية وكلمات رقيقة وحب جارف ملأ قلبي حبوراً .

وفي هذه الأيام أقيمت مسابقة في عالم تويتر الأخاذ لأكثر من يُرشح متابعته هذا الأسبوع .

فوجئت بمن يرشحني مع سبع متسابقين آخرين .

لن أكذب وأقول أن الأمر لم يهمني أو أن ترشيحي وعدمه سواء .

بالعكس ، فرحت وتحمست للأمر ومن باب ( البهللة ) قمت بحملات انتخابية ودعائية وكم كانت سعادتي بتلقي كماً هائلاً من التشجيع والحب من أناس لا أعرفهم ولم أقابلهم في حياتي ، وإنما كان هذا العالم الافتراضي هو مكان لقاءاتنا المتكررة .

وسبحان الله ، مرة ثانية تكون فرق التشجيع هذه شاغلاً لذهني عن البلاء الجديد الذي اقترب موعده ( فضلاً مراجعة التدوينة التي تحمل هذا الاسم ) .

أحياناً حينما ( يكبس ) عليّ مود الحزن يهتف صوت عميق في داخلي محاط بموسيقى تصويرية مأساوية ، يقول : هناء، احزري .. بقي عشرة أيام فقط على سفر سهل إلى أمريكا ، ولن تريه إلا بعد سنة .. سنة .. سنة .. سنة ..

الله العالم من سيموت ومن سيعيش في هذه السنة .. سيتركك الابن البار .. سنة .. سنة .. سنة ..

وتدمع عيناي وأبدأ في الاندماج في هذا ( المود) لأسمع صوت ( المنشن ) في الآيباد وأجد رسالة تشجيع جميلة من أحد المتابعين ودعاء بالفوز في هذه المسابقة ، فأكفكف دمع قلبي وأنهمك في حملاتي الانتخابية والتصويت .

واليوم انتهت المسابقة ولم تعلن النتيجة بعد .

إلا أن الحب والتشجيع والكلمات الدافئة التي أحاطني بها المتابعون الأعزاء أضفت سروراً عطراً على حياتي  لم يعد يهمني معه على أي مركز حصلت .

أشعر أني بكل تلك المشاعر الدفاقة قد حصدت أعلى النتائج .

سبحان الله ، كم من الكلمات والتصرفات والهدايا البسيطة التي يمكننا أن نقدمها ولا نلقي لها بالاً يمكنها  أن ترفع أناساً إلى قمة السعادة .

لماذا نعاني من البخل في الألفاظ والمشاعر مع أنها قد تقلب كيانات لأناس كثيرين ، وقد يكونون  بأهمية  بالغة في حياتنا كآباء أو أبناء أو أزواج ، أو مجرد أصدقاء .

العلاقة الطيبة تحتاج إلى وقود يبقيها مضرمة .. الكلمات الرقيقة والمشاعر الصادقة خير وقود لهذه العلاقة .

متابعي الأعزاء .. لا أملك إلا أن أشكركم على دعمكم وتشجيعكم ، أسعدتم قلبي الكهل بالفعل ، ورسمتم البسمات المتتاليات على شفتي ، ووهبتموني بكرم أخلاقكم وجميل خصائلكم سويعات غاية في الإمتاع .

أسأل الله أن يتولاكم برحمته ويرزقكم من فيض خزائنه .

Read Full Post »

قبل خمس سنوات ذهبت إلى ينبع مع عائلتي الكبيرة لقضاء عيد الحج عند أخي .

 كنت وقتها في أيام حملي الأخيرة بابنتي شمس ، ولعل كونها السابعة من أولادي ، وحملي بها تم وأنا في الأربعين ساهما في جعله حملاً متعباً وشاقاً بالفعل . 

اغمقّ لوني ، وانتفخ جسدي كثيراً وكان المشي والجلوس والنوم صعباً ،وكنت أستدر عطف وشفقة كل من كان ينظر إلي.

كنت بلا مبالغة كرة تتدحرج بصعوبة ، إذا جلست لم تقم ، وإذا قامت جلست .

ولكني قضيت في ينبع مع أمي وأخوتي وبناتهم وأولادي أوقاتاً سعيدة للغاية .

حتى كان ليلة عيد الأضحى .. اغتسلت ولسبب ما – لعله أقدار الله – نظفت أذني بعود قطني ، وهي عملية أفعلها بين الحين والآخر .

فوجئت بانسداد أذني اليسرى تماماً .

غريبة ..

لم تنسد أذني طيلة أربعين سنة مضت بهذه الطريقة ، ما الذي جرى الآن ؟

حاولت إخراج ما سد أذني ولكني كأني كنت أزيد في حشر الكتلة الشمعية إلى الداخل أكثر وأكثر .

اشتريت قطرة لإذابة الشمع ، كنت أقطرها في أذني أربع مرات يومياً لعلها تسلّك الطريق ، ولا فائدة .

غالباً لا تجد في مستشفيات جدة أخصائيي أنف وأذن وحنجرة يعملون في العيد ، فكيف بينبع ؟

اضطررت أن أصبر ( الصبر الاضطراري ) حتى ينتهي العيد ويرجع الأطباء لدواماتهم .

كنت في تلك الفترة أعاني معاناة بائسة بهذا الانسداد المزعج .

أحياناً كنت أسمع صوت ابني الذي يتحدث أمامي يأتي من الخلف ، فأستدير فقط لأتأكد أنه ليس هناك .

زاد تعبي ودحرجتي وصرت أكاد أصلي فروضي جالسة ، ولازال أمامي ثلاثة أسابيع تنتظرني حتى يحين موعد ولادتي .

ثم ذاك الصداع .. ذاك الصداع كالمطارق تهوي على رأسي ، وأطرافي التي كان تنمل كثيراً .

ما دخل انسداد الإذن في الصداع والتنميل ؟

انتهى العيد أخيراً ورجعت مع أهلي لأرتاح قليلا ، فأنا جد متعبة ، وذهبت فوراً إلى استشاري الأنف والأذن والحنجرة .

دخلت أتمايل كالبطريق وأنا ألهث بشدة ، وجلست متهالكة على الكرسي الطبي .

نظر إلي الطبيب متفحصاً ، وأكاد أقرأ أفكاره وهو يحدث نفسه : ما هذه البطيخة المتدحرجة ؟

أشار بيده إلى الممرضة لتأخذ الحرارة والضغط ، فمددت إليها يدي متذمرة ..

ومنذ متى يطلب طبيب الأنف والأذن والحنجرة الضغط .. بالله عليك تعال ( لتشفط ) اللؤلؤة الشمعية التي سدت أذني وأخلت بتوازني ( وخلصنا ).

220/160 .

 شعرت بانزعاج من هذا الرقم ..

 ما هذا الضغط المرتفع ؟ ربما لأني مشيت .. ولكن 160؟

سألني الطبيب : هل عندك ضغط ؟

قلت : نعم ، وآخذ له دواء .

قام .. فحصني .. شفط الكرة الشمعية ( و يالها من راحة عظمى ) وفحص ضغطي ثانية ، بنفسه هذه المرة .

لازال الرقم عالياً .

انصرفت من عنده وهو يؤكد علي ّضرورة مراجعة طبيبتي على وجه السرعة ، لأن هذا الضغط مع الحمل لا يبشر بخير .

أختصر لكم المسافات ، وأخبركم أن الطبيبة حين علمت بهذا الضغط أصرت عليّ بالإسراع في الولادة ، فدخلت المستشفى وتلقيت ( الطلق الصناعي ) ولكني لم ألد .

طال الوقت ، وداهم طيبيتي القلق .

رأيتها من بين أجفاني المخدرة تنادي زوجي وتحدثه بشيء ما .

فكرت بذهني الضبابي : لابد أن هناك خطأ ما .

مرت دقائق ثم جاءتني الطبيبة ورفعت الكمامة عن أنفي ليصفو ذهني بعض الشيء وأخبرتني بأن هناك مشكلة .

الرحم لم يستجب للطلق الصناعي ، والضغط لا يزال في ارتفاع ، وثمة احتمال لإصابتي بمتلازمة HELLP الخطيرة ، والتي يمكن تلخيصها بأنها متلازمة تتسبب من وجود مرحلة ما قبل تسمم الحمل وتتميز بارتفاع ضغط الدم وارتفاع إنزيمات الكبد وانخفاض الصفائح الدموية ، وقد تؤدي إلى حدوث التشنجات والغيبوبة والنزيف ومن ثم … الموت !

الحل الوحيد : إخراج الطفل ..

الرحم لا يستجيب ، فكان لابد من إجراء عملية قيصرية لم أقرأ عنها شيئاً في فترة حملي ، لأني كما أخبرتكم من قبل : هذا يحدث للآخرين فقط .

ماذا ؟ لم أخبركم ؟ هممم . يبدو أن الأمر التبس علي وذكرت لكم شيئاً مما كتبته في كتابي .

لا بأس .. اعتبروها فقرة إعلانية عن كتابي ، وبعض ( النحنسة ) التي أحب أن أداعب بها متابعيّ في تويتر وانستغرام بين الحين والآخر .

أومأت لطبيبتي وقلت لها بصوت واهن : توكلي على الله .

وعلى الفور أجريت العملية وأشرقت شمسي على الحياة .

طيب يا هناء .. ماذا نستفيد من قصصك الطويلة التي تقارب الخمس صفحات ؟

الفكرة هي : كم من الأمور تحدث للمرء مما لا تعجبه ، فيظل متسخطاً ، جزوعاً ، بائساً ، لا يكاد يرى شيئاً من مباهج الحياة لأن هذا الأمر أو ذاك أصابه . وتمر الأيام فيرى نعمة الله الكبيرة من حدوث ذلك الأمر ، فيحمده ( إن كان مستحضراً لها كنعمة ) أو يمضي فارغ الرأس يحسب أن اكتشافه هذا صدفة ، وما درى أن هذا فضل الله .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن العبد ليهمّ بالأمر من الأمارة والتجارة ، حتى إذا لم يكن بينه وبينه إلا ذراع نظر الله تعالى إليه فقال : اصرفوا عبدي عنه ، فإني إن مكنته منه أدخلته النار ، فيصرفه الله عنه ، فيظل العبد يتطير ويقول : سبقني فلان ، دهاني فلان ! وما هو إلا رحمة الله .

تعلمت من إصابتي بالسرطان أن أقدار الله كلها خير .

ألم يكن انسداد أذني خيراً لي لأضطر لمراجعة الطبيب فيكتشف ارتفاع ضغطي ويطلب مني استشارة طبيبتي التي تأمر بعملية قيصرية فورية وإلا تعرضت للموت ؟

كيف كنت سأعرف عن ضغطي أي شيء وأنا أتمتع بعادة سيئة للغاية في عدم زيارتي للأطباء إلا حين يستفحل الأمر .

واستفحال الأمر في مثل وضعي هو بدء الطلق .

ألم تسمع من قبل عمن تأخر عن رحلته ففاتته ، فعاد مبتئساً ليعلم فيما بعد بسقوط الطائرة ؟

ألم تنو من قبل أن تبيع ذهباً فائضاً عندك لارتفاع سعر الذهب ، ولكن لم يتسن لك ، فأحسست بالغبن والخسارة ، فقط لتجده بانتظارك حين تحتاجه فعلاً بعد عدة أشهر .

ألم يحدث أن وجدت بيتاً اعتبرته ( لُقطة ) تريد أن تنتقل إليه ، فحال بينك وبين ذلك أمر فحزنت ولعلك تسخطت أو قلت في حق الله ما لا ينبغي ، لتجد بعد ذلك بيتاً أفضل وأرخص وأحسن جيراناً ؟

ألم يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من أصابته مصيبة فاسترجع وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها ، فإن الله تعالى يعوضه خيراً .

هل علّمت نفسك أن تسترجع كلما أصابك ما لا تحب ، وتقنع نفسك أن أقدار الله كلها خير لئلا ترديك في حفر التسخط والأحزان ، ثم بعد ذلك قضاء الله نافذ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ؟

هل علمت نفسك : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ؟ فإن أصابك ما تكره أرجعت ذلك لحكمة لا تعلمها واطمئننت لحكمة الله ؟

إذا لم تعلم نفسك ذلك ، فأرجوك .. افعل ذلك الآن .

Read Full Post »

Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: