Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘نعم الله’

تحدثت في التدوينة الماضية عن صور شتى للهروب .

واليوم أود ممارسة هذا الهروب فعلياً .

الموضوع وما فيه ، أني بدأت في قراءة مذكرة أصول الفقه ، ومنهجنا في هذا الفصل عن المنطق .

قاتل الله المسرحيات .

كلما ذكرت كلمة المنطق أتذكر هذا الحوار في إحدى المسرحيات التي كان التلفزيون السعودي يتحفنا بها في كل عيد :

المعلمة : تعرف إيه عن المنطق ؟

الطالب الخائب : أعرف أن الواحد لما يضرب واحد على دماغه يوأع ما يحطش منطق !!

من الفصل الماضي وأنا ألحظ أن المناطقة صعبوا علينا الأمور جداً في أصول الفقه والعقيدة ، اللذين – لو لم يدس المناطقة فيهما أنوفهم العريضة لاستقامت كتبهما لنا –

أشبه المنطق بمنهج الرياضات المطورة في هذه السنة : فين إذنك يا جحا ، ومن عنده في البيت طالب يدرس هذه الرياضيات فسيدرك ما أرمي إليه .

من ساعتين تقريباً وأنا ( أقرأ ) مذكرة أصول الفقه وأرسم تفريعات وأشجاراً للتقسيمات .

تقسيمات تقسيمات ، ذكرتني بالحديث الموضوع : من قال كذا وكذا خلق الله من كل كذا مئة ألف طائر ، لكل طائر مئة ألف لسان ، كل لسان يقول بمئة ألف لغة ، وهكذا ..

كلما قلبت الصفحات وجدت المزيد من التقسيمات ، وضاقت الورقة بهذه التشجيرات ، وضاق صدري كذلك .

آااااه ، إني أختنق ..

أحتاج لتنفس بعض الهواء النقي .

أحتاج للهروب لبعض الوقت من هذا المنهج الغثيث .

أين المفر ؟

وهنا تدوي اللمبة الوهمية فوق الرأس : إلى المدونة .

أبثكم أشجاني وأستقي بعضاً من الراحة النفسية في الكتابة .

أحياناً ، أشتهي الإجازة وأنتظرها بفارغ الصبر لكثرة المشاريع التي أقمتها في خيالي وأريد إقامتها على أرض الواقع.

فإذا جاءت الإجازة ، مرت الأيام بجنون وانقلب النظام الليلي والنهاري في بيتنا حتى أعود فأتمنى رجوع الدراسة لتنتظم الأوقات .

الآن ، أنا في المزاج الأول .

أنظر إلى طاولتي الصغيرة بجانب سريري فأرى كتباً مكدسة ، بعضها ينتظر دوره في القراءة ، وبعضها ينتظر  أن أنهيه .

والله لا وقت لدي .

كل يوم أمسك أحد كتبي بشغف ، وأقلب صفحاته وأهمس بحب : سأنهيك قريباً إن شاء الله ، صدقني..

أعتقد أني بدأت هذه الممارسة منذ بداية الفصل الماضي ، يعني من 8 أشهر تقريباً .

المشكلة أني أبدأ أحياناً في قراءة كتاب جديد ولما أُنهِ ما قبله بعد .

سؤال عارض  من تأثير ماذة النحو : ما إعراب ( أُنهِ ) هنا ؟

لو فتحت صفحتي في موقع Good Reads لوجدت أن عندي 10 كتب يجري قراءتها الآن .

عشرة كتب ؟

الصراحة أنها أكثر ، ولكني استحيت أن أسجل الأشياء الجديدة التي بدأت في قراءتها خشية أن يتفلسف علي الموقع ويقول : ( خلصي الّي عندك أول ) !!

عندي مثلاً كتاب اشتريته مؤخراً من أمازون ( الموقع طبعاً وليس النهر ) واسمه  123Magic، وهو كتاب جيد ومثير في تربية الأطفال بين 2-12 سنة .

حتى الآن قرأت ثلث الكتاب ، ولكن أشغالي الكثيرة تحول بيني وبين إتمامه ، وصدقوني أني متشوقة لمعرفة نهايته لسببين : لأتبع  الأنظمة التربوية الجدية التي ذكرها المؤلف مع لطيفة وشمس ، ولأضع مقتطفات منه في المدونة علها تفيد أحداً .

في انتظاري أيضاً كتاب ” طفولة قلب ” للدكتور سلمان العودة ، قرأت ثلثه كذلك .

كتاب زاخر بالأسلوب الأدبي الرفيع المعروف عن الدكتور .

أسلوب يشبه قراءته تناول لوح من شوكولاتة الجالكسي الذائبة بالبندق .

هناك كتاب : ” عشت سعيداً ، من الدراجة إلى الطائرة ” للكاتب عبد الله السعدون ، وهو سيرة ذاتية كذلك .

أحب السير الذاتية .

على الأقل هي تحكي قصص ناس واقعيين مثلي ومثلك .

ناس باستطاعتك أن تقلدهم لو أعجبوك ..

مروا بظروف ومواقف ، قرأت كلامهم ورأيت تصرفاتهم واستفدت منهم ، وليست وليدة خيال مؤلف واسع الخيال ، وقد يكون ضيق الأفق فيضيق عليك حياتك .

بانتظاري أيضاً أحد كتب سلسلة Chicken Soup المعروفة ، وهو بعنوان Think Positive.

كتاب ماتع فعلاً ( توني أربط بين ممتع وماتع وأرجو أن يكون استعمالي لماتع صحيح هنا )  ومليء بالتفكير الإيجابي الذي تحتاجه مريضة السرطان خاصة ، والناس بشكل عام .

أنا أعتبر حسن الظن بالله من أقوى صور الإيجابية .

إنها محاولة دؤوبة لتغيير التفكير والنظرة للأمور المختلفة إلى هيئات إيجابية .

ألم أقل من قبل أن السبب في عدم تحقق الكثير من الأمور هو سوء الظن ؟

عندما يفكر المرء أنه لن ينجح لأنه لم  يذاكر جيداً بسبب انشغاله مع والدته ، أو لن يدرك الوظيفة الفلانية لأنه فضل مساعدة والده ، أو لن يصير غنياً لأنه مشغول بقضاء حوائج الناس ولا يعمل بشكل كاف  ، فعندها لن يتحقق ذلك فعلاً .

لماذا ؟ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي : ” أنا عند ظن ( وليس حسن ظن ) عبدي بي ، فليظن بي ما شاء ” .

وهذا الشخص أساء الظن ولم يحسنه ، فكان الله عند ظنه به .

بما أن هذه التدوينة هروباً ، فلعلي أختم بذكر آخر إحسان ظني بالله .

كنت أبني فيلا في الخيال ..

ألا يستخدمون تعبير ( بناء قصور في الخيال ؟) حسناً ، أنا لست طماعة ، تكفيني الفيلا .

حلمت ( في يقظتي ) أني استلمت ( لا أعرف من أين ، ولا دخل لي بذلك فهذا من تدبير الله تعالى ) مليوني ريال ،  اشتريت بأحدهما المبنى الذي أسكن فيه حالياً ، وبالآخر رممت وجددت وغيرت .

هل كان حلماً ؟

نعم .. هو حلم يقظة ، ولكنه من النوع القابل للتحقيق وليس مخالفاً للسنن الكونية ..

من أين سآتي بمليوني ريال ؟

لا أعرف ..

قالت فاطم : ربما ستشتري هولي وود كتابك وتحوله إلى فيلم .

ضحكت كثيراً ، وقلت : ما شاء الله ، ستشتريه هولي وود بعد أن تسلم .. كتابي مليء بالإيمانيات وإحسان الظن بالله .

لست مسؤولة من أين سآتي بالمليونين ، ولكني أعلم أن الله سميع قريب مجيب .

وأكثر من ذلك ، أعلم أنها لن تكون مليونين  فقط ، فإني سألت الكريم ولا يكتفي الكريم أبداً بإعطاء مقدار ما سئل  وحسب.

أختم ( هذه المرة حقيقة ، فقد جاوزت الأربع صفحات ) بهذه القصة الغريبة التي تعلمكم فعلاً لماذا أحسن الظن بالله لهذه الدرجة ..

قبل أسبوع تقريباً سألت خالداً عن نسخة كتابي التي فيها الفسح الإعلامي وترقيم مكتبة الملك فهد ، والذي استصدره من بضعة أشهر .

قال لي بثقة : أعطيتك إياه .

استرجعت فوراً ، فهو لم يعطني شيئاً لأنه رجع من الرياض إلى جدة عن طريق الطائف ولم يمر بالمدينة ، فعلمت أنه ضاع .

اتصلت على أمي وطلبت منها أن تبحث في بيتها ، واتصلت على كل من قد يكون له صلة بالأمر ، لكنهم نفوا رؤيته أو وجوده عندهم .

عدت للمذاكرة ، إلا أن خيالي كان يسبح بعيداً في محاولة يائسة للبحث عن الكتاب ، أسترجع الذكريات لعلي أجد في تفاصيلها ما يدلني على كتابي الحبيب .

أمضيت نصف ساعة عجزت فيها عن التركيز ، والوقت يمضي وعندي أطنان من المذاكرة .

عندها دعوت الله بصدق : رب أسألك أنت لا غيرك أن تأتي لي بكتابي .كيف ؟ لا أعلم فأنت ربي ومدبر أمري .. توكلت عليك وحدك وفوضت أمري إليك وحدك .

ثم رميت الأمر خلف ظهري وعدت للمذاكرة ونسيت الموضوع .

عشر دقائق فقط ، وتجيئني فاطم  في حجرتي وتسألني : ماذا تعطين من يجد كتابك ؟

أصدقكم القول أني لوهلة شعرت بالخوف الشديد .

أحول أن أفسر سر خوفي ولكني أعجز ..

هل هو خشوع  ، هل هو رهبة من الموقف ، هل هو خوف حقيقة ؟

أخبرتني فاطم أنه قبل عشر دقائق طلب خالد من أروى أن تبحث له عن الهارديسك ، فبحثت ولم تجد ثم تذكرت حقيبة اللاب توب القديمة المغبرة ، فبحثت فيها فوجدت الكتاب !

يا الله . اقشعر جلدي ..

لماذا طلب الهادريسك في هذه اللحظة بالذات ؟

ما الذي دفعها للبحث عنه في هذه الحقيبة القديمة المغبرة ، في حين يكون فرصة وجوده فيها أقرب ما يكون ل2% ؟

كم نضيّع على أنفسنا بسوء ظننا بالله .

لماذا يكون حسن الظن بالله علينا عسير ؟ هل جربنا عليه مساءة أو جوراً أو سوء تعامل ؟

أنا بالنسبة لي لم أر منه إلا كل جميل ، حتى في مرضي ..

نعم ابتلاني ، ولكنه أنزل من أنوار الألطاف والرحمات ما أعشى عين البلاء ، فما عدت أرى إلا هذا اللطف وتلك النعم ..

أفتراني يجمل بي أن أسيء الظن به ؟

لازلتم تضحكون من المليونين كيف ستأتيني ؟

اضحكوا ، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله .

لكن لا يأتيني عندها أحد منكم يطلب مني أن أدعو له .

والآن ، وبعد أن ضربت رقماً قياسياً في الثرثرة اليوم ، لابد لي من العودة إلى الواقع المرير .

إلى أحضان المنطق والفلسفة ( اللغوية) .

إلى أقسام المفرد و المركب ، ما تعدد معناه وما اتحد معناه ، التقييدي منه وغير التقييدي ، ما كان قاطعاً وما كان ممكناً ، والمتواطئ والمشترك والمنقول ( ويتلاشى الصوت شيئاً فشيئاً ) .

Read Full Post »

أوووف ..

 هنا بعض الغبار ..

متى تقابلنا آخر مرة ؟

أعرف أعرف . ليلة الثالث والعشرين وفي تدوينة معادة ..

سأفترض متغابية أنكم اشتقتم لتدويناتي ( لأني اشتقت لتعليقاتكم بصراحة ) .

وأهنئكم بالعيد متأخرة ، ولكن أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل مطلقاً .

والآن ، ماذا عساي أن أتكلم عنه ؟

هل أفضفض قليلاً ؟

هل أكتب مذكراتي وما مر معي ؟

هل أكتب بعض الحكم والخواطر ؟

ليتكم تساعدوني (مرة واحدة في حياتكم فقط ) وتخبروني كيف تحبون أن تكون تدويناتي .

هل تفضلونها كمذكرات يومية أحياناً ؟

هل يزعجكم إذا ما قلبتها دروساً وعظية بعض المرات ؟

اكتبوا لي تعليقاتكم – لو كنتم تهتمون بقراءة تدويناتي – هنا أو في تويتر أو في الفيسبوك ، أو عن طريق الإيميل ، وربما الواتس أب وأخبروني عن تفضيلاتكم .

وحتى ذلك الحين فعليكم أن تقنعوا بما أكتب .

البارحة كان موعدي في مستشفى الحرس الوطني للفحص الدوري .

ليست هذه المرة الأولى التي أذهب فيها للفحص الدوري بعد انتهاء العلاجات ، ولكني لا أعرف لم كانت المشاعر طاغية هذه المرة .

انتقلت مشياً بداخل المستشفى من قسم الأورام إلى قسم مختبر القلب لإجراء بعض الفحوصات .

كنت أمشي متمهلة على غير عادتي في المشي السريع .

ربما كنت أسترجع بعض الذكريات القديمة ؟

أمر بالمقاهي الصغيرة المنتشرة التي تفوح منها رائحة القهوة والكراسون فيداعب الغثيان مؤخرة حلقي مبتسماً ويقول : فاكرة ؟

هنا غرف الكيماوي ، وهنا قسم العلاج الإشعاعي .

أما هذا القسم فقسم الأشعات : المقطعية ، والمسح النووي ،والماموجرام .. يالها من أسماء فخمة مهيبة ..

أمشي في الردهات الطويلة إلى مختبر القلب ، وأرى أفواج الأطباء والموظفين يتبادلون التهاني .

أمر بالعيادات الخارجية حيث كانت مراجعاتي للطبيب الجراح ..

يا الله .. هنا كنت أغير ضمادات جرحي بعد العملية .

أتذكر كيف كنت أقف متهالكة في غرفة الانتظار ذات المقاعد المحدودة ، ما بين تعب الكيماوي وضعف العملية أنتظر أن ترحمني إحدى الجالسات فتتنازل لي عن مقعدها أو تفسح لي مكاناً جانبها .

لم تداعت علي الذكريات بهذه الطريقة ؟

لا أعرف في الحقيقة .

لكن الغريب أني شعرت بحنين لتلك الأيام .

أبحث جاهدة في عقلي عن تفسير فلا أكاد أجد .

حنين ؟ أيكون حنيناً حقيقة ؟

من يحن للكيماوي وآلام التاكسوتير وغثيان ac ؟

من يحن للحزن الدفين الملبس بسكر المرح واللا مبالاة عند تساقط الشعر كاملاً مرتين واستئصال الثدي لأبدو بأعجب منظر يمكن أن أرى نفسي فيه !

من يحن للتعري المزعج الذي كنت أعانيه يومياً في جلسات العلاج الإشعاعي لمدة 25 يوماً ؟

من يحن لتغيير الروتين المقلق ( التغيير هو المقلق لا الروتين ) : ترك الأولاد لأسابيع طويلة في المدينة، والسفر المستمر ، والابتعاد عن بيتي : عن سريري وحمامي وكنبتي الأثيرة وبرامجي التليفزيونية المفضلة؟

لماذا أفترض أن يكون هذا الشعور حنيناً ؟

لماذا لا يكون شعوراً بالانعتاق والتخلص والفرح ؟

حسناً حسناً .

 أخبرتكم منذ البداية أني لا أعرف كنه هذا الشعور .

قد يكون فيه بعض ما ذكرت ولكن قد يكون حنيناً فعلاً ..

ليس إلى التعب والنصب ولكن إلى المشاعر القلبية التي انتابتني .

كنت أجلس في غرف الانتظار وأفكر : كم من حكايا وقصص وصور ودموع شهدتها غرف الانتظار ؟

كم من العَبرات تسكب ، ومن العِبر تحصّل هناك .. وبين هذا وذاك تشهد نعم الله الجليلة عليك ، لو أفلحت أن تنظر بعين الرضا .

هذه امرأة انتفخت ذراعها بشكل ملحوظ جداً ومؤلم بعد إجراء عملية الاستئصال ، ولا حل لذلك للأسف ، على الأقل هنا في السعودية  ، إلا الصبر ..

وتلك امرأة كبيرة في السن عاودها السرطان في نفس المكان بعد الاستئصال مرتين ، وهاهي عودة إلى الكيماوي والإشعاعي من جديد .

وأخرة فتاة صغيرة لم تجاوز العشرين أصابها السرطان وتعافت ثم عاد .. تتمدد بضعف على المقاعد متوسدة فخذ أمها ، وبنظرة واحدة إلى وجهها الخالي من الرموش والحواجب أعرف أنها تلقت العلاج الكيماوي ، وأتأوه بألم فقط لذكراه .

وأقلب عيناي لأجد أطفالاً في التاسعة والخامسة ، بل ودون السنتين قد عريت رؤوسهم عن الشعر بسبب العلاج الكيماوي يجلسون بوهن إلى جوار أمهاتهم فأحمد الله أني من أصابها السرطان وليس أحداً من أولادي .

كنت أشعر بفرح خفي أن الله اختارني ليلقي إليّ بهذا البلاء واعتبرته حظاً سعيداً .

أعلم أن منكم من سيرفع حاجبه ويرخي زاوية فمه اليمنى ويحرك رأسه ويفكر : هيا !! إيش هذا الاستعراض ؟

وأعذركم ..
وربما لو قرأت لشخص غيري ما أكتبه الآن لفعلت ذات الشيء .

ولكنه – والله – ليس استعراضاً ، وإنما هو دعوة معي للتأمل .

كيف أشعر بفرح ، وهو على ما يبدو من ظاهره ليس أمراً مفرحاً ألبتة ؟

ولكني لا أجد لذلك تفسيراً إلا أن يكون لطف الله ..

منذ أن أصبت بالمرض ورأيت في نفسي قوة لتقبله في ذات الوقت الذي شهدت فيه بعيني رأسي جزع من حولي
من أهلي وصديقاتي لإصابتي ، بل كنت أواسيهم وأصبرهم في مصابي ، علمت يقيناً أن الله تعالى ما ينزل من بلاء إلا وينزل معه لطفاً يساوي ذلك البلاء أو يفوقه ..

 ألم يقل تعالى ” إن مع العسر يسراً ، إن مع العسر يسراً ” ؟

 فهذا عسر السرطان غلبه في قلبي يسر ألطاف الله وشهود نعمه الوافرة وحب أهلي وصديقاتي الغامر .

من يقول أن السرطان دائماً تجربة سيئة ؟

حين يمكنني الله تعالى من ملاحظة نعم صغيرة متنكرة في حياتي اليومية ، ويوفقني لشكرها بلساني ، ثم يغمر قلبي حب الله ورضاي عنه ، ويلهج لساني بالثناء عليه وحمده هل تسمى هذه تجربة سيئة ؟

أرجو أن لا يفكر أحد ” يا الله ، كم هي شجاعة ومؤمنة وصابرة “..

لست كذلك (بشطارتي ) ، ولكنها رحمة الله التي وفقني لها ، وكم حُرمها كثير !

لا أدعي أني سأفرح لو قدر الله لي أن أصاب بالسرطان ثانية ، ولكن لو استمرت نعمة الله علي ولم يحرمنيها بسوء فعالي فلن أموت كمداً ..

فمن ابتلاني جدير بأن يساعدني في بلواي خاصة لو استشعرت أني أدعوه في اليوم والليلة سبع عشرة مرة: ” إياك نعبد وإياك نستعين ” .

نداء إلى كل مصاب ، وكل منا مصاب بشكل أو بآخر :

تبن معي عقيدتي بأن البلاء ينزل محفوفاً باللطف .

صدقني هو موجود .. ولكن يحتاج أن تنقب عنه قليلاً ، كالكنز ذي الخريطة  المخبأ في باطن الأرض ،  حتى إذا ما وضعت يدك على طرفه فسترى عون الله في تحصيل البقية .

ابحث عن الخريطة أولاً ، ثم ابحث عن الكنز !!

Read Full Post »

تلقت آسفة خبر كونها عقيماً لن تنجب !

ينظر بأسى إلى قدمه المبتورة ويبتلع غصصاً وغصصاً محاولاً إظهار التجلد !

أقف أمام المرآة مكشوفة الجذع وأنظر إلى موضع الثدي المستأصل وأهز رأسي بمرارة !

تنتفض في مكانها وهي تقسم أنها سمعت صوت ابنها يلقي السلام .. ابنها الذي مات في حادث سيارة قبل أسبوع !

كم من الأمور المؤسفة مرت عليك أو على بعض ممن تعرف ؟

أمور من النوع الذي تستطيع أن تعبر عنه فعلاً بقولك : إنه خسارة .

هي أمور لا تستطيع أن تسترجعها إذا ما فقدتها .

هي أمور لا تعود .

بعد مرور سنة ونصف من استئصال ثديي للسرطان الذي أصابه ، لا زلت أتضايق من رؤية (شكلي).

هذا المكان المبتور يعطيني انطباعاً بالعَوَر !

سنة ونصف مرت ، تغلبت فيها بفضل الله على فكرة إصابتي بالسرطان .

واجهت ضغوطاً كثيرة من نفسي تطالب نفسي أن ترضخ لفكرة المرض ، وتسلم ، وتتقبل .

جربت أنواعاً مختلفة من التركيز ومحاولة التعايش فوفقني الله إلى ذلك .

إلا هذا الشكل ..

حتى الآن لم أستطع تقبله بأريحية .

لا زال هذا الشكل يضايقني ..

طيب والحل ؟

أحاول أن أرمي ضيقي وراء ظهري ، وهي عادة جديدة اكتسبتها بعد إصابتي بالمرض ( ولابد أن هناك كومة من القمائم تختبئ وراء ظهري ) ثم أركز قليلاً وأخاطب نفسي .

ولم سميت “دنيا” إذا ؟

ألم تسم “دنيا” لتدني منزلتها عند الله تعالى ، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما أكرم كافراً منها بشربة ماء .

اصبري يا هناء اصبري .. فهناك أشياء حلُّها في الجنة ..

عندما علمت بخبر عقم إحدى معارفي ،كأنما طعنت في قلبي .

لا أقوله اعتراضاً ، وأستغفر الله إن فُهم ذلك مني ، ولكني تخيلت موقفها .

هذه امرأة حُرمت الذرية للأبد .

ستخرج من هذه الحياة دون أن تحظى بشعور الأمومة الممتع .

وأخرى تخطت سن الزواج ولم تحظ بمتعة السكن والمودة الزوجية ، وثالثة فقدت ابنها أو ابنتها للأبد ، ورابع بتر عضو منه ، وخامس سقط الركن الذي كان يستند إليه لسنين طويلة : زوج أو زوجة.

وقس على ذلك كثيراً .

طيب ، ما العمل ؟

أقول : العمل عمل ربنا .

علينا أن نتسم ببعض الحنكة والحصافة لنعيش .

ليست الحياة متعة واحدة إذا فاتت فاتت عليك  الحياة .

إنما الحياة مزيج متناغم من المتع ، يكمل بعضها بعضاً ، فإذا فقدت بعضها فليس من الحكمة أبداً أن تنتهي حياتك في هذه النقطة .

اخرج وابحث عن متع أخرى تجبر ما فاتك.

وصدقني ، ستجد الكثير الكثير .

بعد تشخيص السرطان واستئصال ثديي كان يصيبني بعض الإحباط والكآبة أحياناً .

وكان ذلك شيء مزعج ، إذ عند تلك الأحايين أشعر بفقدان الرغبة في الحياة .

رأس صلعاء ، وثدي مبتور ، أستغفر الله ، ما هذا الشكل ؟

كان عليّ أن أعوض نفسي .. أن أجد أشياء أخرى تثير البهجة في نفسي لئلا تتحطم معنوياتي .

فتحت عيناي ، وأدهشتني الكمية الكبيرة من المتع التي بإمكاني – لو أردت – أن أصيب منها فتمتلئ حياتي ألواناً .

اكتشفت أن المشكلة ليست في البلاء ، وإنما في ولع المرء في امتلاك ما لا يملك .

نحسد الطيور على قدرتها على الطيران ، والأسماك على حياتها في الماء في حين نعاني من لهيب الصيف.

ذو العيال يغبط أخاه خالي الوفاض , وخالي الوفاض يتمنى بيتاً بصخب الطفولة مزدحم .

المبتعث يتمنى الرجوع إلى بلاده ( غالباً ) ، والقاعد يكاد يحسد المبتعث على حظه السعيد في الابتعاث، الخ …

هذه دعوة مني لإهداء نفسك السلام والطمأنينة بأن تعيش حياتك بما فيها من متع ودعك من ضيق الأفق .

وتذكر أن الطاهي الماهر هو من يفلح في أن يصنع مما عنده من المكونات طبقاً متميزاً .

Read Full Post »

لو طلبت منكم أن تذكروا لي ثلاثة أسباب للقشعريرة ، فماذا ستكون إجاباتكم ؟

الأول : الشعور بالبرد.

الثاني : ارتفاع درجة الحرارة .

الثالث : صوت احتكاك الظفر بالسبورة !

حسن .. سأذكر أنا لكم الآن عدة أسباب أخرى تسبب لي القشعريرة وما يسميه الغربيون : جلد الأوزة goosebumps !

هناك مثلاً القصص العجيبة التي أسمعها في تعويض الله المتصدقين .

هل تتخيل أن يؤدي شخص ما صدقة قد يكون أخرجها من نفيس ماله ( الذي قل واحتاج إليه ) ويعطيها لشخص لا يعرفه ليفك عنه كربة أو يفرج عنه هماً .. فلا يلبث أن يرزقه الله أضعاف ما قدم؟

أليس حدوث مثل هذا الأمر يعزز في نفسك وجود الله تعالى وعلمه وإحاطته بمخلوقيه ، وكرمه وجوده فلا يقبل أن يكون أحداً أكرم منه .

من معارفي امرأة تصدقت كثيراً في شبابها.. كثيراً جداً بالنسبة لمالها الأصلي .

ثم أنها طُلقت حينما أسنّت ، وبدأت تشعر بالحاجة إلى أهلها وإلى الناس ، عندها أراها الله تعالى أنه لا ينسى المعروف ، ورأت بعينيها مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبَّلها بيمينه، ثم يربِّيها لصاحبها كما يربِّي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى تكون مثل الجبل ) رواه البخاري ، فصارت تُرزق من حيث لا تحتسب فعلاً ، وما زادها ذاك إلا صدقة ، شكراً لله على رزقه وامتناناً لجوده.

من الأسباب التي تبعث على القشعريرة في نفسي رؤية المصلين في الحرم المكي وهم يؤدون صلاة التراويح .

كنت قد كتبت في الفيس بوك قبل أيام : ( أنظر إلى صلاة العشاء في المسجد الحرام ، المسجد يغص بالمصلين حتى السطح ، قرابة المليونين مصلي يتحركون معاً : يركعون معاً ، ويسجدون معاً في تناغم وامتثال عجيب ، وأفكر : مليونين يؤدون نفس الحركة بأمر رجل واحد .. حتى أمريكا لا تستطيع أن تجند أشخاصاً يفعلون هذا الفعل بهذه الدقة إلا بتدريبات شاقة ، في حين يمكن لأي طفل عندنا في السادسة أن يمتثل.. إنه لدين لو كان له رجال !! )

وبقدر القشعريرة التي تنتابني لرؤية هذا المشهد المهيب ، ينتابني الألم لرؤية تخاذل أبناء هذا الدين عن نصرته . وحين أقول نصرته ، فإني أعني بذلك إقامة حدوده والاعتزاز بتكاليفه وأدائها على خير وجه ، لا محاولة تمييع أحكامه والتملص من أوامره وتهوين شأنه في نفوس المسلمين تحت مظلة (الدين يسر) أو (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) … الخ .

تنتابني القشعريرة كذلك حين يستجيب الله دعائي .

حينما أحتاج ( ودائماً أنا لله محتاجة ) فإني أختلي بنفسي ، وأغلق الأنوار لئلا يلهيني رؤية ما في الحجرة، ثم أغمض عيني زيادة في التركيز ، وأبدأ بالثناء على الله تعالى .

تعجبني كلمة : أهل الثناء والمجد .. نعم .. ربي أهل الثناء والمجد .

أسبحه ، وأثني عليه ، وأبدأ في سرد نعمه عليّ وحمدها .. تلك  النعم الصغيرة التي لا نفكر فيها كثيراً .

أذكر لكم بعضها ؟

هناك نعمة الذهاب إلى الحمام .

هل تستهين بهذه النعمة ؟

من يعاني من الإمساك  المزمن، أو كان يتلقى العلاج الكيماوي الذي يسبب الإمساك ، يعرف كم هي عظيمة هذه النعمة .

ليس خروج الفضلات هو النعمة الوحيدة في هذا الأمر .

ولكن من النعم أن تكون لك القدرة على أن تمشي بنفسك ، لا تنتظر مساعدة إلى الحمام وقتما احتجت ، وتغلق عليك الباب وتقضي حاجتك دون أن يسمع منك أحد أو يشم ما تكره .

كم مرة تمارس هذه النعم يومياً .. هل تحمد الله عليها بالذات ؟

حينما تعد لنفسك طعاماً هل تحمد الله على مجموعة النعم التي تركبت منها هذه النعمة العظمى ؟

أنك تجد طعاماً طيباً تأكله ، كما أنك تتلذذ بمذاقه ، ثم أنت تملك ترف الاختيار بين أنواع شتى من المأكولات والحلويات ، في حين حُرم هذه النعم أجمعين أهل الصومال الآن . هل فكرت في نعمة أنك لا تعد طعامك  في زمن أسماء ؟ ( فضلا مراجعة التدوينة السابقة )

هل فكرت أنك تجد طعم البيتزا بيتزا وليس شراب ابنتك القديم ؟ ( فضلا مراجعة التدوينة التي تحمل هذا الاسم )

كم مرة تمارس هذه النعم يومياً ، هل تحمد الله عليها بالذات ؟

أستطيع أن أسرد لك مئات من النعم المركبة : نعمة شرب الماء النظيف البارد ، نعمة الملابس الجديدة ، نعمة التعليم ، نعمة الوالدين ، نعمة الإخوان والأخوات ..

أجلس في الظلام ، وأثني على الله بكل المحامد التي تخطر ببالي ، وأحمده على نعمه تلك نعمة نعمة ، حتى إذا أخذت النفس حظها من الاسترواح بذكر جمال الله ومحامده وامتلأ القلب حباً للباري أذكر حاجتي وأعلم يقيناً أن الله تعالى الذي صفاته ما ذكرت وما علمت سيجيب دعائي ..

فإذا ما استجاب الله فهذه قشعريرة أخرى .. أن الله موجود ، سميع ، حكيم ، عليم ، لطيف ودود ..

قشعريرة أنه كان ربي ، ولم يكن ربي بقرة أو ناراً حارقة ، أو صنماً أجوف .

تأخذني القشعريرةكذلك حينما أقرأ في القرآن ( وكان ذهني حاضراً ) آيات البطش بالظالمين ، ثم أنظر حولي فأرى التاريخ يعيد نفسه ( ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) .

أستحضر في ذهني مئات بل آلاف الصرخات للمستضعفين يجأرون إلى الله خالقهم أن ينجيهم ، ونداءات تلو النداءات أن رب ” إني مغلوب فانتصر” !

والظالم يزداد عتواً وتكبراً ويتعرض لوعيد الله بسوء أدبه .. ويحه ، ” أفبعذابنا يستعجلون “؟

ويمهله الله حتى يميز الخبيث من الطيب ، ” فاصبر ، إن العاقبة للمتقين ” .

ولا يزال الظالم يسيء الأدب حتى يستحق أن يأخذه الله ” فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين ” .

هنا تنتابني القشعريرة ، حين أعلم أن الله جبار السماوت والأرض ، يقصم من ينازع الله كبرياءه وعزه ، ويرفع من صبر واتقى فتكون له العاقبة الحسنة .

أخبروني أنتم .. ما الذي يجعل جلودكم  كجلد الأوزة ؟

Read Full Post »

منذ أن كتبت التدوينة السابقة ، لا زال قلبي مبحراً في آلاء الله .

وزاد شعوري بالامتنان لله واهب النعم مشاهدة حلقة من برنامج آلاء والذي يعرض في عدة قنوات محافظة .

صرت أبحث بعقلي وعيني عن مظاهر نعم الله على عباده .

وأود في تدوينة اليوم أن أشارككم بعض النتائج .

قد تكون الفكرة مكررة ، ولكن ( معليش )  .

اصبروا عليّ واعتبروها مجاملة عابرة من تلك المجاملات التي تقدمونها لي بين الحين والآخر عندما أفرض عليكم قراءة ذكريات امرأة عجوز أو أحداثها اليومية .

دخلت المطبخ قبل قليل للبدء بإعداد طعام الفطور .

هنا هالني كمية النعم الموجودة في المطبخ .

أتعلمون كم من الوقت والجهد اختُزل بهذا التطور الحضاري الذي أصابنا ؟

هذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تقول : ” تَزَوّجَني الزّبَير وما لـه في الأرضِ مِنْ مالٍ ولا مَمْلوكٍ ولا شيءٍ غيرَ ناضحٍ وغير فَرَسِهِ ، فكنتُ أعلِفُ فرسَه ، وأستقي الماء ، وأخرِزُ غَربَهُ وأعجِن ، ولم أكن أُحسِنُ أخبز ! وكان يَخبزُ جاراتٌ لي من الأنصار ، وكـنّ نِسـوَةَ صـِدق ، وكنتُ أنقل النّوَى من أرض الزّبير التي أقطَعَهُ رسولُ صلى الله عليه وسلم على رأسي ، وهي مِنِّي على ثُلثَي فَرسَخ … “

كلما قرأت أثر أسماء أضيع يدي على رأسي لهول فعلها وأتخيل نفسي مكانها في حر المدينة الشديد التي من صبر على لأوائها وجهدها كان النبي صلى الله عليه وسلم له شفيعاً وشاهداً يوم القيامة .

اليوم جلست أفكر في طريقة إعداد مائدة الإفطار والتي ستتكون اليوم من شوربة الحب ، والسمبوسك باللحم المفروم ودوارق الماء البارد وعصير الفيمتو والتانج  فقط.

فكرت أني لو كنت أعيش في زمن أسماء رضي الله عنها فلا بد من  الاستيقاظ من الفجر أو قبله بقليل لأعد هذه المائدة البسيطة ، فضلاً عن الأصناف الأخرى والسحور .

دعونا نلعب هذه اللعبة ونتخيل كيف سنصنع لو كنا في ذاك الزمان وأردنا إعداد هذه المائدة .

أولاً لابد أن نذهب للبئر للحصول على الماء ..

الله يعلم أين تقع البئر .. لا أظنك ستجد بئراً في حديقة كل بيت .

كم دلواً سنحتاج ؟

نحتاج ماء للشوربة ولعجين السمبوسك والفيمتو والتانج ..وللماء نفسه .

أوه ، نسيت أني يجب أن أغسل المكونات .. هذا ماء إضافي .

والآن عليّ أن أذهب إلى الحظيرة ، أجمع بعض البيض لأضعه بعد سلقه في حشوة السمبوسك ، ثم أمر على الأغنام ، أنتقي خروفاً حسناً فأذبحه ..

يا إله الكون ، ذبحه وسلخه وتقطيعه وتوزيعه سيستغرق النهار بأكمله ..

لا تنسوا أني لا أملك ثلاجة في هذا العصر ، والخادم ستكون مشغولة بتوصيل قطع اللحم إلى جيراننا.

والآن أضع اللحم بعد غسله في القدر لينضج ، ولابد أن أعجن مبكراً ليرتاح قليلاً قبل فرده .

أخرج مرة أخرى إلى الجرين ( المخزن ) لأستخرج منه حبات القمح التي حصدها أولادي قبل فترة ..

أضعه في الرحى ( الطاحونة ) وأطحنها ..

يا إلهي ، هذا أمر متعب ..

أوتش .. أنظر إلى يدي فأجدهما شديدتا الإحمرار وبعض الندوب هنا وهناك من هذه الرحى الثقيلة .

أخيراً صار عندي بعض الدقيق ، أصب عليه شيئاً من الماء في الدلو وأعجن عجيني، وأتركه ليرتاح في (الطست) .

أنظر إلى الشمس ، انتصف النهار وأنا في عمل مستمر .

أين بناتي الكسلانات ؟ أين تلك الخادم المراوغة ؟

تركنني جميعاً لأعمل وحدي في إعداد هذه السفرة المتواضعة .

عليّ ملء هذه الجرار الفخارية ووضعها عند النافذة لتبرد قليلاً قبل تناولها عند أذان المغرب .

أووووف . هذا الدلو ثقيل .

لا أعلم كيف تحمل الحمار المسكين وزنه طيلة هذه المسافة من البئر ( التي لا أعلم حتى الآن موقعها ) إلى بيتي .

هذه الجرة للماء ، وهذه للتانج والثالثة للفيمتو .

وهنا أستميحكم عذراً على تجاوز هذه النقطة وأرجو أن لا يسألني أحد من أين حصلت على الفيمتو والتانج في ذلك الزمان ، ولكن لابد لقصتي من بعض الحبكة غير المنطقية ، فقط لتكونوا في الصورة .

أووووووه ، نسيت أن أفرم اللحم .

أتطلع إلى الشمس بقلق فقد بدأت بالاصفرار ، ولم يتبق للمغرب إلا ساعتين ونصف فقط .

منذ أن استيقظت فجراً لم أتوقف عن العمل إلا لأداء الصلاة .

حلقي يكاد يتشقق ، وقواي بدأت تخور .

لا ، لست هنا مريضة بالسرطان لحسن الحظ .. يكفيني هذا العمل .

وضعت اللحم في هاون معدني كبير وصرت أضرب به قطع اللحم ، وهنا تقافز حولي صغاري يطالبون بحصتهم في هذه اللعبة ، كلٌ يريد أن يضرب قليلاً .

أعطيتهم ذلك لأتمكن من فعل شيء آخر ..

خرجت إلى الحقل .. يا ربي .. الحر شديد ..

قطفت بعض أعواد البقدونس وأتيت ببعض حبات البصل وقفلت راجعة مسرعة قبل أن تناديني جارتي المرفهة التي تعيش في أزمنتكم  لتتحدث معي ، وقد أنهت من إعداد مائدتها من العصر، وهاهي الآن تقرأ القرآن وتنتظر فقط قلي السمبوسك ..

رجعت وأعددت البقدونس وسلقت البيض بحمد الله ، ولما انتهيت وجدت أن صغاري أنهوا عملهم بنجاح …. تقريباً ..

لولا نصف اللحم المتناثر من الهاون لكان عملهم متقناً .

أعددت الحشوة وناديت على الخادم لتساعدني في إعداد السمبوسك .

فرد العجينة متعب ، وأهل المدينة معروفون بعجينة البف ، ولازالت قواي تضعف بعد كل هذا الجهد الشاق .

صرخت بصوت واهن على صغاري الذين فضلوا البقاء في أزمنتهم وقطع الوقت بلعب الكمبيوتر بدلاً من ركوب الأحصنة الخشبية واللعب بعرائس العهن ، وطلبت منهم إعداد المائدة .

أخشى ألا أكمل التدوينة لشدة ما أصابني من وهن .

يبدو أن عليّ الرضوخ للواقع  وأعود لزمني ..

فالوقت أدركني ولا زال أمامي خرف التمر من النخلة ، وجلب الحطب لاستخدامه في القلي فقد استنفذ سلق اللحم ما عندي من حطب .

أوووه ، هناك إعداد الشوربة نفسها وكنت قد تمنيت لو بقي لي متسع من الوقت لإعداد بعض اللقيمات .

ولكن الوقت .. الوقت  ..

إضافة إلى أن جهدي لباقي اليوم قد استنفذ ولا أعرف كيف سأقرأ وردي ، أو أصلي التراويح ..

حسناً حسناً .سأعود مضطرة (وفرحة) إلى زماني في الخامسة عصراً .

أفتح مكيف المطبخ سريعاً ، أضع الحب على الشوربة وأدعها تغلي على الموقد الكهربائي ، وأضع دوارق الماء والعصيرات في الفريزر الكبير .

أسخن الزيت وابدأ بقلي السمبوسك ، وفي أثناء ذلك تقوم الخادم سعيدة ( هذا ليس اسمها ، وإنما هو “حال” من الخادم ) بغسل الأطباق بالماء النظيف النازل من الحنفية ، أرادته حاراً أو بارداً حصلت عليه كما أرادته .

وهكذا أنهيت إعداد مائدتي المتواضعة في يوم كامل .

أوف ..  تعبت من مجرد السرد، فكيف بالعمل الفعلي ؟

طبعا تعلمون هوايتي في ( التنكيد ) ، وأني لا أحب إضاعة فرصة الوعظ كلما سنحت .

الآن قس كل ما يمكنك قياسه من هذه النعم على يومي الرمضاني المتعب في زمان أسماء رضي الله عنها .

كم من الوقت أمكنك اختصاره بالتمتع بكل هذه النعم التي وهبك الله ؟

لا أريد أن أكرر النعم ، ولكني أريدك أن تفتح باباً واسعاً لخيالك وتفكر .

والآن …

ماذا فعلت في هذا الوقت الزائد ؟

ماذا فعلت في هذا الجهد الفائض ؟

هل أمضيته في طاعة أو أضعته في كلام فارغ لا يأتي عليك بنفع ، أو الأسوأ من ذلك : في معصية تحارب فيها الله ، الكريم الذي وهبك كل شيء ؟

هل تقاصرت همتك عن ختم جزء من القرآن ، أو عن أن يلهج لسانك بتسبيح الله بعض مئات المرات ( وللمعلومية فكل مئة تسبيحة تستغرق 3 دقائق فقط ) .

هل ألغيت قيام نصف التراويح لأنها متعبة  وتستغرق وقتاً طويلاً ، ثم هي سنة بعد كل شيء وليست فرضاً؟

تعتقد أن أسئلتي صعبة ؟

ماذا لو سألتك عن حفظ القرآن ، أو طلب العلم ، أو خدمة الفقراء في بيوتهم ، وغيرها من الأعمال الكبيرة فعلاً ؟

هل تشعر أنك مكبل عن الذكر والطاعة ؟

لا بأس لا بأس ..

لا أريد إحراجك ..

أنا فقط أسأل نفسي المقصرة عن طريقك .

عذراً !

لابد لي من القيام لإعداد الشوربة والسمبوسك ، بالطريقة الحديثة هذه المرة ، فلم أقرأ القرآن اليوم بعد .

Read Full Post »

لا زال رمضان مقترناً في ذهني بالمسرات ..

فعلا كالضيف الحبيب الذي ( يتغلى ) ..

يطبق حقاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : زر غباً تزدد حباً .

بدأ رمضان البارحة .
البارحة بالذات كان يوماً مغبراً في مدينة جدة .

تنظر إلى الأجواء عبر النافذة في حجرتك المكيفة فلا ترى للشمس سطوعاً ، فيخيل لك أن الجو مغيماً.

القلوب تتأهب لاستقبال رمضان ..

الشوارع مليئة بمن يشتري ( مقاضي رمضان ) في آخر لحظة .

وفي فمي طعم غريب ..

تذكرت مثل هذا الوقت في العام الماضي .

حين كنت أتلقى العلاج في جدة، بعيدة عن أولادي .

لم يزل جسدي يئن تحت آثار التاكسوتير المزعج ، لا شعر ، لا رموش ولا حواجب .. فقط ظهر محدودب قصمه الوهن والوحدة ، وملامح متعبة منهكة ، وقلب ينبض رضا بالله وعن الله ..

كان لساني يجد طعوماً مضحكة لأشياء أستطيع أن أقسم أن طعمها لم يكن كذلك في يوم من الأيام.

ودعوني أؤكد لكم أن الطعوم كانت سيئة !

حركتي بطيئة ، ومشيي مثقل مهموم ، ولا عجب ..

فمهما كنت أتمتع بنفسية متفائلة إلا أني لابد أن أضعف أحياناً بين الحين والآخر .

لا تنسوا أني كنت مصابة بالسرطان .

أرجوكم لا تطالبوني بأن أكون المرأة الحديدية .

حتى الحديد يضعف مع كثرة الطرق أحياناً .

كنت أنظر إلى نفسي في المرآة وأتحسس رأسي الذي يبدو كالبيضة  .

فيه شعر خفيف جداً  ، أخف من زغب الطير .

أكاد لا أرى حواجبي ، وربما أقلت أجفاني ستاً أو سبعاً من الشعيرات .

أتحسس وجهي وأتنهد .

لم أبدو وكأني في السبعين ؟

والله لا أبكي يومياً ، بل ولا أسبوعياً ، فلم هذه الملامح ؟

هل يغير الكيماوي الملامح ؟

أمشي وتلتقط عيناي صورتي في المرآة ، فأرى جسداً محنياً يمشي مشية ( بطريقية ) ، ويصيبني الذعر ..

لكني لست في السبعين ..

أنا في الخامسة والأربعين فقط  ، ولياقتي لا بأس بها ..

أقصد ، لياقتي (كانت ) لا بأس بها .

فلم هذا الوهن والضعف ؟

وفي مؤخرة عقلي أسمع صوتاً مرحاً يقول : مرحباً بك في نادي السرطانيات نياهاهاهاهاهاها .

فأهز رأسي وأقول : يا لك من خفيف الظل !

حين دخل شهر رمضان في العام الماضي لا أعرف كيف استطعت أن أصوم.

بل لعل الصيام كان أسهل علي بسبب قلة شهيتي لتناول الطعام .

لم يكن لشوربة الحب التي تعدها أمي ذات المذاق اللذيذ ، ولا للسمبوسك ( البف ) الشهير .

أما العصيرات فحدث ولا حرج .

هذا عصير فيمتو ؟ لابد أنك تمزح .. هذا دواء ( الكحة ) !

هل هذه بيتزا ، أم شراب ابنتي القديم  ! ( وراجع إن شئت التدوينة التي تحمل هذا الاسم )

كان الصيف شديد الوطأة  في تلك السنة  ، وجسمي يتصبب عرقاً في حر جدة الرطب .

العلاج الهرموني يسبب الكثير من اختلال الهرمونات وأعراض كأعراض انقطاع الطمث .

كنب أمي الجلدي يزيد الأمر صعوبة .

كنت أجلس أمام المكيف فتصرخ رجلاي ألماً .

أغطي رجليّ بغطاء سميك فقط لأبدو كجدة عجوز :

نظارة ، ملامح متعبة ، ظهر محدودب ، طاقةخائرة وغطاء على الرجلين ..

ينقصني كرسي هزاز حتماً .

يا الله  ..

متى تنقضي هذه الأيام ؟

متى أستعيد عافيتي لأستمتع بالمشي السريع دون حاجة إلى الاعتماد على ظهر الكنبة أو طرف الطاولة؟

لأستمتع بالبيتزا والتبولة وماء الزمزم ؟

لأستمتع برؤية ملامح واضحة لوجهي دون الحاجة إلى تحديدها بالقلم : هنا حاجب وهذه رموش  .

لأستمتع بالمشي بلا بندانا في هذا الجو القائظ تزيد من ارتفاع حرارتي.

ولمن يسأل : نعم ، لم أكن لأخرج حاسرة الرأس أبداً .

لم أرد أن يصاب الناظر إليّ بصدمة وهو يرى رأس بيضية ( نسبة إلى البيض ) لامرأة !

قلت من قبل أن الناس يألفون رؤية رجل أصلع ، ولكن امرأة صلعاء ….. لا أعدكم بذلك كثيراً .

متى أستعيد عافيتي لأستعيد حياتي ؟

والآن ..

 وبعد سنة كاملة ..

أنظر إلى الوراء وأبتسم .

ها أنا اليوم أقضي أول رمضان مع أمي في جدة وأولادي كلهم .

حسناً .. كلهم تقريباً فخالد لا يزال في المدينة .

أمسح على شعري المصفف بعناية وقد صار يبدو كشعر امرأة أخيراً .

أستمتع بجو المكيف دون أن تعترض علي رجليّ .

ويسيل لعابي كلما اقترب وقت المغرب فلساني في شوق إلى الأكلات الرمضانية التي حُرم منها العام الماضي .

أفكر مبتهجة أني بحمد الله لم أسخط ولا ثانية واحدة على قضاء الله علي بالسرطان .

كنت دائماً راضية عنه ، لأني اعتبرتها فرصة لتكفير جبال سيئاتي .

كنت دائماً أفكر أنه منّ عليّ بهذا المرض ليرفع درجاتي عنده وأحمد الله  أنه كان بلاء محتملاً .

متعباً جداً نعم .. ولكنه يظل محتملاً .

كنت أدعو الله فأبدأ بالثناء عليه ( لأدخل في جو الدعاء ) فيقودني الثناء إلى التفكر بالنعم الهائلة التي وجدت نفسي محاطة بها لسنين ، والآن ، مع السرطان فقط انتبهت .

لِم يحتاج الإنسان أن يُبتلى ليعرف عظمة ربه وسعة رحمته وعظيم كرمه ؟

(ناس ما تقيش إلا بالشخيط ؟)

الآن ، وقد عافى الله جسدي من المرض ( مبدئياً ) وعرفني نعمه وألطافه ، وغدت تلك الأيام ذكريات ..

أحمد الله أنهاذكريات حسنة ، رأى مني الله صبراً ورضاً ، بل وشكراً .. أجلس لأكتب لكم وقد امتلأ قلبي بهجة ..

 أبتسم وأقول : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله .

Read Full Post »

عندي قناعة شبه أكيدة أن التدوينات التي تكتب عن الأطفال هي من أجملها على الإطلاق ، على الأقل في نفس كاتبها .

أولئك مخلوقات طاهرة بريئة (مهما بلغ خبث أحدهم ومكره ) ، ماهرة في انتزاع البسمات والضحكات من قلوب (الطبيعيين ) من الناس .

تذكرون تدوينتي بعنوان : ” حكاية ما قبل النوم ، بطولة شمس !” ؟

كانت هذه من أنجح التدوينات التي نالت استحسان القراء الأعزاء .

الأطفال نعمة من الله .

وأحدد الأطفال ممن لم يتجاوزوا السادسة من  العمر ..

فإذا كبروا  فإنهم قد يتحولون تدريجياً ( بقصد أو بدون قصد ) إلى أدوات تعذيب لآبائهم .

أما قبل ذلك فذاك عالم باهر من الروعة والبهاء .

كلما أردت استجلاب شيء من السعادة أتذكر شيئاً من أولادي حينما كانوا صغاراً ..

أحاول أن أتذكر ما لا يستدر دمعي في الحقيقة، فأنا بعد سفر سهل زادت شهيتي نحو البكاء !

كم أتوق للأيام التي كنت فيها ( كل ) عالمهم  .

يكفي الرضيع فيهم أن يغرق في عينيّ فيشعر أنه في الجنة ذاتها .

وصغيرهم كان يعتقد أني أعلم من في الأرض .

لمساتهم حنان دفاق .

ونظراتهم وله وعشق .

حسن .. أحاول أن لا أخرج عن الخط المعتدل إلى خط الحزن والدراما بهذه التدوينة .. يكفي تدوينة سهل أليس كذلك؟

في الواقع أشعر أني بتدوينة ” رحلة إلى عالم النسيان ” قد قدمت جرعات مأساوية تكفي لعدةأشهر قادمة .

لكن ما أثار هذا الموضوع قبل قليل أن شمساً كانت تمشط شعري..

قررت أن تلعب دور مصففة الشعر ( أبلة ميرفت ) فأخذت تمشط شعري وتفرقه يمنة ويسرة ، ثم تنظر إلي وتقول :

 يا ناااااس ..

وتكرر العمل ، وتغير ( التسريحة ) وفي كل مرة تختم ذلك بأن تنظر إلى وجهي وتقول : يا نااااس .

اقتربت لطيفة منا بفضول ، وظلت تنظر إلى ما تفعله شمس ، ثم أعطتها بعض التوجيهات لتخرج منها بنتيجة مفادها أني أشبه ( دانة ) .

قالت شمس : ( ايوة صح ، زي دانة ) !

ثم سكتت برهة وقالت : مين دانة ؟

ضحكت عالياً .. ولبثت أفكر .. كم من الجمال يراه الأطفال في أمهاتهم وآبائهم .

كم من الحب يغمرون أهليهم به بكل أريحية  ، في لمساتهم ، في كلماتهم ، في نظراتهم ..

حينما سقط شعر رأسي بعد الجرعة الأولى من العلاج الكيماوي كان شكلي غريباً بالتأكيد .

مهما حاول مَن حولي إقناعي بأن شكلي ( عادي ) إلا أن لي عينين في رأسي أبصر بهما شكلي وأستطيع التفريق جيداً بين ما كان يبدو ( عادياً ) وما لم يكن كذلك .

أتخيل وجود رجل أصلع .. فهذا عادي فعلاً بسبب العمرة والحج .

أما امرأة صلعاء ، فهي غريبة بغرابة لفظ الكلمة : ( امرأة صلعاء ) !

كانت شمسي رفيقتي في فترة المرض والعلاج ..

وكانت تحب دائماً أن تحتضن رأسي من خلفي وتمسح عليه بيديها معاً .

لم تكن تخاف من شكلي ولاتنفر منه ..

بل كان يستهويها جداً أن تضم رأسي إلى صدرها وتقبله ..

كنت أشعر أن هذه الحركة نعمة من الله ، تعيد إلى قلبي بعضا ً من الحياة .

حينما كان عبد الله في الابتدائية كان يستلم مكافأة التحفيظ ويلفها بورقة كتب فيها رسالة حب وشكر على ( تعبي في تربيتهم ) ويضعها بجانب سريري .

وحين كان الثلاثة الكبار صغاراً كانوا يحبون أن يفاجئوني بترتيب البيت ترتيباً متقناً نظيفاً ، أو يأتي أحدهم ليلعب بشعري وهي حركة نسميها ( حَبّو ) فتسترخي أعصابي .

الأطفال تظل أعينهم على آبائهم ، يرصدون حركاتهم وأقوالهم ويتعلمون منهم .

قبل الاختبارات كنت في جدة لمدة أسبوع بسبب موعدي مع طبيب الأورام .

خرجت في إحدى الليالي ورجعت متأخرة ولما تنم شمسي بعد .

وضعتها في فراشي وأنا متيقنة أنها ستنام خلال خمس دقائق ، ولكنها تأخرت عن ذلك كثيراً .

أصابني الملل وأدركت أني طالما كنت معها في الحجرة فلن تنام ، لذا أخبرتها أني سأذهب إلى دورة المياه كي أتوضأ وأغسل أسناني ، وأن عليها ألا تقوم من فراشها حتى أعود .

خرجت وكلي أمل أن تنام خلال هذه الفترة ..

وبعد خمس دقائق مررت بالحجرة فسمعتها تغني فقررت أن أتأخر عن الدخول إليها قليلاً ريثما تنام .

وذهبت إلى الصالة وفتحت كمبيوتري لأتفقد أحوال المنتدى .

وجدت مواضيع تحتاج إلى رد فاستغرقت في الكتابة لأفاجأ بعد قليل بصوت من ورائي يقول : الكذب حرام !

كاد قلبي يتوقف ..

ففي هدأة الليل ، والسكون المزعج خرجت شمس من الحجرة لما انتبهت إلى تأخري عنها ، ومشت بخطوات صغيرة رقيقة على الأرض المكسوة بالبساط في بيت أمي لتكتشفني جالسة أطقطق على الكمبيوتر وأنا التي وعدتها أن أرجع إليها بعد انتهائي من طقوس ما قبل النوم .

اقشعر جلدي ، وبردت أطرافي ، وأكاد أجزم أن الأدرينالين قارب على أن ( يخبط ) السقف برأسه .

التفت إليها سريعاً ، وقبل أن أتكلم ، دخلت بهدوء وهي تنظر إلي نظرة جانبية ، وقد ارتسمت الجدية الصارمة على وجهها ، وكررت بصوت حازم : الكذب حرام ..

هنا تداعت إلى ذعني كل مقاطع الرعب التي شاهدتها حين كنت أمثل ( الكوالة ) في مراهقتي .

لوهلة خاطفة تخيلت أني سأسمع صوتاً عميقاً يخرج من جوفها ليقول : الكذب حرام .

أنتم لم تروا النظرة ..

ولم تسمعوا النبرة  ..

كانت خطيرة بالفعل ..

وللمعلومية .. شمسي ممثلة بارعة ، وتتقن جداً تمثيل هذه النظرات لتشعرك بالذنب أو الخوف أو الاحتقار ، أو ما شاءته وكان مناسباً للظرف .

كانت ترتدي قميص نوم طويل ، وظلام البيت من خلفها ، فبدت بالفعل وكأنها خارجة من أحد أفلام الرعب التقليدية.

انتبهت من فزعي وقلت : بسم الله ، فجعتيني ..

فقالت وقد لانت نظرتها بعض الشيء : الكذب حرام .. ما قلتي حترجعي ؟ كيف قاعدة ع الكمبيوتر ؟

قمت إليها وأمسكت يدها الصغيرة وقدتها إلى الحجرة وعقلي يفكر : أوه الحمد لله . تتكلم بطريقة عادية .. لم تخرج إذن من أفلام الرعب .

شرحت لها أني قصدت فعلاً الرجوع إليها بعد انتهائي من الوضوء ، ولكني أتيت إلى الصالة لأرى شيئاً سريعاً فانتهى بي المقام إلى التطويل ، وأخبرتها أن : أمي لا تكذب ..

أعترف أني اخطأت نواعترف أني لم أقصد خداعها ، وإنما كان قصدي ألا أتواجد معها لتتمكن من النوم سريعاً .

وأعترف أنها منذ ذلك اليوم صارت تفسر كل ما لا يحدث (حرفياً ) مما أخبرها به أنه كذب ، ولو كان في الحقيقة سوء فهم أو خطأ غير مقصود . وصارت تكرر لي : الكذب حرام يا أمي.

ماكان موضوع هذه التدوينة بالضبط ؟

لا أعرف .. لا شيئ محدد هناك .

فقط أحببت ان أشارككم خواطري بشأن هؤلاء الأحبة ..

لا أعني بها شمس فقط .. وإنما شموس حياتي أجمعين .

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »

%d مدونون معجبون بهذه: